٠27برنامج الإسلام والحياة - قناة سوريا الفضائية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإسلام والحياة - الدرس : 20 - الإنسان مسير أم مخير .


2002-12-27

كلّ إنسان مخير و مسؤول عن عمله :

 إخوتي المؤمنون، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
 هناك سؤال يكثر طرحه في الأوساط الإسلامية، وهو: هل الإنسان مخيَّر أم مسيَّر؟ والحقيقة أنه يبنى على الإجابة عن هذا السؤال موقف الإنسان، ذلك أن سيدنا عمر رضي الله عنه أوتي برجل شارب للخمر، فقال هذا الخليفة رضوان الله عليه: أقيموا عليه الحد، فقال هذا الإنسان المذنب: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدّر عليّ ذلك- أنا مسيّر- فقال سيدنا عمر: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار .
لو ألغينا الاختيار لعطّلنا حمل الأمانة والمسؤولية، والثواب والعقاب، والجنة والنار .
 أيها الأخوة الكرام، في القرآن الكريم آية هي أصل في هذا الموضوع، وهي قوله تعالى:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 148]

 قال العلماء: هذه الآية أصل في أن الإنسان مخيّر، لو أن الإنسان مسيَّر، أيْ لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، لو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، أنت مخيَّر ومسؤول عن أعمالك .

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 92-93]

 أما أن تفهم أن الإنسان مسيّر فكأن تقول:

ألقاه في اليم مكتوفاً و قال له: إيّاك إياك أن تبتل بالماء
***

الآيات المتشابهات تحمل على الآيات المحكمات :

 أيها الأخوة، حينما تقرأ بعض آيات القرآن الكريم فتظن أو تتوهم أنها تعني الجبر، فينبغي أن تعلم علم اليقين أن في القرآن آيات محكمات، وفي القرآن آيات متشابهات، فالآيات المتشابهات، أي أن الآية إذا ظننت أو توهمت أنها تعني الجبر ينبغي أن تحمل الآيات المتشابهات مهما كثرت على الآيات المحكمات مهما قَلّتْ، هذه قاعدة .
 مثلاً: لو أنك قلت: القمح مادة خطيرة! ما معنى خطيرة؟ هل يعني أنها قنبلة أم أنه مادة أساسية ؟ هذه كلمة فيها معان احتمالية، لو قلنا في مكان آخر: القمح مادة أساسية، فهذا محكم، واضح كالشمس .
 فكلمة: " القمح مادة خطيرة " تحمل على أنها مادة أساسية، فالآيات المتشابهات مهما كثرت تحمل على الآيات المحكمات مهما قلَّتْ:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 148]

 هذه آية محكمة، أصل في أن الإنسان مخير .
 آية ثانية:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

[ سورة الكهف: 29 ]

 آية ثالثة:

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا ﴾

[سورة الإنسان: 3]

 آية رابعة:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

[سورة البقرة: 148]

 على من تعود هو؟ لو ظننت أنها تعود على لفظ الجلالة، أي إن الله يأمرك أن تستبق الخيرات آية، ووجهتك بيده آية، فهناك تناقض، مادام الله جلّ جلاله يقول لك:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾

[سورة البقرة: 148]

 ثم يقول:

﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

[سورة البقرة: 148]

 تولية هذه الوجهة بيد الإنسان، ففي القرآن آيات محكمات، لكن إذا وجدت آية كقوله تعالى:

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ﴾

[سورة الرعد: 27]

 ينبغي أن تُحمل كل الآيات المتشابهات على الآيات المحكمات، وهذه قاعدة أصولية .

 

قضية الاختيار قضية خطيرة جداً في الإسلام :

 أيها الأخوة، لكن يقول بعض العلماء: إن هناك آيات يفهمها الإنسان على أن الله هو الذي يضل الإنسان، بماذا أجاب العلماء؟ قالوا: هذا هو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري، كقوله تعالى:

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

[سورة الصف: 5]

