٠09برنامج حياة المسلم 1 - إذاعة حياة إف إم
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

حياة المسلم 1- إذاعة حياة إف إم- الحلقة : 138 - الوسواس.


2018-03-20

مقدمة :

المذيع:
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، يا ربنا صلّ وسلم، أنعم وأكرم على نبينا ورسولنا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، أهلاً وسهلاً بكم مستمعينا الكريم، في حلقة جديدة من حلقات برنامجكم مع الدكتور محمد راتب النابلسي، وباسمكم مستمعينا الكرام أرحب بفضيلة العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي، الداعية الكبير، وأستاذ الشريعة الإسلامية، حياكم الله دكتور محمد .
الدكتور راتب :
 بارك الله بكم، ونفع بكم.
المذيع:
 أهلاً وسهلاً بكم يا شيخنا، حلقتنا لهذا اليوم عن: "الوسواس"، هذا الشيء الذي يصيب الإنسان ويصيب كثيراً من الناس فتصبح لديه وسوسة، ويعيد ذات الأمر، وذات الكرة، ويصبح لديه شكوك في داخله، وفي نفسه، نبدأ بقول الله سبحانه وتعالى بعد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة الأعراف:200]

 شيخنا الجليل دكتور محمد نبدأ مع حضرتكم بتوضيح المصطلح والمفهوم، ماهو الوسواس؟

 

الوسواس :

الدكتور راتب :
 الخواطر، الإنسان يتحرك، يفكر، لكنه جالس بمركبة لمسافة ساعتين، تأتيه خواطر أي وساوس، أفكار، هذه الخواطر بادئ ذي بدء: الإنسان لا يحاسب إلا على العمل، والخواطر إذا أعطيتها حجمها الصغير تنتهي، أما إذا كبرتها فقد تفسد على الإنسان حياته، الوسوسة شيء، والخاطر شيء، والفعل شيء، والمحاسبة على الفعل فقط.
المذيع:
 نوضح شيخنا لو سمحت ما الفرق بين الوسوسة والخاطر والفعل؟

الفرق بين الوسوسة والخاطر والفعل :

الدكتور راتب :
 شخص خطر بباله من خلق الله مثلاً؟ هذا خاطر، لا يحاسب عليه، يحاسب على معصية ارتكبها، يحاسب على مال أكله، ابتسامة ساخرة من إنسان فقير، فأي عمل سلوك، كلام، دفع باليد، أي عمل تحاسب عليه، أما الخواطر فمن رحمة الله بنا لا تحاسب عليها.
 الخاطر قد ينقلب إلى إرادة والإرادة إلى سلوك
إلا أن هذه الخواطر إن لم تتابع ربما انقلبت إلى إرادة، والإرادة إلى سلوك، وهنا الطامة الكبرى، فأنا أقول مبدئياً: لا تحاسب على الخاطر، لكن عملياً هذا الخاطر إذا تتبعته، واستسهلته، وسعدت به، فقد يكون معصية كبيرة، هذا الخاطر ربما في ساعة ضعف انقلب إلى سلوك، هنا المشكلة.
 لذلك هذه الوساوس أنا فيما أرى الإنسان يحتاج إلى حاضنة إيمانية، يحتاج إلى صديق مؤمن، إلى سهرة مع مؤمنين، إلى سفر مع مؤمنين، هؤلاء حصن للإنسان.
المذيع:
 هل هذه الدائرة دكتور تحمي الإنسان أصلاً كي لا تصله هذه الوساوس أو كي لا يترجمها إلى أفعال؟
الدكتور راتب :
 أنا أولاً أُطمئن صاحب الوساوس أن الله لا يحاسب عليها.
المذيع:
 على أي خاطر في البال دكتور؟
الدكتور راتب :
 أبداً، إلا أن هذا الخاطر إذا أنت ما تابعته ربما انقلب إلى عمل.
المذيع:
 شيخنا هل المقصود بهذا الخاطر هو نية في داخلي لم أترجمها إلى عمل أم هو شيء لا إرادي يلوح في البال؟
 أضرب لحضرتكم مثالاً: أنا لو نويت أن أسرق مثلاً لا قدر الله، هل أنا أحاسب على هذه النية أم إن جاءني خاطر، أمامي مبلغ من المال والله لو أستفيد منه، هل هذا شيء أنا أتعمد أن أستحضره كنية أم خواطر لا إرادية دكتور؟

إِنما الأعمال بالنيات :

الدكتور راتب :
 الحقيقة الحديث الأول الجامع المانع الرائع:

(( إِنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إِلى الله ورسوله فهجرته إِلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إِلى دنيا يُصِيبها، أو امرأة يتزوجها فهجرته إِلى ما هاجر إِليه))

[أخرجه الجماعة إِلا الموطأ]

