بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

هدي النبي صلى الله عليه وسلم - الدرس : 08 - هديه في خطبته.


1998-03-16

 بسم الله الرحمن الرحيم ،الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الأنبياء جاؤوا بكلمة قالوها فغيروا معالم الحياة :

 هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته؛ قبل الحديث عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم في خطبته، لا بد من مقدمة.
 أيها الأخوة؛ الأنبياء بماذا جاؤوا؟ جاؤوا بكلمة قالوها، فغيروا معالم الحياة، غيروا وجه الأرض، نشروا العدل، نشروا الفضيلة، إلا أن كلمتهم لها رصيد، وإنسان آخر يقول كلمة أخرى ليس لها رصيد، لا تفعل شيئاً، فمع امتداد الزمن، وظهور النفاق والتفلت؛ هناك كلمات لكنها ليس لها رصيد، إذاً لا تؤثر، فالأنبياء ما جاؤوا إلا بالكلمة، لكن هذه الكلمة لها في أخلاقهم، وفي إيمانهم، وفي سلوكهم، رصيد كبير، ففعلت فعل السحر.
 فالنبي خطب وفي العالم الإسلامي آلاف آلاف الخطباء، لكن الذي حصل عند النبي لن يحصل بعده، الفرق هو أن كلمته يقابلها كم كبير جداً من الأخلاق، كم كبير جداً من السلوك، كم كبير جداً من الحب، حب، وأخلاق، وسلوك؛ فعليه الصلاة والسلام خطب على الأرض، وخطب على المنبر، وخطب على البعير، وخطب على الناقة، و:

((كان إذا خطب احْمَرَّتْ عيناه، وعلا صوتُه، واشتد غضبُه، حتى كأنه مُنْذِر جيش، يقول: صبَّحكم ومسَّاكم، ويقول : بعثتُ أنا والساعةَ كهاتين ، ويقرْن بين إصبعيه: السبَّابةِ والوسطى، ويقول: أما بعدُ، فإن خيرَ الحديث كتابُ الله، وخيرُ الهدْي هدْيُ محمد،صلى الله عليه وسلم، وشرُّ الأمورِ مُحْدَثاتُها، وكلُّ بدْعة ضلالة))

[أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه]

 الذي أريد أن يكون واضحاً عندكم لو أن الإنسان لم يكن خطيب مسجد، ولم يكن داعية بالمعنى النظامي الأكاديمي، أما كل واحد من المؤمنين بإمكانه أن يكون داعية فإذا كان لديه رصيد كبير من الأخلاق، والصدق، والأمانة، وعدم النفاق؛ سلوكه وحده هو الرصيد؛ فإذا

 

 تكلم تماماً كالشيك الذي له رصيد، يقول لك: يكتب ثلاثين ألفاً، يوقع، يعطيك إياه؛ ماذا فعل؟ قضية سهلة جداً، مئة ألف يوقع، يعطيك إياه، مليون يعطيك إياه، تفرح أنت، لماذا فرحت؟هذه ورقة، عليها توقيع وعليها رقم، لكن هذه الورقة إن ذهبت إلى المصرف تأخذ مئة ألف؛ هناك رصيد، فالإنسان يجهد أن يكون له رصيد عند الله، إذا تكلم كان لكلامه فعل السحر، أما إذا لم يكن هناك رصيد فآلاف المتكلمين، آلاف المتحدثين، آلاف المتشدقين، آلاف المنافقين، والمسلمون هم هم.

كل مؤمن مكلف أن يكون داعية إلى الله عز وجل :

 الشيء الثاني دعوة لكل الناس، كل مؤمن مكلف أن يكون داعية إلى الله عز وجل؛ تكليف حقيقي، ليس تكليفاً خيالياً، أي أنت لماذا تصلي؟ لأن الصلاة فرض، والله عز وجل يقول:

﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[سورة العصر:1-3]

 إنسان يعيش كل عمره لا يحدث نفسه بالجهاد؛ يموت على ثلمة من النفاق، يعيش عمره بكامله لم يفكر أن يهدي أحداً، والجهاد أنواع: عندنا الجهاد الدعوي، هذا أخطر جهاد؛ والله سماه الجهاد الكبير:

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾

[سورة الفرقان: 52 ]

 وهناك جهاد النفس والهوى، أي قبل أن نصل إلى الجهاد القتالي - وليس متاحاً الآن - أما المتاح فهو الجهاد الدعوي، وجهاد النفس والهوى، فلذلك الإنسان مكلف أن يكون داعية إلى الله في حدود ما يعلم ومع من يعلم، مع من يعرف، في حدود ما يعلم ومع من يعرف، وهناك حد أدنى من الدعوة؛ أحياناً تُسمع إنساناً شريطاً؛ أنت لا يوجد عندك إمكانيات لأن تشرح، و توضح، و تبين، وتعلل، وتأتي بالدليل؛ قد لا تملك هذه الإمكانات، أما مئات الأشخاص فيقومون بتوزيع شريط، ويتابعون الأمر، وأعرف أناساً بلغوا شأناً عالياً جداً في الدعوة من خلال هذا الطريق، فالإنسان إن لم يحدث نفسه بالجهاد الدعوي مات على ثلمة من النفاق.أقرب الناس لك، من حولك؛ أهلك، جيرانك، أصدقاؤك، زملاؤك.

