المؤلفات - كتاب ومضات في الإسلام – الباب الأول - الفقرة (03-29) : القمر

2005-05-31

 أيها الأخوة المؤمنون, كلكم يعرف أن القمر يدور حول الأرض في كل شهرٍ قمريٍ مرة، وأنه يدور حول نفسه في وقتٍ مساوٍ تماماً لدورته حول الأرض، لذلك نحن لا نرى من القمر إلا وجهاً واحداً طوال الحياة، لأنه يدور حول الأرض وحول نفسه في وقتٍ واحد، يستكمل دورته حول نفسه في تسعةٍ وعشرين يوماً وثماني ساعات، ويستكمل دورته حول الأرض في تسعةٍ وعشرين يوماً وثماني ساعات.
 لكنَّ الشيء الذي يلفت النظر هو أن القمر يقطع في كل يومٍ من دائرة سيره حول الأرض ثلاث عشرة درجة، ويتأخَّر عن شروقه في اليوم السابق تسع وأربعين دقيقة، كل يوم، لولا هذا التأخر لبدا القمر بدراً طوال الحياة، ولكن تأخر القمر تسع وأربعين دقيقة عن شروقه السابق كل يوم، هو الذي يرينا القمر في مراتب، من هلالٍ، إلى ربعٍ، إلى بدرٍ، إلى عرجونٍ، إلى غيابٍ كامل، لذلك يقول ربنا سبحانه وتعالى:

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾

[سورة يونس الآية: 5]

 يد من؟ تخطيط من؟ تصميم من؟ من جعل القمر يتأخَّر في شروقه كل يومٍ تسعةً وأربعين دقيقة عن اليوم السابق؟ بهذا التأخُّر يبدو القمر في هذه المراتب، ليكون تقويماً في كبد السماء، لتعلموا عدد السنين والحساب.
أيها الأخوة الأكارم, كتلة القمر جزءٌ من ثمانين جزءً من كتلة الأرض، وتعادل الجاذبية على سطح القمر سدس جاذبية الأرض، فالإنسان الذي يزن على الأرض ستين كيلو غراماً، يزن على القمر عشر كيلو غرامات، لأن الجاذبية فيه أقل بست مرات من الجاذبية على الأرض.
 هناك أقمارٌ تدور حول نفسها في بضع سنوات، هناك أقمارٌ تبتعد كثيراً، وهناك أقمارٌ تقترب كثيراً، ولكن التفكير السليم، ولكن التفكير الدقيق، هو أنه لو لم يكن القمر يدور حول نفسه وحول الأرض في وقتٍ واحد، ولو لم يقطع في دورته ثلاث عشرة درجة، ولولا تأخُّر شروقه تسعةً وأربعين درجة، لما كان تقويماً، ولما استفدنا منه.

كيف تكون الحياة على الأرض لو أن نظام المسافة بين الأرض والقمر اختل عن توازنهما ؟

 يا أيها الأخوة المؤمنون, المسافة بين الأرض والقمر لو قلَّت عن ما هي عليه الآن لارتفع البحر ولغطى اليابسة، قال تعالى:

﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾

[سورة الرحمن الآية: 5]

 فبعد القمر عن الأرض بحسبانٍ دقيق، لو قلَّت هذه المسافة لارتفع البحر، ولغطّى اليابسة، المد والجزر يقعان بتأثير القمر، ولكن بتأثيرٍ محدود، لو اقترب القمر من الأرض لعلا البحر وغمر اليابسة، ثم انحسر عنها، وكانت الحياة على اليابسة مستحيلةً، لو اقترب أكثر لجذبته الأرض، وارتطم بها، لو ابتعد القمر عن الأرض، لانعدم المد والجزر، وللمد والجزر في البحار وظيفةٌ خطيرة، لو ابتعد أكثر وأكثر لجذبته كواكب أخرى، ولدارت الأرض حول نفسها في أربع ساعات، أي يصبح النهار ساعتين والليل ساعتين، هذا كله منطوٍ تحت قوله تعالى:

﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾

[سورة الرحمن الآية: 5]

 أيها الأخوة المؤمنون, يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾

[سورة يس الآية: 39]

 قدرَّناه منازل, قال تعالى:

﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾

[سورة يس الآية: 40]

 يقول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾

[سورة إبراهيم الآية: 33]

كلمة أخيرة عن القمر :

 هل يخطر في بال أحد طوال حياته أن القمر لن يشرق؟ قال تعالى:

﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾

[سورة لقمان الآية: 29]

 ومن آياته الدالة على عظمته، الليل والنهار، والشمس والقمر:

﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾

[سورة الفرقان الآية: 61]

﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً﴾

[سورة نوح الآية: 15-16]

 يا أيها الأخوة المؤمنون, تربة القمر تربةٌ عاكسةٌ للضوء، وهذا من حكمة الله سبحانه وتعالى، و يعدُّ ضوء القمر جزءٌ من ثمانية عشر جزءاً من ضوء الشمس، وهو تقويمٌ دقيق جعله الله في كبد السماء، وجعل الشمس ساعة يومية، الشمس ساعة، والقمر تقويم, قال تعالى:

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ * فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾

[سورة الغاشية الآية: 17-23]

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾

[سورة يونس الآية: 5]