بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 69 - سورة الأنعام - تفسير تتمة الآية 151، القتل بغير الحق


2006-06-30

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

ثلاثة دروس من الآية :

أيها الإخوة الكرام ، مع الدرس التاسع والستين من دروس سورة الأنعام ، ولا زلنا مع الآية الواحدة والخمسين بعد المئة ، وقد أخذنا منها دروسًا ثلاثة .
الآية :

﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ﴾

الدرس الأول : الشرك :

كان الدرس الأول لهذه الآية عن الشرك بالله الجلي والخفي .

﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾

الدرس الثاني : بر الوالدين :

كان الدرس الثاني عن بر الوالدين .

 

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ﴾

الدرس الثالث : رعاية الأولاد وتربيتهم :

وكان الدرس الثالث عن رعاية الأولاد وعن تربيتهم ، واليوم ننتقل إلى الدرس الرابع من هذه الآية ، وقوله تعالى :

 

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

ولا تقربوا الفواحش
دع بينك وبين الفواحش هامش أمان : وَلَا تَقْرَبُوا

 

أيها الإخوة الكرام ، النقطة الدقيقة الأولى هي قوله تعالى :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا ﴾

وهذا كلام خالق الأكوان ، الخبير ، العليم ، الصانع ، المبدع ، الخالق ، المربي ، المسيّر ، ينهانا لا عن أن تقترف الفواحش ، لا ، ينهانا عن أن نقترب منها ، فإذا قال الخبير : لا تقرب .
إنسان يحمل دكتوراه في الكهرباء فصمم خط توتر عالي ، يضع لوحات بعيدة عن الخط ، يقال للمواطنين : لا تقربوا ، التوتر عالٍ ، لأن هذا الخط فيه قوة جذب ، في ما علمت سابقاً أنه ثمانية أمتار ، لو دخل إنسان إلى حرم الأمتار الثمانية جذبه التيار ، وأصبح فحمة سوداء ، فلابد من إعلانٍ على الشكل التالي : ممنوع الاقتراب إلى التيار ، أما إذا كتب أحد الجهلة : ممنوع مس التيار يكون أحمق ، لأنه يموت قبل أن يمسه .
فإذا قال خالق الأكوان ، ورب الأرض والسماوات ، خالق البشر ، الخبير ، العليم

﴿ َلَا تَقْرَبُوا ﴾

أي دع بينك وبين الفواحش هامش أمان .

 

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾

( سورة البقرة الآية : 187 )

أنا أؤكد لكم أن ألف إنسان وقع في الفاحشة 90 % حينما وقعوا في الفاحشة لم يكونوا أصلاً يرغبون أن يقعوا في الفاحشة ، لكن لأنهم اقتربوا منها ، فكان هذا القرب آخذًا بيدهم إلى الفاحشة ، تماماً كصخرة مستقرة في أعلى الجبل ، إذا أردت أن تدفعها إلى منحدر الجبل فلن تستقر إلا في قعر الوادي ، أما أن تقول : أنا أدفعها من أجل أن أبعدها عن قمة الجبل 100 م فقط ، لا تستقر إلا في قعر الوادي ، هذا كلام الخبير .
لذلك ورد في الأناجيل للسيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام : أنه ليس الشريف الذي لا يقترف الخطيئة ، بل هو الذي يهرب من أسباب الخطيئة ، إذاً :

 

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ﴾

( سورة الإسراء الآية : 32 )

إطلاق البصر :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى ﴾

صحبة الأراذل :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى ﴾

الخلوة بأجنبية :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى ﴾

إراءة القصص الإباحية :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى ﴾

لا تشاهد الأفلام الإباحية فأنت تقترب من الزنى
متابعة المسلسلات الماجنة ، فأيّ شيء تقترب منه ، هذه الشهوة قوية جداً تجذبك إليها .
يقال كلام طويل حول كلمة :