 

هدي النبي صلى الله عليه و سلم في خطبته :

 وكان عليه الصلاة والسلام لا يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله، وكان يخطب قائماً، وكان إذا صعد المنبر أقبل بوجهه على الناس، ثم قال: السلام عليكم، وقال الشعبي: "وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك".
 وكان يختم خطبته بالاستغفار، وكثيراً ما يخطب بالقرآن؛ القرآن فيه محكم، أحياناً إذا تلوت على الناس آيات محكمة فهذه خطبة؛ نحن نتوهم أن القرآن يحتاج إلى تفسير؛ صحيح؛ في متشابهه، أما:

﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

[سورة الحاقة:19-24 ]

 هل تحتاج إلى تفسير؟!

﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَه﴾

[سورة الحاقة:25-29]

 آيات كثيرة جداً، سور بأكملها لا تحتاج إلى تفسير، فإذا قرأتها، أو قرأتها على الناس؛ هي في حدّ ذاتها خطبة.

 

افتتاح النبي عليه الصلاة و السلام خطبه بالعبارات التالية :

 وفي صحيح مسلم عن أم هشام بنت الحارثة، قالت:

((ما أخذت"ق والقرآن المجيد" إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس))

[مسلم عن أم هشام بنت الحارثة]

 أنا سمعت من مدة خطبة - وأنا مسافر - لفت نظري أن الخطيب قرأ أكثر من خمسمئة آية دون أن يتكلم من عنده بأية كلمة لكنه جامع الآيات جمعاً بحيث أنها تؤدي معنى متكاملاً، من عنده لم يخطب بأية كلمة، يبدو أن الخطبة يقولها في كل مكان - أي هو يسافر يتنقل من مكان لمكان - لفت نظري القرآن وحده خطبة.
 وكان عليه الصلاة والسلام إذا تشهد قال:

((الحمدَ لله. نستعينه، ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا . مَنْ يهده الله فلا مُضِلّ له، ومن يُضْلِلْ فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إِله إِلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضرُّ إلا نفسه، ولا يضرُّ الله شيئاً.))

[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ]

 كان عليه الصلاة والسلام يفتتح خطبته بهذه العبارات.
 وفي رواية:
 ومن يعصهما فقد غوى – أي انحرف -0

 

التوحيد عند النبي عليه الصلاة و السلام :

 وكان عليه الصلاة والسلام يقول:

((كل ما هو آت قريب))

[رواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود]

 والحقيقة هذه عبارة بليغة جداً؛ نحن ننتظر رمضان؛ جاء رمضان، دخلنا في رمضان، وانتهى رمضان، ننتظر عيد الأضحى، على الأبواب، يأتي ويذهب، ننتظر الشتاء، يأتي ويذهب، ننتظر الصيف، يأتي ويذهب، ننتظر نهاية العام الدراسي، يأتي العام ويذهب العام، وهكذا العمر كله، فكان عليه الصلاة والسلام يقول:

((كل ما هو آت قريب ولا بعد لما هو آت، ولا يعجل الله لعجلة أحد، الله ولا يخف لأمر الناس ما شاء الله لا ما شاء الناس، يريد الله شيئاً ويريد الناس شيئاً، ما شاء الله كان، ولو كره الناس، ولا مبعد لما قرب الله، ولا مقرب لما بعد الله، ولا يكون شيء إلا بإذن الله))

[رواه الطبراني عن عبد الله بن مسعود]

 هذا التوحيد؛ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن - أي الله عز وجل يؤخر شيئاً ليس بإمكانك أن تقربه أنت، نلقاه خطب هذا الشهر إلى أن يحين الأوان، أسس عملاً ولم يوفق إلى أن يوفقه الله؛ ليس بيدك الأمر، أنت عليك أن تسعى لكن التوفيق له وقت، الزواج له وقت، أن يفتح الله على قلبك له وقت؛ حتى يعلم صدقك، فالله كل شيء له عنده وقت، كلامك لا يعجل ولا يؤخر؛ حتى من بعض الأدعية الشريفة:

((اللهم رضني بقضائك، وبارك لي بقدرك؛ حتى لا أحب تعجيل ما أخرت، ولا تأخير ما عجلت))

[رواه الطبراني عن أبي هريرة]

 كل شيء له أوان.

