٠44برنامج منهج التائبين - قناة الرحمة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج منهج التائبين - الحلقة : 11 - الاعتصام بالله للطائع والعاصي.


2019-05-16

مقدمة :

الدكتور بلال:
  بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب ذي الطول، لا إله إلا هو، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 أخوتي الكرام، أخواتي الكريمات؛ أينما كنتم أسعد الله أوقاتكم بكل خير، نحن معاً في: "منهج التائبين" نسير على هذا النهج حتى نلقى الله عز وجل وهو راضٍ عنا إن شاء الله.
 ضيفنا الدائم في منهج التائبين فضيلة شيخنا محمد راتب النابلسي، السلام عليكم سيدي.
الدكتور راتب :
 وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الدكتور بلال:
 سيدي اليوم موضوعنا متعلق بعلاقة العاصي ثم الطائع بربه، وبشكل رئيس بموضوع الاعتصام بالله في حالة المعصية، أو في حالة الطاعة، وهنا أبدأ بمقولة مشهورة لابن عطاء الله: "رب معصية أورثت ذلاً وانكساراً، خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً " هل هذه المقولة صحيحة، وما تعليقكم عليها؟

الاعتصام بالله هو الإيمان و الافتقار و التواضع :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 الله عز وجل يريد قلبك لا طاعتك، يريد انكسارك إليه، قمة النجاح في العمل الصالح الافتقار إلى الله، نأخذ حدثاً تاريخياً كبيراً، الصحابة الكرام قمم البشر، وفيهم سيد البشر في بدر افتقروا فانتصروا، هم هم في حنين لم يفتقروا، قال بعضهم:

(( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ ))

[أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]

 فلم ينتصروا، معنى ذلك أن النصر من عند الله، والدليل:

﴿ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 127]

 بالافتقار نقوى عند الله، بالاعتداد بالذات نضعف.

﴿ فَبِمَا ﴾

[ سورة آل عمران: 159]

 الآية دقيقة جداً، يخاطب النبي الكريم:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ﴾

[ سورة آل عمران: 159]

 أي يا محمد، من خلال اتصالك بنا، بسبب رحمة استقرت في قلبك، من خلال اتصالك بنا كنت ليناً لهم، فالتفوا حولك، وأنت أنت افتراضاً لو لم تكن متصلاً بنا لامتلأ القلب قسوة، ولانعكست القسوة غلظة وفظاظة، فانفضوا من حولك.
 فالاعتصام هو الإيمان، الاعتصام هو الافتقار، الاعتصام هو التواضع، ومن تواضع لله رفعه، مع الله وحده، كلما تواضعت له جاءك المدد الإلهي، جاءك التأييد، جاءك التوفيق، جاءك النصر، جاءتك الحكمة.

الحكمة أعظم عطاء إلهي :

 الحكمة أعظم عطاء إلهي، أنت بالحكمة تجعل العدو صديقاً، ومن دون حكمة تجعل الصديق عدواً، أنت بالحكمة تسعد بزوجة أي زوجة، من دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى، أنت بالحكمة تتدبر أمرك بالمال المحدود، ومن دون حكمة تدمر المال الكثير، فأكبر عطاء إلهي هو الحكمة، الملمح الدقيق في الآية، ما قال: من يكن حكيماً، ما قال: ومن يأخذ الحكمة.

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ ﴾

[ سورة البقرة: 269]

 أكبر هدية من الله للمؤمن أن يتحلى بالحكمة، بالحكمة يسعد.

﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ﴾

[ سورة البقرة: 269]

 فالإنسان بالحكمة محبوب، بالحكمة مُعان، بالحكمة منصور، بالحكمة يتحلق الناس حوله، بلا حكمة يبتعدون عنه.
 كنت أضرب مثلاً بسيطاً: جاءك ضيوف كثر، عندك لبن، أضفت له ضعفيه ماء، صار عيران، وقدمته للآخرين، أما هذا اللبن لو أضيف له قطرة بترول انتهى، فالكبر بترول يفسد الحياة، والكبر:

(( الكبْرِياءُ ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذَفْتُهُ في النار))

[مسلم وأبو داود عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة]

 فانطلق من التواضع لله، ومن تواضع لله رفعه، بالتواضع تصبح محبوباً عند الناس، الناس يكرهون المتكبر، المستعلي من فوق، كن متواضعاً، والأنبياء العظام تواضعوا لله فرفعهم الله عز وجل.
الدكتور بلال:
 إذاً سيدي هذه المقولة العاصي ينبغي أن يكون معتصماً بالله، والطائع يجب أن يكون معتصماً بالله، أما أن يطيع فيورثه ذلك عزةً واستكباراً فهذا لا يحبه الله تعالى ولا يرضاه.
الدكتور راتب :
 قالوا: الفضيلة رقصت تيهاً بنفسها فانكشفت عورتها.
الدكتور بلال:
 قلتم: إن الأنبياء عليهم السلام كانوا على هذا الاعتصام بالله تعالى، وهنا يأتيني مثل سيدنا يوسف عليه السلام لما جاءته امرأة ذات منصب وجمال، قال:

﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ ﴾

[ سورة يوسف: 33]

الضعف علامة الإيمان :

الدكتور راتب :
 أي الإنسان ضعيف، الدليل:

﴿ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً ﴾

[ سورة النساء: 28]

 خلق ضعيفاً ليفتقر في ضعفه فيسعد بافتقاره، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، فالضعف علامة الإيمان، الضعف شأن الإنسان، الله هو القوي، هو الغني، هو المتكبر بالمفهوم الدقيق، الإنسان هو الضعيف، فحينما تعتمد على الله بضعفك تصبح قوياً، حينما تعتمد على الله بفقرك تصبح غنياً، حينما تعتمد على الله بحكمته تصبح حكيماً.

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء ))

[ ورد في الأثر]

 مكارم الأخلاق مخزونة عند الله تعالى، فإذا أحبّ الله عبداً منحه خلقاً حسناً.
 الحقيقة أنك أنت مع أصل الكمال، والجمال، والنوال، أنت مع الله، مع القوي، تقوى باتصالك به، مع الرحيم ترحم من دونك باتصالك به، مع الحكيم تكون حكيماً.

من عرف الله استغنى به عن كل شيء :

 الحقيقة أن صفات المؤمن متنوعة جداً، فالمؤمن إذا عرف الله استغنى به عن كل شيء.

(( ابن آدم اطلبنِي تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))

[ ورد في الأثر]

((يا رب أي عبادك أحب إليك - شخص بالمناجاة - حتى أحبه بحبك؟ أحب عبادي إليّ نقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب، إنك تعلم أنني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ - فوقع في روعه- قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي، وبلائي، ذكرهم بآلائي كي يعظموني وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم بعقابي كي يخافوني))

[ من الدر المنثور عن ابن عباس]

 أي لا بد من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم لله، ومحبة له، وخوف منه.
الدكتور بلال:
 سيدي الآن نظرة الطائع إلى العاصي، أحياناً الإنسان يكون على طاعة لله عز وجل لكنه يبدأ باحتقار العصاة، أي ينظر إلى العاصي نظرة احتقار وازدراء.

حاجة كل من الطائع و العاصي لله عز وجل :

الدكتور راتب :
 سلوك خاطئ.
الدكتور بلال:
 ويوزع التهم بشكل عشوائي، ويكون على هذا النحو، فماذا تعليقكم؟
الدكتور راتب :
 الآية الكريمة:

﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 94]