﴿ َلَا تَقْرَبُوا ﴾

يعني دع بينك وبين الفاحشة هامش أمان ، الفاحشة معصية ، لكن هناك معصية إذا انتشرت لا تعد فضيحة ، لكن يبدو أن الفواحش إذا انتشرت بين الناس تعد فضيحة ، شيء تستحي به ، الإباحية ، والانحلال خلقي ، والزنا ، والخيانة الزوجية ، وأكل المال الحرام ، والسرقة ، هذه كلها فواحش ، بمعنى أنها إذا انتشر خبرها كان فضيحة ،

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ ﴾

إذاً كأن الخالق يبين أن لبعض الشهوات قوة جذب كبيرة ، فالبطولة أن تبتعد عنها وأن تبقي بينك وبينها هامش أمان .
مال اليتيم :

 

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ ﴾

( سورة الإسراء الآية : 34 )

الحسم ليس بالحسابات والصناديق ، ضع مالك في صندوق ، ومال اليتيم في صندوق ، وهناك حسابات ، أما مالك اختلط مع مال اليتيم ، والحسم في الحسابات ، إذاً أنت اقتربت من مال اليتيم ، فإذا أنفقت نفقة لك ، ولم تسجلها ظننت أنك أفقتها على مال اليتيم ، فتحسبها من مال اليتيم ، فأنت اقتربت من مال اليتيم .
لذلك دقق في كل آية فيها نهي ، ومع النهي اقتراب ، أيّ دع بينك وبين هذه المعصية هامش أمان .
كنت أصف هذه المنطقة الخطرة التي فيها خط أحمر كأنها شاطئ نهر عميق مخيف ، الشاطئ مائل زلق ، وفي له شاطئ مستوٍ جاف ، فإذا سرت على الشاطئ المستوي الجاف فأنت في بر الأمان ، أما إذا سرت على الشاطئ المنزلق المائل فأنت في مظنة السقوط ، لذلك هناك أماكن لا تصلح للمؤمنين ، ولو كان مطعمًا ، أ و مقصفًا ، هذا المكان لا يصلح للمؤمنين ، نساء كاسيات عاريات ، وأغنيات تصدح ، ولعب النرد ، ونظرات مشبوهة ، هذا المكان إذا حضرت فيه فكأنك اقتربت من المحرمات ،

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ ﴾

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ ﴾

كلمة :

﴿ لَا تَقْرَبُوا ﴾

يعني دع بينك وبين المعصية ، ولا سيما التي إذا انتشرت أصبحت فضيحة ، دع بينك وبينها هامش أمان ، صحبة الأراذل أنت خرقت هذه المنطقة المحرمة ، الخلوة بالمرأة الأجنبية خرقت هذه المنطقة الآمنة ، فكل الأشياء التي تُقرب إلى الزنا ، ينبغي أن تبتعد عنها ، ينبغي أن تبتعد عن كب أسباب الزنا ، لذلك لم نجد في القرآن الكريم كلمة لا تزنوا ، لكن هناك آية :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى ﴾

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ﴾

هذا المعنى الأول .

الفواحش الظاهرة والباطنة :

شرب الخمر من الفواحش الظاهرة

 

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾

الزنا فاحشة ظاهرة ، والسرقة فاحشة ظاهرة ، وشرب الخمر فاحشة ظاهرة ، فإذا جلست على طاولة تدار فيها الخمر قد يقول لك صديقك : ذق جرعة واحدة ، وتأكد أنها ممتعة ، مثلاً ، فأنت إذا اقتربت ربما زلت قدمك ، لذلك البطل الذي يبتعد عن أسباب المعاصي والآثام ، بل يبتعد عن أسباب الفواحش ،

 

﴿ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾

وهناك معاصٍ ظاهرة لا يختلف عليها اثنان ، وهي في كل الشرائع السماوية ، الزنا فاحشة ظاهرة ، والسرقة فاحشة ظاهرة ، وشرب الخمر فاحشة ظاهرة ، والعدوان ، والسرقة والنهب ... إلخ .
لكن :

﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾

هناك فواحش لا تقلّ خطراً عن الفواحش الظاهرة ، وهي أخطر من الفواحش الظاهرة ، لأن الفواحش الظاهرة ظاهرة ، يمكن أن تتوب منها ، أما الفواحش الباطنة كالكبر ، كالاستعلاء ، كالحقد ، كالتعالي ، كالغطرسة ، كالشعور بالفوقية ، أو أن يشعر الإنسان ولو كان مستقيماً أن الناس هَلكَى ، هو وحده الناجي ، هذا الشعور في القرآن الكريم ، وعند خالق الأكوان فاحشة باطنة ، وأسهل ألف مرة أن تتوب من الفاحشة الظاهرة من أن تتوب من الفاحش الباطنة ، لأن الذي يقترف الفواحش الباطنة يظنها كمالات ، ويظنها سموًّا وترفّعًا .

 

﴿ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾

( سورة الأنعام الآية : 120 )

أحياناً ترى إنسانًا مستقيمًا ، لكن لا يعاشَر ، متكبر ، متعجرف ، هو محور العالم ، وأيّ إنسان آخر دونه ، أو أحياناً ينتمي الإنسان إلى جماعة ، يُسقط عليها من الكمالات ما لا يوصف ، وأيّ إنسان ليس من هذه الجماعة يحتقره ، هذه فاحشة باطنة .
انتبه من الفواحش الباطنة
لذلك كلما تأدبت مع الله كلما تواضعت ، فالله عز وجل يقول :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾

الفواحش الباطنة أخطر ، كبائر القلوب أكبر من كبائر الجوارح ، الفاحشة الظاهرة ما تقترفه الجوارج ، العين تزني ، وزناها النظر ، الأذن تزني ، وزناها سماع ما لا يحل لك سماعه ، اليد ترتكب فاحشة باللمس ، أو بالضرب ، والرجل ترتكب فاحشة بالسير إلى المحرمات ، واللسان يرتكب فاحشة بذكر العورات ، فالفواحش الظاهرة تقترفها الجوارح ، بينما الفواحش الباطنة يقترفها القلب .
قد تجد إنسانًا وديعاً متواضعاً مطواعاً للآخرين ، متسامحًا ، منصفًا ، يعترف بالخطأ بسهولة ، يعتذر ، يطلب العفو ، يقدم كل ما عنده للآخرين ، ترتاح له ، وهناك إنسان متكبر ، جعل نفسه محور العالم ، كل إنسان يصغره ، يحقره ، يزدريه ، يبني مجده على أنقاض الناس ، يبني غناه على فقرهم ، لذلك نعوذ بالله من الفواحش الباطنة ، الذي يرتكب الفواحش الباطنة لا يُحتمل ، ولا يُحب .
كنت أقول دائماً : إنك قد تكون أباً ، وفي ثقافة المسلمين أن الأب محترم ، لكن بطولة الأب لا أن يكون محترماً فحسب ، بل أن يكون محبوباً ، وقد تكون مدير مؤسسة ، مدير مستشفى ، مدير ثانوية ، عميد كلية ، معك صلاحيات ، لك مكانة ، لك صلاحيات لك أن تمارسها ، لكن بقسوة ، بعنف ، بكبر ، باستعلاء ، بتوبيخ قاسٍ ، لا تُحب ، فالبطولة لا أن تكون قوياً ، بل أن تكون محبوباً ، لذلك من أدق ما وصف الله ذاته :

 

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾

( سورة الرحمن )

بقدر ما هو كريم بقدر ما هو جليل ، وهذه بطولة أن تكون محبوباً بقدر ما تكون مرغوباً ، فلذلك :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾

فضائح الناس جنسية أو مالية :

أقول لكم بصراحة : إن كل فضائح أهل الأرض من آدم إلى يوم القيامة مبعثها نوعان من الخطأ ، خطأ في كسب المال ، كالسرقة ، والاختلاس ، فاتورة مزورة ، مبلغ وهمي ، أو فضيحة جنسية ، فضيحة مالية أو فضيحة جنسية ، وبطولة المؤمن أنه أغلق هاتين الثغرتين ، لذلك هذا واضح في حساباتك .
أنا أقول لكم : كل إنسان حساباته تثير حوله جدلاً كثيراً ، وضح الحسابات ، بيّن ، وكل إنسان يثير شبهة حول علاقته بامرأة .