 

تعلّم وسائل التأثير من أسلوب القرآن الكريم و أسلوب النبي صلى الله عليه و سلم :

 وكان مدار خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمد الله والثناء عليه بآلائه، و أوصاف كماله ومحامده، وتعليم قواعد الإسلام، وذكر الجنة والنار والمعاد، والأمر بتقوى الله، وتبيين موارد غضبه ومواقع رضاه، فعلى هذا كان مدار خطبه، هذه أخطر الموضوعات؛ التعريف بالله، وبأسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى، ثم التعريف بقواعد الإسلام، ثم بيان المصير، ذكر الجنة والنار، هذا الدين كله أساس، أي دائماً خطبة الجمعة هي فرض، وحضور الخطبة فرض؛ لذلك الخطيب يجب أن يختار موضوعات كلية، موضوعات تعرف الناس بالله عز وجل، أحياناً موضوع جزئي فقهي بخطبة لا يناسب، هذه مثل لبنة في بناء شامخ؛ لابد من أن تقدم في هذه الخطبة صورة لكامل البناء، لابد من أن تحبب الناس بهذا البناء، لابد من أن تحملهم على الدخول فيه؛ فالخطبة لها معنى دعوي دعائي، ولها معنى تأثيري، ليست قضية إقناع بل قضية حمل على مواقف، الإنسان أحياناً يقنع بالحجة، لكن بالعاطفة الجياشة وبالكلام المؤثر يحمل المستمع على أن يأخذ موقفاً، فهناك إقناع، وهناك أخذ موقف؛ الخطيب يخاطب العقل تارة، والعاطفة تارة أخرى، والقرآن الكريم هكذا؛ والنبي عليه الصلاة والسلام عندما سأله إنسان أن يأذن له بالزنا غضب الناس غضباً شديداً؛ فقال النبي:

((أتحبه لأمك ؟ قال : لا والله، جعلني الله فداك . قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم. قال : أفتحبه لابنتك؟ قال : لا والله يا رسول الله، جعلني الله فداك . قال : ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال : أتحبه لأختك؟ قال : لا والله، جعلني الله فداك....))

[رواه أحمد والطبراني عن أبي أمامة الباهلي]

 هذا طرح علمي، مناقشة عقلية محضة، أما الأنصار عندما وجدوا عليه في أنفسهم، قال:

((يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم، وجدتم علي في لعاعة من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا أنتم برسول الله))

[أحمد عن العرباض بن سارية]

 هذا كلام عاطفي؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام مرة خاطب العقل، ومرة خاطب العاطفة، والله عز وجل في آية واحدة خاطب العقل والعاطفة معاً، قال:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾

[سورة الانفطار: 6-7]

 خلقك فسواك وعدلك هذه مناقشة عقلية، أما ماغرك بربك الكريم؟ هذه مخاطبة عاطفية، فأيضاً الإنسان يجب أن يتعلم من أسلوب القرآن الكريم، ومن أسلوب النبي عليه الصلاة والسلام؛ وسائل التأثير.

 

خطب النبي كانت في كل وقت تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم :

 وكان عليه الصلاة والسلام يقول في خطبه:

((أيها الناسُ، إنكم لن تطيقوا - أو لن تفعلوا - كلَّ ما أُمِرتُم به، ولكن سَدِّدُوا وقارِبُوا، وأبشروا ويَسِّروا ))

[ أخرجه أبو داود عن الحكم بن خزن الكلفي]

 وكان يخطب في كل وقت تقتضيه حاجة المخاطبين ومصلحتهم - غير الجمعة - في خطبة عقد قران، في خطبة حربية؛ فكل موقف له مقال.
 ولم يكن يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله، ويتشهد فيها بكلمتي الشهادة، ويذكر فيها نفسه باسمه العلم، هو نفسه سيدنا محمد يقول:

((وأشهد أن محمداً عبده ورسوله))

[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود]

 ما كان يذكر اسمه إلا بلفظ العلم المفرد.
 وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء))

[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة]

 الجذماء: المبتورة.
 ولم يكن له شاويش يخرج بين يديه إذا خرج من حجرته؛ هناك تقاليد كهنوتية صارت فيما بعد؛ تقاليد ليست من الإسلام، يمشي الخطيب و أمامه إنسان يشق له الصفوف، هذا مظهر كهنوتي ما كان على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، والدليل: دخل أعرابي إلى مجلسه، قال: أيكم محمد؟ هناك روايتان، الأولى قال له: أنا، والثانية قال له صحابي: ذلك الوضيء.
 ليس له كرسي خاص أبداً، كان يجلس دائماً مع أصحابه.