 مثل يوضح هذه الآية: طالبٌ لم يداوم، ولم يقدم امتحاناً، ولم يلتقِ بمدرس، ولم يشترِ كتاباً، ولم يبذل أي نشاط، جاءه إنذار تلو الإنذار من إدارة الجامعة كي يلتحق بالجامعة، ويرفع مستوى دوامه، كي يؤدي الامتحان، فرفض أشدّ الرفض، بعد إصراره على عدم الدوام، وعدم الدراسة، وعدم أداء الامتحان يصدر قرار من إدارة الجامعة بترقين قيده، هل نقول: الجامعة ظلمته وطردته من قاعاتها؟ لا، قرار الجامعة تجسيد لرغبة هذا الطالب الكسول، هذا معنى إضلال جزائي مبني على ضلال اختياري .
 إذا ورد الإضلال منسوباً إلى الله في القرآن الكريم فهو الإضلال الجزائي الذي يبنى على ضلال اختياري، فقضية الاختيار قضية خطيرة جداً في الإسلام.

 

الإضلال إذا نسب إلى الله فهو الإضلال الجزائي المبني على إضلال اختياري :

 إذا توهمت أن الله أجبرك على كل المعاصي والآثام فإنك تقعد ولا تتحرك، بل ما من عقيدة تشل الإنسان كهذه العقيدة، إنها عقيدة زائغة، كيف؟ أن الله خالق الإنسان خلقه كافراً، وسوف يعذبه لأبد الآبدين، لكن الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى أعطى الإنسان حرية الاختيار، قد تقرأ قوله تعالى:

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

 قد يتوهم المتوهم أن الله خلق الغفلة في قلب هذا الإنسان، لا، عد إلى اللغة العربية، لأن هذا القرآن نزل بلسان عربي مبين، فعل أغفل لا يعني أن الله خلق فيه الغفلة، بل يعني أن الله وجده غافلاً، عد إلى معاجم اللغة، يقول بعضهم: عاشرت القوم فما أجبنتهم، ما وجدتهم جبناء، عاشرت القوم فما أبخلتهم، ما وجدتهم بخلاء، فحينما تقرأ قوله تعالى:

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

 من وجدناه غافلاً، لا كما يتوهم المتوهمون أن خلق الغفلة فيهم، حينما تقرأ قوله تعالى:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 7-8]

 لا يعني قوله تعالى هذا أن الله خلق فيها الفجور، لكنه فطرها فطرة عالية، حيث لو أنها فجرت تعلم ذاتياً أنها فجرت، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة: 14-15 ]

 أنت مفطور فطرة عالية حيث إذا انحرفت عن منهج الله تشعر بالكآبة، والكآبة الآن مرض العصر، الكآبة خروج النفس عن فطرتها:

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾

[ سورة القيامة: 14-15 ]

 هذه الآيات ينبغي أن نفهمها فهماً صحيحاً. ألم يقل الله عز وجل:

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل: 43 ]

 من هم أهل الذكر؟ أهل القرآن، فلا ينبغي أن تفهم القرآن فهماً باجتهاد منك، وقد يكون المعنى عكس ذلك:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 7-8]

 أي تعلم النفس بفطرتها العالية ذاتياً أنها فجرت، وتعلم أنها اتقت.

﴿ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا ﴾

[ سورة الكهف: 28 ]

 أي من وجدناه غافلاً .

﴿ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ﴾

[سورة الرعد: 27]

 هذا الإضلال إذا نسب إلى الله عز وجل فهو الإضلال الجزائي المبني على إضلال اختياري:

﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾

[سورة الصف: 5]

 فكل الآيات المتشابهات التي يشم منها رائحة الجبر ينبغي أن نحملها على الآيات المحكمات الواضحات البينات.

 

الربط بين مشيئة الإنسان و مشيئة الله ليس ربط جبر بل ربط فضل :

 حينما يقول الله عز وجل:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

[ سورة الكهف: 29 ]

 الآية واضحة، لكن بقية الآية:

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾

[سورة الإنسان: 30]

 يأتي إنسان محدود التفكير، سريع التلقي، فيفهم أن مشيئة الإنسان مربوطة جبراً بمشيئة الله، الجواب: ليس كذلك، أنتم حينما تختارون الخير، وترتقون إلى الجنة، هذا العطاء العظيم الذي كان بسبب أنكم مخيرون، ولولا أن الله شاء لكم أن تكونوا مخيرين لما اخترتم، هذا الربط ربط فضل وليس ربط جبر، فرق كبير بين ربط الفضل وربط الجبر.

