موضوعات إسلامية - متفرقة : 065 - الدعاء مخ العبادة

2005-10-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

علاقة آيات الدعاء بآيات الصيام :

 أيها الأخوة الكرام، لعل أحدكم يسأل: ما علاقة آيات الدعاء بآيات الصيام؟ بل إن آية الدعاء جاءت في خلال آيات الصيام، الله عز وجل يقول:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 183-185]

 الشاهد:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 186]

 
أيها الأخوة، استنبط بعض العلماء من آية الدعاء بين آيات الصيام أن من أكبر ثمرات الصيام أن يكون المؤمن الصائم القائم مستجاب الدعوة.
 ولكن هذه الآية تبين أن للدعاء شروطاً، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾

[ سورة البقرة: 176 ]

 أقرب إليك من حبل الوريد.
 أقرب شيء لهذه الآلة التي تعمل بالكهرباء الكهرباء، هل هناك شيء أقرب إلى الآلة من الطاقة التي تشغلها؟ من معاني هذه الآية أن الله:

﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾

[ سورة الأنفال: 24 ]

 خواطرك لا تخفى على الله، لذلك سيدنا زكريا:

﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾

[ سورة مريم : 3]

 مرةً كنت في سفر في الساحل، وجدت مسجدًا جميلاً وأنيقًا، فصليت فيه، فدعاني رجل في المسجد إلى غرفته، ثم تبين لي أن هذا الرجل هو الذي بنى هذا المسجد، وحدثني عن قصة بناء هذا المسجد، أقسم بالله العظيم أنه أنهى خدمته الإلزامية، وليس في جيبه قرش واحد، أعطته أخته سواراً ذهبياً، باعه، واشترى به بطاقة إلى الخليج، وهو في الطائرة لم يحرك شفتيه، إلا أنه نوى في قلبه أن الله إذا أكرمه هناك فسينشئ مسجداً في بانياس، بلده، لفت نظري أنه لم ينطق، لم يحرك شفتيه، خاطر جاءه، فاستجاب الله له وأكرمه، وعاد بعد سنوات عديدة، وأنشأ هذا المسجد. إذاً:

﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً ﴾

[ سورة مريم : 3]

 بإمكانك أن تدعو الله وأنت صامت، دون أن تحرك شفتيك، هو أقرب إليك من حبل الوريد.

﴿يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾

[ سورة الأنفال: 24 ]

 لا تخفى عليه خافية، علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.

معية الله معيتان عامة و خاصة :

 أيها الأخوة، بالمناسبة أنت لا يمكن أن تدعو جهة لست مؤمناً بوجودها، مستحيل أن تخاطب جهة غير موجودة، تتهم عندئذٍ بالجنون، لذلك الدعاء لا يمكن أن يكون إلا إذا أيقنت أن الله موجود، وأنه قريب منك يسمعك، وأنه قادر على تلبية دعائك، وأنه يحبك، موجود، ويعلم، وقادر، ويرحم، هذه شروط الدعاء، لو فكرت ملياً لوجدت أنك لن تطرق باب إنسان إلا إذا أيقنت أنه يستقبلك، ثم يصغي إليك، ثم هو مليء مالياً، ثم هو يحبك.
 لذلك الدعاء هو العبادة، الصلاة دعاء، والحج دعاء، والصيام دعاء، والزكاة دعاء، أنت حينما تؤمن أن الله معك، ومن أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه.

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

 قال العلماء في تفسير هذه الآية: هو معكم بعلمه، ولكن هذه المعية العامة، أما المعية الخاصة فهو مع المؤمنين، مع الصادقين، مع المتقين، مع المتطهرين، مع التائبين، هذه معية خاصة، وتعني أنه يوفقك، ويحفظك، وينصرك، ويرعاك، ويستجيب لك، هذه معية خاصة:

﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ﴾

[ سورة المائدة: 12 ]

 المعية العامة غير مشروطة، الله مع الكافر، مع الملحد، مع الفاسق، مع العاصي، معهم بعلمه، أما المعية الخاصة فمشروطة، أنت حينما تؤمن فالله معك بالتأييد وبالنصر، وبالحفظ، وبالتوفيق، والآية الدقيقة الدقيقة الوحيدة الفريدة في القرآن:

﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾

[ سورة هود: 88 ]

 
لا يُحقَّق هدف على وجه الأرض صغر أو كبر إلا بتوفيق الله عز وجل، إذاً:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾

[ سورة البقرة: 186]

 و:

(( أوحى الله تعالى إلى موسى أتحب أن أكون جليسك؟ قال: كيف ذلك يا رب وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني))

[ ابن شاهين في الترغيب في الذكر عن جابر ]

﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب : 35]

(( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))

[الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]

 إذاً المعية الخاصة معية التأييد والحفظ والنصر والتوفيق، المعية العامة بعلمه.

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

[ سورة الحديد: 4 ]

من يعلم أن الله يعلم لا يمكن أن يخطئ :

 أما إن الله مع المتقين، إن الله مع المؤمنين، إن الله مع الصادقين، إن الله مع الصابرين.

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾

[ سورة البقرة: 186]

 يجب أن تؤمن أنه معك، وأنه يسمعك، إن تكلمت يسمعك، وإن تحركت ينظر إليك، وإن أبطنت شيئاً يعلم هذه الخواطر، يسمعك إن تكلمت، ويراك إن تحركت، ويعلم سرك إن أبطنت.
 أيها الأخوة، حينما تعلم أن الله يعلم لا يمكن أن تعصيه. وهناك آية دقيقة، وفي سياق آيات الحج:

﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ﴾

[ سورة المائدة: 97 ]

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق : 12]

 أنت حينما تعلم أن علم الله يطولك، وأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، والمثل الواضح من حياتنا: حين تركب مركبة، والإشارة حمراء، والشرطي واقف، علم واضع قانون السير يطولك من خلال هذا الشرطي، وقدرة وواضع قانون السير يطولك من خلال حجز المركبة، والإلزام بدفع غرامة كبيرة، أنت حينما تعلم أن واضع القانون علمه يطولك وقدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه.

﴿ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾

[ سورة المائدة: 97 ]

 أنت حينما تعلم أن الله يعلم لا يمكن أن تخطئ، لأنك تراقب الله عز وجل.
 إذاً:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾

[ سورة البقرة: 186]

(( أنا جليس من ذكرني ))

[ ابن شاهين في الترغيب في الذكر عن جابر ]

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾

[ سورة البقرة: 186 ]

 الإنسان أحياناً يدعو الله دعاء شكلياً، وثقته بفلان، وأمله بفلان، ويعلق الآمال على فلان، ويتوهم أن فلاناً يعطيه أو يمنعه، ولو دعوت الله عندئذٍ فهذا الدعاء لا يقدم ولا يؤخر.

﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾

[ سورة البقرة: 186 ]

 إذا دعاني حقاً، وهذا معنى الإخلاص في الدعاء، يجب أن تدعو الله وحده، إلهي أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي.

 

الدعاء سلاح المؤمن :

 أخواننا الكرام، الدعاء سلاح المؤمن، أنت بالدعاء أقوى إنسان، قبل أن تقبل على عمل يا رب، إني تبرأت من حولي وقوتي، والتجأت إلى حولك وقوتك، يا ذا القوة المتين، قبل أن تقبل على مشروع، قبل أن تقبل على سفر، قبل أن تقدم على عمل كبير، اسأل الله التوفيق، اسأل الله الحفظ، الدعاء سلاح المؤمن، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء ))

[ الحكيم بن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة ]

أخْلِق بذي الصبر أن يحظى بحاجته  ومدمن القرع للأبواب أن يلجا
***

 ادع الله.

(( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها، حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع ))

[ الترمذي وابن حبان في صحيحه عن أنس ]

 وإن الله يحب من العبد أن يسأله ملح طعامه، إن الله يحب من العبد أن يسأله حاجته كلها، و:

(( من لا يدعوني أغضب عليه ))

[ العسكري في المواعظ عن أبي هريرة ]

 أحيانا يستنكف الفاسق والفاجر أن يدعو الله، لكن المؤمن أيها الأخوة كلما تذلل في أعتاب الله أعزه الله، وغير المؤمن كلما استنكف أن يعبد الله، وأن يدعوه، وتأبى أذله الله فبطولتك أن تتذلل لله في الدعاء، عندئذٍ يعزك الله عز وجل.

