بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

دروس جامع الأحمدي - الدرس : 101 - أحاديث شريفة عن الصيام والقيام وصلاة الصبح والعشاء


1998-12-20

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

رسالة رمضان :

 أيها الأخوة الكرام:
 سأبدأ الدرس بأربعة أحاديث شريفة, صحيحة, تتعلق بهذا الشهر الكريم؛ الحديث الأول:

((من صام رمضان إيماناً واحتساباً, غفر له ما تقدم من ذنبه))

[أخرجه البخاري في الصحيح]

((من قام رمضان إيماناً واحتساباً, غفر له ما تقدم من ذنبه))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]

((ومن صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يمسي, ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح))

 يعني: أنتم أمام فرصة منحت لكم من قبل الله عز وجل: أن تفتحوا مع الله صفحة جديدة في هذا الشهر الكريم؛ فمن قبل صيامه, وقبل قيامه, كان عتيقاً من النار, والله سبحانه وتعالى:

 

﴿يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾

[سورة النساء الآية:27]

 وحينما يأتي رمضان: تصفد الشياطين, ومعنى تصفد الشياطين: أن المؤمنين بطاعتهم, واستقامتهم, وتوبتهم, وإقبالهم, والتزامهم بالأمر والنهي, أبطلوا عمل الشيطان.

 

ما الفرق بين حقائق الإيمان وبين حلاوة الإيمان؟ :

 أيها الأخوة الكرام, من الأحاديث الصحيحة التي وردت في صحيح البخاري, قول النبي -عليه الصلاة والسلام-:

 

((ثلاثٌ من كُنُّ فيه وجدَ بهنَّ حلاوة الإيمان -هناك فرق بين حقائق الإيمان وبين حلاوة الإيمان؛ حقائق الإيمان: تقرأ كتاباً عن الإسلام, تكتسب منه حقائق الإيمان, تستمتع إلى درس علم متعلق بالإيمان, تكتسب منه حقائق الإيمان, تجلس في مجلس, تستمتع إلى خطبة ممتعة, تكتسب من هذه الخطبة بعض حقائق الإيمان, حقائق الإيمان قناعات, وأفكار تستقر في الذهن, والإنسان ليس الذي يُحركه قناعاته, ولكن حلاوة الإيمان.
شيء آخر: حقائق الإيمان تُكتسب بالسماع والقراءة, بينما حلاوة الإيمان ثمرة يانعة من ثمرات الاتصال بالله عز وجل, الذي يشد الناس إلى الدين ليست حقائق الإيمان فحسب بل حلاوة الإيمان, حلاوة الإيمان بمتناول أي إنسان, بشرط أن يطيع الواحد الديان.

النوع المقبول من الصيام :

 أيها الأخوة, أدنى نوع من أنواع الصيام: ترك الطعام والشراب, النوع المقبول: ترك كل ما نهى الله عنه.
 لذلك من أدعية رمضان: اللهم أعنا على الصيام والقيام, وغض البصر وحفظ اللسان.
 فالضبط الكامل, وفي مشكلة بالصيام: هو أنك في الصيام تدع المباحات, تدع الطعام والشراب, فإن لم تدع المعاصي والآثام اختل التوازن, تترك المباح خوفاً من الله, فكيف تقترف بعض المعاصي؟ كيف تغتاب؟ كيف تنظر إلى ما لا يحل لك؟.

 

هذا الذي ذاق حلاوة الإيمان :

 حلاوة الإيمان شيء, وحقائق الإيمان شيء آخر, ذاق حلاوة الإيمان من رضي بالله رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبياً ورسولاً-.
 ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, -كيف؟.
 طبعاً: يوجد عندنا حب نفسي وحب عقلي, لما الإنسان يمرض, ويكون بحاجة إلى دواء مهم جداً, والدواء مر, حينما يشتري الدواء, ويأكل الدواء وهو مر, إنه لا يحب هذا الدواء, ليس حباً نفسياً ذوقياً, ولكنه حب عقلي, لأن هذا الدواء سيشفيه من مرضه المستعصي.
 فالإنسان يحب أحياناً, أحياناً: إنسان يجلس بمكان, بدكان ضيقة جداً, والحر شديد, أما في موسم جيد جداً؛ ينسى أن يأكل, ينسى أن يستريح, مرتاح نفسياً, هو يحب هذا المحل حباً عقلياً, لأنه يدر عليه أرباحاً طائلة.
 إذاً: أن يكون الله ورسوله: يعني الله؛ يعني أوامر الله في القرآن الكريم: الأمر والنهي, ورسوله: سنة النبي عليه الصلاة والسلام.
 يعني: النص الشرعي كتاباً كان أو سنة, هذا الأمر الإلهي, أو ذاك النهي الإلهي, إذا كان تنفيذه تنفيذ الأمر, وترك النهي, أغلى عندك من مصالحك, ومن رغباتك, ومن نزواتك, الآن يسمح الله لك أن تذوق حلاوة الإيمان, حلاوة الإيمان ثمنها: طاعة الواحد الديان.

