٠07رمضان 1421 هـ - دراسات قرآنية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رمضان 1421 - دراسات قرآنية - الدرس : 13 - من سورة آل عمران - العذاب .


2000-12-04

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

عذاب الإنسان مرتبط بذنوبه

 أيها الأخوة الكرام ؛ لأن الإنسان مفطور على حب وجوده ، وعلى حب سلامة وجوده ، وعلى حب كمال وجوده ، وعلى حب استمرار وجوده ، قضية العذاب أساسية جداً جداً في حياته ، يحب السلامة ، يحب السعادة ، يحب الكمال ، يحب الدوام ، فإذا طرأ طارئ أقلقه أو نغص عليه حياته ، أو جعله على غير ما فطر عليه ، من حب السلامة يقلق ، ويتألم ويبحث ، المؤمن عنده ميزة لا تقدر بثمن ، أن الذي خلقه بين له أن كل شيء يزعجك ويؤلمك له سبب .

﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾

[سورة الأنفال الآية:35]

 لو تتبعت آيات العذاب لوجدتها كلها معللة بذنب .

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾

[سورة الشورى الآية:30]

 لما خالق الكون يبين لك أن كل شيء يزعجك بسبب ذنب ارتكبته ، لو عدنا إلى بعض الآيات :

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾

[سورة المائدة الآية:18]

 هذه دعوة .

﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾

[سورة المائدة الآية:18]

 الباء باء السبب ، أي يعذبكم بسبب ذنوبكم .

﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾

[سورة المائدة الآية:18]

 ماذا يُفهم من هذه الآية ؟ لو أن الله قبل دعواهم بالمحبة لما عذبهم ، يستنبط أن الله عز وجل لا يعذب أحبابه ، هذا شيء يلقي الأمن في قلب المؤمن ، الحياة مفعمة بالأخطار ، أخطار لا تعد ولا تحصى ، بدءاً من جسمك ونهايةً بالأقوياء ، كلكم يسمع ويشاهد ما يحل بالناس في العالم ، من تشرد ، من أعاصير ، من براكين ، من زلازل ، من فقر ، من قهر .

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾

[سورة الأنعام الآية:56]

 ربط العذاب بالذنب شيء دقيق جداً في حياة المؤمن .
 أيها الأخوة ؛ النبي عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح آخر حينما أردف خلفه سيدنا معاذ .
 عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ :

(( بَيْنَمَا أَنَا رَدِيفُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا آخِرَةُ الرَّحْلِ فَقَالَ : يَا مُعَاذُ ! قُلْتُ : لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ. قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ . قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ ؟. قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : حَقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا . ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ. قُلْتُ : لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . قَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ ؟ . قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ : حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ ))

[أخرجه البخاري]

 خالق الكون أنشأ لك حقٌ عليه ، أنت في ملكه ، أنت لست نداً له ، أنت في ملكه ، لو فعل بك ما شاء لا يعد ظالماً لك ، لأنك جزء من ملكه ، ومع ذلك الله عز وجل أنشأ لك حقٌ عليه

(( قَالَ : حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يُعَذِّبَهُم ))

 تأتي آية ثانية :

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[سورة الرعد الآية:11]

 مستحيل أن يظهر طارئ بحياتك دون سبب ، قد يكون له سبب أرضي ، أما السبب الحقيقي فهو أن الله هو مسبب الأسباب ، الله إذا أراد شيئاً يهيئ أسبابه ، معنى هذا أنه يوجد سبب قبل السبب المادي ، أي يوجد سبب من عند الله ، لأن الله عز وجل إذا أراد إنفاذ أمرٍ أخذ من كل ذي لبٍ لبه ، كيف يقدر الله الأذكياء ، وهو في قمة ذكاءه ، وهو في حكمته ، وهو في رجاحة عقله ، وفي ثقافته وإطلاعه ، وعلاقاته وشبكة اتصالاته ، يريه رؤيا غير صحيحة ، إن الله إذا أراد إنفاذ أمرٍ أخذ من كلِ ذي لب لبه ، يرتكب الإنسان حماقة ما بعدها حماقة ، وهو في قمة ذكاءه ، والله عز وجل مربي ، هنا قضية العذاب من أخطر قضايا الدين ، العذاب مربوط بذنب .

﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾

[سورة الأنفال الآية :34]

 ورد في بعض الأحاديث : ما من عثرة ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عودٍ ، إلا بما قدمت أيديكم ويعفو الله أكثر .
 أي أعظم ما في حياة المؤمن أنه يفسر كل الشدائد ، وكل المضايقات ، وكل البلايا ، وكل المصائب ، وكل المرهقات ، بحسب نصوص الكتاب والسنة ، تفسير حقيقي من عند خالق الكون ، هناك تفسيرات كثيرة لا قيمة لها إطلاقاً ، قد تفسر الأمر تفسير أرضي ، تفسير مادي ، تفسير بيئي ، تفسير توازن قوى ، هذه التفسيرات كلها لا تقف على قدميها ، أي مثلاً بلد أصابته حرب أهلية ، أخرته مائة عام ، وأتلفت كل شيء ، وأهلكت الحرث والنسل ، وقضت على مائة ألف أو يزيدون ، قد يفسر هذا الحدث تفسير من زاوية أو ثانية أو ثالثة ، العبرة التفسير القرآني :

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾

[سورة النحل الآية:112]

 هذا هو التفسير القرآني ، فلماذا حياة المؤمن حياة غنية ؟ غنية بالنص القرآني ، فكلما جاءته مصيبة فسرها ، لم يقبل تفسيراً أرضياً قريباً ، هذا شيء واقع ، مثلاً لو أن أهل بلدة فسقوا وفجروا أصابهم زلزال ، أن يكون هذا الزلزال بسبب فسقهم هل ينفي التفسير المادي للزلزال ؟ لا.
 حركة بباطن الأرض ، من حرك هذه الطبقات ، من هز هذه الطبقات ؟ من هو ؟ مسبب الأسباب .
 فأهل الدنيا يقفون عند الأسباب المادية فقط ، فالكوارث وكل شيء يصيب الدنيا يفسر عند أهل الدنيا تفسير مادي ، أرضي قريب ، أما المؤمن ولأنه يؤمن بمسبب الأسباب فيقول : الذي بيده هذه الأسباب لماذا حركها ؟ حركها لحكمة !! ما حكمتها ؟ كذا وكذا .

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾

[سورة هود الآية:117]

 يوجد هلاك من طريق زلازل ، براكين ، أعاصير ، حروب أهلية ، هذه كلها أسباب مباشرة ، ما هو السبب غير المباشر ، هو أن الله أراد أن يؤدب هؤلاء ، قال تعالى :

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

[سورة السجدة الآية:21]

 العذاب الأدنى عذاب الدنيا ، والعذاب الأكبر عذاب النار . الآن المؤمن الصادق الذي نوَّر الله قلبه لا يقف موقف لا مبال من المصيبة ، يفهمها فهماً تربوياً ، ويبحث عن السبب الحقيقي الذي ساق له هذه المصيبة ، إنه ذنب ارتكبه ، يبحث عنه ، يضع يده عليه ، يتوب منه ، إذاً هذا المصاب لا يعود مرة ثانية ، أما ما الذي يحصل عند الناس ؟ تأتيه مصيبة يفسرها تفسير أرضي ، لا يغير ما هو عليه ، مقيم على معصية لا يقلع عنها ، الآن تأتيه مصيبة أشد ، الله سبحانه وتعالى قال :

﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾

[سورة الجن الآية:17]

 متنام ، كالطبيب تماماً ، يعطيه عيار خمسة ، لا يؤثر يرفع إلى عيار عشرة ، ثم إلى عيار مائة ، لذلك أكبر مصيبة على الإطلاق أن لا تحدث فيك المصيبة أثراً ، من لم تحدث المصيبة فيه موعظة فمصيبته في نفسه أكبر ، لأنه من المستحيل أن يسلمك الله لإنسان ، لأنه عندما قال لك الله عز وجل اعبدني يا عبدي ، لو أن أمرك بيد زيد أو عبيد كيف تعبده ؟ ينبغي أن تعبد من أمرك بيده ، لو أنه جدلاً وفرضاً سلمك لمخلوق ، أما بالعين المباشرة ، بالرؤيا السطحية قد يكون فلان تحت أمرة فلان ، وفلان تحت رحمة فلان ، هذا بالرؤية السطحية ، لأن الله عز وجل قال :

﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾

[سورة الشورى الآية:53]