لا بد مِن وضوحٍ في كلِّ شيء :

النبي عليه الصلاة والسلام سيد الخلق ، وحبيب الحق ، وفوق الشبهات ، ومع ذلك فقد روى البخاري ومسلم عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ :

(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا ، فَحَدَّثْتُهُ ، ثُمَّ قُمْتُ لِأَنْقَلِبَ ، فَقَامَ مَعِيَ لِيَقْلِبَنِي ، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَى رِسْلِكُمَا ، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ ، فَقَالَا : سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ !! قَالَ : إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا ))

[ متفق عليه ]

وضح ، بيّن اكتب عقدًا ، صدق هذا العقد ، اكتب وصلا ، صدق هذا الوصل ، لا تكن تحت رحمة حلف اليمين ، الآن هناك آلاف القضايا في المحاكم بغير سند ولا وصل ، ولا شهود ، ولا يمين حاسمة ، لك مع إنسان 200 ألف ، هذا الإنسان دِينه رقيق ، فإذا حلف لم يأخذ منك شيئاً ، سماها القاضي يمينًا حاسمة ، ذهب حقك كله ، خذ إيصالا دائماً ، كن في بَر الأمان .
مرة سيدنا معاوية بن أبي سفيان سأل أكبر دهاة العرب سيدنا عمرو بن العاص قال له : يا عمر ، ماذا بلغ من دهائك ؟ قال له : والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه ، قال له : لست بداهية ، أما أنا والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه ، أنت تدخل وتحسن الخروج ، أنا لا أدخل أصلاً .
هذه بطولة في الإنسان ، حساباته دقيقة ، مصدقة ، أمّا حسابات غير واضحة متفرقات 100 ألف ، كيف متفرقات مئة ألف ؟‍ ما هذه متفرقات ؟ أين الإيصال ؟ أنا أنصح إخوتي الكرام بعلاقاتكم التجارية ، بعلاقاتكم المالية ، أي اتفاق شفهي ثبته .
ثمة قصة أرويها : في أيام ضعف التعليم الخاص ، فالمدارس أصبحت قيمتها متدنية جداً ، في مدرسة على وشك الإغلاق بيعت بثمنٍ بخس ، مبلغ بسيط جداً ، اتفق اثنان على شراء المدرسة ، فدفع الأول مبلغًا بسيطًا جداً ، ودفع الثاني مبلغاً مساوياً له ، واستمر العمل ، بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة أرسل مبلغ بسيط من الأرباح ، فرح به ، مبلغ ثانٍ ، مبلغ ثالث ، ثلاثة مبالغ تساوي رأس ماله ، بعد هذا ما دفع ، التعليم صعد ، صدقوا فروغ المدرسة من بضع عشرات من الآلاف إلى بضعة ملايين صار ، فلما طالبه قال له : أنا أخذتهم قرضًا منك ، وقد سددته لك ، هو شريكه في الأساس ، من غير وثيقة ، ولا عقد ، دائماً حصن نفسك بإيصال وبعقد مصدق .
لذلك النقطة الدقيقة :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾

﴿ وَمَا بَطَنَ ﴾

الكبر ، الاستعلاء ، الشعور بالفوقية ، أنه أنت لا تخطئ ، ومن حولك يخطئ ، وأيّ إنسان أراد أن يظهر تحطمه ، تبخس مكانه .

وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَق

الفرق بين القتل والموت

 

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾

إخوانا الكرام ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

 

(( لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ))

[ البخاري ]

الفرق بين القتل والموت :

 

سأوضح لكم الفرق بين القتل والموت :
أحياناً بلورة الكهرباء ، إذا حطمتها تنطفئ ، لماذا تنطفئ ؟ لأنك حينما حطمتها أفسدت الخصائص التي بإمكانها أن تستقبل التيار الكهربائي ، البلورة مفرغة من الهواء ، وفيها سلك رفيع جداً موصول بالتيار الكهربائي ، أنت حينما حطمتها ، وقطعت السلك لم تعد صالحة لاستقبال الكهرباء ،(هذا هو القتل) أما الموت فانقطاع التيار الكهربائي عن البلورة ، سُحبت الروح ، فالموت انقطاع الإمداد ، هذا موت ، أما تحطيم العضوية فهذا قتل ، لذلك :

(( لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ))

خطورة القتل وعاقبته الوخيمة :

وسوف تعلمون علم اليقين أنه ما من قطرة دم تراق في الأرض من آدم إلى يوم القيامة إلا ويتحملها إنسان يوم القيامة ، يمكن أن تقصف بيتًا فيه عرس ، مات 125 ، مدنيون لا علاقة لهم بالأحداث إطلاقاً ، فالذي قصفهم أخطأ خطأ كبيرًا ، لكنه يستطيع أن يقول : لقد صدر من هذا البيت إطلاق نار فقصفناه ، غطى نفسه في الإعلام ، أما عند الواحد الديان فسوف يحاسب عن كل قطرة دم ، حينما تهدم بيتاً فوق أصحابه ، ويموت عدد كبير ، كل واحد مات منهم سوف يحمل دمه من أمر بالقصف .
والله أيها الإخوة ، لو نطلع على عدل الله المطلق والله لارتدعت فرائصنا قبل أن ندوس على نملة ، لا أن تقتل إنساناً .
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

(( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا ))

[ أخرجه أحمد في مسنده والبخاري ومسلم وابن ماجة عن أبي هريرة في صحيح البخاري]

وصدقوا أيها الإخوة ، أنني لا أستطيع أن أتصور إنسانًا يأمر بقتل أناس مدنيين لم يقترفوا ذنباً ، كيف ينام في الليل ، كيف يأتيه النوم ؟ لكن هؤلاء تبدلت أحاسيسهم ، انطمست فطرهم .

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ ﴾

النفس مطلقة ، هناك كائن مخلوق ممنوع أن تقتله ، و مخلوقات سمح لك النبي أن تقتلها كالحية ، والعقرب ، لكن الحية والعقرب تُقتل إذا خرجت من مخبئها ، لأن مكانها تحت الأرض ، ولها مهمة دقيقة جداً ، والحديث عن مهمات الحيوانات التي تعيش تحت الأرض حديث يطول ، لولا هذه الحيوانات لما كانت زراعة ، لأن تهوية التربة شيء أساسي في الزراعة ، والله عز وجل خلق هذه الكائنات كي تحدث أنفاقاً في التربة فتهوي التربية ، لكن أما تقتلها في مكانها الطبيعي ، فهذا خطأ كبير ، أما إذا خرجت عن منطقتها التي سمح الله لها أن تقيم فيه فهذا ذنب ارتكبه هذا المخلوق .
لذلك القتل لا يختص بالإنسان ، القتل يُعمم على كل مخلوق ينبغي ألا تقتله ،

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾

من بالحق ؟ القاتل يقتل ، من يتحمل دم المقتول بحد ؟ الله جل جلاله ، الله عز وجل يتحمل كل دم أهرق تنفيذاً لحد شرعي ، فالمقتول إذا كان قاتلاً من يتحمل دم القاتل حينما يُقتل ؟ الله جل جلاله ، لذلك الحديث مرة ثانية :

(( لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا ))

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾

تعاهد قلبك :

إخواننا الكرام ، قضية ما ظهر وما بطن ، الداخل شيء خطير جداً ، سيدنا عمر رضي الله عنه يقول : تعاهد قلبك ، قد يكون إنسان بالظاهر شيء رائع ، طليق اللسان جميل الصورة ، ويدع ، لطيف ، ذكي اجتماعياً ، أما إذا كان في الداخل حقد ، ومؤامرة ، وكيد وازدواجية ، ومعايير متنوعة يستخدمها ، هذا عنده كبائر باطنة ، وعنده فواحش باطنة ، فلذلك مشكلته صعبة جداً .
والإنسان بالمناسبة بقدر اتصاله بالله يطهر قلبه من كبائر الباطن ، القسوة من كبائر الباطن ، من فواحش الباطن ، القسوة ، وأقسى القلوب أبعدها عن الله عز وجل .

