بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رحلة أمريكا 7 - محاضرة في مدينة هيوستن – تكساس ـ خُلِقَ الانسان للسعادة وهي الجنة ويدفع ثمنها في الدنيا.


2018-04-19

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تسخير الكون للإنسان تسخير تعريف و تكريم :

 أيها الأخوة الكرام؛ الكلمات إذا تعددت دخلت بالتفاصيل، أما إذا كان كلمة واحدة فهذه الكلمة ينبغي أن تكون في الأصول.
 الحقيقة الأولى: من أنت أيها الإنسان؟ سؤال فلسفي، من أنت؟ اعلم يقيناً أنك المخلوق الأول عند الله رتبةً، لأن الله في عالم الأزل جمع الخلائق كلها، وعرض عليهم الأمانة: انتفع الغرب من كل شيء دون أن يهتدي إلى الخالق

﴿ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 لأن هذا الإنسان الذي قبل حمل الأمانة في عالم الأزل كان عند الله المخلوق الأول رتبةً، لذلك سخر له:

﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾

[ سورة الجاثية: 13]

 تسخير تعريف وتكريم، أي شيء تقع عينك عليه مسخر لك تسخيرين، الأول تسخير تعريف، وظيفة إرشادية، والثاني تسخير تكريم، وظيفة نفعية، العالم الغربي استفاد من الوظيفة النفعية أعلى استفادة إطلاقاً، لكن غابت عنه المعرفة الإرشادية.
بالأصل في هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام رأى هلالاً فقال:

((هلالُ خَيْرٍ ورُشْدٍ))

[أبو داود عن قتادة رحمه الله]

 الخير وظيفة نفعية، والرشد إرشادية، أي شيء تقع عينك عليه يجب أن تنتفع من وظيفته الإرشادية، فالكون آية، والبر آية، والبحر آية، والهواء آية، والماء آية، والإنسان آية، والمخلوقات آية، وفي كل شيء آية تدل على أنه واحد.

سعادة الإنسان تتولد من قربه من الله و الإقبال عليه :

 السعادة تكون بالقرب من الله
الله عز وجل:

﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ ﴾

[ سورة الأنعام: 103 ]

 ولكن العقول تصل إليه، ولا تحيط به تماماً؟ تركب سيارة تصل بها إلى شاطئ البحر، لكنك لن تخوض بها البحر، تصل إليه ولا تحيط به، يجب أن تعرف أنك أنت المخلوق الأول، لماذا خُلقت؟ خُلقت للسعادة، وأي كلام آخر اركله بقدمك، نحن مخلوقون للسعادة، أما السعادة فهي بالقرب من الله، بمعرفته، بطاعته، بالإقبال عليه، بالتنعم بقربه.

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ تفسير ابن كثير]

 يا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ لذلك:

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنــــــــــا  فإنا منحنا بالرضا من أحبنــــــــــــــــــا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنــابنـــــــــــــــــــا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنـــــــــــــــا
وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغـــــــــــل  وأخلص لنا تلقى المسرة والهنـــــــــا
وسلم إلينا الأمر في كل ما يكــن  فما القرب والإبعاد إلا بأمـــــــــــــرنــــا
فيا خجلي منه إذا هـو قال لـــــــي  أيا عبدنــــــــا ما قــــــــــــــــرأت كتابنــــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جــرى  أما تختشي من عتبنا يوم جمعنــــا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً  وتنظــــــــــــر مـا به جـــــــــــاء وعدنــــا
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـــــاً وما  خالفوا في مذهب الحب شرعنا
فـلو شاهدت عيناك من حسننـــا  الذي رأوه لما وليت عنــــــــــا لغـيرنــا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا  خلعت عنك ثياب العجب وجئتنـــــــــا
ولو ذقت مـن طعم المحبـــة ذرة  عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـــــــــــا
***


العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا :

 الإنسان أكل، وشرب، وتزوج، وأنجب، وسافر، وعمل نزهات، وولائم، هل حاول أن يجرب العلاقة مع الله أصل الجمال، والكمال، والنوال؟

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء))

 العمل الصالح ثمن الجنة
أصل الجمال، الكون فيه جمال، الله تجلى على الشيء الجميل باسم الجميل، وفيه قوة، ورحمة، وكمال، ذات كاملة، وأي خبر ينتقص من كمال الله مرفوض، ذات كاملة، الذات الكاملة، خلقك لماذا؟ أنت خلقت لجنة عرضها السماوات والأرض.

