المؤلفات - كتاب ومضات في الإسلام – الباب التاسع - الفقرة (2-9) : حق التعليم

2005-10-09

 ولأنّ الإسلام يرغِّب في العلم والتعليم ، فطلبُ العلم فريضة على كل مسلم ما قال عليه الصلاة والسلام ، أي على كل شخص مسلم ، ، ذكراً كان أو أنثى ، فهو ليس وقفاً على جنسٍ دون جنسٍ ، ولا طائفةٍ دون أخرى ، إنه قدْر مُشاع ، ومصلحة لكلِّ مَن يتنسّم نسماتِ الحياة ، الذكرُ والأنثى فيه سواء ، والرجل والمرأة تجاهه سيّان ، والمجتمع الذي ينشأ أفرادُه على وعْيٍ ومعرفة ، وعلى هُدى وبصيرة ، وثقافة وعلم ، هو المجتمعُ الحقُّ الذي ينهض به أفرادُه ، وينهضُ هو بأفراده ، ومِن أجل ذلك كانت آدابُ الإسلام تهدف إلى العلم الذي يحقِّق الفائدةَ للفرد ، والسعادة للجماعة ، والسلام للعالم ، فعلِّموا أولادكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم.
 يترآى للناس اليومَ أنَّ مَن مَلَك ناصيةَ العلمِ مَلَك ناصيةَ العالَم ، وما يجري في العالم اليوم يؤكد هذه الرؤيا ، فمَن مَلَك العلم ملَك القوة ، ومَن ملَك القوة فَرَضَ إرادته ـ وقد تكون ظالمةً ـ على العالم ، فالحقُّ عند الشاردين عن الله يعني القوةَ ، ليس غير ، والحق عند المؤمنين بالله فهو ما جاء به الوحي في تنزيله ، وما بينّه النبي صلى الله عليه وسلم في سنته ، وينبغي أن يدعَّم بالقوةِ ، ودعمُه بالقوة أمرٌ تكليفيٌّ لا تكوينيٌّ ، قال تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾

[ سورة الأنفال ، الآية 60 ]
 بل إن النبيَّ صلى الله عليه وسلم أشار إلى أن القوةَ كلَّ القوةِ في إحكامِ الرمي ، وإصابةِ الهدف ، وهو مقياسٌ خالدٌ للقوة ، وعنصرٌ أساسيٌّ في كسبِ المعارك ، مهما اختلفت أنواعُ الأسلحة ، وتطورتْ مستوياتُها الفنيةْ ، فَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ:

((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ))

[ رواه مسلم ]
 وعَنهُ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُدْخِلُ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ الْجَنَّةَ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صُنْعِهِ الْخَيْرَ وَالرَّامِيَ بِهِ وَمُنَبِّلَهُ))

[ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ]
 لكن العلم الذي يوصل إلى معرفة الله ، ثم يحمل على طاعته فرضُ عينٍ على كل إنسان ، كي يسلم ويسعد في الدنيا والآخرة ، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾

[ سورة فصلت: الآية 30 ]
 بل إنَّ وجودَ الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه ، ويؤكِّد هذا ترتيبُ الآيات في مطلع سورة الرحمن ، فتعليمُ القرآنِ جاء مقدَّماً على خَلْقِ الإنسان ، بترتيب رُتبي ، لا ترتيب زمني ، قال تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ*عَلَّمَ الْقُرْءَانَ*خَلَقَ الْإِنْسَانَ*عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

[ سورة الرحمن: 1-4 ]
 والتعليمُ في نظر الإسلامِ يمتدُّ فيشملُ جميعَ المعارفِ الإنسانيةِ ، وكلَّ ما يقع تحت إدراك الحسِّ والعقل ، إذ ما أجملَ وصية الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

(( علِّموا أولادَكم السباحةَ والرمايةَ ، ومروهم فليثبوا على الخيل وثباً))

[الإصابة عن عمر ، وانظر فتح الباري ]
 فالرمايةُ والتدرُّبُ على ركوب الخيل كانت عند العربي كلَّ حياته في ذلك الوقت ، ولو امتدَّ العمرُ بِعُمَرَ رضي الله عنه حتى اليوم ، لكان له مع هذا القول قولٌ وقولٌ ، ربما يقول: علموا أولادكم الكومبيوتر ، فهو سلاح العصر ، والأمِّي ـ اليوم ـ هو الذي لا يحسن استخدامه
وينبغي أنْ نستعين على تربيةِ الطفلِ وتعليمِه بتحقيقِ اهتماماتِه وخصائصِ طفولته ، وفي سُنَّةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم العمليةِ ما يؤكِّد ذلك ، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:

((خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ ، وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَوَضَعَهُ ، ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ ، فَصَلَّى ، فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا ، قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ سَاجِدٌ ، فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ ، أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ ، قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ))

[ أخرجه النسائي وأحمد]
إنَّ التُّحفةَ واللعبةَ تُدخِلان على الطفل الفرحةَ والسرورَ ، وتزرع على ثغره البسمةَ والسعادةَ ، وقد أصبحت وسيلةً لتنمية المعارف والمدارك ، فمَن دَخَلَ السوق ، واشترى تحفة ، فحملها إلى عياله كان كحامل صدقة إلى قوم محاويج ، وليبدأ بالإناث قبل الذكور.
 هذه هي تعاليم الإسلام الغراء ، ترشدنا إلى كل ما يسمو بنا وبأبنائنا نحو مراقي الفلاح والنجاح ، ما أَحْكَمَ هذه النظم الأخلاقية الحكيمة ، وما أسمى مقاصدها ، ولاسيما نحو قرَّة أعيننا ، وأعزِّ مَن لنا في الحياة ؛ ليخلق بذلك روحَ الكمال المنشود ، والخير المقصود ، فالولدُ الصالح امتداد لحياة أبيه ، وثمرة من ثمرات مجتمعه ، وأمل أمته ، يقول الرسول عليه الصلاة والسلام:

((الْوَلَدُ الصَّالِحُ رَيْحَانَةٌ مِنْ رَيَاحِينِ الجَنَّةِ))

[ فيض القدير ]
وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

((قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ قُلْنَا لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ فَقَالَ: لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا ))

[ البخاري ومسلم ]
 وهو حُبٌّ غريزيٌّ فطريّ لا يقدر إنسانٌ على دفعه ، أو منعه ، ولذلك كله وصَّى اللهُ الإنسانَ بوالديه ، ولم يوصِّ الوالدين بأولادهما ، لأن حبَّ الآباء للأبناء ورعايتهم طبع ، والطبع لا يحتاج إلى تكليف ، بينما رعايةُ الأبناء لآبائهم ليس طبعاً بل هو تكليف ، قال تعالى:

﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾
[ سورة لقمان: الآية 14]