﴿ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾

[سورة الإنسان: 30]

 لولا أن الله شاء لكم أن تشاؤوا لما شئتم الخير، فالخير الذي جاءكم من عند الله بسبب أنكم اخترتم الخير، هذا الاختيار منحة من الله عز وجل، شاء لكم أن تختاروا فاخترتم، فهذا الربط بين مشيئة الإنسان وبين مشيئة الله جل جلاله ليس ربط جبر بل هو ربط فضل.

 

حكمة الله تقتضي أن يأتي الإنسان إلى الله طائعاً ومحباً لا مجبراً :

 قد تقرأ آية أخرى:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

[سورة السجدة: 13]

 كأن المعنى المتوهم: ولكن الله لم يشاء:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾

[سورة السجدة: 13]

 هذه آية قد لا يفهمها القارئ فهماً دقيقاً وعميقاً، أنتم أيها البشر مخيرون، هويتكم أنكم مخيرون:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

[ سورة الكهف: 29 ]

 لو أردت أن ألغي اختياركم، وأجبركم على شيء لما أجبرتكم إلا على الهدى، لو شئنا أن يلغى اختيار الإنسان، وأن تغير هويته، وتلغى خياراته، ولو أن الله أراد أن يجبره، ولأنه ذات كاملة لا يجبره إلا على الخير:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

[سورة السجدة: 13]

 لو كنت مجبركم يا عبادي لما أجبرتكم إلا على الخير، ولكن الإنسان مخير، وباختياره يرقى إلى أعلى عليين، الله سبحانه وتعالى من قدرته أن يهدي الناس جميعاً هدى قسرياً، ولكن حكمة الله تقتضي أن يأتيه الإنسان طائعاً ومحباً، فلذلك:

﴿ لا إِكراهَ فِي الدّينِ ﴾

[سورة البقرة: ٢٥٦]

 ولا يمكن أن يكره إنساناً على أن يكون مسلماً:

﴿ لا إِكراهَ فِي الدّينِ ﴾

[سورة البقرة: ٢٥٦]

 الدين ينبغي أن يكون بمبادرة من الإنسان، وبدافع من محبة الله، فالآية الكريمة:

﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ﴾

[سورة السجدة: 13]

 أي يا عبادي لو أنني مجبركم على شيء لما أجبرتكم إلا على الهدى، كما أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾

[سورة الأنعام: 88]

 يقصد:

﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾

[ سورة الكهف: 29 ]

 ولو أعدتَ ضمير المشيئة على الإنسان لاتضح الأمر تماماً.
 أيها الأخوة، آيات كثيرة جداً تؤكد أن الإنسان محير، كما قلت قل قليل: لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، لكن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً .

 

الفرق بين الأمر التكويني و الأمر التكليفي :

 أيها الأخوة، العلماء يقولون: هناك أمر تكويني، وأمر تكليفي، وفرق كبير بين الأمر التكويني والأمر التكليفي.
 تماماً كما لو أنك تركب مركبة، ورأيت في بعض الشوارع لوحة كتب عليها: ممنوع المرور، هذا أمر تكليفي، بإمكانك أن تمر، وتخالف النظام، ولكنك تدفع الثمن، أما حينما تجد أمامك قطع إسمنتية مكعبة كبيرة تمنع المرور، فنقول: هذا أمر تكويني، فالأمر التكويني أفعال الله، بينما الأمر التكليفي أوامر الله عز وجل.
 وفي قصة سيدنا موسى مع الخضر ملمح رائع، ذلك أن سيدنا موسى علم الأمر التكليفي، وأن سيدنا الخضر علم حكمة الأمر التكويني، جاء الاختلاف بينهما أن بعض الأوامر التكوينية لم تتضح لسيدنا موسى، فاعترض على سيدنا الخضر، سيدنا الخضر يعلم الأمر التكويني، يعلم حكمة أفعال الله عز وجل، سيدنا موسى يعلم الأمر التكليفي.

