بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الزواج - الدرس : 03 - الحضانة2 .


1984-11-11

مقدمة الدرس:

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

شروط حضانة الطفل في الإسلام:

 أيها الأخوة الكرام، تحدثنا في درس سابق عن معنى الحضانة، وعن أن الحضانة حق مشترك، وعن أن الأم أحق من الأب في الحضانة، وعن ترتيب أصحاب الحقوق في الحضانة، وأكدت لكم أنه لابد من أن يكون لهذا الطفل رجل أو امرأة مسؤول عنه.
 واليوم نتحدث عن شروط الحضانة، يشترط في الحاضنة التي تتولى تربية الصغير وتقوم على شؤونه الكفاءة والقدرة على الاضطلاع بهذه المهمة، وإنما تتحقق الكفاءة والقدرة، بتوافر ـ نقول بتوافر ولا نقول بتوفر، فهذا خطأ شائع ـ بتوافر شروط معينة وهذه الشروط:

 

أولاً - العقل:

 فلا حضانة لمعتوه، فالمعتوه قد يقتل الطفل، ولا لمجنون، وكلاهما لا يستطيع القيام بتدبير نفسه، فلا يفوض له تدبير غيره، لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

 

ثانياً - البلوغ:

 لأن الصغير ولو كان مميزاً في حاجةٍ إلى من يتولى أمره، ويحضنه فلا يتولى هو أمر غيره، الصغير لا يعقل أن يكون حاضناً لصغير مثله.

 

 

ثالثاً - القدرة على التربية:

 فلا حضانة لكفيفةٍ، والكفيفة ـ هي فاقدة البصر ـ لا تستطيع أن تحضن طفلاً، لأنها لا تستطيع أن ترى الخطر المحدق به أحياناً، ولا ضعيفة البصر، ولا لمريضة مرضاً معدياً، أو مرضاً يعجزها عن القيام بشؤونه، ولا لمتقدمةٍ بالسن تقدماً يحوجها إلى رعاية غيرها لها، ولا لمهملةٍ شؤون بيتها، كثيرة المغادرة له، يوجد بعض النساء تهمل شؤون بيتها، البيت غير نظيف، فيه فوضى، تقول: الأطفال لا يوجد عندهم أحذية، ويكون في الخزانة اثنان حالتهما جيدة، فلا تعرف ماذا يوجد عندها، تقول:لا يوجد عندنا سكر، ويكون السكر في المطبخ موجوداً، هذه امرأة متسيبة، فوضوية، مهملة، وغالباً تكون المهملة كثيرة المغادرة لبيتها، والله سبحانه وتعالى يقول:

 

 

﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ﴾

 

( سورة الأحزاب، آية 33 )

 فالقرار في البيت ـ أي البقاء فيه ـ أمر إلهي، على النساء أن يتقيدن به، إذاً: ولا حضانة لمهملةٍ لشؤون بيتها، أحياناً، يوجد أدوية سامة، إن كانت في متناول الأطفال تؤذيهم، فالمرأة المهملة لا تبالي كثيراً بهذا الموضوع، لو أن الطفل يحتاج إلى معالجة وإعطاء الأدوية في مواعيدها ومواقيتها، وكمياتها الدقيقة، هذا يحتاج إلى امرأة منتظمة، دقيقة، الطبخ كذلك، المؤنة كذلك، فالتي تهمل شؤون بيتها، وكثيراً ما تغادره، هذه لا تصلح لأن تكون حاضنةً لصغير، بحيث يخشى من هذا الإهمال ضياع الطفل والضرر عليه، أو اجتماعه مع مريضٍ مرضاً معدياً، أو مع من يبغض الطفل، فلا يجوز أن تكون الحاضنة مع من يبغض هذا الطفل، ولو كان قريباً له حيث لا تتوافر الرعاية الكافية له، ولا الجو الصالح، هذا كله تحت عنوان القدرة على تربية الطفل.

رابعاً – الأمانة والخلق:

 لأن الفاسقةَ غير مأمونة على الصغير، ولا يوثق بها في أداء واجب الحضانة، فمثلاً إذا كلفناها أن تغلي الحليب وتبرده من أجل إرضاع الصغير، تفتح صنبور الماء الساخن، غير الصالح للشرب، وتستخدم ماءً مشوباً، وترضعه للصغير، لذلك تعاقب هذه الحاضنة عقاباً شديداً على هذا العمل، لأنها فاسقة، والفاسقة لا تخاف من الله عز وجل، لا يهمها أن الطفل إذا شرب هذا الحليب مع الماء السيئ فسيؤذي صحته، هذه نصيحة عامة، إياك أن تتعامل مع فاسق أو تارك صلاة، قد ترى هذا تشديداً، لا، هذا منتهى الاحتياط، لأن تارك الصلاة لا يخاف من الله، يفعل كل ما يحلو له.