 فيأتي سؤال كبير جداً ، بيد من كانت ثم صارت بيد الله ؟ هل يعقل أن تكون الأمور بغير يد الله ثم صارت إليه ؟ العلماء قالوا : لا ، الأمور دائماً بيد الله ، ولكن أهل الدنيا يرون الأمور بيد زيد أو عبيد ، هذه رؤيتهم الناتجة عن ضعف إيمانهم ، أما يوم القيامة كل الخلائق يرون الأمر بيد الله ، هو بيد الله دائماً في الدنيا والآخرة ، لكن أهل الإيمان وحدهم في الدنيا يرونه بيد الله ، أما عامة الناس يرونه بيد الدولة الفلانية ، والآن أكبر شيء وقع به المسلمون الشرك ، رأوا دولة قوية جداً استقطبت العالم وتملي إرادتها على كل الشعوب وهي أقوى دولة ، وأنا ذكرت في الخطبة عن عاد الأولى والثانية ، قال الله تعالى :

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى﴾

[سورة النجم الآية:50]

 معنى هذا أنه يوجد عاد ثانية ، هذه القبيلة عاد ما خصائصها ؟

﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾

[سورة فصلت الآية:15]

 وهذه أول خصيصة ، الكبر ، الخصيصة الثانية :

﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾

[سورة الفجر الآيات:6-8]

 تفوق في كل المجالات .

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾

[سورة الشعراء الآيات:128-130]

 هذه الخاصة الثالثة ، أما الرابعة :

﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾

[سورة الحاقة الآية: 6-7]

 إذاً العبرة أن تربط كل شيء يزعجك في الدنيا لا بسبب أرضي مباشر بل بسبب إلهي غير مباشر ، لأن الله عز وجل مسبب الأسباب ، وأنا أقول دائماً حينما تفهم على الله حكمته من سوق الشدائد حلت مشكلتك ، حينما تفهم على الله حكمته البالغة من سوق الشدائد حلت مشكلتك .

﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية:147]

 أي تقتضي رحمته الواسعة أن يرد بأسه عن القوم المجرمين ، الذين تخلوا عن إنسانيتهم ، أو تخلوا عن رسالتهم في الحياة ، هذه نقطة .

 

النصر للمؤمنين ولو بعد حين

 يوجد آيات يقدر الإنسان أن يقرأها لكن لا يستفيد منها ، يقول الله عز وجل :

﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾

[سورة آل عمران الآية:139]

 في النهاية ، ولكن هذه الآية تملأ قلب المؤمن ثقة بنفسه وبدينه وبالمستقبل ، ثقة بنفسه لأنه مؤمن .

﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾

 

[سورة آل عمران الآية:139]

 تملأ ثقته بالمستقبل ، المصير للمؤمن ، أي الباطل يجول لكن لا يستقر إلا على الحق .

﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾

[سورة القمر الآية:3]

 الأمر لا يستقر إلا على إحقاق الحق وإبطال الباطل ، الباطل مهما كان قوياً فإلى زوال .

﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾

[سورة الإسراء الآية:81]

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة الأنفال الآية:36]

 فسينفقونها ثم ستكون عليهم حسرة ثم يغلبون ، فإن كان وضعنا الآن أن الغلبة للكفار فهذا وضع مؤقت ، الأمر لا يستقر إلا على نصر المؤمنين .

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾

[سورة القصص الآية:5-6]

 ذكرت هذا لبعض الأخوة فقال لي : إن هؤلاء الأقوياء الذين استقطبوا العالم عندهم كل أسباب القوة ، ولكن الله عز وجل قادر على أن يأتيهم من مأمنهم ، يؤتى الحذر من مأمنه ، من جهة أمنه يؤتى ، فأكثر المصائب الكبرى التي قال عنها بعض العلماء : عرفت الله من نقض العزائم .
 أكثر المصائب الكبرى جاءت من جهة غير متوقعة ، أقوياء مالياً ، أقوياء صناعياً ، أقوياء سلاحاً ، أقوياء سيطرة ، أقوياء معلومات ، هذه القوى يأتيهم الله من حيث لم يحتسبوا ، فالعبرة أن نكون من الداخل أصحاب معنويات عالية ، لأننا مؤمنون والحمد لله ، وأن لا نهزم من الداخل ، قد نهزم من الخارج ، أما من الداخل ينبغي أن لا نهزم ، لأن الله عز وجل قال :

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾

[سورة آل عمران الآية:146]

 طبعاً هذه الآية تصب في خانة الموضوع الأول .

