٠09برنامج حياة المسلم 1 - إذاعة حياة إف إم
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 139 - نعم وتجليات الله تعالى.


2018-03-27

مقدمة :

المذيع:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، يا ربنا صلّ وسلم، أنعم وأكرم على نبينا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أهلاً ومرحباً بكم مستمعينا الكرام ورحلة نستقي فيها نحن وإياكم الأجر من الله سبحانه وتعالى، والعلم على يدي فضيلة العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، مرحباً بكم شيخنا.
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم.
المذيع:
 حلقتنا لهذا اليوم تحت عنوان:" أيام الله ".
 شيخنا الكريم نبدأ بقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾

[ سورة إبراهيم:5]

 شيخنا في البديات نوضح المفهوم ما هي أيام الله؟

أيام الله :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أبيات معدودة:

كن عن همومك معرضـا  وكلِ الأمور إلى القضــا
وأبــــــــــــــــشر بخير عاجلٍ  تنســى به ما قد مضـــى
فلربَّ أمر مسخط لــــــــك  في عواقبه رضـــــــــــــــــــــا
ولربما ضاق المضيــــق  ولربما اتسع الفضــــــــــــا
الله يفعل مـا يـــــــــــــــشاء  فلا تكن معترضــــــــــــــــــــا
الله عودك الـــــــــــــــــجميل  فقس على ما قد مضـى
***

 )استجابة الدعاء في الشدة من أيام الله
إنسان بساعة شدة دعا الله فاستجاب له، هذه أحد أيام الله، لكن للمؤمن، دخل الامتحان وكان خائفاً خوفاً شديداً، الله هيأ له إجابة قوية جداً نال بها اللسانس، بحث عن زوجة صالحة، بعد فترة طويلة اهتدى إلى زوجة صالحة جداً، من أيام الله، كل عطاءات الله، عطاءاته، توفيقه، إكرامه، هي أيام الله عز وجل.

كن عن همومك معرضـا  وكلِ الأمور إلى القضـا
الله عودك الـــــــــــــــــجميل  فقس على ما قد مضـى
***

 والله لا يوجد مانع أن يكتبهم، أنه بالموقف الفلاني، بالساعة الفلانية، أنا دعوت الله فاستجاب لي، بامتحانات، بعلاقات مع شركاء، بوضع صحي، كان هناك وهم أنه مصاب بورم خبيث فكان الورم عادياً بسيطاًجداً، كل هذه الأخبار الطيبة من أيام الله، إذا الإنسان ذكرها بخير كأنه شكر الله عز وجل عليها.
المذيع:
 إذاً أيام الله هي لحظات ربنا سبحانه وتعالى أنعم وأكرم علينا في تيسير أمورنا.

التفكر في الكون يضع الإنسان أمام عظمة الله :

الدكتور راتب :
 هذه النعم ينبغي أن تذكر، شخص قال لك: عد هذا الدينار، كلام لا معنى له، لكن لأن النعمة الواحدة عند الله لا تنتهي فضائلها، لا تنتهي أبعادها، لا تنتهي خيراتها، لا تنتهي فوائدها.

﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا ﴾

[ سورة إبراهيم: 34]

 ما قال: نعم.

﴿ نِعْمَةَ اللَّهِ ﴾

[ سورة إبراهيم: 34]

 لولا الماء لما كان هناك حياة
الماء أمامنا، لولا الماء لما كان هناك حياة، هذا الماء سيدي العنصر الوحيد في الكون، إذا سخنته يتمدد، بردته ينكمش، كأي عنصر آخر في الكون، بالتسخين يتمدد، بالتبريد ينكمش، إن كان جماداً أو سائلاً أو غازاً، قانون واحد، هذا أحد أكبر القوانين، لكن الماء له حالة خاصة عجيبة جداً، الآن سخنته تمدد، عشر، عشرون، ثلاثون، أربعون، الآن بردته من أربعين لخمس وثلاثين، لثلاثين، لخمس وعشرين، لعشرين، لخمس عشرة، لعشر، لخمس، زائد أربع يا لطيف! والله قرأت عن هذه الكلمة تسعين صفحة، بأرقى مجلة أمريكية اسمها لايف، شعرت بألم في رأسي منها، كيف ينعكس النظام؟ زائد أربع درجات، التبريد يكبر حجمه، يقلل كثافته، حجمه عندما كبر، وكثافته قلت طفا، إذاً البحار كلها تتجمد، لو أن القانون على الماء مطبق تجمد الماء، كثافته زادت، حجمه قل، وزنه زاد، نزل للأسفل، بعد حقب معينة تتجمد البحار كلها، إذا تجمدت انعدم التبخر، انعدم المطر، مات النبات، مات الحيوان، مات الإنسان، كأس الماء الذي أمامك، هذا الكأس يتميز بهذه الخاصة، لولاه لما كان هناك حياة، لما كان هذا اللقاء، لما كانت الأردن، لما كان هناك شرق أوسط، هذا الماء.
المذيع:
 سبحان الله! هذه نعم الله يجب أن يتذكرها الإنسان.
الدكتور راتب :
 التفكر في الكون يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله، وأنت تخشى الله بقدر تفكرك بالله.
المذيع:
 شيخنا الكريم، دكتور محمد:

﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾

  كيف تذكرهم؟ أنا كيف أذكرك بالنعمة التي جعلها الله عندك؟ هل المقصود أن تذكر الإنسان نفسه أم ما الغرض منها؟

النجاح و الفلاح :

الدكتور راتب :
 قد أغفل عنها، الغفلة تقصير كبير، الغفلة عن الله، عن العقاب، الغفلة عن المكافأة، جاء خاطب فقير لكن إيمانه قوي جداً، أنا إيماني أن إيمانه يجعله مكتسباً للمال، يجعله غنياً، أما إذا أنا أخذت إنساناً كبيراً لكن دينه قليل:

﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾

 الفلاح شمولي وهو أعم من النجاح
أحياناً نصر المؤمن، إكرام المؤمن، حفظ المؤمن، سعادة المؤمن، نجاح زواجه، نجاح عمله، نجاحه بصحته، هذا ينقلنا إلى كلمة دقيقة جداً هي الفلاح، النجاح أحادي، فلان نجح في كسب المال، بيل كيت يملك ثلاثة و تسعين مليار دولار، هناك إنسان نجح بمنصب رفيع، شخص حكم إسبانيا مدة خمس و أربعين سنة، أطول حكم، فالنجاح أحادي، نجح بكسب المال، باعتلاء منصب رفيع، نجح بزواجه أحياناً، نجاح أحادي، أما الفلاح فشمولي، معنى شمولي أي نجح مع الله معرفةً، وعبادة، وطاعة، وتقرباً، هذا واحد، نجح في زواجه، اختار زوجة صالحة، نجح في عمله، نجح في بيته، مجموع هذه النجاحات تسمى فلاحاً، فالفلاح شمولي.

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الأعراف: 157]

 أما أحد أكبر أغنياء العالم على فراش الموت قال: ماذا أفعل بهذا الرقم؟ سبعمئة مليار دولار، ليس له قيمة.
 يوجد نقطة دقيقة: سمّ ما شئت، المال، الصحة، في البدايات هي كل شيء، بمنتصف الحياة شيء لكن ليس كل شيء، على فراش الموت ليس بشيء، هي الرؤية الدقيقة جداً على فراش الموت، ما البطولة؟ أن تعرفها بوقت مبكر، كلما عرفتها بوقت مبكر سعدت.
 حتى أوضح الأمر: تمشي بطريق مستو، وصلت إلى مفترق طريقين، هابط وصاعد، الصاعد غبار، وصخور، وأكمات، وفجوات، وحر شديد، إلا أن هذا الطريق الصاعد ينتهي بقصر منيف لمن وصل إليه، والطريق الهابط معبد، فيه زهور، وأشجار، لكنه ينتهي بحفر كبيرة، ووحوش كاسرة، فإن كان مكتوب لوحة بذلك فيجب أن تأخد الوضع الصاعد وليس النازل.
 لذلك:

(( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ،إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ ))

[ أحمد عن ابن عبَّاس ]

 المؤمن له إله خلقه، هناك شيء اسمه إله، ورب، وخالق، وأسماؤه حسنى، وشيء اسمه دنيا، وآخرة، وجنة، ونار، وحلال، وحرام، وواجب، ومكروه، وفرض، وسنة، هذه كلها معلومات دقيقة جداً.

ثلاثة أشياء من ملكها ما فاته من الدنيا شيء :