 

مناقشة العلماء لهذا الشرط:

 لكن هذا الشرط ناقشه بعض العلماء، مناقشةً دقيقة، وسأقرأ على مسامعكم هذه المناقشة:
 قال: " الصواب أن لا تشترط العدالة ـ وهي الأمانة والخلق ـ في الحاضنة قطعاً، وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي رحمهما الله وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد، ولو اشترط في الحاضن العدالة، لضاع أطفال العالم، ولعظمت المشقة على الأمة، واشتدَّ العنت، ولم يزل من حين قام الإسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بينهم "
 فكيف التوفيق بين هذين الرأيين ؟
 الرأي الأول: أن على الحاضنة أن تكون ذات عقل راجح، وبالغةٍ، وذات قدرةً على التربية، وأن تكون أمينةً، أو ذات خلق رفيع، هذا كله صحيح، نحن أمام خيار إذا كان أمامنا عدة حاضنات، فنختار الأعقل، نختار الأكبر سناً، نختار الأكثر قدرةً، أما إذا كنا أمام حاضنة واحدة، لا غير، هي أمه، فهل يعقل أن نطبق على هذه الأم هذه الشروط ؟ مستحيل، أطفال العالم كلهم تربيهم أمهاتهم، وقد لا تتوافر هذه الشروط في أمهاتهم، فهذا الاعتراض وجيه، ولكن له وجهة نظر من زاوية واحدة، أنك إذا كنت أمام عدة حاضنات اختر هذه الشروط، أما إذا كنت أمام امرأة واحدة ليس لها بديل، إذاً، في مثل هذه الحالة لا تشترط هذه الشروط في الحاضنة.
 ثم متى وقع في الإسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما ؟ متى انتزع الطفل من أبويه أو أحدهما بسبب فسقهما ؟ ما سمعنا بهذا، لأن الله عز وجل أعطى الأم والأب حداً أدنى من الرحمة ولو كانا فاسقين، ولو كانا كافرين، أو مشركين، يوجد جزء من الرحمة لا أجر لهما عليه، لأن الله عز وجل وضعه في قلبيهما ابتداءً، هذه رحمة خاصة، لكن الرحمة التي تؤجر عليها ـ أيها الأخ الكريم ـ هي رحمة عامة، أن ترحم الناس جميعاً، لذلك قال لي شخص: صاحب العمل يرهق العامل بما هو فوق طاقته، فأحضر مرةً ابنه، وخاف عليه من النسيم، هنا انكشف الذي في قلب صاحب العمل، الرحمة تجاه ابنه فقط، الله سبحانه وتعالى وضعها في قلبه، لكنه كشف حينما قسى على الغريب قسوة بالغة، إذاً: ليس في قلبه رحمة عامة، في قلبه رحمة خاصة، وهذه الرحمة الخاصة قد وضعها الله عز وجل في قلب كل أم وأب، من أجل أن ينشأ الأطفال في رعايةٍ حسنة، لكن في حالات نادرة جداً نجد خلاف ذلك:

 

 

حالات نادرة لفقدان الرحمة من قلب الوالدين:

 لي صديق طبيب، كان يحضّر ( بورد ) في شيكاغو، وكلمة ( بورد ) تعني هيئة تمتحن الطبيب خلال سنتين من ممارسة الطب، وتمنحه هذه الشهادة، ففي كل ولاية يوجد ( بورد )، هذا الصديق الطبيب بعث برسالة إلى خال له، اطلعت عليها، يقول: يا خالي في ليلة الأحد جاءنا إلى المستشفى خمس عشرة حالة، إحداها: إصابة بآلة حادة لأطفال دون السنتين، وأخرى: طفل، عمره سنة ونصف، ضرب بسكين من قبل والديه، أو أحد والديه ليلة الأحد.. يظهر أنه يوجد انحراف، الطفل بكى فترة من الزمن فلم يتحمله أبوه فطعنه، هذه قصة سمعتها من عشر سنوات في أمريكا، ثم إن أخاً كريماً زار أمريكا قبل ستة أشهر، وحضر قبل شهر، فلما ذهبت لتهنئته بسلامة العودة، سألته عن هذه الظاهرة، وفوجئت أن قانوناً صدر في أمريكا يدعو الجيران إلى مراقبة بعضهم بعضاً، فإذا أخبر جار عن جاره أنه ضرب ابنه الصغير، فلهذا الجار مكافأة كبيرة، حسب القانون الجديد.
 يوجد درجة من الفسق والفجور تفقد الإنسان هذا الحد الذي وضعه الله في قلب كل أب وأم، اطلعت مرةً في الصحف على خبر.. امرأة فرنسية أغلقت بيتها وفيه ولدان من أولادها وغادرته، وغابت عن البيت أسبوعين كاملين حتى تأكدت من موتهما، طفلان صغيران عمرهما سنة ونصف وسنتان، انتقاماً من زوجها الذي طلقها، هذا الحد الذي وضعه الله في قلب المرأة أو قلب الأب من الرحمة، والذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم، رحمة خاصة يبدو أن الفجور والكفر يبلغان حداً يبطل تأثير هذا الحد الأدنى من الرحمة، هذا هو المجتمع العصري، مجتمع العلم، لذلك، إذا حقق هذا المجتمع تقدماً علمياً، أو تكنولوجياً كما يقولون، فقد حقق تخلفاً اجتماعياً وأخلاقياً منقطع النظير، دائماً الصحة النفسية تحتاج إلى تكامل، أحياناً ينمو العقل على حساب القيم، فهذا إنسان مرفوض، قال أحد الأدباء: " أوربا عقلها من ذهب وقلبها من حديد "، لا رحمة في قلبها، فمن أجل حفاظها على معيشة أبنائها تبيع شعوباً بأكملها، فمثلاً: ما تأكله الكلاب في أمريكا من اللحوم، أكثر مما يأكله الشعب الهندي من اللحوم، الشعب الهندي سبع مائة وخمسين مليون نفس، هكذا ذكر لي، وبالمناسبة، الشعب الهندوسي يعيش في عقيدةٍ فاسدة بعيدة كل البعد عن الحقيقة، البقر يدفن هناك دفناً، أما الإنسان فيحرق، وفي بعض الديانات الهندية يجب أن تحرق المرأة نفسها مع زوجها وهي حية، يموت زوجها فيحرق، فيجب أن تلقي نفسها في النار معه، وفاءً له، وأما الأولاد فيتركون للطريق، هكذا هذه الديانات.. بقرة تدخل إلى محل تجاري يبيع الفاكهة، وتأكل ما لذ وطاب، وأبناء الشعب محرومون من هذه الفاكهة، وصاحب المحل مغتبط أشد الاغتباط بهذا الحظ، وروث البقر يوضع على الأثاث الفاخر في البيوت تقديساً له، وقد يعطر الإنسان ببول هذا البقر، سبحان الله، الحمد لله على دين الإسلام.