 

من رفض أصل الدين فقد ضلّ ضلالاً حكمياً :

 شيء آخر أيها الأخوة، افتراضاً لو أننا بنينا جدارين بينهما ما يساوي عرض كتف أحد الأشخاص، فإذا سار في هذا الطريق مسّ كتفه الأيمن الجدار الأيمن، وكتفه الأيسر الجدار الأيسر، فإذا قلنا لهذا الإنسان: خذ اليمين، هل لهذا الأمر من معنى؟ مادام يمشي في طريق محدد لا يستطيع أن يحيل لا يمنة ولا يسرة، ما معنى الأمر؟ الأمر لا معنى له، وهل يعقل أن يقول الله في قرآنه كلاماً لا معنى له؟ قال علماء العقيدة: لمجرد الأمر والنهي في القرآن الإنسان مخير، لمجرد أنك تأمره أو تنهاه فهو مخير، أما إذا كان لا يستطيع أن يغير ولا يبدل فلا معنى للأمر ولا معنى للنهي، فالأمر والنهي من أدلة أن الإنسان مخير.
 أيها الأخوة، لو أنك مسافر إلى بلد، وقبل هذا البلد وجدت طريقين من دون إشارات، ومن دون تعيين هذين الطريقين، ورأيت إنسانًا يقف، فسألته: من أين طريق حمص؟ قال لك: من هنا، وسأعطيك تفاصيل أكثر في هذا الطريق، وعما ينتظرك في هذا الطريق، أنت إذا رفضت نصيحة هذا الإنسان جملة وتفصيلاً، فهل يستطيع هذا الإنسان أن يتابع تقديم الخبرات والمعلومات الدقيقة لك؟ أنت رفضته رفضاً كلياً، أما حينما تستجيب له، وتثني عليه فيعطيك التفصيلات.
 علاقة هذا المثل بهذا اللقاء الطيب أن الإنسان حينما يرفض الدين يضل ضلالاً حكمياً، كل أوامر الدين، وكل نواهيه، وكل المناهج في الدين، وكل وسائل السلامة في الدين محروم منها، فكأنه ضلّ ضلالاً حكمياً لأنه رفض أصل الدين.
 طالب خارج الجامعة، كل الميزات التي لطلاب الجامعة محروم منها، هذا نوع من الضلال، أي إنه حرم نفسه كل التوجيهات الدينية التي تضمن سلامته وسعادته.
 فهذا ضال، لأنه محروم من هذه التوجيهات، فأحد أنواع الضلال أن الإنسان قد يحرم من التفاصيل الرائعة في الدين بسبب أنه رفض الدين كله.

سلامة الإنسان وسعادته أصل في رغباته الأساسية :

 أيها الأخوة؛ شيء آخر، الإنسان حينما يمشي في طريق الحق، حينما يسلك طريق الدين، يجد أن كل أوامر الدين في خدمة سلامته وسعادته، وسلامة الإنسان وسعادته أصل في رغباته الأساسية، ما من إنسان على وجه الأرض إلا ويحب وجوده، وكمال وجوده، وسلامة وجوده، واستمرار وجوده.
فحينما يعتقد الإنسان بطاعة ربه يقبل عليها، فالأزمة أزمة علم، والدليل أن أهل النار وهم في النار يقولون:

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

 أيها الأخوة الكرام، أحد الأشخاص سأل سيدنا علياً كرم الله وجهه قال: يا إمام، أكان مسيرُنا إلى الشام بقضاء من الله وقدره؟ قال: ويحك، لو كان قضاء لازماً، وقدراً حاتماً لبطل الوعد والوعيد، ولانتفى الثواب والعقاب، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولم يعصَ مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يرسل الأنبياء عبثاً، ولم ينزل الكتب لعباً.
 لو أننا ألغينا الاختيار لكان إنزال الكتب عبثًا في عبث، ولو أننا ألغينا الاختيار لكان إرسال الأنبياء عبثاً في عبث، الله عز وجل يقول:

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ﴾

[سورة المؤمنون: 115-116]

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾

[ سورة القيامة: 36 ]

 هل يستطيع مدير مدرسة في العالم كله أن يلتقي بالطالب في أول العام الدراسي، ويقول: هؤلاء ناجحون، وهؤلاء راسبون، ثم اذهبوا فادرسوا؟ كما قلت قبل قليل:

ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له  إيّاكَ إيّاك أن تبتل بالماء
***