(( فيها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 مخلوق للجنة، وجيء بك إلى الدنيا كي تدفع ثمن الجنة، الدنيا فيها عمل صالح، مثلاً شخص بعث ابنه إلى باريس لينال دكتوراه من السوربون، علة وجود الابن بباريس ما هي؟ علة واحدة، الدراسة، ممكن يأكل، يطلب طعاماً من مطعم، يجلس بحديقة ساعة من الزمن، يصاحب صديقاً، أما علة وجوده فهي الدراسة، و أتمنى في أول هذا اللقاء الطيب أن نتأكد أن علة وجودنا في الدنيا هي دفع ثمن الجنة، هي عمل صالح، لماذا سمي صالحاً؟ لأنه يصلح للعرض على الله، ومتى يصلح؟ إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة.

الموت أخطر حدث في حياة كل إنسان :

 ما الموت؟ الموت ينهي كل شيء، ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وغنى الغني، وفقر الفقير، ووسامة الوسيم، ودمامة الدميم، وذكاء الذكي، ومحدودية الغبي، ينهي كل شيء إذاً أنت مخلوق للجنة، فالذكاء، والفلاح، والنجاح، والتوفيق، والتفوق، أن نعمل للجنة التي خلقنا من أجلها، الدنيا ساعة اجعلها طاعة، الدنيا دار لمن لا دار له، ولها يسعى من لا عقل له.
 أخذت شهادة عليا، ممتاز، تزوجت، ممتاز، عندك دخل جيد، ممتاز، اقتنيت سيارة، ممتاز، غيرتها، أفضل، وسعت بيتك أفضل، ثم ماذا؟ ما الشيء الذي ينتظرنا جميعاً كبراء أو صغراء، أغنياء أو فقراء، أقوياء أو ضعفاء؟ الموت، هذا الحدث الخطير، من بيت واسع فيه زوجة تحبها، وأولاد شباب، وبنات صبايا، ومكانة اجتماعية، وولائم، وسهرات، ونزهات، وسيارات، إلى قبر.
 عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت، هنا بأمريكا هل يوجد موت مثلما هو عندنا؟ نعم، إذاً هم مثلنا، القضية سهلة، النقلة نوعية.
 الحقيقة يوجد طرفة لكن لها معنى، شخص سمع الحديث، ووالده من كبار أغنياء مصر، ماذا يفعل؟ فكر أن يغري إنساناً لينام مع والده في أول ليلة بالقبر، وعده بعشرة جنيهات، هذا رقم فلكي بمصر، قال له: أقبل، طبعاً فتحوا له فتحة بالقبر من أجل أن يتنفس ووضعوه جانب والدهم، جاء الملكان - طبعاً القصة رمزية - قال الأول للثاني: عجيب يوجد اثنان بالقبر، بالعادة شخص واحد من أين أتى الثاني؟ الثاني ليس ميتاً، حرك رجله، فعرفوا أنه ليس ميتاً، قال الأول للثاني: تعال نبدأ فيه، أجلسوه، قالوا له: ما هذا الذي تلبسه؟ من فقره كان يلبس كيساً من الخيش، معروف عندكم كيس الخيش أي كيس قمح، فتحه من فوق ليدخل رأسه ومن الطرفين ليدخل يديه، وربطه بحبل، بدؤوا بالحبل، من أين أتيت به؟ من البستان، كيف دخلت إلى البستان؟ لم يعرف أن يجاوب، فضربوه ضربة قوية، خرج في اليوم الثاني وقال: أعان الله والدكم.
 تأكل مالاً حراماً وتنجو؟ تكون أحمق، تبني مجدك على أنقاض الناس وتنجو؟ أحمق، تبني غناك على فقرهم وتنجو؟ أصعب وأصعب، تبني قوتك على ضعفهم وتنجو، تبني سعادتك على شقائهم، هذا الذي يحدث بالعالم، هذا ملخص الملخص، فكلما زاد خوفك من الله تكون أعقل، أشد الناس عقلاً، أشدهم لله حباً.