 

نتيجة التوفيق بين الآراء المختلفة:

 الخلاصة: ليس من الصواب أن تشترط على الحاضنة هذه الشروط، ولكن في بعض الحالات التي يكون لك خيار، فلك أن تختار هذه أو تلك بحسب العقل والبلوغ والكفاءة والقدرة على التربية، والأمانة، والخلق، والعادة شاهدة أن الرجل لو كان من الفساق، فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها، سبحان الله، هذه من المفارقات، ترى رجلاً له جاهلية كبيرة، له ليالي حمراء، حينما يريد الزواج يبحث عن الشريفة، ولا ترضيه إلا الشريفة، أحياناً يكون للرجل انحرافات خطيرة، ثم يريد أن يكون ابنه أخلاقياً، والذي أعجب منه أحياناً، أن أشخاصاً أعرفهم حريصين على تربية أبنائهم تربيةً دينية، وهم ـ سبحان الله ـ لا يصلّون، ولا يتورعون عن المعصية، لماذا هذا الحرص الشديد على أن يكون أبناؤكم أولي تربيةٍ دينية ؟ هذه من المفارقات، لذلك، التربية من القدوة هي أرقى أنواع التربية، لو كان الأب مستقيماً، وكان أخلاقياً، وكان الأب في بيته متديناً، ولو لم ينطق بكلمة واحدة، لكان عمله خير درس لأولاده، لذلك الإمام الغزالي قال: " الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم "، ولذلك قيل: " لغة العمل أبلغ من لغة القول ".

 

خامساً - الإسلام:

 فلا تثبت الحضانة للحاضنة الكافرة للصغير المسلم، لأنه يوجد حلال وحرام، وطهارة ونجاسة، يوجد حق وباطل، الحاضنة الكافرة لا تعرف هذا من ذاك، لأن الحضانة ولاية، ولم يجعل الله ولايةً للكافر على المؤمن، طبعاً هذا نوع من مفهوم الآية، أما الآية فمطلقة، قال تعالى:

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً ﴾

( سورة النساء، آية 141 )

 هنا، إذا كنت مؤمناً بأن هذا كلام الله، وأن كلام الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن هذا الكلام قطعي الثبوت وقطعي التطبيق، إذا كنت كذلك يجب أن تؤمن بهذه الآية، وأنه لا يمكن أن يكون للكافر على المؤمن سبيل، فإذا كان عليه سبيل، نقول: الآية صحيحة، ولكن هذا المؤمن يحتاج إلى معالجة، لم يكمل إيمان هذا المؤمن، لو كمل إيمان هذا المؤمن لما كان للكافر سبيل عليه، هذا الكلام ينطبق على مستوى الأفراد، وعلى مستوى الشعوب، وفي الأثر: [ إذا عصاني من يعرفني سلطت عليه من لا يعرفني ].

 قال تعالى:

﴿ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾

( سورة الأنعام، آية 129)

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

( سورة النور، آية 55 )

 ومن أصدق من الله حديثاً ؟ ومن أوفى بعهده من الله ؟ الله سبحانه وتعالى وعد المؤمنين بهذا، بثلاثة أمور، على أن يلتزموا شرطاً واحداً، وهو: ( يعبدونني، لا يشركون بي شيئاً )، فإذا أخلَّ الناس بما عليهم من شرط واحد، كان الله عز وجل في حل من هذا الوعد بهذه الأمور الثلاثة.
 إذاً: فالحضانة كولاية الزواج والمال، ولأنه يخشى على دين الطفل من الحاضنة، لحرصها على تنشئته على دينها، وتربيته على هذا الدين، ويصعب عليه بعد ذلك أن يتحول عنه، وهذا أعظم ضرر يلحق بالطفل.
 الحقيقة، أخطر سن ـ هذا كلام دقيق جداً ـ أخطر سن في حياة الإنسان، من واحد إلى ستة، قبل المرحلة الإبتدائية، لأن جميع العادات والتقاليد والمعتقدات تنغرس في الصغير عن طريق المربية، أو المعلمة، أو الحاضنة، لذلك، في بعض الدول، كبار المعلمين يشرفون على تنشئة الأطفال في هذا السن الخطير، عندما يسلم الإنسان ابنه إلى حاضنة غير مسلمة، أو إلى مدرّسة غير مسلمة، فسوف يزرع في أعماق أعماقه عادات وتقاليد يصعب محوها حتى الموت، لأن الذي يتلقاه الإنسان في صغره يصعب تغييره ومحوه، فالطفل صفحة بيضاء.