 نحاسب على نياتنا
لو شخص يعلم يقيناً أن شراب الليمون يؤذي فلاناً الذي معه قرحة، فلما زاره قدم له هذا الشراب، الظاهر إكرام، شراب عصير والليمون سعره مرتفع، بس هو يعلم علم اليقين أن معه قرحة، وهذه القرحة تتأذى بالليمون، هذا يحاسب الإنسان على نيته، ماذا أراد من هذا العمل؟ ما الذي خلف هذا العمل؟ هو قدم كأساً من الليمون لكن خلف هذا العمل نية، إنما أداة قصر وحصر، هذا العمل محصورة قيمته، يقيّم، يوزن بنيته.
 إذا شخص قدم لصديقه طعاماً نفيساً أراد إكرامه فقط، و لكن سبب ضرراً له، ولكنه لا يعلم، ليس له علاقة.
المذيع:
 لا يحاسب عليه.
الدكتور راتب :
 العمل شيء مريح جداً، إنما هي أداة قصر وحصر، مربوطة بالنية.
المذيع:
 مربوطة إذاً بالنية.
 شيخنا الجليل، كان حديث فضيلتكم عن الوسواس، والخاطر الذي يصيب الإنسان لا يحاسب عليه طالما ما لم يترجم إلى سلوك، أو فعل، أو قول.
الدكتور راتب :
 أضيف كلمة: مبدئياً لا يحاسب عليه، أما هذا الوسواس إذا تابعه الإنسان، واستمرأه، وجال بخياله في تفاصيله، ربما انقلب إلى إراداة، والإرادة تنقلب إلى عمل.
المذيع:
 هنا يبدأ الحساب.

 

لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار :

الدكتور راتب :
 لكن أريد أن أبين نقطة دقيقة جداً، الحديث الشريف:

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار))

[ الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]

 وأنا أضرب مثلاً مشهوراً: طريق عرضه ستين متراً بالضبط، وأنت راكب مركبتك وتمشي بالوسط، الصغيرة حرف المقود سنتمتراً واحداً، هذا السنتمتر إذا ثبته قاده هذا الانحراف إلى الوادي، أما إن حرفته تسعين درجة وهي الكبيرة فبإمكانك أن ترجعه.

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار))

 مهما تكن كبيرة، مع التوبة انتهت، أما الصغيرة لو ثبتها، الآن مشكلة المسلمين خذ ألف بيت، بألف بيت لا يوجد خمر، طبعاً مسلم، ولا يوجد زنا، ولا فجور، ولا قتل، لكن نحن ما حقيقة حجابنا عن الله؟ الصغائر، الاختلاط مثلاً، شيء لا يرضي الله، أنت تتابعه، تكلمت على فلان باستهزاء، هذه الصغائر تجتمع فتنقلب إلى كبائر.
المذيع:
 وتحجبك عن الله.
الدكتور راتب :
 العبرة أن البيت إذا كان به ثلاجة، ومكيف، ومكيرو ويف، فيه جميع الأجهزة الكهربائية الغالية، لكن لا يوجد كهرباء، كلها معطلة، الآن قطع التيار لو تمّ بميلي أو بمتر مثل بعضها، المحصلة التيار انقطع فالأجهزة معطلة.
 فالإنسان معقول ينحجب عن الله بأسباب صغيرة؟

(( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار))

المذيع:
 ونعمة بالله، هذا من رحمة الله بنا، الحمد لله.
 شيخنا كيف أميز أنا كإنسان إذا كان هذا الخاطر أو الوسواس يعيش في داخلي، هل هو رسالة من الله؟ هل هو وسوسة من الشيطان؟ هل مجرد أضغاث أحلام؟ كيف يستطيع الإنسان أن يميز دكتور؟ وبالتالي هل لا يفكر أو لا يأخذ بعداً لديه؟

 

من يحبه الله يشعره أنه راض عنه :

الدكتور راتب :
 والله يا سيدي أنا لا أصدق الله عز وجل حينما يرضى عن إنسان يلقي في روعه أنني راضٍ عنك، والإنسان حينما يخطئ يلقى في روعه أنك أخطأت.
 استفت قلبك، ولو أفتاك المفتون وأفتوك.
المذيع:
 كيف الله يلقي في روعي؟
الدكتور راتب :
 أي خطر في بالي.
المذيع:
 رسالة من ربنا.
الدكتور راتب :
 الأنبياء يأتيهم وحي، المؤمن يأتيه بالضبط إلقاء في الروع، ألقي في روعي أي خاطر جاءه من الله.
المذيع:
 كيف أميز شيخنا هل هذا من الله أم من الشيطان أم مجرد أفكار؟

المشاعر القلبية هي رسالة وخاطر من الله عز وجل :

الدكتور راتب :
 الموضوع نفسه، إذا أنت جاءك خاطر على عمل صالح عملته، تحس أن الله يحبك، الآن أنت عفواً ابنك جاء آخر السنة معه الجلاء، وأخذ علامات تامة، ألا تحضنه؟ ألا تقبله؟ ألا توعده بدراجة؟ أنا لا أصدق أن إنساناً خطب ودّ الله إلا والله يقابله بهذا الود بود مثله.

﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ﴾

[ سورة البروج: 14]

 من خطب ود الله قابله الله بود مثله
أنت توددت إلى الله بطاعتك، وخدمة الخلق، والعمل الصالح، وإطعام الجياع، حكمت فعدلت، سئلت فأجبت، طُلب منك فدفعت، هذه المودة مع الله، يقابل هذه المودة أن الله معك، ما المودة؟ الراحة النفسية، أي بقلب المؤمن راحة عبر عنها القرآن:

﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

[ سورة الأنعام: 81- 82 ]

 والملمح الدقيق:

﴿ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

 لو أن الله قال: أولئك الأمن لهم، ولغيرهم، عندما قدمنا المبتدأ على الخبر:

﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

  معنى ذلك الأمن لهم وحدهم، كأن تقول: نعبد إياك، لا تمنع أن نعبد غيرك، أما:

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾

[ سورة الفاتحة:5]

 قطعاً.

﴿ لَهُمُ الْأَمْنُ ﴾

 أكبر عطاء إلهي الأمن.
 نعمة ثانية: السكينة، أنت سعيد، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، الموضوع موضوع سكينة وسعادة، المؤمن تتنزل عليه سكينة الله، فيسعد بها ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء.
 سيدي، أول جسر باستنبول صممه مهندس ياباني، يوم افتتاح الجسر، طبعاً أول جسر، الآن يوجد ثلاثة، أول جسر كان من تصميم مهندس ياباني، هذا المهندس كان يمشي إلى جوار رئيس الجمهورية، أثناء افتتاح الجسر ألقى بنفسه بالبوسفور فونزل ميتاً، كتب رسالة في فندق الشيرتون: ذقت كل شيء في الحياة فلم أجد لها طعماً، أردت أن أذوق طعم الموت.
 مؤمن عادي بسيط، بدخل محدود، مع زوجة صالحة، مع مسكن يقدر بستين متراً، أسعد مليون مرة من إنسان ابتعد عن الله عز وجل، أنت أقبلت عليه، الجمال عنده، والكمال عنده، والنوال عنده، والمحبة عنده، الحقيقة:

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

[ ابن ماجه وأحمد والدارمي عَنْ ثَوْبَانَ]

 النتائج لن تحصوا، مهما حاولت أن تحصي إيجابيات الدين، إيجابيات الإيمان، يوجد سكينة، وسعادة، وتوفيق، وحكمة، ونطق سديد، وبيت مسعد، وعمل منضبط، وعلاقة مع الآخرين رائعة إيجابية، لو أردت أن تعدد إنجازات المؤمن تجد أنها لا تعد ولا تحصى.

((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا ))

 المفعول به محذوف، إذا حُذف المفعول أُطلق الفعل، لن تحصوا الخيرات.
المذيع:
 إذاً كل هذه المشاعر القلبية هي روع، هي رسالة وخاطر من الله.
الدكتور راتب :
 يلقى في روع الإنسان، في نفسه.
المذيع:
 تحس أن ربنا واضع لك إحساساً، وبالمقابل أيضاً لا قدر الله أغضب الله يشعر أن الله غاضب عليه، فهذا الحجاب.

 

أكبر عقاب للمؤمن هو أن يحجب عن الله سبحانه :

الدكتور راتب :
 بمجرد أن يعصي الله نشأ حجاب، أنا أقول هذا الكلام الدقيق: لم أجد للمؤمنين عقاباً من الله أكبر من أن يحجبهم عنه.

﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾

[ سورة المطففين:15]

 المؤمن له مع الله خط ساخن وهو الدعاء
المؤمن له مع الله خط ساخن، يناجيه بالليل، أحياناً يبكي بالصلاة، أحياناً يقول له: يا رب ليس لي غيرك، أحياناً يا رب وفقني بعملي، وفقني بتجارتي، وفقني بدراستي، وفقني أن عامل والدي، والله موضوع الدعاء، الدين كله دعاء، الدعاء هو مخ العبادة، بل هو العبادة.
 النبي الكريم، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، مئة ناقة، الناقة مثل المرسيدس، شيء كبير جداً، مئة ناقة، تبعه سراقة، انظر الثقة بالله.
 يا سراقة كيف بك إذا لبست سوراي كسرى؟ حللها، من دون تحليل سهلة، حللها، شخص ملاحق، مهدور دمه، مئة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، أي أنا سأصل إلى المدينة، وسأنشئ دولة، وسأنشئ جيشاً، وسأحارب أكبر دولة بالعالم، فارس، وسأنتصر، وستأتيني الغنائم إلى هنا، إلى المدينة، ولك منها يا سراقة سوار كسرى.
 الإله العظيم الذي نصر الصحابة إلهنا الآن، كل الأمر بيده، لو تتبعت السيرة تجد شيئاً غير معقول، والله لا أبالغ، وكل مؤمن يسمعنا، له مع الله مواقف، ما اسم هذا الشيء؟ أيام الله.

﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾

[ سورة إبراهيم:5]

 يا محمد ذكر أصحابك بأيام الله، أنا أقول للأخوة المستمعين: تذكر أيام الله، كنت بحرقة شديدة، سألته فأجابك، هذا يوم من أيام الله عز وجل، بامتحاناتك، بتجارتك أحياناً، بخطر داهم الله صرفه عنك، بعدو لدود أقوى منك، الله كف يده عنك.
المذيع:
ونعمة بالله رب العالمين.
 شيخنا الجليل إذاً هذه رسائل، وروع يلقيه الله سبحانه وتعالى في خاطر الإنسان.
 ماذا عن الوساوس التي تأتي من الشيطان، مثل ماذا دكتور حتى نميزها؟

 

وساوس الشيطان :

الدكتور راتب :
 أي إذا خلا بامرأة.
المذيع:
 يأتيه خاطر من الشيطان، خاطر سوء.