الإنسان مسيّر فيما لم يكلف به :

 أيها الأخوة الأحباب، لابد من توضيح، الإنسان مسيّر فيما لم يكلف به، هل أنت حر في اختيار أمك وأبيك؟ أنت مسيّر في هذا الموقف، هل أنت حر في مكان ولادتك وزمانها؟ هل أنت حر في شكلك وقوامك؟ في قدراتك وملكاتك؟ هذا شيء لست مكلفاً به، أمك وأبوك ومكان ولادتك والظروف البيئية التي نشأت بها وقدراتك وملكاتك، هذه أنت مسيّر بها، ولكن العلماء جميعاً أجمعوا أن هذا الذي أنت مسير به هو لصالحك، وليس في الإمكان أبدع مما كان، وليس في إمكاني أبدع مما أعطاني.
 أنت مسيّر فيما لم تكلف به، فلما بلغت سن الرشد أصبحت مكلفاً، فأنت مخير، لك أن تصلي أو لا تصلي، لك أن تكون صادقاً أو كاذباً، أن تكون مخلصاً أو خائناً، لك أن تطيع الله أو تعصيه، أنت مخير، والشيء الواقع بالدليل أنت مخير فيه، لك أن تذهب إلى المسجد، ولك أن تذهب إلى الملهى، لك أن تقدم وثيقة صحيحة، ولك أن تقدم وثيقة مزورة، لك أن تكون أباً كاملاً أو أباً ضعيفاً أو مقصراً، هذه الفتاة لها أن تتبع منهج الله عز وجل، ولها أن تعصي الله، هي مخيرة، لذلك الجنة لها معنى كبير، هي جزاء لمن أطاع الله، والنار جزاء لمن عصاه .
 أنت مسير فيما لم تكلف به، ومخير فيما كلفت به، مخير في دائرة التكليف، ولكن لو أن هذا الإنسان اختار أن يؤذي المسلمين، أو يؤذي عباد الله، الله عز وجل رب العالمين، لابد من أن يعالجه، كيف يعالجه؟ لابد من أن يسلب اختياره كي يعالجه، لذلك الذكي والعاقل قد يرتكب حماقة، وقد يكون تدميره في تدبيره، الإنسان مسير فيما لم يكلف، ثم هو مخير فيما كلف، ثم هو مسير لتربيته، ودفع ثمن اختياره.
 الإنسان أحياناً قد يرتكب عملاً يظنه ناجحاً، فإذا به دماره، يكون سببًا مسبقًا، يوجد اختيار سيئ اختاره والله عز وجل أراد أن يعالجه، لقوله تعالى:

﴿ وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ﴾

[ سورة الشورى: 30 ]

 الله عز وجل لأنه رب العالمين فلابد من أن يعالجنا، فحينما أختار اختياراً خاطئاً، وقد يودي بي إلى النار، وربنا عز وجل رحيم ودود، فقد يسوق لي بعض الشدائد، وقد يلغي اختياري أحياناً، ولأن الله عز وجل إذا أراد ربك إنفاذ أمر أخذ من كل ذي لب لبه.
 فالذكي قد يرتكب حماقة كبرى، بل إن الحكمة من ثمرات الإيمان وحده، ولن يأخذ الحكمة إلا المؤمن، والدليل تسمعون وترون أن هؤلاء الأقوياء يرتكبون حماقات ما بعدها حماقات، والسبب أن الله عز وجل سلبهم الحكمة، أقوياء لكنهم يتحركون بلا حكمة، فقال تعالى:

﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269 ]

 فأنت مسيّر فيما لم تكلف، ومخيّر فيما كلفت، ثم قد تسير لتربيتك، أو لدفع ثمن اختيارك، أو لترقيتك من حال لحال .

 

رحمة الله مقننة :

 أيها الأخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

﴿ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾

[سورة الإنسان: 31]

 معنى ذلك أن رحمته مقننة، يدخل من يشاء في رحمته مما لم يكن ظالماً، أما الظالم فله عذاب أليم.
 أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الحقائق مدعمة بالآيات، والأحاديث، والأمثلة الواضحة، وننتفع بها جميعاً إن شاء الله تعالى، وإلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018