عرفت هواها قبل أن أعرف الهوى   فصادف قلباً فارغاً فتمكنا

 هذا الذي يحدث.. لاحظ، إذا علم ابنك بقضية، فإنه يطبقها بحذافيرها عن قناعة، ويصعب أن تمحوها منه.
 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

 

(( ما من مولود إلا يُولَدُ على الفطرةِ، فأبواه يُهَوِّدانِهِ ويُنَصِّرانه، كما تُنْتجون الإبل، فهل تَجدون فيها جَدْعاءَ ))

 

من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم

 لماذا لم يقل النبي الكريم ( أو يسلمانه ) ؟
 ابن النصراني نصراني، وابن اليهودي يهودي، وابن المجوسي مجوسي، أو ليس ابن المسلم مسلماً ؟، بعضهم استنبط أن النبي عليه الصلاة والسلام أغفل ذكر ( أو يسلمانه ) لأن الإسلام الحقيقي لا يكون بالتقليد، لا يسمى المسلم مسلماً إذا قلد أبويه، الإسلام استسلام لله عن قناعة وتفكير، من الممكن أن يطبق عادات، ولكن لا يسمى مسلماً.
 الأحناف وبعض العلماء، ذهبوا إلى أن الحضانة تثبت للحاضنة مع كفرها وإسلام الولد، لأن الحضانة لا تتجاوز إرضاع الطفل وخدمته، رضاعة وتنظيف، فالأحناف أقروا أن يكون للطفل المسلم حاضنة كافرة، وحينما ارتأى الأحناف ذلك اشترطوا أن لا تكون مرتدةً، أي ليست مسلمة مرتدة، أن تكون من الأساس كافرة، لأن المرتدة عندهم تستحق الحبس حتى تتوب وتعود إلى الإسلام، فلا تتاح لها الفرصة لحضانة الطفل، فإن تابت وعادت عاد لها حق الحضانة.

 

سادساً – عدم زواج الأم الحاضنة:

 من الشروط الأخيرة للحاضنة، أن لا تكون متزوجة فإذا تزوجت سقط حقها بالحضانة لما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:

 

 

(( أن امرأة قالت: يا رسول الله، ابني هذا، كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وأن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه عني، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت أحق به ما لم تنكحي " ))

 

حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في مستدركه

 يعني إذا تزوجتِ سقط حقك به، إلا أن هناك استثناءين، هذه القاعدة لمتزوجة بأجنبي، فإن تزوجت بقريب محرم من الصغير مثل عمه، فإن حضانتها لا تسقط، أحياناً الأخ يتزوج امرأة أخيه، ويأخذ الأولاد، فتبقى الحضانة لزوجته على أولادها، لأن العم صاحب حق في الحضانة، وله من صلته بالطفل وقرابته منه ما يحمله على الشفقة عليه ورعاية حقه، فيكون بينهما التعاون على كفالته، بخلاف الأجنبي فإنها إن تزوجته، فإنه لا يعطف عليه ولا يمكنها من العناية به، فلا يجد الجو الرحيم، ولا الظرف الطبيعي، ولا الظروف التي تنمي ملكاته ومواهبه.

سابعاً - الحرية:

 آخر شيء الحرية، إذ أن المملوك مشغول بحق سيده، فلا يتفرغ لحضانة الطفل.

 

 إذاً: صارت شروط الحضانة، سبعة:
 العقل، والبلوغ، والقدرة على التربية، والأمانة والخلق، والإسلام، وأن لا تكون الحاضنة متزوجةً، والحرية، هذه الشروط، وذكرت لكم بعض من عارضها، ووجهة نظره بالمعارضة، ثم وفقت بين الرأيين الذين قد يبدوان متناقضين، ثم نتابع الموضوع في درس آخر عن أجرة الحضانة، والتبرع بالحضانة، وانتهاء الحضانة، إن شاء الله.

شرح بعض الآثار:

 وهي ثلاثة آثار:

 

1 – قوم سوء:

( بئس القوم قوم يمشي المؤمن فيهم بالتقية والكتمان )
 يعني إذا أصبح المنكر معروفاً، والمعروف منكراً، إذا أصبحت الأمانة خيانة والخيانة أمانة، إذا عقَّ الرجل أباه وبرَّ صديقه، إذا ركبت ذوات الفروج السروج، إذا ولدت الأمة ربتها، أحياناً تلد المرأة بنتاً وتعلمها، فإذا بها ترى لأمها عقلية قديمة.. تحتقر أمها.
 النبي الكريم وصف لنا من أوصاف الساعة الشيء الكثير، في مثل هذه الأحوال:

 

(( إذا كانَت أُمراؤُكم خيارَكم، وأغنياؤُكم سُمحاءَكم، وأمورُكم شورَى بينكم، فَظَهْرُ الأَرضِ خَير ( لكم ) من بطنها، وإذا كانت أمراؤُكم شِرارَكم، وأغنياؤُكم بُخَلاءَكم، وأُمورُك إلى نسائكم، فبطنُ الأَرض خير لكم من ظهرها ))

حديث أخرجه الترمذي بإسناد ضعيف عن أبي هريرة

 من علامات قيام الساعة: أن ينتزع الحياء من وجوه النساء، تصير المرأة وقحة، أنت تغض بصرك عنها وهي تنظر إليك بحدة نظر، وأن تذهب النخوة من رؤوس الرجال، وأن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء.

 جاء في بعض الآثار: ( العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والورع حسن لكن في العلماء أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن ).