 أنا أقول دائماً: ثلاثة أشياء إذا ملكها الإنسان ما فاته من الدنيا شيء، نعمة الهدى، ونعمة الصحة، ونعمة الكفاية، فالهدى عرف أن هناك إلهاً عظيماً، أسماؤه حسنى، وصفاته علا، حسيب، رقيب، شديد، عتيد، يوجد إله عظيم، هذه نعمة الهدى، والنعمة الثانية نعمة الصحة، لا يوجد عنده كلية فاشلة، يحتاج كل أسبوع إلى ثلاث مرات، كل مرة ثماني ساعة من أجل تنظيف الدم، لا يوجد عنده زوجة سيئة جداً، زوجة صالحة، ليست معصومة، لكن ليست سيئة، فكلما رأى نعم الله عز وجل تنشأ محبة مع الله عز وجل، فهذه نعمة الهدى أولاً، ثم نعمة الصحة، ثم الكفاية، الكفاية لا هي غني ولا فقير، عندك دخل يغطي كل حاجاتك، فمن أصاب نعمة الهدى، ونعمة الصحة، ونعمة الكفاية، ما فاته شيء من الدنيا.
 خذ من الدنيا ما شئت، وخذ بقدرها هماً، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه، أخذ من حتقه وهو لا يشعر.
المذيع:
 ما معنى هذا شيخنا؟
الدكتور راتب :
 شخص فرضاً اشترى فندق بباريس من ثمانين طابقاً، دائماً ممتلئ، هناك مشكلة في تملك الفندق فأصابته جلطة ومات، المشكلة في التملك، دفع مبلغاً ضخماً، والتملك عمل له مشكلة كبيرة لم يتحملها.
 فأنت خذ من الدنيا ما شئت، وخذ بقدرها هماً، ومن أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ من حتفه وهو لا يشعر.
 حساب المؤمن بسيط، عنده مبلغ جاءه، أنفقه، دفع زكاة ماله، سكن مع أهله ببيت، أما كلما حاولت أن تصل إلى مستويات أعلى لن تنتهي، تنتهي الدنيا ولا تنتهي هذه الطموحات، ثم إن المحاسبة سريعة وعجيبة جداً.
المذيع:
 الله يفتح عليكم يا دكتور، إذاً أيام الله هي نعم الله سبحانه وتعالى،

﴿ وَذَكِّرْهُمْ ﴾

 أي أن الإنسان دائماً يتذكر عظيم الله، هذا يوم من أيام الله.

أيام الله هي الأيام التي يشعر فيها الإنسان أن الله أكرمه :

الدكتور راتب :
 وقعت بأزمة الله نصرك، شخص توعدك، الله نجاك منه.
المذيع:
 يوم من أيام الله.
الدكتور راتب :
 الأيام التي شعرت أن الله عز وجل أكرمك هي أيام الله عز وجل.
المذيع:
 هي أيام فردية لكل إنسان لأنها تختلف من شخص لآخر، هل هناك أيام الله بهذا المصطلح جمع للأمة ككل دكتور؟
الدكتور راتب :
 ممكن.
المذيع:
 مثلاً، يوم عرفة، وما شابه.
الدكتور راتب :
 لا، ليس هذا، أمة انتصرت، يوجد أزمة كبيرة انتصرت، هذه نعمة كبيرة، هناك شيء ممنوع فسمحوا به مثلاً، هذه من أيام الله.
المذيع:
 جميل! لكن هنا مختلفة تماماً عن نفحات الله، في الأيام التي لها فضائل في العبادات.
الدكتور راتب :
 موضوع ثان.
المذيع:
 ماذا تسمى دكتورنا؟
الدكتور راتب :
 هذه يسمونها السكينة، تتنزل سكينة على حجاج عرفة، السكينة عظمتها تسعد بها ولو فقدت كل شيء.
المذيع:
 أقصد شيخنا هذه الأيام المباركة بالنصوص الشرعية، كعشرة ذي الحجة، والعشر الآخر من رمضان.
الدكتور راتب :
 قد تأتي والإنسان لم ينتبه لها، لمن كان منتبهاً لها، وصار بهذا اليوم، أو أقبل بهذا اليوم، أو عمل عملاً طيباً بهذا اليوم، صارت من أيام الله.
المذيع:
 شيخنا كأيام الله، والنعم التي ربنا سبحانه وتعالى يتجلى فيها بفضله على الإنسان بكشف كرب، أو برزق، أو بخير، قد تمر على الإنسان ولا يدركها دكتور، لا يتوقف عندها، لا يستشعر أن هذا يوم الله سبحانه وتعالى أعانني فيه، يعتبر أن هذا شيء روتيني عادي، نجح فيه.

النعمة إذا أُلفت نُسيت :

الدكتور راتب :
 إذا ألفت النعمة نسيت
هذه غفلة، نعمة الله، مثلاً أنا أذكر مرة حدثني أخ كان بمدينة، هو تاجر، وله بهذه المدينة زبائن، بعد أن انتهى من جولاته مع الزبائن يوجد أربعة تجار أو خمسة وعدوه بالدفع في اليوم الثاني، فراح يبحث عن فندق فلم يجد، من الرابعة عصراً إلى الثانية عشرة ليلاً، ثم وجد فندقاً، نام بالممشى، وعلى طراحة من الإسنفنج ووسادة سوداء اللون، الآن أنت إذا معك مفتاح بيت ببلدك، تفتح و تدخل، يوجد زوجة، أولاد، بنات، البيت نظيف، الطعام جاهز، والزوجة تحبها، وأولادك أبرار، هذه نعمة كبيرة، النعمة إذا أُلفت نُسيت.
 الذي عنده زوجة صالحة، وسافر لأمريكا مدة شهرين، لا يخطر في باله لثانية واحدة أن هناك إنساناً دخل بيته، إطلاقاً، هذه نعمة لكنك ألفتها فنسيتها، مقيم ببلد وهناك أمن بهذا البلد، نعمة الأمن لا تعدلها نعمة، مطمئن لا يوجد قناص مثلاً، لا يوجد قتل عشوائي، لا يوجد انفجار لغم مثلاً، هذه نعمة الأمن، نعمة الهدى، هذه النعم المألوفة ينغي أن نذكرها حتى لا ننساها.
المذيع:
 حتى لا يصل الإنسان إلى هذه المرحلة من الغفلة، شيخنا ماذا يفعل؟ يبقى دائماً يتذكر أيام الله، ونعم الله؟