 

 

ما موضوع هذا الحديث؟ :

 فيقول عليه الصلاة والسلام-: ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.
 -الحقيقة: الإنسان -أحياناً- يقول لك: أنا الحمد لله أنا تزوجت, والزواج سنة, هناك أعمال كثيرة يأمر بها الدين, لكنها تتوافق مع رغبة النفس.
 الحديث هذا ليس هو موضوعه, حين التعارض, حينما تتعارض مصالحك مع النص الشرعي, أنت مع من؟ هل تؤثر دنياك على آخرتك فتخسرهما معاً؟ أو تؤثر آخرتك على دنياك فتربحهما معاً؟ عند التوافق لا يوجد مشكلة أبداً, لا يوجد مشكلة.
 أحياناً الإنسان: يعمل عمرة في الشتاء, يركب طائرة, ينزل في فندق خمس نجوم, يدعى إلى ولائم نفيسة, يعمل طواف سبعة أشواط, وسعي, ويقص, وانتهت العمرة, ويأتي معه الهدايا, والاستقبال, عملنا عمرة الحمد لله, هذه تتوافق, تتوافق مع رغبة النفس, قضية سهلة جداً تزوجنا.
 في أعمال كثيرة يأمرك بها الدين, وتتوافق مع رغبة النفس, أما الحديث يتعلق بشيء آخر: حينما تتعارض مصالحك مع النص الشرعي, أنت مع من؟ مع مصالحك أم مع النص الشرعي؟ مع ما يرضي الله أم مع ما يرضي زوجتك؟ مع ما يرضي الله أم مع ما يرضي شريكك؟ مع ما يرضي الله أم ما يحقق مصلحتك؟.
 إذا كان الله في قرآنه: الأمر والنهي, والنبي في سنته: افعل أو لا تفعل, أحب إليك -حباً عقلياً- مما سواهما, ذقت حلاوة الإيمان, ومن ذاق حلاوة الإيمان عرف.
 أصحاب النبي عليهم -رضوان الله عليهم- ذاقوا حلاوة الإيمان, فباعوا أنفسهم في سبيل الله, بذلوا الغالي والرخيص, والنفس والنفيس في سبيل الله.

 

 

من علامة الولاء والبراء :

 الحديث-: ثلاثٌ من كُنُّ فيه وجدَ بهنَّ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, -البند الثاني-: وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله -أنت مع من؛ مع الأقوياء أم مع المؤمنين؟ إن كنت مع الأقوياء, ومع الأغنياء, فأنت لا توالي الله ورسوله, المؤمن يوالي أهل الإيمان, ويعادي أهل الكفر والعصيان.
 فهذا الذي لا يصلي, لا يصوم, لا يفعل شيئاً في طاعة الله, لو أعطاك شيئاً نفسياً هل تحبه؟ علامة الولاء والبراء: أن تبغض منحرفاً ولو أعطاك, وأن تحب مؤمناً ولو منعك, هذا الولاء؛ أن تحب المؤمنين ولو كانوا فقراء, ولو كانت حياتهم خشنة, ولو كانوا مغلوبين على أمرهم, وأن تكره الكفر والفسوق والعصيان ولو كان الكفر قوياً, مارداً, جباراً, في أعلى درجات التألق, والقوة, والوجاهة, المؤمن الصادق يوالي أهل الإيمان, ولا يوالي أهل الفسوق والعصيان.
 أحياناً الإنسان: تأتيه دعوة, إذا لباها فتلبيتها من الدنيا, وقد تأتيه دعوة من فقير مؤمن, إذا لباها فتلبيتها من الآخرة.

 

 

نقطة دقيقة :

 فالبند الأول: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, دائماً دقق, وتأمل, ودقق في تصرفاتك: أنت مع مصلحتك أم مع النص الشرعي؟.
 يوجد أناس كثيرون, إذا كانت مصلحته تتحقق بالمحاكم, يقول لك: أخي نحن نعيش في بلد؛ فيها قوانين, وفيها أنظمة, أريد أنا القضاء, إذا كان يسكن في بيت, لا يخرج منه صاحبه, محمي بقانون الإيجار, يقول لك: أريد الشرع, وفق مزاجه؛ إن وجد مصلحته تتحقق يريد الشرع, وإن كانت مصلحته تتحقق بالقانون يريد القانون, هذا الأسلوب الملتوي, هذا لا يُرضي الله عز وجل؛ أنت مع الشرع, أنت مع الحق, ولست مع غير الحق, فإذا واليت أهل الإيمان, واليت أمر الله, دقق في هذه الآية:

 

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[سورة الأحزاب الآية:36]

 أحياناً: يكون الزواج في بلد غربي, إذا المصلحة أن يتم ضمن المركز الإسلامي, يتم بالمركز الإسلامي, أما إذا كان في طلاق, تُرفع القضية لقاضي أمريكا, لأن الزوجة تتقاضى نصف أملاك زوجها عند ذلك, فأين الولاء بقي؟ أين الولاء للدين؟.
 أنا حينما أحتكم لقاض ليس مسلماً, من أجل أن آخذ نصف مال زوجي, هذا الذي نعنيه بقول النبي الكريم: يجب أن يكون الله ورسوله أحب إليك مما سواهما-, وأن تحب المرء لا يحبه إلا لله.

 

خاتمة القول لهذا الحديث :

 

((وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار))

 يعني: هو في الأعماق لا في الشاطىء؛ في أعماق البحر, وفي أعالي الجبال, أما هذا الذي:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾

[سورة الحج الآية:11]

 هذا لا يكره أن يعود في الكفر, كما يكره أن يلقى في النار.

 

دعوة رجاء :

 أرجو الله سبحانه وتعالى: أن يكون رمضان من أجل أن نذوق حلاوة الإيمان, وأن يكون رمضان عتقاً لنا من النار, وأن نحسن صيامه وقيامه, عندئذ نفتح مع الله صفحة جديدة, عقب نهاية هذا الشهر, والحمد لله رب العالمين.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018