اجعل لكل ربــك عزك يستقر و يثـبتُ  فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميتُ
***

 إذاً:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

[ سورة البقرة: 186]

على الإنسان الإيمان بالله رباً و خالقاً و مسيّراً :

 إذاً يجب أن تعلم أن الله موجود، وأنه يسمعك إن نطقت، ويراك إن تحركت، ويعلم ماذا أسررت، فإذا دعوته مخلصاً، وعلقت الأمل عليه، وتبرأت من غيره، ولم تشرك به أحداً، يقول الله عز وجل عندئذٍ:

﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

[ سورة البقرة: 186]

 ولكن يبدو أن الآية دقيقة جداً، وفيها شروط إجابة الدعاء:

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾

[ سورة البقرة: 186]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 24 ]

﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 186]

 إذاً: يجب أن تؤمن بالله واحداً، وكاملاً، وموجوداً، خالقاً، ورباً، ومسيراً، ويجب أن تؤمن بأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى.

﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾

[ سورة الأعراف: 180 ]

﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي ﴾

[ سورة البقرة: 186]

 ويجب أن تستجيب لأمر الله، والإنسان إما أن يستجيب لأمر الله، وإما أن يستجيب لهواه، والدليل قول الله عز وجل:

﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾

[ سورة القصص: 50]

﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 186]

 إلى الدعاء الصحيح:

﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 60 ]

 الله ينتظرنا.

((يا داود لو يعلم المعرضون انتظاري لهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم لتقطعت أوصالهم من حبي، ولماتوا شوقاً إلي، هذه إرادتي بالمعرضين فكيف بالمؤمنين؟ ))

[ ورد في الأثر ]

أدعية النبي صلى الله عليه و سلم :

 أيها الأخوة، آيات الدعاء دقيقة، لكن ما الذي يمنع أن تدعو بأدعية النبي عليه الصلاة والسلام؟

(( اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض فيّ قضاؤك، نافذ فيّ حكمك، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي سخطك، أو أن تحل عليّ غضبك، ولك العتبى حتى ترضى لكن عافيتك أوسع لي ))

[أحمد عن ابن مسعود]

 احفظ أدعية رسول الله:

(( اللهم إنا نسألك العفو والعافية، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ))

[ابن ماجه عن أبي هريرة]

(( اللهم أعني على دوام ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ))

[الترمذي عن معاذ]

 اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا.

(( اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا ))

[الترمذي عن ابن عمر]

من لوازم الدعاء الإيمان أن الله موجود و سيحاسب :

 الدعاء عبادة أيها الأخوة، ما معنى قوله تعالى؟

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

[ سورة المعارج : 23]

 هل بإمكان الإنسان أن يصلي بشكل مستمر؟ الصلوات خمس، ما معنى هذه الآية

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

[ سورة المعارج : 23]

 أنت إذا دعوت فأنت في صلاة، وإذا استغفرت فأنت في صلاة، و إذا سبحت فأنت في صلاة، وإن ذكرت فأنت في صلاة، إذاً:

(( الدعاء مخ العبادة ))

[ أخرجه الترمذي عن أنس ]

(( الدُّعاءُ هُوَ العبادَة ))

[ الترمذي وأبو داود عن النعمان بن بشير رضي اللّه عنهما]