حاجة كل إنسان إلى شحن روحي ليتألق :

الدكتور راتب :
 يا سيدي هذا الهاتف حتى يعمل معك دائماً يحتاج إلى شحن، أوضح مثل الهاتف الخلوي، الهاتف قد يكون ثمنه مئة ألف، يوجد أنواع غالية جداً، إن لم يشحن أصبح قطعة بلاستيك، لا تقدم ولا تؤخر.
 أنت عندما تشحن كل يوم بخمس صلوات، وتشحن يوم الجمعة بالخطبة، وبالشهر بالأيام الفضيلة، وبالسنة برمضان، وبالعمر بالحج، هذه كلها شحنات، كلما شُحن الإنسان شحنات روحية يتألق.
المذيع:
 حتى لا يغفل، ولا ينسى هذه القضية.
 شيخنا هنالك نعم قد لا يتأمل الإنسان في الأصل أنها نعم، مثل جسد الإنسان، استمرار جسمه بالصحة والعافية، لا يحتاج إلى غسيل كلى، ولا إلى كيماوي، ما الذي يفترض بالإنسان أن يفعله دكتور حتى أصلاً يدرك أن هذه نعم؟

من شكر نعم الله متعه الله بها :

الدكتور راتب :
 أنت تمشي بالطريق، سمعت بوق سيارة، لماذا انحرفت نحو اليسار؟ أنت لم ترَ السيارة، سمعت بوقها، ما الذي حدث؟ الذي حدث، السيارة على اليمين، دخل صوت بوق السيارة إلى الأذن اليمين قبل اليسرى بواحد على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية، سمعت جهة الصوت، هذه نعمة كبيرة.
 أنت نائم بالبيت في غرفة، العينان تكشفان هذه الغرفة، أما الغرف الباقية والصالون فتكشفهم الأذن، عندك حاسة للرؤية، وحاسة للصوت، يقول لك: يوجد حركة في الخارج، من دخل للبيت؟ هناك حركة.
 عندك ذاكرة، حبة بحجم حبة العدس، يوجد فيها سبعون مليار صورة، إذا لم يكن عندك ذاكرة، أعرف شخصاً بمنصب رفيع جداً، فقد ذاكرته، يخرج و لا يعود إلى البيت، يبحثون عنه للساعة الثانية عشرة ليلاً، فقد الذاكرة الدقيقة جداً خطير جداً.
 فالإنسان تحت ألطاف الله عز وجل، كلما شكر هذه النعم متعه الله بها.
 كان عندنا عالم بالشام عاش سبعاً و تسعين سنة، منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، يرى الشاب يقول له: يا بني أنت تلميذي، كان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، يقال له: يا سيدي! ما هذه الصحة التي حباك الله بها؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
المذيع:
 جميل!

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾

[ سورة إيراهيم: 7 ]

 من يشكر الله على هذه النعم دكتور هل هذا مجذبة لاستمرار هذه النعم من الله سبحانه وتعالى عليه؟

من عاش تقياً عاش قوياً :

الدكتور راتب :
 نعم، لي صديق زرته بالعيد، فتح والده لي الباب، قلت له: الأخ محمد موجود؟ قال لي: والله ليس موجوداً، هل من الممكن أن تدخل خمس دقائق؟ قلت له: لا يوجد مانع، دخلت لعنده، قال لي: عمري خمس و تسعون سنة، عملنا بالأمس تحاليل كاملة، للبول والدم، وكان كله طبيعي، ثم قال لي: لكن أنا لا أعرف الحرام، لا حرام المال، ولا حرام النساء، ربط من عاش تقياً عاش قوياً.
المذيع:
 دكتور سؤال على الهامش في قضية المال الحرام، دكتور لو الإنسان كان عنده شبهة في مال معين، مثلاً له الحق في مال، أو قد يكون بنفس الوقت ليس له الحق بشكل كامل، هل يتوارى عنه أم يكون كهؤلاء الذن يذكرون أيام الله يتجنب الحرام بشكل دقيق دكتور؟
الدكتور راتب :
 لا شك الأولى، سأقول لك كلمة دقيقة: أذكر أنه من الممكن أن يكون عنده شك بشيء، ببيعه وشرائه، فتبرع بعشرة آلاف ليرة للفقراء والمسكين.
 قال لي أحدهم: يوجد شخص مقيم بدمشق، وشخص مقيم بحلب، والأول معه مبلغ ضخم للثاني، ليس مبلغاً ضخماً لكنه كبير، ذهب إليه ليعيده له فوجد أن الشارع كله مهدم ومنظم، وهو لا يعرف عنوان بيته، لم يترك طريقة و لم يجده، قال لي: ماذا أفعل؟ قلت له: سهلة جداً، كم المبلغ؟ ادفعه صدقة عن روح المتوفى الذي لم تجده، تسجل في حسابه، انتهت عند الله، طبعاً.
المذيع:
 دكتور، لو اثنان اتفقا على قضية معينة، وأنا مثلاً معرفتي أن هذه سعرها في السوق هكذا فطلبت سعراً معيناً، وجدت أن الأسعار منخفضة أكثر، هل آخذ المال كاملاً وأنا مرتاح؟

