٠77برنامج بيت المسلم - قناة الظفرة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

برنامج بيت المسلم – الحلقة : 25 - التربية بالموعظة - بالقصة - بالوصية - بالحوار - بضرب المثل.


2019-05-30

مقدمة :

الدكتور بلال:
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، والصلاة والسلام على نبينا المصطفى وعلى آله وأصحابه أجمعين.
 أخوتي الأكارم، أخواتي الكريمات؛ أينما كنتم نحن معاً في "بيت المسلم" من جديد نرحب بفضيلة شيخنا الدكتور محمد راتب النابلسي في مستهل حلقة جديدة من برنامجنا السلام عليكم سيدي.
الدكتور راتب :
 عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ونفع الله بكم.
المذيع:
 وبكم سيدي، أكرمكم الله، سيدي عندما نتحدث عن التربية بالموعظة فقد بدأنا بها في اللقاء السابق، لابد أن نتابع في قضية الموعظة، لعل من أهم الأساليب للتعامل مع الصغار أن ننقل لهم الموعظة عن طريق القصة، لماذا سيدي؟

 أهم الأساليب للتعامل مع الصغار :

1 ـ الاعتماد على القصة لأنها أقرب فن أدبي للإنسان :

الدكتور راتب :
 الحقيقة الدقيقة أن الله جل جلاله وهو خالقنا ومربينا اعتمد القصة في دعوة عباده الى طاعته.

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾

[ سورة يوسف: 110]

 معنى ذلك القصة أقرب فن أدبي للإنسان، القصة فيها أشخاص، فيها بيئة مكانية، بيئة زمانية، فيها حوار، فيها بداية، فيها عقدة، فيها نهاية، فيها حبكة، فيها مغزى، الحقيقة أقرب أسلوب أدبي لإقناع الآخر هي القصة.
 أذكر مرة أن أباً اصطحب ابنه معه إلى المسجد، والخطبة من فضل الله موفقة جداً، سأله: ماذا فهمت من هذه الخطبة؟ ذكر له القصة فقط.
 القصة أقرب شيء للإنسان، هي الفن الأدبي القريب للإنسان، فلذلك إذا اعتمد الكاتب، أو الأديب، أو الداعية، أو العالم، أو المعلم على القصة نجح في هذا الأسلوب.
الدكتور بلال:
 هي حقيقة.
الدكتور راتب :
 مع البرهان عليها، ممكن تتحدث بالقيم المجردة، والمبادئ ساعات طويلة، أما حينما نستمع منك إلى إنسان طبق هذه، وقطف ثمارها، فأبلغ في إقناعه بما تقول آلاف المرات من الكلام المجرد، إنسان أمامك طبق هذا فقطف ثماره.
الدكتور بلال:
 إذاً سيدي، هل تقترحون على الآباء والأمهات أن يكون عندهم كتاب في قصص الأنبياء؟ قصص الصحابة الكرام؟
الدكتور راتب :
 والله أتمنى ذلك، وأتمنى أن الأب إذا لاحظ أن هناك خطأ في البيت، ممكن يتحدث عن إنسان آخر فعل كذا، فكان كذا، فدائماً التربية المباشرة تعمل حساسية، دائماً عندنا التعبير نوعان، تعبير مباشر، وتعبير غير مباشر، أن تقول مثلاً: هذا المغني سيئ الصوت، مباشر، أما:

عواء كلب على أوتار مندفـــــة في  قبح قرد وفي استكبار هاماني
وتحسب العين فكيه إذا اختلفا عند  التنغم فكي بغل طحانــــــــــــــــــــي
***

 التعبير الأدبي مؤثر، إن أردت أن تقنعني فقل النثر، إن أردت أن تثيرني فقل الشعر، والأدب بأدق تعريفاته: هو التعبير المثير عن حقائق الحياة، لذلك الأدب له أثر كبير جداً.
الدكتور بلال:
 إذاً نستخدم القصة في التربية وهذا فن عظيم.
 أيضاً سيدي.
الدكتور راتب :
 دقيقة، بالقصة يوجد شرط أن تكون واقعية، لا معنى هذا أنها وقعت، لكن يمكن أن تقع، ما دام الشيء لم يقع فقد قيمته العلمية، القصة قد تكون مفتعلة، أي إنسان كتبها، لكن لا بد من أن تكون واقعية، أي أنها تطابق الواقع، والحقيقة الدقيقة أن كل شيء لا يطابق الواقع هو جهل، وكل شيء بلا دليل هو تقليد.
 لذلك أدق تعريف أنها علاقة قطعية بين متغيرين، تطابق الواقع، عليها دليل، هذا العلم، إن ألغينا الدليل، التقليد، إن ألغينا الواقع، الجهل، إن ألغينا القطع وهم ثلاثون بالمئة، شك خمسون بالمئة، ظن سبعون بالمئة، غلبة ظن تسعون بالمئة، أما الحق فمئة بالمئة، علاقة بين متغيرين، مقطوع بها، تطابق الواقع، عليها دليل.
الدكتور بلال:
 هذه القصة، أيضاً من الأساليب في الموعظة الوصية، أن يوصيه.