الإنسان كائن متحرك تحركه ثلاث حاجات :

الدكتور راتب :
 الإنسان كائن متحرك، ما الذي يحركه؟ إما إلهامات من الله أو وساوس من الشيطان، أنت يجب أن تكون حركياً وليس سكونياً، أنت كائن متحرك ما الذي يحركك؟ الحاجة إلى الطعام، والشراب، حفاظاً على بقاء الفرد، أكلت، شربت، درست، أخذت اللسانس.
 الآن عندك حاجة للشريك، للزواج، الشاب له حاجة لشريكة في حياته، والبنت لها حاجة لا تقل عنه إلى شريك حياتها، الآن الحاجة إلى شريك لبقاء النوع، الأول الحاجة للطعام لبقاء الفرد، أما الحاجة للشريك فهي لبقاء النوع دون أن نشعر، لو فرضنا أن هذه الشهوة غير موجودة، أي هذا اللقاء لا يوجد معه لذة، تباد البشرية، تنتهي، تنعدم، أما الله فمعه شيء محبب، هذه الشهوة هي سبب استمرار الحياة، لأجل بقاء النوع.
 الآن أنت أكلت، وشربت، وتزوجت، وأنجبت، عندك حاجة ثالثة، سماها العلماء: بقاء الذكر، أو التفوق، أو ليشار لك بالبنان، المهندس الأول، الطبيب الأول، التاجر الأول، فأنت عندك حاجة للطعام لبقاء الفرد، وحاجة للزواج لبقاء النوع، وحاجة للتفوق لبقاء الذكر، والثلاثة متوافرة بأعلى مستوياتها بالإيمان.
المذيع:
 يا سلام! الله يفتح عليكم يا دكتور، إذاً رسائل من الله أن الله راضٍ عنك، وتدعوك إلى الخير، ووساوس من الشيطان وتدعو للشر.
 دكتورنا الكريم بالنسبة للإنسان الذي يعاني من الوسواس القهري، دائماً يوجد وسواس يسيطر عليه، مثلاً قرأ الفاتحة فلما أنهاها لا يدري هل هو أنهاها أم لا، يغلق صنبور الماء ثم يغلقه ثانيةً وثالثة.

الوسواس القهري :

الدكتور راتب :
 عندي باب واحد لا يوجد عندي غيره، قالها لنا دكتور في الجامعة: فوركيت، انسه، أهمله.
المذيع:
 حل هذا للوسواس نسيانه؟
الدكتور راتب :
 يذهب الوسواس بنسيان الشك وإهماله
ترى أنا بوضوئي هل نسيت أن أمسح قدمي مثلاً؟ لا، ألغ، أنا توضأت و انتهى الأمر.
المذيع:
 تتعامل وكأنك أكملت وضوءك، عفواً دكتور، لو أنا فعلاً لم أغسل قدمي؟
الدكتور راتب :
 لست مؤاخذاً، أنت كنت بحالة شك، أخذت موقفاً غلب على ظنك، لن أقول لك: أنت متيقن، غلب على ظنك أنك غسلت رجليك، إذا هذه تمسكت بها التغى الوسواس كله، إذا لم تتمسك بها لن ينتهي هذا الأمر.
المذيع:
 هذا الحل شيخنا لمن لديه وسواس، لكن ليس بالحالات العادية، إنسان لم يتيقن مثلاً أنه على وضوء، الأصل أن يعيد وضوءه، بحالة الوسواس نعتبره حالة علاجية.
الدكتور راتب :
 هذه يسمونها بعلم النفس فوركيت، انسها .
المذيع:
 بالصلاة لم أتذكر أني قرأت الفاتحة أم لا.
الدكتور راتب :
 كأنك قرأتها.
المذيع:
 حتى لو كنت لم تقرأها.
المذيع:
 هذا قتل للوسواس.
الدكتور راتب :
 هذا علاجه.
المذيع:
 بعض الأشياء الدنيوية دكتور، أغلق صنبور الماء، أغلق مفتاح الباب، أو لم يغلقه، فيعود ويغلقه مرة ثانية وثالثة.
الدكتور راتب :
 صار هذا نوع من الوسواس، واحد الآن قفلت الصندوق، قد أكون نسيت أن أقفله؟ صار هذا وسواساً.
المذيع:
 من أين يأتي هذا الوسواس شيخنا؟

ضرورة تبسيط الدين و عقلنته و تطبيقه :