عظمة هذا الدين أنه فردي و جماعي :

 أخواننا الكرام؛ أريد أن أقول كلمة دقيقة: هذا الدين عظمته أنه فردي وجماعي، لو طبقته أيها الشاب وحدك بالعالم كله تقطف كل ثماره الفردية، أنت كم دائرة تحاسب عليها؟ ثلاث دوائر، دائرة نفسك، وبيتك، وعملك، فإذا أقمت أمر الله فيما تملك كفاك ما لا تملك، طبعاً لك طموحات اجتماعية، ودعوية، لا يوجد مشكلة، لكن مبدئياً انج بنفسك.
 ما دام قلبك ينبض فهناك أمل بالتوبة
أذكر مرة كنت بالسعودية، بجدة، كنت مدعواً إلى مؤتمر، الفندق أمامه بناء فخم جداً جداً، لفت نظري، سألت عنه، قال: هذا له قصة، ما القصة؟ قال: هذا البناء كان أرضاً لشخص بدوي، وهناك مكتب عقاري خبيث جداً، يريد أن يبني محضراً بجدة، لكن هو بعيد عن جدة بمقدار خمسين كيلو متراً، جدة الآن تسعون كيلو متراً، رأى أن هذا المحضر مناسب، أغروا صاحب الأرض بمبلغ، وصاحب الأرض لا يوجد عنده علم بالأسعار، وجد المبلغ كبيراً جداً فباعه، هو باعه بوضع قيمته، عمروا البناء و أنا قد رأيت البناء بعيني، عبارة عن أربعة عشر طابقاً، شيء فخم، درجة أولى، ثلاثة أشخاص عمروا البناء، ثلاثة تجار عمار، أول واحد وقع من فوق نزل ميتاً، والثاني دُهس، فانتبه الثالث، ربط موت شريكيه بالاحتيال على هذا الأعرابي، بحث عنه فيما أذكر ستة أشهر حتى عثر عليه، أعطاه ثلاثة أمثال حصته، قال له البدوي: ترى أنت نجوت بنفسك.
 فنحن جميعاً ننجو ما دام القلب ينبض، الصلحة بلمحة، راجع بيتك هل فيه غلط؟ فيه خطأ؟ فيه شي حرام؟ لك نشاط اجتماعي لا يجوز؟ دخل مشبوه؟ حالة استكبار؟ استعلاء؟ أنك تبني مجدك على أنقاض الآخرين؟ يوجد مليون معصية، راجع نفسك، إله كبير، وعظيم، وسيحاسب محاسبة دقيقة جداً.

إدخال الموت في حساباتنا اليومية :