2 ـ الوصية :

الدكتور راتب :

﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ﴾

[ سورة النساء: 11]

 وصى، الوصية فيها رأفة، فيها رحمة، فيها حب، الإنسان يوصي من يحب، يوصي أولاده، يوصي أخوانه، أقرباءه، زوجته، أما العدو قلا يوصى.
الدكتور بلال:
 إذاً جميل أن يقول له قبل الذهاب إلى المدرسة: أوصيك بطاعة الله، أوصيك بتقوى الله.
 أيضاً سيدي من أساليب الموعظة أن يخاطب العقل والقلب معاً.

3 ـ مخاطبة العقل و القلب معاً :

الدكتور راتب :
 الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك، أنا أرى أن الدعوة إلى الله لا تنجح، ولا تصح، ولا تأخذ أدوارها الحقيقية إلا إذا خاطبت عقل الإنسان بالعلم، وقلبه بحب يسمو به، وجسمه بطعام وشراب أشتري بمال حلال، إن عودت إنساناً أن تكون يده السفلى، أنت ما ربيته، يجب أن تعوده أن تكون يده هي العليا، يعطي.
 الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا.
 فلذلك القصة لها أثر كبير في ذلك، والموعظة، والوصية.
الدكتور بلال:
 ومخاطبة العقل والقلب.
الدكتور راتب :
 تخاطب عقله بالعلم، وقلبه بالحب، فيوجد آية دقيقة جداً:

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

[ سورة الانفطار: 6]

 خاطب قلبه.

﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾

[ سورة الانفطار: 7]

 خاطب عقله، أن تجمع بين العقل والقلب شيء رائع جداً، الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، الذي خاطب العقل وحده ما نجح، ولا أفلح، والذي خاطب القلب وحده ما نجح ولا أفلح، أن تجمع بين القلب والعقل، أنا أضيف والجسم، هيئ هذا الذي تدعوه إلى الله أن يكون له عملاً شريفاً، مقبولاً، تصبح يده عليا لا سفلى.
الدكتور بلال:
 هذا يتصل بالتربية الصحية التي تكلمنا عنها بمعيتكم.
 لو طبقنا ذلك مخاطبة العقل والقلب من كلامكم سيدي على معاملة الأب مع ابنه، الابن وقع في معصية، يخاطب عقله ببيان آثار المعصية السلبية، ويخاطب قلبه بطاعة الله.
الدكتور راتب :
 عقله: أقنع ولا تقمع، هناك قمع يفعله الجهلاء دائماً، يا بني العمل هذا ليس في صالحك لمستقبلك، هذا عقل، حتى أحبك، حتى أعطيك كل ما أملك، يجب أن تكون كذا.
الدكتور بلال:
 هذا قلبه، جزاكم الله خيراً، إذاً مخاطبة العقل والقلب معاً.
 أيضاً من أساليب الموعظة أن نعالج القضية من جذورها لا من نهايتها.

4 ـ معالجة القضية من جذورها لا من نهايتها :

الدكتور راتب :
 أنا أذكر ملمحاً دقيقاً جداً جداً في سيرة النبي الكريم: إنسان دخل بستان أنصاري، أكل من ثماره دون استئذانه، فساقه إلى النبي الكريم على أنه سارق، فغضب النبي الكريم، قال له: هلا علمته إن كان جاهلاً؟ وهلا أطعمته إن كان جائعاً؟
 هذه مشكلة، لا تعالج المشكلة من نهايتها، فأنا أقيس عليها قياساً كبيراً جداً، هذا الإنسان رأيته جائعاً أطعمته، رأيته عارياً كسوته، رأيته مشرداً آويته، رأيته جاهلاً ضالاً هديته، أنت الآن أعطيته كل حاجاته، الله عز وجل لعظمته ورحمته وشكره لهذا الإنسان المحسن، سيكافئ هذا الإنسان بمكافأة من جنس عمله، ينصره على من هو أقوى منه، هذا كلام مأخوذ من كلام النبي الكريم:

(( فإنما))

[أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]

 أداة قصر وحصر.

((تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))

[أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء]

 هذا الضعيف أطعمه إن كان جائعاً، اكسه إن كان عارياً، دله إن كان ضالاً، آوه إن كان مشرداً، عالجه إن كان مريضاً، هكذا، أعطه كل ما تستطيع حتى يعطيك كل ما يمكن.
الدكتور بلال:
 نعم سيدي، إذاً نستنبط من كلماتكم هذه أنني عندما يكون عندي ابن أو طالب عنده مشكلة ينبغي أن أعالج مشكلته قبل أن أعالجه، أي أن أبدأ بمعالجة المرض قبل أن أعالج العرض.
جزاكم الله خيراً.
 أيضاً من أساليب الموعظة الناجحة: أسلوب الحوار، أن يحاور ابنه.

5 ـ الحوار :

الدكتور راتب :
 الإله العظيم خالق الأكوان، خالق الإنسان، فعله كن فيكون، زل فيزول، حاور الشيطان، حاوره، الحوار احترام للمحاور، والحوار إعطاء الدليل، والحوار إيقاظ رغبته بالسلامة، والحوار أنا أسميه أسلوباً حضارياً.
 أنا أقول: أي بيت لا بد فيه من حوار بين الزوج وزوجته، والأب وأولاده، والأولاد مع أبيهم، والأولاد مع أقربائهم، الحوار أسلوب حضاري، والله اتخذه طريق في المعالجة.
الدكتور بلال:
 أي لا يلقي المعلومات فقط، إنما يستمع من ابنه.
الدكتور راتب :
 الإلقاء قمع، أما الاستماع فمشاركة، عندنا أفعال مشاركة.
الدكتور بلال:
 يحاوره، لكن هناك جدال أحياناً.
الدكتور راتب :
 الحوار محبذ، ممدوح، الجدال؛ إذا الإنسان مبطل يجادل، أما المؤمن فيحاور، أنا آخذ بيده.
 لذلك قالوا: فرق كبير بين المداهنة والمداراة، المداراة أن تبذل الدنيا من أجل الدين، أما المداهنة فأن تبذل الدين من أجل الدنيا.
 العلماء الصادقون يدارون ولا يداهنون، أما المنافقون فيداهنون.
الدكتور بلال:
 أيضاً سيدي من أساليب الموعظة: أسلوب ضرب المثل.

6 ـ ضرب المثل :

الدكتور راتب :
 أنا أحياناً، لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار، نص ديني، كيف أشرحه؟
 أقول: سيارة تمشي على طريق، عرضه ستون متراً، تمشي في الوسط، ما هي الصغيرة؟ حرف المقود سنتمتراً واحداً، هذا السنتمتر لو ثبته إلى الوادي، الطريق العريض عن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره وادٍ سحيق، وأنت تمشي بالوسط، تحريك المقود سنتمتراً واحداً صغيرة، لو ثبتها إلى الوادي، قطعاً، أما الكبيرة فحرف المقود تسعين درجة، لكن لو أرجعتها نجوت.
 لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار.
 المثل أوضح شيء، والقرآن يمتلئ بالأمثال، الله استخدم الأمثال لأنها طريقة مؤثرة لإقناع الآخر بالحقيقة.
الدكتور بلال:
 وفي تربية الأولاد ننقله من المعنى المجرد إلى المعنى المحسوس، من خلال المثل.
 سيدي ضاق الوقت، لكن من وسائل التربية أريد أن أختم بدقيقة عن التربية بالعقوبة، يتبادر إلى الذهن أن العقوبة هي الضرب، أحياناً يوجد تربية بالعقوبة وليست ضرباً.

التربية بالعقوبة :

الدكتور راتب :
 بالإعراض، إذا كان الأب محسناً جداً، والابن يحبه جداً، يكفي من هذا الأب أن يعرض عنه، دعني يا بابا دعني، فهذا من أطاع عصاك فقد عصاك، أما الإعراض فأسلوب ذكي جداً، لكن من يستطيعه؟ المحسن، بقدر إحسانك تستخدم هذا الإعراض.
الدكتور بلال:
 بالتأنيب ببعض الكلمات الغير الجارحة.
الدكتور راتب :
 هذه لا تليق بك كطالب علم، لا تليق بك كابن لي.

خاتمة و توديع :

الدكتور بلال:
 جزاكم الله خيراً سيدي، وأحسن إليكم.
 أخوتي، أخواتي؛ أشكر لكم حسن المتابعة، ومن قبل ذلك أشكر لشيخنا حسن التوجيه، أسأل الله تعالى أن ألتقيكم دائماً على خير، إلى الملتقى في بيت المسلم، أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018