الدكتور راتب :
 سيدي الشيطان له أسباب كثيرة جداً، الحقيقة الإنسان حتى يكون متحركاً يأتي الشيطان ويوسوس، أي حركك، والملك يلهم، عندك إلهام ملك، ووسوسة شيطان، الشيطان يغري بالمعصية، والملك بالطاعة، فأنا أقول: لا يوجد عندي حلّ لهذه الحالات، إلا النسيان كأن لم تكن، ليكون وضوئي قد انتقض، لا لم ينتقض، أنت توضأت وضوء صحيحاً، انتهى الأمر.
 نحتاج إلى تبسيط الدين وعقلنته وتطبيقه
نحن الآن بأمس الحاجة إلى تبسيط الدين، وعقلنته، وتطبيقه، ثلاث كلمات؛ تبسيطه، وعقلنته، وتطبيقه، اختلاف الأئمة رحمة، اختلافهم رحمة واسعة، واتفاقهم حجة قاطعة.
 مثلاً: حلف على امرأته يمين طلاق، يحبها حباً جماً، إلا أنه أراد بهذا اليمين أن يحملها على فعل ما، وأن يمنعها من فعل ما، ما الحكم؟ ينفرد ابن تيمية بهذه الفتوى، والآن محاكم العالم الإسلامي بأكملها تأخذ بهذه الفتوى، من حلف على امرأته يمين طلاق ليحملها على فعل ما، أو أن يمنعها من فعل ما، وهو يكره فراقها كفراق دينه، هذه اليمين ليست يمين طلاق، سماه ابن تيمية طلاقاً قسمياً، كفارته إطعام عشرة مساكين وانتهى الأمر.
 أذكر تماماً كنت في أمريكا، و هناك ممثلة من كبار ممثلات مصر، تابت إلى الله توبة نصوحة، ومعها ثلاثة ملايين جنيه، سألت أحد العلماء قال لها: مالك حرام كله، فأنفقته وأصبحت فقيرة، ورجعت إلى الغناء، الإمام الشعراوي يقول: توبة المؤمن تطهر ماله، واضحة سيدي؟
المذيع:
 واضحة شيخنا، لكن يمكن أن تخالف ما نعتقد مثلاً.
الدكتور راتب :
 الآن جميع محاكم العالم الإسلامي تأخذ بهذه الفتوى.

توبة المؤمن تطهر ماله :

المذيع:
 أن توبة المؤمن تطهر ماله.
الدكتور راتب :
 شخص عنده دار سينما مات، عنده أموال، الابن يأخذها حلالاً.
المذيع:
 لكن ليس أصل المال حراماً هنا شيخنا؟
الدكتور راتب :
 الإرث لو كان أصله حراماً ممنوع أخذه نهائياً، لكن هذا المال تملكه المتوفى والابن يأخذه حلالاً.
المذيع:
 وصله بالحلال، لو إنسان شيخنا مثل حكاية المطرب التي ذكرتها كان له مال وأسلم وتاب، هو مسلم، تاب وآمن هل هذه التوبة تطهر ماله؟
الدكتور راتب :
 هذه الفتوى سيدي لابن تيمية وهو شيخ الإسلام وعالم كبير كبير، توبة المؤمن تطهر ماله.
المذيع:
 حتى يستطيع الاستمرار بالحياة أو سيبدأ من الصفر.
الدكتور راتب :
 طبعاً، طبعاً.
المذيع:
 جميل، هنا دائماً مثل هذه الحالات يأتي للإنسان وساوس كثيرة عليه أن يقتل الوساوس ويأخذ بمثل هذه الفتاوى.
 شيخنا الكريم، حديثنا عن الوسواس، وقضية مهمة جداً، الأشخاص شيخنا الذين يعانون من الوسواس، ويكون مبالغاً فيه، وسواس قهري، هل هذا نوع من أنواع المرض، وهو فعلاً بحاجة لعلاج؟

إهمال الوسواس يشفيه بالتدريج :

الدكتور راتب :
 والله هو بداية مرض نفسي.
المذيع:
 يرجع إلى طبيب نفسي أم هو قلة يقين بالله أم ما رأي فضيلتكم بهذا الأمر؟
الدكتور راتب :
 قد يكون له شيخ متبحر بالعلم، فهذه إذا نسيها شفي بالتدريج، الإهمال يذهب الوساوس، الإهمال.
المذيع:
 جميل، هذه القاعدة التي تكلمنا بها وتوسعنا بها، حتى بالأمور الدينية، لو أنك أديت هذه العبادة أو لم تؤدها ربنا يجبر عنك لهذا الظرف المرضي الاستثنائي.
 شيخنا الكريم يعتقد كثير من الناس أن الوسواس مربوط بالشيطان، يتلبس به فينسيه.

الاستعاذة بالله وقاية من الشيطان :

الدكتور راتب :

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ﴾

[ سورة الناس: 1]

 مستحيل وألف ألف مستحيل أن تستعيذ به ثم لا يعيذك، وما أمرك أن تستعيذ به إلا ليعيذك، تستعيذ بخالق الأكوان.

﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ﴾

[ سورة الفلق: 1- 2]

﴿ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ﴾

[ سورة الناس:1- 4]

المذيع:
 ماهو الوسواس الخناس دكتورنا؟

 

الوسواس الخناس :

الدكتور راتب :
 الشيطان يوسوس، ولمجرد أن تقول: أعوذ بالله يخنس، يهرب، وسواس خناس.
المذيع:
 يوسوس المقصود أنه يدعوه إلى الشر؟
الدكتور راتب :
 إلى معصية، إذا استعذت بالله يخنس، يهرب.
المذيع:
 جميل! فإذا هرب هذا الشيطان تبقى النفس وحدها، إذاً الإنسان شيخنا عليه ألا يخاف من قضية الوسواس أن هناك شياطين بهذه القضية.
الدكتور راتب :
 أبداً، أبداً.
المذيع:
 دكتور هل فعلاً يمكن أن يدخل الشيطان إلى الإنسان أم هي وسوسة وعبارة عن شعور؟

الإنسان محصن بالاستعاذة بالله :

الدكتور راتب :
 الإنسان الموصول بالله لا يدخل عليه الشيطان
طبعاً، الشيطان سيدي يدخل على الغافل، أول نقطة أحب أن أؤكدها، لا يمكن لإنسان موصول بالله أن يدخل عليه شيطان.
المذيع:
 ما المقصود يدخل عليه شيخنا؟
الدكتور راتب :
 يوسوس له، إذا هو مع الله انتهى.
المذيع:
 ألا يوسوس الشيطان للمؤمن شيخنا؟
الدكتور راتب :
 انظر سيارة أطلق عليها النار، سواء قلت: لم يطلق عليها النار أصلاً أو أطلقت النار عليها و لم تتأثر لأنها مصفحة.
المذيع:
 النتيجة واحدة.
الدكتور راتب :
 لا يهم أطلق أو لم يطلق، الإنسان محصن بالاستعاذة بالله.
المذيع:
 لكن المؤمن شيخنا يعصي ويستجيب لوساوس الشيطان ويتكلم بالباطل.

يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب :

الدكتور راتب :
 سيدي يعصي، لكن الموضوع دقيق، إذا عصى الإنسان ربه عن عمد ينشأ حوله حجاب كثيف جداً عن الله عز وجل، يعرف أن هذه معصية، أما أحياناً فتكون شهوته قد غلبته، لذلك المؤمن قد تغلبه شهوته فتزل قدمه، ويتوب إلى الله، لكنه لا يكذب، الكذب ليس شهوة، الكذب مؤامرة، الكذب قذف، المؤمن قد تغلبه شهوته، وباب التوبة مفتوح له على مصراعيه إلى يوم القيامة، إلا أنه لا يكذب، فإذا كذب لم يعد مؤمناً.

(( يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب))

[ أحمد عن أبي أمامة ]

 إذا كذب أو خان فقد إيمانه أصلاً، تزل قدم المؤمن، المؤمن غير معصوم، لكن أنا لا أصدق أن تزل قدمه بالكبائر، الكبيرة شيء كبير جداً.
المذيع:
 أي أن المؤمن يقع في الكبائر؟
الدكتور راتب :
 الزنا مثلاً، القتل، شرب الخمر، أعوذ بالله، أما مليون صغيرة فممكن.
المذيع:
 لكن يمكن دكتور عفواً لمن استجاب لهذه الصغائر ولو كان مؤمناً لا قدر الله أن يقع بالنهاية في واحدة من الكبائر؟
الدكتور راتب :
 ممكن الوقوع بالكبائر، لكن المؤمن محصن، محصن بالصلوات الخمس، صلوات هي لك صلة بالله عز وجل.
المذيع:
 شيخنا المساجد ممتلئة بالأشخاص الذين يصلون.
الدكتور راتب :
 لهم وضع استثنائي.
المذيع:
 وبنفس الوقت يرتكبون كثيراً من الموبقات.

 

الصلاة الشكلية لا تقدم ولا تؤخر وهي ليست علامات إيمان :

الدكتور راتب :
 سيدي إذا كانت الصلاة الشكلية لا تقدم ولا تؤخر، ليست علامات إيمان.

(( ليس كل مصل يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممَّن تواضع لعظمتي، وكفَّ شهواته عن محارمي، ولم يصرَّ على معصيتي ، وأطعم الجائع، وكسا العُريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجه لأضوأ عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظلمة نوراً، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم عليَّ فأبرُّه أكلأه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يمس ثمرها ولا يتغير حالها))

[ حديث قديث]

 الصلاة عمل كبير أستاذ، أنت تتصل، هذا الكائن الحادث، الضعيف، الذي قد تغلبه شهوته، يتصل بأصل القوة، والجمال، والكمال، أنت قوي بالله، حكيم بالله، ورع بالله، سعيد بالله، أصل الجمال، والكمال، والنوال، سبعة مليارات ومئتا مليون إنسان في الأرض كلهم جميعاً يتمنون الجمال، والكمال، والنوال، وهي عند الله حصراً.
المذيع:
 الحمد لله رب العالمين، شيخنا أيضاً في قضية الوسواس الذي يصيب الإنسان، والشكوك التي تعتريه في لحظة من اللحظات قد يظن الإنسان أنها تخرجه عن إيمانه، أي حتى الوساوس قد تكون لبعض المؤمنين بوجود الله، بوجود الذات الإلهية.

 

الابتعاد عن القنوط من رحمة الله :

الدكتور راتب :
 المؤمن ألا يقرأ قرآناً؟
المذيع:
 طبعاً.
الدكتور راتب :

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾

[ سورة الزمر: 53]

 كلام خالق الأكوان.