 يعني حينما تنقلب الأمور، وتنعكس المقاييس ويصبح الحق باطلاً والباطل حقاً، والأمانة خيانةً والخيانة أمانةً، عندئذ، نفهم قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة المائدة، آية 105 )

 عن أبي أمية الشعباني، رحمه الله، قال:

(( سألتُ أبا ثعلبةَ الخُشَنيَّ، رضي الله عنه، قال: قلت: يا أَبا ثعلبةَ، كيف تقول في هذه الآية: { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } [ المائدة: 105 ] ؟ قال: أَمَا والله لقد سألتَ عنها خبيراً، سألتُ عنها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " ائتَمِروا بالمعروف، وانْتَهُوا عن المُنْكَرِ، حتى إِذا رأَيتم شُحا مُطَاعاً، وهوىً مُتَّبَعاً، ودُنيا مُؤثَرةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيِه، فعليكَ بنفسِكَ، ودَعْ عَنْكَ العَوَامَّ، فإِن من ورائِكم أيامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فيهنَّ مثلُ القَبْضِ على الجَمرْ، للعاملِ فيهنَّ مثلُ أجر خمسينَ رَجُلاً يعملونَ مِثلَ عَمِلكُم "، وزاد أبو داود في حديثه: قيل: يا رسول الله، أجرُ خمسينَ رجلاً منَّا، أو منهم ؟ قال: " بل أجرُ خَمْسينَ رجلاً منكم " ))

حديث حسن، أخرجه أبو داود والترمذي

 هذه من أشراطها الصغرى.

 

2 – ذم المحتكر:

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( بِئسَ العبدُ الْمُحْتَكِرُ، إن أرخَصَ الله الأسْعارَ حَزِنَ، وإنْ أغْلاها فَرِحَ ))

 

من حديث أخرجه الطبراني، وفي سنده رجل متروك

 مصلحته تتناقض مع مصلحة المسلمين، إذا هطلت الأمطار، والخيرات ظهرت، وقد احتكر الجبن مثلاً، ويطمع أن يبيع كيلو الجبن بخمسة وثلاثين، ينزعج جداً بهذه الأمطار، هذا العبد المحتكر، مصلحته تتناقض مع مصلحة المسلمين، أما المؤمن فيحب الخير للناس جميعاً، لا يمنع بيع بضاعة لكي يرتفع ثمنها، دائماً البضاعة معروضة للبيع، سمعت بفيضانات في بعض المدن السورية، أخرجت بضائع فاسدة من السمن والجبن، تكفي حاجة الناس إلى أشهر طويلة، كله خرج فاسداً، فالنبي الكريم قال:

(( بئس العبد المحتكر، إن أرخص الله الأسعار حزن، وإن أغلاها فرح ))

سبق تخريجه

 علامة المؤمن أنه يتعاطف مع الناس، ويرى مصلحته في مصلحتهم، ومن لم يهتم بشؤون المسلمين فليس منهم، يجب أن تفرح فرحاً حقيقياً بنزول الأمطار، ورخص الأسعار، وتوافر الحاجات، لكن يوجد أشخاص يقولون: " ليكن من بعدي الطوفان "، أنا ممكن في هذه البضاعة أن أحقق أموالاً طائلة، وليس علي إن عاش الناس بمجاعة أو بضيق.

3 – صفات مذمومة:

 عن أسماء بنت عميس رضي الله عنها، قالت: سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:

 

(( بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال، بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى، ونَسيَ الجبَّار الأعلى، بئس العبدُ عبد سها ولها، ونَسيَ المقابر والبِلَى، بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى، بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات، بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده، بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه، بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))

 

حديث أخرجه الترمذي بإسناد ضعيف

 تخيل واختال: تخيل نفسه إنساناً عظيماً، وهو عند الله ليس عظيماً، النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم كان يدعو ويقول:

(( اللهم اجعلني شكوراً، واجعلني صبوراً، واجعلني في عيني صغيراً، وفي أعين الناس كبيراً ))

حديث أخرجه البزار عن بريدة بن الحصيب، وفيه رجل ضعيف

 انظر إلى هذا الأدب العالي، أن يكون في عين نفسه صغيراً، وفي أعين الناس كبيراً، الكافر بالعكس، هو في عين الناس صغير جداً، لكنه في عين نفسه كبير، معه مرض تضخم الذات، يكاد يخرج من جلده من شدة الكبر، والناس لا يعبؤون به، وإن احترموه يحترموه احتراماً ظاهراً، اتقاءً لشره.
 تخيل: يعني توهم أنه إنسان عظيم.
 قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾

 

( سورة الانفطار، آية 6 )