 أيها الأخوة؛ أول شيء علينا أن نبتعد عما يسمى ببحر الجزئيات، هذا بحر، تفاصيل دفع الفاتورة، لقاء فلان، بيع هذه الآلة، شراء آلة ثانية أحدث، عندك كل واحد منا على دفتره سابقاً، وعلى الموبايل لاحقاً، جدول أعمال بمئة بند، لكن هذا الموت هل أدخلته بحساباتك؟ رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت.
 لذلك يا أخوان، أول طلب، أول طرح متواضع جداً بين أيديكم حالة الموت التي لابد منها يجب أن تدخلها في حسابك اليومي، كان هناك إنسان يضطجع بين فرض وسنة الفجر يتصور نفسه أنه مات، البيت ليس لك، للورثة، المعمل ليس لك.
 والله أعرف شخصاً ترك لأولاده- القصة من ثلاثين أو أربعين سنة – سبعمئة مليون، صديق الأب المتوفى رأى أحد أبناء هذا الشخص، قال له: إلى أين أنت ذاهب؟ قال له: ذاهب لأسكر على روح أبي.
 لا تهجر القرآن
انتبهوا لأولادكم، الكلمة الآن من القلب للقلب، أصعب شي بأمريكا أولادك، كنت أقول لهم سابقاً وقت كلينتون: لو بلغت منصباً ككلينتون، وثروة كأوناسيس، وعلماً كأنشتاين، ولم يكن ابنك كما تتنمى فأنت أشقى الناس، لو ربحت الدنيا كلها وخسرت ابنك ما ربحت شيئاً.
 كنت بأستراليا، وقعدت عندهم شهراً ونصف تقريباً من سنتين أو ثلاث، رئيس الجالية ودعني بالمطار، قال لي كلمة، والله أنا ما استوعبتها، قال لي: بلغ أخواننا بالشام أن مزابل الشام خير من جنات أستراليا، والله ما فهمت عليه، أنا على الشبكية أرى أن أستراليا جنة، قارة فيها ثمانية عشر مليون شخص فقط، الفواكه حجمها ثلاثة أضعاف، التربة بكر، عمرها مئتا سنة، تربنتا عمرها حوالي ألفي سنة، يوجد أنواع فواكه لم أرها والله، مرة وضعوا لي صحناً اعتقدت أنه ملفوف، بقي أسبوعان أو ثلاثة، فكان هذا نوع من أنواع الخس و طعمه مثل القطر، رأيت فواكه، ونعيماً، إذا شخص دخل لمحل تجاري واحتاج إلى كيس نايلون، يأخذ الكيس، و لا يأخذون ثمنه، هناك الخروف ثمنه رخيص جداً، خروف بأكلمه، خيرات كثيرة، لكن سبحان الله، الإنسان إذا ما عرف الله، ما عرف شيئاً:

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء))

 يجب أن نقتطع من وقتنا الثمين ربع ساعة باليوم، نصف ساعة، نقرأ خمس صفحات من القرآن، قال: من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة، إذا كان قد اقترب من الخمسين أو الستين أو السبعين أو الثمانين، أصبح قريباً جداً من الموت، من بيت إلى قبر، والله يا أخوان من أعماق أعماقي أتمنى أن تعرفوا أن الحدث الخطير، أخطر حدث هو الانتقال من بيتك إلى القبر، شيء مخيف.

على الإنسان اتباع تعليمات الصانع حرصاً على سلامته و سعادته :

 أنا أقول: يجب أن تعرف الحق، تعرف من أنت، أنت المخلوق الأول، والمكلف، والمكرم، بماذا أنت مكلف؟ بالعبادة.

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56 ]

 ما العبادة؟ العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
 إذاً أنت أعقد مخلوق بالكون، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، تفتح الكومبيوتر تجد توصيلات ومصابيح شيء غير معقول، مرة زرت التلفزيون السوري، كان الفيديو من الأرض للسقف كله عبارة عن مصابيح كهربائية.
 فأنت أعقد آلة بالكون، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولك صانع عظيم، ولهذا الصانع العظيم تعليمات التشغيل والصيانة، وانطلاقاً من حرصك على سلامتك، وسعادتك ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع.
 عبارة قاسية قليلاً: انطلاقاً من أنانيتك ينبغي أن تتبع تعليمات الصانع، الآلة لها صانع، وتعليماته هي الصحيحة، الجهة الصحيحة التي تعرف أسباب عطب الآلة أو سلامتها هي الجهة الصانعة، إذا أنت راكب سيارتك، و اشتعل ضوء أحمر، هذا الضوء إذا فهمت أنه تزييني احترق المحرك، هذا تحذيري، الزيت خف، تتوقف تضيف كيلو زيت، لو فهمت أنه تزييني احترق المحرك، و تحتاج إلى خمسين ألفاً، و هناك فرق بين التزييني و تحذيري، فالأمر ليس سهلاً، الآن الدنيا ترقص، الشهوات هي كل شيء بحياة الناس، أنت مؤمن، لكنك مخلوق للجنة، و الجنة هي:

(( فيها ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))

[متفق عليه عن أبي هريرة]