﴿ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

[ سورة الزمر: 53]

 لمن؟ للذين أسرفوا على أنفسهم، إلا أن أول توبة أهون توبة، وأسهل توبة،، وأحلى توبة، التوبة الثانية من نفس الذنب أصعب، والثالثة أصعب، ثم أصعب وأصعب، يا ربي قد تبت إليك، يلقي في روعه يا عبدي وأنا قد قبلت.
المذيع:
 جميل، لكن شيخنا الجليل، لو إنسان مثلاً جاءته مثل هذه الوساوس، أن ربنا خلقنا فلماذا الوساوس؟ هذه الأسئلة أليست علامة خلل في إيمانه أو يقينه بالله؟

 

حاجة كل إنسان إلى حاضنة إيمانية :

الدكتور راتب :
 الخواطر لا يحاسب عليها مبدئياً.
المذيع:
 ما الحل شيخنا لمثل هذه التساؤلات تأتي لذهن كثير من الناس؟
الدكتور راتب :
 يحتاج إلى حاضنة إيمانية.

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 تجلس بسهرة كلها مؤمنين، هذا تكلم عن فكرة، أجابك عن سؤال أنت تستحي أن تسأله، هذا تكلم عن فكرة، أجابك عن تفسير آية، هذه الجلسات الإيمانية تقوي الإيمان، تعمل حاضنة، لذلك:

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾

[ سورة الكهف: 28]

المذيع:
 حتى يعيش الإنسان قوياً بعيداً عن هذه الوساوس.
الدكتور راتب :
 نعم.
المذيع:
 جميل جداً! شيخنا الكريم أيضاً في ملف الوسواس الذي يمكن أن يصيب الإنسان في الآية الكريمة:

﴿ يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ ﴾

 هل المقصود فيها هي نفس وسوسة الشيطان أم أن النزغ هنا غير؟

 

الاستعاذة بالله عند أي نزغ يصيب الإنسان من الشيطان الرجيم :

الدكتور راتب :
 أن يصيبك من الشيطان نزغ، أي نزغ أصابك.
المذيع:
 نفس المعنى؟
الدكتور راتب :
 نعم ، فاستعذ بالله.
المذيع:
 جميل.
 دكتور من تسيطر عليه هذه الوساوس ولا يستطيع الخروج منها؟

 

مصاحبة المؤمنين للتخلص من الوساوس :

الدكتور راتب :

(( ما من مخلوق يعتصم بي من دون خلقي فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً، وما من مخلوق يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته، إلا جعلت الأرض هويّاً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه ))

[ حديث قدسي]

 أمرنا أن نكون مع الجماعة
سيدي الله أمرنا أن نكون مع الجماعة، لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي.

﴿ اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119]

﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ ﴾

[ سورة الكهف: 28]

 يوجد أمر إلهي سيدي، إذا أنت طبقت أخذت كل ميزات الأمر، إن كنت لا تعرف.

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل: 43]

 عفواً، الآن مواطن هل يستطيع أن يدخل إلى عيادة طبيب ولا يملك نقوداً في جيبه؟ لا طبيب، ولا محام، ولا مهندس، إلا إذا دخلت إلى الجامع، لا يوجد رسوم أبداً، مجاناً بين يديك.
المذيع:
 تستفتي عندما لا تعلم، شيخنا الكريم، قضية الوساوس هذه التي تصيب الإنسان، وتأخذ حيزاً كثيراً من وقته، وتعطله، وتمنعه أحياناً عن الاستمرار في نشاطات حياته، هل يؤاخذ الإنسان دكتور لو كان ضعيفاً، ووسوسته أوقفته عن العمل، مثلاً بعض الأشخاص دكتور كان لديه وسواس في بيته، إذا خرج يمكن أن يراقب البيت، أو أحد من أهل بيته يقوم بفعل فاحش، تجده أوقف عمله.

ترك العمل الصالح أكبر رياء :

الدكتور راتب :
 وساوس شيطانية، هنا عندنا جواب: من ترك العمل الصالح خوف الوساوس أو خوف المراء، فترك هذا العمل أكبر رياء، كلام دقيق، من ترك العمل الصالح خوف أن يقال عنه إنه يرائي، ترك العمل الصالح أكبر رياء.
المذيع:
 وهذا وسواس يصيب كثيراً من الناس، من المؤمنين دكتور.
الدكتور راتب :
 لك جلسة مع أخوانك، حوالي عشرة أصدقاء، كل خميس مرة، أنت تحضر الآية والحديث، الآن يقولون عني: إنني أريد أن أكون شيخاً عليهم، فألغيت الدرس كله، لا، هذا صار أكبر رياء، لا تعبأ.

﴿ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 110 ]

 الله يحبك أن تكون واثقاً منه، لا يحبك أن تكون شاكاً فيه.
المذيع:
 أحفظهم، وأقرؤهم، ويخاف من الإمامة، ويكون لديه وسواس، باعتبار أن هذه مسؤولية.

 

ترك العمل خوف الوسواس أكبر وسواس :

الدكتور راتب :
 وسواس مرض هذا، الجواب:

﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ ﴾

[ سورة يوسف: 55 ]

 سيدنا يوسف.