 يعني عندما الإنسان يغتر بنفسه، كأنه أعطى لنفسه حجماً أكبر من حجمه الطبيعي سمعت بشخص متخصص ببرامج إذاعية، يقابل فيها أدباء كبار، أو علماء، أو أصحاب شأن، لكنه في هذه المقابلات يحرجهم دائماً، ويضغط عليهم، يظن هذا الأديب أو هذا العالم أنه عندما يجرون معه مقابلة، سوف يزداد حجمه ويشتهر أكثر، فتنتهي المقابلة ويكون منزعجاً كثيراً، فهذا الشخص المتخصص بإجراء هذه المقابلات، ماذا يفعل ؟ قبل أشهر كثيرة يقرأ الإنتاج العلمي أو الأدبي للشخص الذي سيقابله، ويوجه له أسئلة محرجة جداً، يكشف بها تناقضات كثيرة في الكتاب، فلما يدعى الأديب مثلاً إلى إجراء هذه المقابلة، يظن أنه سوف يكسب منها كسب كبير، ويفرح أنه سيتكلم عن إنجازاته العلمية، وأعماله الأدبية، وتاريخه الأدبي، وعن مؤلفاته، فيطرح عليه المذيع سؤالاً دقيقاً، فيجيب إجابةً غير صحيحة، ويكون نقاد نقدوه نقداً لاذعاً، فيذكره بنقد النقاد، فيخرج أمام الناس بشكل متناقض، فلما سألوا هذا الشخص: أنت لماذا تحرج الناس ؟ لماذا تضغط عليهم في هذه المقابلات ؟ قال كلمةً أعجبتني، قال: أحب أن أعيدهم إلى حجمهم الحقيقي.
 كل إنسان له حجم حقيقي، عندما الإنسان يظن نفسه بحجم أكبر من حجمه الحقيقي، فهذا هو الغرور، في الإنسان نقطة الدم التي لا يزيد حجمها عن رأس دبوس، إذا تجمدت في أي مكان من الدماغ، أدت إلى شلل، عمى، فقدان ذاكرة، فالمتكبر أحمق، نراه في الناس ليس بحجمه الحقيقي، فالنبي الكريم يقول:

(( بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال ))

 أي دائماً، حسب حجم الجهل يكون الكبر، كلما كبر الجهل يحصل مع الجهل الكبير كبر كبير، وكلما وجد العلم وجد التواضع، لذلك.. العلماء الحقيقيون متواضعون في كل فروع المعرفة، أما المتعالمون:

قل لمن يدعي في العلم فلسفةً   حفظت شيئاً وغابت عنك أشياءُ

 هؤلاء متكبرون.

(( بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى، ونَسيَ الجبَّار الأعلى ))

 النبي الكريم، صلى الله عليه وسلم، مرَّ على شخص يضرب غلاماً له، فقال له عليه الصلاة و السلام:

(( اعلم أبا مسعود، أن الله أَقْدَرُ عليك منك على هذا الغلام ))

من حديث صحيح، أخرجه مسلم عن أبي مسعود الأنصاري

 عندما الإنسان يتجبر بحكم مكانته، أو بحكم قوته، مثلاً: له رتبة في الجيش، وتحته عريف، أو مجند، وهو مساعد مثلاً، عليه أن لا ينسى أنه يوجد رتب أعلى منه، والله فوق الجميع، صاحب المال يجب أن لا ينسى أن الله هو أغنى الأغنياء، والذي وهبه هذا المال قادر على أن يسلبه منه في ثانية.

(( بئس العبدُ عبد سها ولها، ونَسيَ المقابر والبِلَى ))

 سيدنا عمر يقول: عجبت لثلاث، لغافل وليس بمغفول عنه، ومؤمن والموت يطلبه، وضاحك ملء فيه وما يدري أساخط عنه الله أم راضٍ.

 

(( بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى ))

 كيف كان نقطة ماء خرج من عورة ودخل في عورة، فخرجت من عورة ـ أيها الإنسان ـ وهذا الماء مهين تستحي به.

 

(( بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات ))

 يعني يدخل الدين بالدنيا، أهدافه دنيوية عن طريق الدين، يريد مكاسب دنيوية من طريق الدين، أنا أقول لمثل هؤلاء: دع الدين في نقائه وصفائه، ولا تمرغه في الوحل، بوحل الدنيا، وعندما تصاب مصالحه في الدنيا يقول لك: " أهكذا الدين "، يجعلها قضية دينية، إذا استطاع أن يأخذ حكم في المحكمة، لا يرضى إلا بحكم المحكمة، وعندما ييأس من المحكمة يأتي إلى رجال الدين، هذا يختل الدنيا بالدين.

 

 

(( بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات ))

 يأتي بآيات، ويقول لك: الله عز وجل قال: ( لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ) معنى هذا أنه لا يوجد نهي عن الضعف اليسير، التحريم للأضعاف المضاعفة !!
 قال تعالى:

 

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

 

( سورة البقرة، آية 278 )

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ﴾

( سورة البقرة، آية 279 )

 

 يوجد آيات كثيرة واضحة، هذا يختل الدين بالشبهات، لماذا لا تصلي ؟ يقول لك:
 قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾

( سورة الحج، آية 41 )

 حين يمكنه الله في الأرض يصلي، هكذا يقول.
 أنت كنت تصلي، فلماذا توقفت عن الصلاة ؟ يقول لك: قال تعالى:

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

( سورة الحجر، آية 99)

 وإذا أتاك اليقين لا يوجد عبادة ؟!، يختل الدين بالشبهات، يختل الدين بالدنيا، أو الدين بالشبهات.

(( بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده ))

 يقول: السيئة بمثلها والحسنة بعشرة أمثالها، يأكل مالاً حراماً ويتصدق بعشرة، ويخرج لا له ولا عليه، يقول لك: هذه العشرة ضرب عشرة.. الناتج تعادل.