 ومن لوازم الدعاء أن تؤمن أن الله موجود، وبأنه يسمعك، ويراك، ويعلم ما تخفي، وهو قادر على تلبية دعائك، والله عز وجل يحب أن يرحمك، هذه شروط الدعاء.
 والله أيها الأخوة القصص التي سمعتها عن استجابة الله لبعض الصالحين لا تعد ولا تحصى.
 أذكر أحد إخوتنا الكرام يسكن في بيت مستأجر، وهو في أزمة السكن الحادة، ليس هناك من يعطيه بيته مهما فعل، وقد أعطى صاحبة البيت عهداً أنها إذا طلبت البيت يقدم لها البيت، وهذه المرأة الكبيرة في السن طالبته بتنفيذ وعده في أشدّ الأقوات صعوبة، والقصة طويلة، السبب أن ابنتها عانس، وجاءها خاطب، ولكن ليس عنده بيت، فَرَجَتْ البنت أمها أن تطلب من المستأجر أن يخلي البيت، وهذا المستأجر يحفظ عهده، فأعطى تنازلاً أمام المحامي، وبعد أن تنازل عن متابعة الإيجار، وأعطى وعداً محدداً عن طريق المحامي، قال له المحامي: أنت مجنون‍ أصبحت في الطريق؟ والقصة طويلة جداً، لكن هذه الفتاة ذهبت إلى العمرة، ومن وقت صعود الطائرة حتى عودتها تدعو للمستأجر أن يهيئ له بيتاً أفضل من بيتها، والذي حصل أنه تملك بيتاً دعانا إليه بقصة عجيبة جداً، بتوفيق عجيب جدا، إذاً:

 

(( الدعاء مخ العبادة ))

 

[ أخرجه الترمذي عن أنس ]

 ادع الله، قل: رب اغفر زلتي، آمن روعتي، اقبل توبتي، آمن روعتي لئلا أخاف، وسائل الخوف لا تعد ولا تحصى، كل من حولنا كما ترون، وتسمعون، قتل، ودماء، واعتقال، وهدم للبيوت، وقنابل، وصواريخ، اللهم آمن روعتنا، واغفر زلتنا، واقبل توبتنا، وأقل عثرتنا.

(( اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا مما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب ))

[الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي]

(( اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ))

[ الترمذي عن ابن عمر ]

(( اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من شر ))

[مسلم عن أبي هريرة]

الدعاء هو العبادة :

 أخواننا الكرام، متى تحتاج إلى دعاء كثير؟ في العمرة أو الحج، الطواف كله دعاء، والسعي كله دعاء، والوقوف بعرفات كله دعاء، وأفضل دعاء ندعو به أدعية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما الذي يمنع أن تقتني دفتراً صغيراً تكتب فيه أدعية رسول الله، أو أن تشتري كتيباً صغيراً فيه أدعية رسول الله.

(( الدُّعاءُ هُوَ العبادَة ))

[ الترمذي وأبو داود عن النعمان بن بشير رضي اللّه عنهما]

 دعاء لدخول البيت، دعاء لخروج البيت، دعاء إذا واجهت خطراً، دعاء إذا عدت مريضاً، دعاء إذا واجهت صعوبة، دعاء إذا أنجبت مولوداً، دعاء إذا تزوجت.

(( من لا يدعوني أغضب عليه ))

[ العسكري في المواعظ عن أبي هريرة ]

(( إن الله تعالى يحب الملحين في الدعاء ))

[ الحكيم بن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإيمان عن عائشة ]

(( ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع ))

[ الترمذي عن أنس ]

 أن يسأله ملح طعامه، أن يسأله حاجته كلها.
 ولعل في آيات الدعاء التي وردت ضمن آيات الصيام ملمح دقيق جداً إلى أن الصائم من أكبر ثمار الصيام أن يجعله الله مستجاب الدعوة، وأنت إذا كنت مستجاب الدعوة تكون أقوى الناس، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتقوى بالدعاء، إن أردت أن يخاطبك الله عز وجل فصلِّ، وإن أردت أن تخاطبه فادع، إن أردت أن يخاطبك فصلِّ، كيف تقول؟

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾

[ سورة الفاتحة : 6-7]

 تقول:

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

[ سورة البقرة: 186]

 أخواننا الكرام، رمضان شهر القرب من الله، القرب بتلاوة القرآن، والقرب بأداء الصلوات، والقرب بقيام الليل، وبالتراويح، والقرب بصلاة الفجر.

﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ﴾

[ سورة الإسراء : 78-80]

تعلم أدعية النبي عليه الصلاة والسلام في كل موقف :

 تعلم أدعية النبي عليه الصلاة والسلام في كل موقف، وفي كل مكان، وفي كل زمان، وأنت إذا آويت إلى فراشك، وإذا استيقظت من منامك، كان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ من منامه يقول:

(( الحمد لله الذي ردّ إليّ روحي، وعافاني في بدني، وأذن لي بذكره ))

[الترمذي عن أبي هريرة]

 دعاء لطيف، سمح الله لك أن تعيش يوماً جديداً،

(( ردّ إليّ روحي ))

 ووقفت من الفراش، وقفت، وترى، وتسمع، وتتحرك، وتمشي متوازناً، هذه نعمة الصحة، ونعمة أخرى أن الله أذن لك أن تذكره في هذا الوقت.

﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً * وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً * وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً ﴾

[ سورة الإسراء: 78-81]

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 186]

 لكن في الدعاء معنى دقيق جداً:

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 55]

 أي إذا كنت معتدياً على أخيك فلن يستجيب الله لدعائك، متى تستطيع أن تدعوه؟ إذا كنت مستقيماً على أمره، أما الذي يبني مجده على أنقاض الآخرين، ويبني حياته على موتهم، ويبني أمنه على خوفهم، و يأخذ ما ليس له، و يحتال على الناس، و يبث الروع في قلوب الناس، و يبتز أموال الناس، فهذا لا يستطيع أن يدعو الله، معاصيه وآثامه حجاب بينه وبين الله.

﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾

[ سورة الأعراف : 55]

شروط الدعاء :

 هناك موضوع أخير في الدعاء دقيق، شروط الدعاء أن تؤمن، وأن تستجيب، وأن تخلص.

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾

[ سورة البقرة: 186]

 
أي إذا دعاني حقيقة وإخلاصاً.

﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 186]

 إيمان بالله، واستجابة لأمره، ثم إخلاص في الدعاء.
 ولكن العلماء لهم رأي دقيق جداً، وعليه دليل، أن الله يستجيب الدعاء لشخصين ولو لم يكونا أهلاً للدعاء، الأول المظلوم، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا، فإنها ليس دونها حجاب ))

[ أحمد في مسنده وأبو يعلى في مسنده والضياء عن أنس ]

 والمضطر، المظلوم يستجيب الله له لا لأهليته للدعاء، ولكن بعدل الله، والمضطر يستجيب الله له لا لأهليته للدعاء، ولكن بعدل الله، والمضطر يستجيب الله له لا لأهليته للدعاء، ولكن برحمة الله، فالله يرحم المضطر، ويستجيب للمظلوم، الأول برحمته، والثاني بعدله، لذلك مهما يكن وضعك مع الله فادع الله، ولن يخيب الله أملك.

المنطقية في الدعاء :

 آخر معنى في الدعاء، لكن هذا المعنى مؤثر جداً:

(( إن الله تعالى حيي كريم، يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبين ))

[ أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي وأبو داود والحاكم في المستدرك عن سلمان ]

 لذلك فاتقوا الله فيما تدعون، لا تطلب من الله عملاً يبعدك عنه، لا تطلب من الله شيئاً يحجبك عنه، كن في دعائك منطقياً، واسأل الله كل خير.

رمضان فرصة للصلح مع الله :

 لذلك أيها الأخوة، رمضان شهر الدعاء، وشهر العتق من النار، وشهر القرآن، وشهر الإنفاق، وشهر القرب من الله، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن نستقبل هذا الشهر الكريم ونحن مستعدون للدخول في هذه العبادة العظيمة، لأنه كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

(( من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 فنحن أمام فرصة للصلح مع الله، وإذا رجع العبد العاصي إلى الله ناد منادٍ في السموات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله.
 أيها الأخوة، لابد من برنامج لهذا الشهر، برنامج عبادي، برنامج أساسه الذكر، والتلاوة، وأداء الصلوات في المساجد، برنامج أساسه القرب من الله عز وجل، فأي شيء يبعدك عن الله عز وجل اجتنبه، وأي شيء يقربك من الله افعله، فهي فرصة ثمينة لا تعوض، لأنه كما وصف النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما إذا اجتنبت الكبائر ))

[ الطبراني عن أبي سعيد ]

 فنحن يمكن أن نفتح مع الله صفحة جديدة، فلعل الله يعتقنا من النار في هذا الشهر الكريم.