 

تواضع النبي صلى الله عليه و سلم و عدم تكلفه :


 ولم يكن يلبس لباس الخطباء اليوم - لباس خاص للخطابة – كان عليه الصلاة و السلام عادياً؛ والإنسان إذا كان عادياً يكون محبباً للناس أكثر، عادي من دون تكلف، من دون تصنع، وكان منبره ثلاث درجات؛ أنا شاهدت منبراً في مصر؛ قيل: هذا أعلى منبر بالعالم، يمكن لا أبالغ؛ قريب من السقف، بالضبط للسقف، المنبر بجامع القلعة يصل للسقف، سيقعد الناس ويتطلعون؛ والله الآن أرى مساجد المنبر ثلاث درجات، شيء مريح؛ الخطيب مع الناس، الحديث والقرب من الأشخاص أقرب للتأثير، لا يرفع رأسه دائماً حتى يرى الخطيب، كان منبره ثلاث درجات، فإذا استوى عليه واستقبل الناس، أخذ المؤذن في الأذان فقط، ولم يقل شيئاً قبله ولا بعده، فإذا أخذ بالخطبة لم يرفع أحد صوته بشيء البتة؛ لا مؤذن ولا غيره، قال:

((وكان إذا قام يخطب أخذ عصا فتوكأ عليها وهو على المنبر))

[رواه الطبراني عن سعد القرظ]

 وكان الخلفاء الثلاثة من بعده يفعلون ذلك؛ إلا أن سيدنا الصديق نزل درجة، ترك لرسول الله درجة، هذا أدب؛ أي مهما كان عظيماً فهو دون رسول الله، وسيدنا عمر نزل درجة، قال: "ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر"، سيدنا عثمان لم ينزل درجة؛ فخليفة أموي سأل بعد عشرين سنة أنه لمَ لم ينزل سيدنا عثمان درجة؟ لماذا خالف السنة؟ فقيل له: إن فعلها فأنت سوف تصير في قعر بئر، أيضاً هناك حكمة؛ فسيدنا الصديق فعلها لحكمة بالغة، سيدنا عمر فعلها وانتهى الأمر.
 أما ما يفعله الخطباء اليوم من حملهم للسيف إشارة إلى أن الدين إنما قام بالسيف؛ قال: هذا جهل واضح ليس له أصل في السنة إطلاقاً، المحفوظ أنه صلى الله عليه وسلم توكأ على عصا وأن الدين قام بالوحي وليس بالسوط، بالوحي؛ الحق هو الذي انتشر وليس السوط.

 

قطعه صلى الله عليه وسلم الخطبة ونزوله لأمر ما :

 أما الشيء الغريب أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا عرض له في خطبته عارض اشتغل به ثم رجع إلى خطبته، أي كان طبيعياً، كان إنساناً طبيعياً، والشيء الطبيعي مؤثر، قال:

((مرة جاء الحسن والحسين يعثران فقطع كلامه؛ فنزل فحملهما، ثم عاد إلى منبره، ثم قال صدق الله العظيم:

﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾

[سورة التغابن:15]

((رأيت هذين يعثران في قميصيهما، فلم أصبر حتى قطعت كلامي فحملتهما))

[رواه ابن خزيمة و النسائي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ]

((وجاء سليك الغطفاني وهو يخطب، فجلس، فقال: قم يا سليك فاركع ركعتين وتجوز فيهما، ثم قال: إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما))

[رواه ابن خزيمة عن جابر بن عبد الله ]

 هذه قضية في الفقه خلافية، ولكن هكذا يرى؛ وكان يقصر خطبته أحياناً، ويطيلها أحياناً، بحسب حاجات الناس؛ أحياناً يكون مع صحابته في الليل و النهار، أما الآن تلقى الإنسان حظه من الخطبة هذه الجمعة - لا يوجد غيرها – و يتكلم كلمتين فقط، قال لهم: سوف أتكلم عن سيدنا يوسف؛ أتعرفون القصة؟ قالوا: نعرفها. قال لهم: لا تأتوا الجمعة الثانية0
 قال: الآن هناك خطبة لمن يذهب في نزهة تقدر بأربع دقائق، ماذا تعلّم؟ فكل وقت له ترتيب؛ والنبي كان يطيل أحياناً، ليس ثلاث ساعات أو ساعتان، ولا خمس دقائق أيضاً غير واردة إطلاقاً، أقل شيء نصف ساعة؛ و في هذه الخطبة يعالج موضوعاً، فكان يطيل ويقصر أحياناً.
 هذا هدي النبي في خطبته وفي دعوته.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018