التورع عن أكل المال الحرام :

الدكتور راتب :
 إذا شعر أن الخطأ دون الثلاثين بالمئة مغفور، أما يكون مثلاً سعرها اثنين تأخد عشرة، هذه مشكلة، يسمونها: الغبن الفاحش، عندنا غبن غير فاحش، ما دام الفرق بالسعر عشرة أو عشرين أو ثلاثين فيها ظروف معينة، أما عندما صار الفرق كبيراً جداً هناك مشكلة كبيرة.
المذيع:
 لكن كلما الإنسان شك أن هذا المال ممكن أن يكون حراماً، وتورع عنه يكون أتقى في هذا الجانب، جميل جداً.
الدكتور راتب :
 وإذا ما عرف صاحبه يتصدق، ويسجل عند الله في ذمة صاحبه.
المذيع:
 لو كان لذلك الشخص.
 شيخنا، لو كان صاحب ذلك المال إنساناً أنت تشك بصدقه، مثلاً شريكان، أحدهما أخذ من مال شريكه، يأتي ويقول له: قبل سنة أنا أخذت من الحصة، سيتولد من هذا مشاكل قانونية، واجتماعية.

أداء الحقوق دون فضح النفس :

الدكتور راتب :
 ليس مكلفاً أن يفضح نفسه، المبلغ يوصله له بطريقة أو بأخرى، حوالة، من رقم تلفون غير رقمه.
 هناك سؤال دقيق: أذكر أن شخصاً كان يأكل بمطعم ولا يدفع، تاب لله، دخل إلى المطعم أخذ وجبة، ودفع ثلاثة أضعاف ثمنها، فرق مرتين، وخرج فوراً، دفع المبلغ و انتهى.
المذيع:
 هكذا يكون أدى الحقوق، ولم يفضح نفسه، وأنا كنت أكل من دون حق.
الدكتور راتب :
 ليس مكلفاً أن تفضح نفسك أبداً.
المذيع:
 جميل! كلام طيب، وكلام جميل جداً، الله يفتح عليكم يا شيخنا.
 شيخنا، في موضوع أيام الله، ونعم الله سبحانه وتعالى وتنكر الإنسان لها، الآن شيخنا هل الشكر

﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾

  يكون بأن الإنسان يتذكرها، فيقول: الحمد لله، لفظاً بلسانه، أم الشكر له حق مختلف.

مستويات الشكر :

الدكتور راتب :
 الشكر له ثلاثة مستويات، مستوى قلبي، أنك ممتنٌ من أعماق قلبك من الله، أكرمك بزوجة صالحة، وعندك بيت، وعندك دخل يغطي نفقاتك، وعندك أولاد أبرار، يجب أن تشكره كل يوم، نعمة البيت، والزوجة، والأولاد، والدخل، وصحتك، هذا امتنان قلبي، هذا أحد مستوياته، يوجد مستوى ثان لفظي: يا ربي لك الحمد، لك الشكر، أكرمتني، متعتني بالصحة، وفقتني بزواجي، بأولادي، بمالي، بدخلي، بعلاقاتي، هذا اللساني، أما أعظم شكر: إكرامك للعباد تعبير عن الشكر لله

﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾

[ سورة سبأ: 13]

 تخدم له عباده، ألم يكرمك؟ تعيد الإكرام لعباده.

﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾

 الشكر عمل، أو شعور داخلي درجة أولى.
المذيع:
 أن تشكر، وتقول: هذه النعمة من ربنا.
الدكتور راتب :
 أو يضاف للشعور الداخلي لفظ قولي: يا ربي لك الحمد، غمرتني بفضلك.
المذيع:
 هل يوجد عبارة محددة للشكر دكتور؟
الدكتور راتب :
 الله لا يريد لغة فصحى منك، يريد قلبك، الثالثة:

﴿ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً ﴾

 خدمت له عباده، الأولى: امتنان قلبي، والثانية: شكر لفظي، والثالثة: عمل صالح، هو يعبر به عن هذا الشكر.
المذيع:
 وبهذا يكون الإنسان قد قابل نعم الله سبحانه وتعالى بأدائه البشري للشكر، طبعاً هذا لا يوفي ربنا جقه، لأن نعم ربنا أعظم، لكن هذا جهد مقل من العبد.