 أخ كريم كان متفلتاً ثم عرف الله وتاب إليه، وجاء يستفتيني في تطليق زوجته، لِمَ؟ غير ملتزمة، قلت له: الله صبر عليك ثلاثين سنة، حتى تعرفت إليه واستقمت على أمره، اصبر عليها كما صبر الله عليك.
 الإنسان المؤمن متواضع، هو يعتد بفضل الله عليه، دون أن يحتقر من فاته هذا الفضل، يؤمن بحكمة الله الكبيرة.
الدكتور بلال:
 ينظر إليهم كالطبيب، هذا مريض يسأل الله له الشفاء والعافية.
الدكتور راتب :
 الطبيب لا يحقد على المريض، يتألم من مرضه، لا منه.
الدكتور بلال:
 إذاً سيدي الطائع لله بحاجة إلى الاعتصام بالله، لكيلا يتكبر، والعاصي بحاجة إلى الاعتصام بالله حتى يتوب ويرجع إلى الله.
الدكتور راتب :
 واحد ليتواضع، والثاني ليرتقي.
الدكتور بلال:
 سيدي متابعة في موضوع الاعتصام، سيدنا عمر رضي الله عنه قيل كما ورد في السير أن أحداً من الناس شرب الخمر، فسيدنا عمر بن الخطاب كتب إليه: أحمد الله إليك- كما ورد- غافر الذنب، قابل التوب، وما زال يستعطفه ويستميله حتى بكى.

حاجة كل إنسان إلى الإحسان :

الدكتور راتب :
 هذا من الحكمة، الإنسان هذا الذي زلت قدمه مكسور، فأنت مهمتك أن تأخذ بيده، أن ترقى به إلى الله، أن تيسر له الدين، لا أن تعقد عليه، الله بابه مفتوح، يتوب على من يشاء من عباده، رحمة الله وسعت كل شيء، هذه الحكمة- أكاد أقول لك- أكبر عطاء إلهي، تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.
الدكتور بلال:
 هذا أبو حنيفة النعمان كما يروى، هذا الرجل الجار السيئ الذي كان يغني دائماً:
 أضاعوني وأي فتى أضاعوا.
الدكتور راتب :
 حينما انقطع الغناء تفقده، فإذا هو في السجن، فذهب إلى السجان وأطلقه لمكانة أبي حنيفة، فقال له: يا فلان هل أضعناك؟ فتاب على يده.
 الإنسان يحتاج إلى الإحسان.

(( يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها))

[ ورد في الأثر]

 افتح قلبه بإحسانك، ليفتح لك عقله لبيانك.
الدكتور بلال:
 ملمح دقيق في قصة شارب الخمر الذي قال له بعض الصحابة: أخزاك الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تعينوا عليه الشيطان.
 كيف يعين الإنسان الشيطان على أخيه؟

احتضان العاصي و استيعابه و عدم قطيعته :

الدكتور راتب :
 أنت بين حالتين، إما أن تعين أخاك على الشيطان فتقبله، وإما تعينه على الشيطان فيزداد بعداً عن الله عز وجل، إما أن تعينه على الشيطان، أو أن تعين الشيطان عليه.
الدكتور بلال:
 كيف يعين الشيطان عليه؟
الدكتور راتب :
 حينما يوبخه علانية، حينما يحقره، أو يقاطعه، أنا لا أوافق أبداً على أن تقطع العاصي، إن قطعته ازداد معصية، أما إن احتضنته، إن توسعت به، إن استوعبته، لعله يهدى على يديك.
الدكتور بلال:
 أيضاً الأب مع الابن سيدي أحياناً، يقول: هذا الابن عاق، وسأحرمه من الميراث، ولن أدخله إلى البيت، لن تحل المشكلة.
الدكتور راتب :
 يزداد عقوقاً، أما إذا أعطيته حقه فلعله يعود ولداً باراً بك.

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
جزاكم الله خيراً سيدي، وأحسن إليكم.
 أخوتي، أخواتي، كان لقاؤنا مع منهج التائبين اليوم متعلقاً بالطائع والعاصي، فالطائع يعتصم بالله تعالى ليثبت على طاعته، وليكون متواضعاً مع خلق الله، والعاصي أيضاً ينبغي أن يعتصم بالله تعالى، ويستعين به من أجل التوبة.
 أرجو الله أن ألقاكم دائماً وأنتم في أحسن حال، كل الشكر لشيخنا الفاضل، وكل الشكر لمتابعتكم، نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018