﴿ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة يوسف: 55 ]

 ما قولك بهذه؟ هو طلب، عندك إمكانيات، أنت معك اختصاص، والدائرة تنهار، وتخسر، لا دخل لي، إن قلت: لا دخل لي هذه ليست إيمانية سيدي، معك اختصاص اقتصادي وأنت بمنصب وسط، و منصب المدير العام فارغ، والمؤسسة في نزول وأنت معك الحل.

﴿ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ﴾

[ سورة يوسف: 55 ]

المذيع:
 أما الخوف الزائد والوسواس فأمانة ومسؤولية.
الدكتور راتب :
 مرض، مرض.
المذيع:
 إذا كان في غيري دكتور؟
الدكتور راتب :
 ترك العمل خوف الوسواس أكبر وسواس، ترك العمل خوف الرياء أكبر رياء.
المذيع:
 شيخ إذا كان هناك غيري مختص أكثر مني، هل أيضاً أتطوع أن أبادر أن أتحمل هذه المسؤولية؟

 

تقديم المصلحة العامة على كل شيء :

الدكتور راتب :
 لا، بطلب غيري.
المذيع:
 أدعها لغيري.
الدكتور راتب :
 أن أريد المصلحة، المصلحة أن يكون فلان هو الخبير، وليس أنا، معه اختصاص.
المذيع:
 جميل، لكن لو كان عندي أنا الاختصاص؟
الدكتور راتب :
 وأمتنع أنا شريك، عفواً اقبل مني هذه الكلمة: كلينتون قبل نهاية إدارته بأربعة أيام، ألقى كلمة سمعتها بأذني، طبعاً مترجمة، قال: لقد تمّ قتل ثمانيمئة ألف إنسان في راوندا، قبل ترك البيت الأبيض بأربعة أيام، وكان بإمكاني أن أحقن دماء أربعمئة ألف لكني لم أفعل.
 أقسم لك بالله إذا عندك إمكان أن توقف مجزرة ولم توقفها فأنت شريك القاتل، لكني لم أفعل، أما على وهم سلاح شمولي في العراق فثلاثون دولة جاؤوا من أجل الحرية، إلا أن مرة جاء حاكم عسكري أميركي إلى العراق قال: لقد جئنا من أجل النفط فقط. تكلم بالكلمة الصحيحة.
المذيع:
 إذاً هذا الوسواس دكتور الذي يصيب الإنسان المؤمن في ألا يحاول ألا يتصدر الخير.
الدكتور راتب :
 الوسواس إذا حملك على ترك عمل صالح هذا أكبر وسواس، معنى هذا أن الوسواس قد حقق الهدف.
 أحدهم شرب الخمر، سيدنا عمر قال: أقيموا عليه الحد، فقال: والله إن الله قدر عليَّ ذلك، فقال سيدنا عمر: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار.
المذيع:
 في ختام الحلقة شيخنا نلخص للمستمعين الأفكار.
 الوسواس هو عبارة عن شعور أو خاطر في القلب، جزءٌ منه هو رسالة من الله سبحانه وتعالى، فملك يذكرك بالخير، وجزءٌ منه وسوسة من الشيطان ليحثك على الشر، ما كان من الله يستجيب له الإنسان ويقوم بالعمل الصالح، ما كان من الشيطان يستعيذ الإنسان بالله من الشيطان الرجيم ويغلق هذه الوساوس.
ثانياً: نحن لا نحاسب على أي خاطرة قلبية، وإنما حينما تترجم إلى قول أو فعل أو سلوك يبدأ الحساب، لكن كما تفضلت شيخنا أن الإنسان إذا أهملها؟

تلخيص لما سبق :

الدكتور راتب :
 إذا أهملها ربما انقلبت إلى إرادة ثم عمل.
المذيع:
 وحلها بالعلم، والأخوة الصالحين، والبيئات الصالحة.
الدكتور راتب :
 أبداً أبداً، حاضنة إيمانية.
المذيع:
 جميل جميل جداً، والإنسان إذا تعرض إلى وسواس يشك أنه فعل أو لم يفعل هذه القضية حتى لو عبادة يقتلها بنسيانه، توسوست أنا قرأت أم لم أقرأ الفاتحة تعتبر أنك قرأتها، وربنا يجبر عنك حتى لو كنت غير قارئ لها.
الدكتور راتب :
 نعم.
المذيع:
 جميل! الله يفتح عليك دكتور لكلامك الطيب، ويجزيك عنا كل خير، والمؤمن في حفظ الله سبحانه وتعالى من هذه الوساوس الفتاكة، الله يكرمكم دكتور.
 نختم حلقتنا بالدعاء.

 

الدعاء :

الدكتور راتب :
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك، أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، اجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً وسائر بلاد المسلمين، احقن دماء المسلمين في كل مكان، واحقن دماءهم في الشام، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم.

خاتمة و توديع :

المذيع:
 الحمد لله رب العالمين، بارك الله بكم فضيلة العلّامة الأستاذ الدكتور محمد راتب النابلسي لهذه الكلمات الطيبة.
 "الوسواس" كان عنوان حلقتنا لهذه اليوم. سبحانك الله وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018