من شروط العمل لصالح أن يكون خالصاً و صواباً :

الدكتور راتب :
 يصلح للعرض على الله، ومتى يصلح؟ إذا كان خالصاً، وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة، والعمل الصالح علة وجودنا في الدنيا.

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾

[ سورة المؤمنين:99 ـ 100]

 والعمل الصالح مقياس مقيد به.

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾

[ سورة الأنعام: 132]

 علة وجودنا مقياس نقيد به، يصلح للعرض على الله، خالص وصواب.
المذيع:
 الله يفتح عليكم يا دكتور، شيخنا الجليل، أيام الله وهي نفحات من الله سبحانه وتعالى يتجلى بها على عباده، فيغفر لهم ذنوبهم، وينفس عنهم كروبهم.

أيام الله نفحات وتوفيقات وتجليات لكلّ العباد :

الدكتور راتب :
 نفحات، وتوفيقات، وتجليات.
المذيع:
 هل هي للمؤمن شيخنا أم لكل العباد؟
الدكتور راتب :
 الحقيقة يوجد شيء دقيق جداً: إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة، الدنيا وحدها تصلح بالكفر والعدل ولا تصلح بالإيمان والظلم.
 ما أحسن عبد من مسلم أو كافر إلا وقع أجره على الله في الدنيا أم في الآخرة.
 أي حاكم قوي عمل تأميناً صحياً لكل شعبه، هذا الله يقويه.
المذيع:
 حتى لو كان غير مسلم؟
الدكتور راتب :
 الدنيا تصلح بالكفر والعدل، ولا تصلح بالإيمان والظلم، إن الله ينصر الأمة الكافرة العادلة على الأمة المسلمة الظالمة.
المذيع:
 شيخنا، من أدى هذه الخيرات بحق الناس، والأعمال الصالحة، هل يكافأ عليها في الدينا والآخرة إن كان غير مؤمن؟
الدكتور راتب :
 فقط في الدنيا.
المذيع:
 أما الآخرة لمن آمن بها.
الدكتور راتب :
 هو مؤمن بها أساساً.
المذيع:
 أما المؤمن شيخنا فالدنيا والآخرة، هذا مفهوم جميل جداً.
 شيخنا الكريم يوجد قضية مثلاً حديث النبي صلى الله عليه وسلم:

((مَنْ لمْ يشْكُر النَّاسَ لَمْ يشْكُر اللّه))

[الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 لماذا نشكر الناس وهم أسباب، إضافة إلى شكرنا للمسبب، إلى الله عز وجل؟

تولي الله عز وجل بذاته هداية خلقه :

الدكتور راتب :
 إنسان خدمك، تشكره، تقوي فيه حب العمل الصالح، لم تضع معك هذه الخدمة، أنت تكون بهذا قد دعمت الحق، الشكر لله أولاً، ولمن أجرى هذه النعم على يديه، الآية:

﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

[ سورة الشورى: 40]

 الكون هداية للبشر
أضرب مثلاً بسيطاً: ملك قال لمعلم: علم ابني الرياضيات، ملك، هذا علمه عشرة دروس، ثم قال له: أين الأجرة؟ قال له: حاضر أستاذ، ماذا تريد؟ قال له: كل درس مئة دينار، قال له: تفضل، لو لم يطلب الأجرة، الملك كان يريد أن يعطيه بيتاً، وسيارة.

﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾

 وحيثما جاءت على مع لفظ الجلالة أي الله عز وجل أوجب على ذاته العلية هداية خلقه.

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

[ سورة الليل: 12]

﴿ وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ ﴾

[ سورة النحل: 9]

 عندما تأتي على مع لفظ الجلالة، معنى ذلك أن الله ألزم ذاته العلية بهداية خلقه.
 ساكن بألاسكا، قال: يوجد إله للكون؟ لا يوجد عنده عمل بألاسلكا، وجد فرصة، عمل بكندا، سافر عينوه، ثم فرزوه إلى الخليج، عندهم فرع بالخليج، سكن ببناء فيها شخص داعية، سهر معه، تحدثا عن الله، عندما قال بألاسكا: يوجد إله.

﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ﴾

  تولى الله بذاته العلية هداية خلقه.
المذيع:
 لمن بحث عن الله شيخنا أم لكل الخلق؟
الدكتور راتب :
 لا، لمن بحث.

﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا ﴾

[ سورة ىالعنكبوت: 69]

 الله خلق الكون هداية، الكون هداية.

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً ﴾

[ سورة آل عمران: 174]

 أنت أعطاك عقلاً يكفي لمعرفة الله، وأعطاك فطرة كافية لمعرفة الخطأ، عندك فطرة تكشف بها خطأك، وعند عقل تكشف به حقيقة الوجود، فضلاً عن ذلك بعث لك رسلاً وأنبياء.

﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ ﴾

 عطاء زائد، أي أنت وضعت ابنك بأعلى مدرسة، ومع ذلك أستاذ خاص للرياضيات، هذا العطاء زائد.
المذيع:
 شيخنا الكريم، خلينا نقول إن جاز التعبير عكس أيام الله ألا وهي أيام ربنا سبحانه وتعالى أنعم فيها على خلقه، الأيام التي تكون فيها ابتلاء للإنسان، مرض، فقدان عزيز، عدم نجاح في مشروع مالي، أو ما شابه، كيف يفترض للمسلم أن يتعامل مع هذه الأيام ذات الابتلاءات؟

عظمة ديننا أنه دين فردي و جماعي بآن واحد :

الدكتور راتب :
 عندنا جوابان:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[ سورة النساء: 147 ]

 معنى هذا عندنا خلل، مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أنت تمشي بشكل صحيح مع الله تأتيك مصيبة.

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

  هذا على مستوى الفرد، على مستوى الأمة:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33]

 عظمة ديننا دين فردي وجماعي بآن واحد، أنت طبقته بمفردك، لا يوجد معك أحد، تقطف كل ثماره الفردية وحدك، الأمة ستطبقه تنتصر، أنت لست مرتبطاً بالمجموع، أنت وحدك يجب أن تقيم الدين في بيتك، وفي عملك، وفي نفسك فقط، انتهت مهمتك.
المذيع:
 شيخنا، الأيام التي فيها نعم من ربنا نحمده عليها، وهذه الأيام ذات الابتلاءات نصبر، ماذا نفعل فيها شيخنا؟

المؤمن بالنعمة شاكر وبالبلاء شاكر :

الدكتور راتب :
 سيدي المؤمن صابر شاكر، بالنعمة شاكر، بالبلاء شاكر، قال: إن هذه الدنيا دار التواء، ومنزل ترح لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي .
المذيع:
 الله يفتح عليكم دكتور.
 شخينا الكريم، أيضاً في موضوع نعم الله، وأيام الله، والتجليات بكرم الله سبحانه وتعالى، الإنسان تتيسر أموره شيخنا عندما يمر عليه فترة من الزمن يمكن الإنسان في لحظة من اللحظات يغفلها، ماذا يفعل دكتور حتى يبقى دائماً مذكراً لنفسه بهذه النعم؟

حاجة كل إنسان إلى حاضنة إيمانية :

الدكتور راتب :
 يحتاج إلى حاضنة إيمانية.

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119]

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28]

المذيع:
 من ظن أن هذه الخيرات التي فيه هي من عرق جبينه، أن شهادتي هي سبب دراستي.

الشهوة الخفية هي الشهوة التي تحمل الإنسان على فعل المعصية :

الدكتور راتب :
 هذا الشرك الخفي.

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك والشهوة الخفية))

[ أحمد عن شداد بن أوس ]

المذيع:
 ألا وهو؟
الدكتور راتب :
 الجلي أن تقول: بوذا إله، هذا الشرك الجلي، نحن لا يوجد عندنا الآن بحياة المؤمنين شرك جلي، ولكن يوجد عندنا شرك خفي.

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك والشهوة الخفية. قلت: يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: نعم، أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون بأعمالهم. والشهوة الخفية وأعمال لغير الله))

[ أحمد عن شداد بن أوس ]

 الشهوة إذا حملت الإنسان على فعل معصية هذه شهوة خفية.

﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾

[ سورة الفرقان: 43]

 يجلس بالبيت، طُرق الباب، جاءت صديقة زوجته، في غرفة الضيوف، الدنيا شتاء، يقول: عندكم برد شديد اجلسن معنا، يريد أن يرى شكل رفيقة زوجته مثلاً، من يعرف هذه الأشياء؟
المذيع:
 الله.
الدكتور راتب :
 تجلس بغرفتك والغرفة مظلمة، مقابلك يوجد بناء فيه شرفة، فيها امرأة، ملأ عينه من محاسنها أم غض بصره من يعرف ذلك؟
المذيع:
 الله.
الدكتور راتب :
 طبيب، له الحق أن يرى كل مكان في جسم المرأة، هي تشكو له من ركبتها، فنظر إلى مكان آخر لا يحل له أن ينظر إليه.
المذيع:
 ولا يعلم بذلك إلا الله عز وجل.
 شيخنا الكريم، في هذه القضايا، وفي هذه التحديات عندما يغتر الإنسان بنفسه، كيف يهذبها من جديد؟ أن ما بك من نعمة إنما هي من الله عز وجل وحده، عندما يغتر بماله، يغتر بمنصه، يغتر بشهادته، كيف يعيد نفسه إلى فطرة الصواب أن كل ذلك من الله عز وجل؟