 

(( بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه ))

 

(( بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))

 فالحديث بأكمله:

(( بئس العبدُ عَبْد تَخيَّل واختال، ونَسِيَ الكبيرَ المتعال، بئس العبدُ عبد تَجَبَّرَ واعتدى، ونَسيَ الجبَّار الأعلى، بئس العبدُ عبد سها ولها، ونَسيَ المقابر والبِلَى، بئس العبدُ عبد عَتَا وطَغَى، ونسَيَ المبتدأ والمنتهى، بئس العبدُ عبد يَخْتِل الدِّين بالشهوات، بئس العبدُ عبد طَمَع يقوده، بئس العبدُ عبد هوى يُضلُّه، بِئس العبد عبد رَغَب يُذِلُّه ))

حديث أخرجه الترمذي بإسناد ضعيف

قصة ترك الإمام الغزالي للجاه والمال:

 والآن إلى قصة من قصص العلماء العاملين، اليوم مع الإمام الغزالي رضي الله عنه:
 له كتاب عنوانه ( المنقذ من الضلال )، في هذا الكتاب تحدث عن تاريخ حياته، وهذه القصة غريبة جداً، وهي مختارة من تاريخ حياته.
 قال الإمام الغزالي رضي الله عنه:
 " ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ، قبل بلوغ العشرين وإلى الآن وأنا أنوف على الخمسين، أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوضاً الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مغلمة، وأتهجم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص كل عقيدة، لا أجد باطنياً إلا وأحب أن أتطلع على بطانته، ولا ظاهرياً إلا وأحب أن أعلم حاصل ظهارته، ولا فلسفياً إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلماً إلا وأجتهد بالاطلاع على غاية كلامه، ولا صوفياً إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبداً إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقاً معطلاً إلا وأتجسس وراءه للتنبه لسبب جرأته في تعطيله وزندقته ".
 يعني عنده حب إطلاع منقطع النظير، لم يترك أهل الظاهر إلا واتبع أسرارهم، ولا أهل الباطن، ولا الصوفيين، ولا أهل الكلام، ولا الفلاسفة، ولا الزنادقة، ولا المعطلة، ما ترك فئة ـ ليس من شره ـ بل من إطلاعه.
 " وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديدني، من أول أمري وريعان عمري، غريزةً وفطرةً من الله وضعتا في جبلتي، حتى انحلت عني رابغة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة عن قرب عهدٍ بسن الصبا ".
 لم يعد مقلداً، وهذا شيء حسن ـ كما قلنا في الدرس الماضي ـ لو أن سيدنا سلمان الفارسي قلد والده، لم يكن سيدنا سلمان الفارسي، لكان بقي مجوسياً، الإنسان يجب أن يفكر، قال تعالى:

 

﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾

 

( سورة الزخرف، آية 22 )

 هنا الغزالي يصل إلى أنه حطم كل التقاليد، لم يعد مقلداً وصار متحرراً، وهذه كلمة راقية جداً، فلان حر، يتبنى أمره بعد مناقشة ولا يقبله على عواهنه.
 ثم يذكر لنا كيف أخذ يجد في طلب حقيقة العلم، وكيف التمس ذلك أولاً عن طريق العلم اليقيني، فلم ير أمام طالب الحق إلا فرق أربع، هي أهل الكلام، والباطنية، والفلاسفة، والصوفية، وأن الحق لا يعدو عن هذه الأصناف، فإن شذ عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع، إذ لا مطمع بالرجوع إلى التقليد بعد مفارقته.
 قال: " فابتدرت لسلوك هذه الطرق واستقصاء ما عند هذه الفرق ".
 وبعد أن جرب الثلاثة الأولى، علماء الكلام والباطنية والفلاسفة، وخاض بابها غير هياب من العواقب يقول: " خبرناها فنفدنا اليد منها " ـ خرجت اليد فارغة ـ فلا خير فيها عنده لطالب الحقيقة، الساعي إلى معرفة كنه الأمور، ولما فرغ منها أقبل على طريق الصوفية، فوجد فيها ضالته المنشودة، وكان إذ ذاك يدرّس في بغداد، وهاهو يصف حاله إذ صمم على الإعراض عن الجاه والمال، والهرب من الشواغل الدنيوية، الإمام الغزالي وصل إلى أعلى منصب ديني في العراق، والعراق كانت أم الدول، وبغداد عاصمتها.
 قال: " ثم لاحظت أحوالي، فإذا أنا منغمس في العلائق ـ العلاقات الاجتماعية ـ وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي، وأحسنها التدريس والتعليم، فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة، ولا نافعة في طريق الآخرة ".
 متبحر في علوم هامة جداً، لكنه وجدها غير مهمة، ثانوية، ولا تنفعه في طريق الآخرة، الإمام الجنيد كان أعظم العلماء، عندما توفي رآه أحد تلامذته في المنام، قال: يا جنيد، ما فعل الله بك ؟ وقد ترك مؤلفات، وكان له دروس.. قال له: " يا بني طاحت تلك العبارات، وذهبت تلك الإشارات، ولم تنفعنا إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل "، فالإمام الغزالي شعر أن هذه العلوم غير مفيدة، وغير نافعة.
 قال: " ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أنني على شفا جرف هارٍ، وإني قد أشفيت على النار إن لم أشتغل بإتلاف الأحوال "
يعني كان في قمة مجده الديني، شعر أنه على شفا جرف هارٍ، لأنه فحص النية، فوجد قصده الصيت والسمعة.
 " فلم أزل أتفكر فيه مدةً، وأنا بعد في مقام الاختيار، أصمم العزم على الخروج من بغداد، ومفارقة تلك الأحوال، لا تصفو لي رغبة في طلب الآخرة بكرةً، إلا ويحمل عليها جند الشهوة حملةً فيعكرها عشيةً "
هو صباحاً متحمس لطلب الآخرة، ومساءً وهو في قمة المجد، تفتر همته.
 " فصارت شهوات الدنيا تجاذبني سلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل الرحيل، فلم يبق من العمر إلا القليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العمل والعلم رياء وتخييل، فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد ؟ وإن لم تقطع الآن فمتى تقطع ؟ فبعد ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهرب والفرار من بغداد، ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حالة عارضة، وإياك أن تطاوعها، فإنها سريعة الزوال، وإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم، ربما ألفت إليه نفسك ولا يتيسر لك المعاودة، فما أزال أتردد بين تجاذب شهوات الدنيا ودواعي الآخرة قريباً من ستة أشهر، أولها رجب، وفي هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار ".ربنا أعانه قليلاً.
 " إذ قفل الله علي لساني حتى اعتقل عن التدريس، فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوماً واحداً، تطييباً لقلوب الناس، وكان لا ينطلق لساني بكلمة، ولا أستطيع، ثم أورثت هذه العقدة باللسان "
 صار معه حبسة في لسانه، لا يستطيع أن يتكلم.
 " ثم أورثت هذه العقدة في اللسان حزناً في القلب، بطلت معه قوة الهضم فكان لا تنساغ إليّ شربة، ولا تنهضم لقمة "
 وصار معه آلام في معدته وأوجاع.
 " وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم عن العلاج، وقالوا هذا أمر نزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم، ثم لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي يجيب المضطر إذا دعاه، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال والأهل والولد والأصحاب، وأظهرت العزم إلى الخروج إلى مكة وأنا أورث نفسي سفر الشام " قال للناس سوف أذهب إلى مكة وهو إلى الشام.
 " حذراً أن يطلع الخليفة "
 لأن الخليفة هو الذي عينه، وكان هناك مدرسة راقية اسمها المستنصرية، وهو كان رئيسها، مثل شيخ الأزهر اليوم.
 " حذراً أن يطلع الخليفة، وجملة الأصحاب على مقامي في الشام، فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد، وعزمي أن لا أعاودها أبداً ".
 " ثم ارتبك الناس في الاستنباطات، وظن من بعد عن العراق أن ذلك كان لاستثمار من جهة الولاة، وأما من قرب من الولاة فكان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي "
 بعضهم ظن أنه أخرج إخراجاً من بغداد، إذا كان الإنسان بعيد، هكذا يظن، وإن كان قريباً فهو:
 " يشاهد إلحاحهم بالتعلق بي، والانكباب علي، والإعراض عنهم مع الالتفاف إلى أمرهم، ويقولون هذا أمر سماوي وليس له سبب، إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة العلم ".
 يوجد امرأة بلغها عن أحداث لبنان وحربه الأهلية، فقالت: ( أصابتها عين )، هذا تفسير نسائي لأحداث لبنان، وهذا أيضاً، ليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام.
 " ففارقت بغداد، وفرقت ما كان معي من المال، ولم أدخر إلا قدر الكفاف، وقوت الأطفال، ترخصاً بأن مال العراق مرصد للمصالح، لكونه وقفاً على المسلمين، ثم دخلت الشام وأقمت فيها قريباً من سنتين، لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة، والمجاهدة اشتغالاً بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق "
 قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