 كم سنة الجنة؟ مليون سنة، لا، مئة مليون؟ لا، ألف مليون؟ لا، الجنة للأبد، ما معنى أبد؟ أقرب لكم الموضوع: واحد هنا وثلاثة أصفار أمامها كم يصبح العدد؟ يصبح ألفاً، ثلاثة ثانية يصبح مليوناً، ثلاثة ثالثة ألف مليون، رابعة مليون مليون، من هنا للجدار، ما هذا الرقم؟ واحد بالأرض وأصفار للشمس، المسافة مئة و ستة و خمسون مليون كيلو متر، كل ميلي صفر، هذا الرقم إذا نسبته للانهاية قيمته صفر، اسأل علماء الرياضيات.
 مرة أستاذ رياضيات- هذه طرفة - رسم خطين متوازيين، قال: الخطان المتوازيان لا يلتقيان، طالب، ابن أمير ببعض البلاد البترولية، قال له: حرام هذا الكلام، قل إن شاء الله أستاذ، قال له: هذا لا علاقة له بالدين يا بني، هذه رياضيات لا علاقة لها بالدين، هذا يصح، لا يصح ألغوا عقده، جاء شخص بعده أذكى منه بكثير، أول درس قال: الخطان المتوازيان لا يلتقيان إلا بإذنه تعالى، فإذا التقيا فلا حول ولا قوة إلا بالله.

الدين نصوص و أوامر و نواه :

 يا أخوان، الأمر خطير، والعمر قصير، والموت يأتي فجأة، والواحد إذا لم يستعد والله تأتيه ساعة ينسى حليب أمه.

((رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت))

 أحكام الدين أكثر بكثير من الفروض الخمس
كان عندي أستاذ بالثانوي، كنت أحبه جداً، هو داعية، حكى لنا مرة قصة، له عمة ربته، هو يتيم الأم والأب، ربته عمته، هذه العمة توفيت، رآها بمنام مخيف، هو أستاذي، قال لي: والله رأيت عمتي تشتعل بالنار، قلت له: أضغاث أحلام، بعد عشرة أيام رأى مناماً آخر يشبه الأول، أقسم بالله ثمانية أشهر و هو يرى هذه المنامات، ما القصة؟ سأل لم يعطه أحد أي جواب، ثم رآها بعد ذلك مرتدية ثوباً أبيض، وغطاء صلاة، ووجهها منور، اختلف الوضع، قال لها: عمتي ما قصتك؟ قالت له: الحليب، فقط، فسأل حتى فهم القصة بعد شهرين أو ثلاثة، عندها أولاد و أولاد زوجها، أولادها تعطيهم كأس الحليب كاملاً، أولاد زوجها نصف الكأس حليب و النصف الآخر ماء، الله كبير.
 يا ترى عندك خطأ بعملك، هل هناك خطأ بتربية أولادك؟ خطأ مع ابنتك؟ هل تلبس لباساً عصرياً تفتن الشباب؟ والله يوجد محاسبة دقيقة، والله نحن عندما نفهم الدين فقط صوم، وصلاة، وحج، وزكاة، نكون حمقى، والله الذي لا إله إلا هو الدين يبدأ من فراش الزوجية، وينتهي بالعلاقات الدولية، مجموعة نصوص وأوامر ونواه، الدين ليس قضية سهلة:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

[ سورة الحجر: 92-93]

 أما الذي يمشي من دون منهج، من دون هدف، من دون خوف من الله، فعنده مشكلة كبيرة تتفاقم.

طلب العلم واجب على كل إنسان :