 

الحساب الجاري ، والمصائب الكشف

﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

[سورة الأنفال الآية:53]

 يوجد كلمات جامعة مانعة باللغة البسيطة ، أنت بخير لا تغير لا يغير ، يوجد شيء أزعجك ، غيِّر حتى يغيِّر ، والله ممكن أن تضغط ألف محاضرة بهذه الكلمات ، أنت بخير لا تغير لا يغير ، يوجد عندك مشكلة كبيرة ؟ غيِّر حتى يغيِّر.

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾

[سورة الرعد الآية:11]

 وكل شيء له ثمن ، وكل شيء له ثواب ، وكل شيء له عقاب ، فمن هو العاقل ؟ هو الذي لا يفعل أسباب المصائب ، الأسباب الحقيقية البعيدة .
 استوقفني مرة أخ مسلم ، بينما كنت ماراً قرب محله التجاري ، وكأنه قال لي معاتباً ربه : لا يوجد عندي أي مخالفة في المحل ، البضاعة وطنية ، والأسعار صحيحة ، وفواتيري معي ، ولا يوجد عندي أي مخالفة ، جاءني موظف وكتبني مخالفة ، عقوبتها محكمة وشهرين في السجن ، متألم أشد الألم من هذا الوضع ، لا يوجد أي مخالفة ، بضاعته كلها وطنية إنتاج محلي ، فواتيره كلها جاهزة ، يبدو أن هنالك تسعيرة ساقطة ، قلت له : هل تظن أن الله يحاسبك على أساس حساب السندات أم الحساب الجاري ؟ فلم يفهم علي ، ثم بينت له ، الحساب الجاري هو أنه إن كان يوجد أخطاء في المنزل فتدفع ثمنها في المحل ، أي إن كان يوجد أمر لا يرضي الله في البيت ، كملء عينين من حرام ، أو يوجد منكرات في البيت هذا الذي فعلته في البيت مسجل في صحيفتك ، حساب جاري ، فيأتي التأديب في المحل ، فلا تستغرب أن تكون في مكان أنت بريء فيه مائة بالمائة ، فيأتي التأديب في هذا المكان لسبب من مكان آخر ، فالحساب ليس حساب سندات ، وكل صفقة لوحدها ، بل حساب جارٍ ، كله متداخل مع بعضه ، لذلك الإنسان حينما يحاسب نفسه ، هذه نقطة مهمة جداً ، طبعاً هذا لا ينفي أن المؤمن حينما يستكمل إيمانه فإنه يبتلى ، ابتلاء يعرفه معرفة يقينية أنه ابتلاء ، وأنه كي يرفعه الله عز وجل ، وغالباً متعلق بأسباب مقدسة ، هنا ليس بالدعوة ، أي أنت قد تعاني في الدعوة ما تعاني ، هذه ليست مصائب مادية كعقابات ، الأنبياء العظام ابتلوا

((عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلاءً ؟ قَالَ : الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ ))

[أخرجه الترمذي]

 مصائب الدعاة والصديقين والمتفوقين هذه لها تفسير آخر ، بل إن مصائب الأنبياء مصائب كشف فقط ، لأنهم ينطوون على كمال لا يظهر إلا في وضع صعب ، فإنسان يمشي ثمانون كيلو متراً في الجبال حتى يكذبونه ويسخرون منه ، بل ويضربونه ، ويأتيه ملك الجبال ويقول له : أنا تحت أمرك لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين ، يقول : لا اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون .
 هذه مصيبة كشف ، أي هذا الكمال العالي جداً لا يمكن أن يظهر إلا بهذا الظرف الصعب ، مصائب الأنبياء مصائب كشف ، ومصائب المؤمنين مصائب دفع ورفع ، بينما مصائب أهل الدنيا والشاردين مصائب قصم أو ردع ، قصم أو ردع ، رفع أو دفع .
 والحمد لله رب العالمين
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، اللهم أعطنا ولا تحرمنا ، أكرمنا ولا تهنا ، آثرنا ولا تؤثر علينا ، أرضنا وارضى عنا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018