(( وإن أبعد الناس من اللَّه القلب القاسي ))

[ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عن ابن عمر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ]

فالقسوة ترافق الانقطاع عن الله ، والرحمة توافق الاتصال بالله ، في آية أنا أعدها معادلة رياضية ، كيف ؟

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 159 )

يعني يا محمد بسبب اتصالك بنا استقرت في قلبك رحمة منا ، اشتققتها من اتصالك بنا هذه الرحمة انعكست ليناً عندك ، هذا اللين جعل الناس يلتفون حولك ، أرأيت القانون ؟ اتصال ، رحمة ، لين ، التفاف ، فإذا كنت منقطعاً عنا امتلئ القلب قسوة ، وترجمت القسوة غلظة فانفضى الناس من حولك ، المعادلة ، اتصال ، رحمة ، لين ، التفاف ، انقطاع قسوة ، غلظة انفضاض .

 

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر ﴾

( سورة آل عمران الآية : 159 )

الاتصال بالله والقسوة تناقضان لا يجتمعان :

أحياناً تركب مركبة تجد عدادين ، عداد السرعة ، وعداد دورة المحرك ، في الأعم الأغلب المؤشران يتحركان معاً ، إلا إذا كانت السيارة واقفة وقوفا تاما ، وفصلت المحرك عن العجلات ، وضغطت على البنزين يتحرك مؤشر دوران المحرك ، أما في أثناء السير في الأعم الأغلب المؤشران يتحركان معاً .
أنا أقول لكم إذا كان للرحمة مؤشر ، وللإيمان مؤشر يتحركان معاً ، عداد الإيمان مع عداد الرحمة يتحركان معاً ، وأنا لا أصدق إنسانًا موصولاً بالله قاسيًا ، لا أصدق إنسانًا موصولاً بالله لا يرحم ، لا أصدق إنسانًا موصولاً بالله يقسو ، أبداً .

مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ :

النبي عليه الصلاة والسلام أرسل خادمه بحاجة وغاب كثيراً ، والنبي بشر أخذه من الغضب الشريف ما أخذه ، فلما عاد هذا الغلام قال له :

(( لولا القصاص لأوجعتك بهذا السواك ))

[ رواه ابن سعد عن أم سلمة ]

معه كان سواك عليه الصلاة والسلام :

(( لولا القصاص لأوجعتك بهذا السواك ))

في قلبه رحمة ، هؤلاء الذين أمر بقتلهم بعد فتح مكة ، عفا عنهم في الأعم الأغلب ، لمجرد أنهم رجوا ، واستسمحوا منهم عفا عنهم ، علامة المؤمن أنه رحيم ، يرحم .

(( مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ ))

[ رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]

(( إن كنتم ترجون رحمتي فارحموا خلقي ))

[ رواه أبو الشيخ والديلمي عن أبي بكر ، حديث قدسي ]

(( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ))

[ أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي والحاكم في المستدرك عن ابن عمر ]