 أخواننا الكرام؛ أنت المخلوق الأول، الأول رتبة، وعندما تكون أنت الأول أي أنت في عالم الأزل قبلت حمل الأمانة، فلما قبلت حمل الأمانة جيء بك إلى الدنيا لدفع ثمن الآخرة، ما ثمن الآخرة؟ جنة عرضها السماوات والأرض، ثمنها العمل الصالح، لمَ سمي العمل صالحاً؟ لأنه يصلح للعرض على الله، ومتى يصلح؟ إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، فأنت لا بد من طلب العلم.
 لابد من طلب العلم
هذه الطاولة يا أخوان طول، عرض، ارتفاع، وزن، حجم فقط، هذا الجماد، النبات طول، عرض، ارتفاع، وزن، حجم، إلا أنه ينمو، النبات ينمو، والحيوان يمشي، والإنسان أودع الله فيه قوة إدراكية، القوة العقل، إذا نمت هذه القوة بطلب العلم نجا، فالعلم ليس وردة حمراء نضعها على صدرنا، لا، هواء تستنشقه، إن لم تستنشقه تموت، ليس شيئاً ثانوياً، عندما نفهم الدين شيئاً ثانوياً انتهينا عند الله أساساً.
 فيا أخوان، لابد من طلب العلم، و لا يوجد وقت بتاريخ البشرية العلم ميسر مثل الآن، تعرفون الحج غوغل؟ كلكم تعرفونه، اكتب اسمي عليه، يأتي مليون وخمسمئة مكان، أي سؤال يأتيك من غوغل، بين يديك أداة الآن بطلب العلم تفوق حدّ الخيال، اطلب وقل من أنا؟ يا ترى هل عملي صحيح؟ هل تجارتي صحيحة؟ هل تجارتي مشروعة؟ علاقاتي مع زبائني مشروعة؟ بوظيفتي، بغرفتي مع الموظفات هل أطرح نكتاً، هل أملأ عين من محاسنهن؟ هناك أخطاء كثيرة يا أخوان طبعاً إن كان هناك كبائر فالصغائر مثل الكبائر، كيف؟ طريق عرضه يقدر بستين متراً، هنا واد سحيق، وهنا واد سحيق، أنت تمشي في المنتصف، ما هي الصغيرة؟ المقود حركته سنتمتراً واحداً، فقط ثبته، عندما ثبته حوالي عشر دقائق، تنتهي إلى الوادي، جانبك يوجد ثلاثين متراً، لكن لم تحركه سنتمتراً واحداً، للوادي، الكبيرة تسعون درجة، لكن تستطيع أن ترجع، فالنبي قال:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار))

[ أخرجه الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]

 يكون عندك ألف بيت للمسلمين، لا يوجد خمر، ولا زنا، ولا قمار تقريباً، لكن نحن بماذا نحجب؟ بالصغائر كلها، بيت فيه براد، وغسالة، وميكروويف، ومكيف، فيه كل شيء، لكن خط الكهرباء الأساسي انقطع، إذا انقطع ميلي أو متراً لم يعد هناك كهرباء، كله توقف، فأنت يجب أن يكون لك صلة بالله محكمة، فيها نور، فيها هداية، فيها توفيق، فيها سعادة، والله يا أخوان لا أبالغ إن شاء الله، إن لم تقل ليس على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني معنى هذا ما ذاق طعم القرب من الله عز وجل.
 الآن، كنا مرة بأمريكا، ودخلنا لمعمل كاديلاك، القصة من عشر سنوات، ماذا قال لي المرافق العلمي؟ قال لي: هذه السيارة فيها ثلاثمئة ألف قطعة، أنا كراكب، لها غلاف معدني، ومقاعد، ومحرك، ومقود، وعجلات، خمسة أشياء فقط، من أين جاءت القطع الباقية؟

الدين موضوع مصيري سعادة أو شقاء للأبد :

 إذاً الدين فيه مليون موضوع، مليون كتاب، مليون عالم، ممكن أن ينضغطوا بخمسة مبادئ أو ستة؟ ممكن، سأقولهم لكم الآن، أول شيء الجانب العقدي، أيديولوجيا، المنطلق الفكري الفلسفة، يوجد إله لماذا خلقنا؟ يجب أن نعرف لماذا خلقنا، ماذا بعد الموت؟ ما مهمة الحياة؟ لابد من طلب العلم، الله قال:

﴿ اقْرَأْ ﴾

[ سورة الغلق: 1]

 أول كلمة، بأول آية، بأول سورة:

﴿ اقْرَأْ ﴾

  اطلب العلم، لأن هذا العقل أرقى شيء بالإنسان، كم خلية يوجد بالدماغ؟ مئة و أربعون مليون خلية سمراء استنادية لم تعرف وظيفتها بعد، القشرة أربعة عشر مليار خلية، قسم للذاكرة، قسم للتخيل، الذاكرة حجمها بحجم حبة العدس، فيها سبعون مليار صورة، أتحسب أنك جرم صغير؟ ماذا سأقول لك عن الشعر؟ ثلاثمئة ألف شعرة، كل شعرة وريد، وشريان، وعصب، وعضلة، وغدة دهنية، وغدة صبغية.
 العين، بميلي وثلث مليون وثلاثمئة ألف مستقبل، أكبر آلة احترافية، سوني بالميلي متر يوجد عشرة آلاف مستقبل، عينك فيها مليون وثلاثمئة ألف مستقبل، من أجل الدقة البالغة.
 مرة نجار اشترى لي مكتبة، لها باب وهذا الباب له مسكة، قلت له: المسكة مائلة، قال لي: أبداً وبإصرار، أحضر المتر، فكانت على نفس السوية، قلت له: مائلة و أنا أتحداك، فأحضر البيكار، وضعه هنا وقفله، جاء للطرف الآخر كان الفرق ربع ميلي.
 الله أعطاك سمعاً، وبصراً، وعقلاً، ودماغاً، وحركات، وأعضاء، والله لو فكرت بجسمك فقط شيء لا يصدق.
 غدة صغيرة اسمها التايموس، أنا قرأت عنها بأمريكا، ليس لها وظيفة، جانب القلب، وقد قرأت هذا قديماً، لماذا؟ لأنها تضمر بعد سنتين، ليس لها وظيفة، لماذا اختفت؟ اكتشفوا أنها أخطر غدة بالإنسان، يوجد مدرسة حربية، تدخلها الكريات البيضاء، جاهلة همجية، تتعلم خلال سنتين، من هو العدو، ومن هو الصديق، التخرج بامتحان، تعطى الكرية البيضاء عنصراً صديقاً، إذا قتلته ترسب وتقتل، تعطى عنصراً عدواً إذا لم تقتلته ترسب وتقتل، ما وظيفة الناجحين؟ الناجحون يتولون تعليم الأجيال الصاعدة، وهذه المدرسة انتهت مهمتها، تضمر اسمها التايموس مدرسة حربية، كلما تقدم العلم تجد أشياء تبهر العقل، إن كان بالقلب، إن كان بالرئتين، إن كان بالدورة الدموية،.
 هذا الدم الطفل الصغير لا تعمل رئتاه برحم أمه، الهواء معطل، يوجد ثقب مفتوح بين الأذنتين، كشفه عالم فرنسي اسمه بوتال، اسمه ثقب بوتال، عند الولادة تأتي جلطة تغلق هذا الثقب، يد من؟ وإذا لم تأت الجلطة يحتاج إلى عملية و تكلف خمسمئة ألف، لي صديق الثقب لم يغلق عنده، قال لي: والله كلفتني خمسمئة ألف.
 يد من؟ يجب أن ترى الله، أن ترى فعله، أن ترى حكمته، أن ترى قدرته، أن ترى علمه.
 فيا أخوان، موضوع الدين موضوع خطير جداً، موضوع مصيري، سعادة للأبد أو شقاء للأبد.
 طبعاً هذا الدرس أنا ماذا أريد أن أتكلم به؟ تكلمت عن خمس فكر أو ست، أما الحقيقة فلابد من طلب العلم، ومن فضل الله عز وجل لا يوجد بلد إلا وفيه علم، يجب أن تحضر حضوراً مستمراً، ليس متقطعاً، وتأخذ فكرتين أو ثلاث وتطبقهم، حتى الله عز وجل يرحمنا جميعاً.
 والله أتمنى أن أتكلم معكم فترة أطول، لكن هناك إشارة أن الوقت قد انتهى.
 أرجو من الله عز وجل أن يحفظ لكم إيمانكم جميعاً، وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم، وأموالكم، آخر و أهم شيء، واستقرار بلادكم، وهذه نعمة لا يعرفها إلا من فقدها.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018