( سورة الشمس، آية 9 )

 " وتصفية القلب بذكر الله تعالى، كما كنت حصلته من علم الصوفية، فكنت أعتكف مدةً في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد الأموي طول النهار، وأغلق بابها على نفسي، ثم دخلت منها على بيت المقدس، أدخل كل يوم الصخرة وأغلق بابها على نفسي، ثم تحركت فيَّ داعية فريضة الحج، والاستمداد من بركات مكة والمدينة، وزيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله عليه فسرت إلى الحجاز "
 هو في قمة مجده، مدير المستنصرية، أعلى رتبة دينية في بغداد، فحص نفسه فوجد النية ليست جيدة كثيراً، النية للشهرة، وحب الجاه، وجد علومه غير نافعة جداً، ترك كل شيء، واتجه إلى الخلوة، وذكر الله عز وجل، وأنا أنصح لكم دائماً، لا بد لك من خلوة مع الله، لا نكلفك أن تترك مناصبك كلها، وتترك تجارتك وتذهب لغير بلد، لا، ابق في بلدك، ولكن اعمل خلوة كل يوم مع الله عز وجل.. ذكر، اذكر الله، اقرأ القرآن، تفكر في آياته، سيدنا رسول الله، كان عمره أربعين سنة، في غار حراء، ماذا كان يعمل ؟ كان يختلي بربه، ورد في الأثر:
" يا موسى أتحب أن أجلس معك ؟ قال: كيف ذلك يا رب و أنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني و حيثما التمسني عبدي وجدني ؟ ".
 " ثم جذبتني الهمم، ودعوات الأطفال إلى الوطن، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوع إليه، وآثرت العزلة أيضاً "
 الحرص على الخلوة و تصفية القلب للذكر
 " وكانت حوادث الزمان ومهمات العيال وضرورات المعاش تغير فيّ وجه المراد، وتشوش علي صفو الخلوة، وكان لا يصفو الحال إلا في أوقات متفرقة "
 طبعاً، ترك زوجته وأولاده، غاب عنهم عشر سنوات.
 " لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها فتدفعني عنها العوائق، وأعود إليها، ودمت على ذلك مقدار عشر سنين، وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها " هذا الفتح الإلهي:

(( مَنْ أَخْلَصَ لله أربعين صباحاً، ظَهَرَتْ ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه ))

حديث ضعيف،أخرجه رزين

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018