المؤلفات - كتاب ومضات في الإسلام – الباب الرابع - الفقرة (4-4) : زلازل الدنيا وزلزلة الساعة

2005-04-10

 

 خرج البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ، وَهُوَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ، حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ))

[البخاري]

 ففي كل حين نسمع في الأخبار أن زلزالاً وقع في بلد، وزلزالاً وقع في بلد آخر، وأن هذه الأخبار تتقارب، وتتعاظم درجات هذه الزلازل، وتودي بحياة بضع عشرات من الألوف، وأن كثرتها وشدتها مصداق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، إن هذه الزلازل من وظائفها أنها تعطينا معنى الزلزلة الكبرى، التي أوعد الله بها، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾

[ سورة الحج: الآية 1 ]

 إنّ الأرض من أكثرُّ الكواكب في المجموعة الشمسية كثافةً، فكثافة الأرض تزيد على كثافة الماء بخمسة أضعاف ويفسِّر العلماء الزلزلة، بأنها حركةٌ في باطن الأرض، بحيث ينشأ عنها ضغطٌ هائل، لا تحتمله قشرة الأرض، عندئذٍ تتصدَّع هذه القشرة. وهذا التصدُّع في قشرة الأرض هو الزلزال الذي نستمع إلى أخباره من حينٍ إلى آخر. علماً بأن هذه القشرة يزيد سمكها عن تسعين كيلو متراً، وهي من صخور البازلت، وهذه الصخور من أقسى أنواع الصخور ومع ذلك تتصدع، فما هذا الضغط من باطن الأرض الذي يصدع قشرة من البازلت يزيد سمكها على تسعين كيلو مترا هذا طرفٌ من معنى أن الله قوي، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾

[ سورة الذاريات: الآية 58 ]

 ويقول بعض العلماء الزلازل: هناك زلازل حدث في الصين، في عام ألف وخمسمائة وستة وخمسين، أودى بحياة ثمانمائة وثلاثين ألفاً في ثوانٍ، وفي عام ألف و سبعمائة وسبعة وثلاثين حدث زلزال في الهند، أودى بحياة مائة وثمانين ألفاً، وفي عام ألف وتسعمائة وثلاثة وعشرين حدث زلزال في اليابان، أودى بحياة مائة ألف، وفي عام ألف وتسعمائة وستة وسبعين، حدث زلزال في الصين، أودى بحياة مائة ألف، وحدث زلزال بإيطاليا أودى بحياة خمسة وثلاثين ألفاً، ثوانٍ معدودة،

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾

[ سورة الحج: الآية 1 ]

 سألوا عالماً كبيراً من علماء الزلازل: هل يمكن بما أوتينا من علم متقدم، أن نتنبأ بالزلزال قبل وقوعه ولو بربع ساعة ؟ قال: لا، إلا أن حيوانات كثيرة في مقدمتها من يضرب المثل بغبائه يشعر بالزلزال قبل وقوعه بربع ساعة ذلك لأن هذه الحيوانات ليست مكلفة كالإنسان وليست مقصودة بالزلزال.
قال تعالى:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾

[سورة الأحزاب: الآية 72 ]

 قال عزوجل:

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾

[ سورة الزلزلة: الآية 1 ]

  زلزلت أيْ تحرَّكتْ تحرُّكًا شديدا، واضطربت، زلزالها: العظيم، والكبير، والأخير، الذي ليس بعده زلزال، وذلك عند قيام الساعة، وما هذه الزلازل في الأرض إلا نماذج مصغرة ومحدودة

﴿ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾

[ سورة الزلزلة: الآية 2 ]

 وهو الإنسان: المخلوق الأول الذي خلق لجنة عرضها السماوات والأرض، لأنه قبل حمل الأمانة فسخر الله له ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه، وجعله خليفته في الأرض، فإنْ سما عقله على شهوته كان فوق الملائكة، وإنْ سمتْ شهوتُه على عقله كان دون الحيوان،

﴿ وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾

[ سورة الزلزلة: الآية 3 ]

 تعجباً وخوفاً،

﴿ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾

[ سورة الزلزلة: الآية 4 ]

 ما عمله الإنسانُ على وجه الأرض من خير أو شر،

﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾

[ سورة الزلزلة: الآية 5 ]

 أقْدَرَها على الكلام، وأذِن لها فيه، وأمرها به،

﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾

[ سورة الزلزلة: الآية 6 ]

 فرادى، متفرقين، فلا تجمعات، ولا تكتلات، ولا تناصر على باطل، ولا هيمنة، ولا غطرسة، ولا تعالي، قال عزوجل:

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

[ سورة يس: الآية 65 ]

 قال تعالى:

﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ، فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾

[ الزلزلة]

 أيْ مقدار ذَرَّةٍ، وهي الجزء الذي لا يتجزأ،

﴿خَيْرًا يَرَهُ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾

[ الزلزلة]

، يجد جزاءه وعاقبته .
 وردَ مِن حديث عبد الله بن عمرو الذي أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم وصححه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

((أَقْرِئْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: اقْرَأْ ثَلَاثًا مِنْ ذَوَاتِ الر فَقَالَ كَبُرَتْ سِنِّي وَاشْتَدَّ قَلْبِي وَغَلُظَ لِسَانِي قَالَ فَاقْرَأْ ثَلَاثًا مِنْ ذَوَاتِ حاميم فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ فَقَالَ: اقْرَأْ ثَلَاثًا مِنْ الْمُسَبِّحَاتِ فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرِئْنِي سُورَةً جَامِعَةً فَأَقْرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا زُلْزِلَتْ الْأَرْضُ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا فَقَالَ الرَّجُلُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَيْهَا أَبَدًا ثُمَّ أَدْبَرَ الرَّجُلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْلَحَ الرُّوَيْجِلُ مَرَّتَيْنِ)).

[ أبو داود والنسائي، وأحمد، والحاكم ]

 عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها: علم لا يعمل به، وعمل لا إخلاص فيه ولا اقتداء، ومال لا ينفق منه فلا يستمتع به جامعه في الدنيا ولا يقدمه أمامه إلى الآخرة، وقلب فارغ من محبة الله، والشوق إليه، والأنس به، وبدن معطل عن طاعته وخدمته، ومحبة لا تتقيد برضاء المحبوب، وامتثال أوامره، ووقت معطَّل عن استدراك فارط، أو اغتنام بِرٍّ وقُرْبة، وفكرٌ يجول فيما لا ينفع، وخدمةُ من لا تقربك خدمته إلى الله، ولا تعود عليك بصلاح دنياك، وخوفُك ورجاؤك
لمَن ناصيته بيد الله، وهو أسير في قبضته، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.
 وأعظم هذه الإضاعات إضاعتان، وهما أصل كل إضاعة ؛ إضاعة القلب، وإضاعة الوقت، فإضاعةُ القلب مِن إيثار الدنيا على الآخرة، وإضاعةُ الوقت مِن طول الأمل، فاجتمع الفسادُ كلُّه في اتباع الهوى وطول الأمل، والصلاحُ كله في اتباع الهدى والاستعداد للِّقاء، والله المستعان.
العجب ممَّن تعرِضُ له حاجة فيصرف رغبته وهمَّته فيها إلى الله ليقضيها له، ولا يتصدى للسؤال لحياة قلبه من موت الجهل والإعراض، وشفائه مِن داء الشهوات والشبهات، ولكن إذا مات القلبُ لم يشعر بمعصيته.