قيمة الإنسان أن يعرف الحقيقة قبل فوات الأوان :

الدكتور راتب :
 الغرور أن ترى الشيء بحجم أكبر من حجمه، الله عز وجل قال:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾

[ سورة فاطر: 5]

 الغرور أن ترى الشيء أكبر من حجمه
أي الشيطان، أن ترى الشيء أكبر من حجمه.
 أعرف شخصاً يعمل بسوق الحميدية في الشام، يكنس المحل يجمع قمامته بعلبة، ويلفها بورق هدايا، وشريطة حمراء، ويضعها على طرف الرصيف، يأتي إنسان يراها فيأخذها ويسحب، بعد حوالي مئة متر يفك الشريط الأحمر، ثم يفتح الغلاف فيجد قمامة المحل، هذه ما أصعبها.
 هكذا الإنسان عند الموت، عمل المال أكبر شيء بحياته، صار شيئاً بخريف العمر، ثم لا شيء عند الموت، كانت المرأة أجمل شيء بحياته، صارت شيئاً عادياً، ثم لا شيء، دائماً عند الموت كل الدنيا تسقط قيمتها، بالبداية كل شيء كبير عليه، البطولة أن تعرف الحقيقة قبل فوات الأوان، كيف تعرفها؟ تحتاج إلى مجلس علم، يجب أن يكون لك مصدر ديني تتزود منه، هذه البطولة.
المذيع:
 أن يتذكر أيام الله، ونعم ربنا سبحانه وتعالى عليه.
الدكتور راتب :
 أدامها عليه، دوام النعم شكرها، أدامها عليه.
المذيع:
 المكافأة أن يديمها عليه.

العطاء الأكبر للإنسان أن تتصل عنده نعم الدنيا بنعم الآخرة :

الدكتور راتب :
 العطاء الأكبر تتصل عنده نعم الدنيا بنعم الآخرة.
المذيع:
 المقصود بهذا شيخنا؟
الدكتور راتب :
 عاش تسعاً و ثمانين سنة مرفهاً، كريماً، دخله جيد، زوجته صالحة، بناته أطهار، أولاده أبرار، مكانته اجتماعية كبيرة، توفاه الله إلى الجنة فوراً، اتصلت نعم الدنيا بنعم الآخرة، هذه ليست صعبة سيدي.
المذيع:
 هي ليست قضية ثانوية، هي قضية أساسية في حياة كل إنسان، نسأل الله أن يقدرنا على شكر هذه النعم.
 إذاً شيخنا أيام الله هي أيام يتجلى فيها الله سبحانه وتعالى على كل فرد فينا بتفريج كرب، أو تحقيق مراد كان يطمح إليه، والمطلوب أن يبقى دائماً متذكراً لهذه النعم الإلهية حتى يحب الله عز وجل، من خلال يقين في القلب أن هذه النعم من المسبب ألا وهو الله وحده ثم شكر باللسان، ثم شكر بالعمل الصالح، وخدمة الخلق، وعبادة ربنا سبحانه وتعالى.

المؤمن بين سراء يشكر الله عليها وضراء يصبر عليها :

الدكتور راتب :

((أحِبُّوا الله لما يَغْذوكم من نعمه، وأحِبُّوني لحُبِّ الله))

[الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما]

المذيع:
 جميل، والمكافأة أن الله يديم عليك هذه النعم، ويرضى عنك، ويصل نعم الدنيا بإذن الله بنعم الآخرة، أما من تركها فقد يحرم من نعم الله سبحانه وتعالى عليه، والمؤمن بين سراء يشكر الله عليها، وضراء يصبر عليها.
الدكتور راتب :

(( عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))

[ مسلم عن صهيب الرومي ]

المذيع:
 يا سلام! الحمد لله رب العالمين، نختم حلقتنا بالدعاء، ونسأل الله القبول.

الدعاء :

الدكتور راتب :
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين، واحفظ بلاد الشام من كل مكروه.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 الحمد لله رب العالمين، بارك الله بكم فضيلة العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي على هذه الكلمات الطيبة، جعلها الله في ميزان حسناتكم بالدنيا والآخرة.
 هذه كانت حلقتنا لهذا اليوم مستمعينا الكرام تحت عنوان:" أيام الله " ألا وهي نعم وتجليات من الله سبحانه وتعالى التي أمرنا أن نتذكرها حمداً وشكراً.
 سبحانك الله وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018