ماذا أقول لكم ؟ يمكن أن يكلفوا امرأةً تدرس بمدرسة ، القضية رُفعت إلي قبل أيام ، والدوام من الساعة السادسة صباحاً ، وحتى ساعة متأخرة بعد الظهر ، والمعاش أربعة آلاف ليرة ، وليس هناك أعمال ، يمكن لامرأة أن تأتي بها من البيت الساعة السادسة صباحاً إلى ساعة متأخرة بعد الظهر ، و26 يوم دوام ، والراتب أربعة آلاف ؟! يقول لك : قبلت ، طبعاً تقبل ، لأنه مضطرة ، لكن هذا حقها ؟! لا يرحمها .
والله يا هناك رواتب بالخمسة آلاف ، أجور المواصلات 1200 ، كم بقي له ؟ 3800 ، يا ترى كهرباء ؟! وقود سائل للشتاء ؟! معالجة أبنائه ؟! يقبل ، ليس هناك رحمة ، ويفتخر رب العمل أن أسعاره متدنية ، والناس يقبلون عليه ، لأنه من البطالة .

(( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ))

إنّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُم

إذا علمت الضعيف الجاهل ننتصر على أعدائنا
إخواننا الكرام ، ما دام الموضوع فُتح ، نحن إلى ماذا نصبو ؟ إلى أن ننتصر على هؤلاء الأعداء المتغطرسين ، المتكبرين ، الذين يتفننون بإذلال الشعب الفلسطيني ، أليس كذلك ؟ يتفننون ، بكبسة زر دمروا المولدات الكهربائية ، كلفت 150 مليون دولار ، تصور مليون إنسان بغزة لا كهرباء ولا ماء ولا وقود ، كل الأغذية المحفوظة فسدت ، كل الأعمال انتهت ، كل النشاطات توقفت ، كل الصناعات توقفت ، هم فقراء ، وعلى فقرهم دُمروا ، كبسة زر ، طيران ، والجسور هُدمت ، أليست هذه قسوة ما بعدها قسوة ؟

(( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ))

لذلك قال النبي الكريم ـ دققوا الآن ـ :

(( فَإنّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُم ))

[ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ والحافظ أبو بكر البرقاني ، عن مصعب ، عن أبيه رَضِيّ اللّهُ عَنْهُ ]

كيف ؟ إنما تنصرون على أعدائكم الأقوياء ، الجبابرة ، الذين يملكون أسلحة متنوعة .
أضرب مثلاً للتقريب : أنت عندك طائرة تكتشف الهدف بعد 7 كم ، ويمكن أن يظهر على الرادار ، وأن ترسل قذيفة تسقط الطائرة ، هدف واحد على 7 كم ، وإذا بطائرة تكتشف الأهداف بعد 220 كم ، و18 هدف معاً ، يمكن أن ترسل 18 قذيفة تسقط 18 طائرة ، على بعد 220 كم هذه الأسلحة الحديثة .
فلذلك :

(( فَإنّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُم ))

متى ننتصر على عدو متغطرس قوي يملك أسلحة فتاكة ؟ إذا نصرت الضعيف عندك ، هذا الضعيف ينبغي أن تطعمه إن كان جائعاً ، ينبغي أن تكسوه إن كان عارياً ، ينبغي أن تعالجه إن كان مريضاً ، ينبغي أن تؤويه إن كان مشرداً ، ينبغي أن تنصفه إن كان مظلوماً ، ينبغي أن تعلمه إن كان جاهلاً ، فإذا نصرت من هو أضعف منك ، وبإمكانك ألا تنصره ، وبإمكانك أن تسحقه ، لا يستطيع أن ينتقدك ، إذا نصرت منهو أضعف منك كافأك الله بأن ينصرك على من هو أقوى منك ، والله الذي لا إله إلا هو ما دام هناك ظلم في المجتمع ، زوج يظلم زوجته ، يتفنن بإهانتها أمام أولادها ، يتفنن بإذلالها ، يتفنن بضربها وحش ، زوجة مظلومة ، عامل مظلوم ، إنسان مظلوم ، موظف مظلوم .

(( فَإنّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُم ))

هؤلاء الضعفاء حينما تنصرهم يتماسك المجتمع ، المجتمع لا يُخرق ، يصبح سداً منيعاً .

من معاني القتل : فتنة الناس عن دينهم :

فلذلك أيها الإخوة ،

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾

أريد أنوه بمعنى أن الله عز وجل في آية أخرى قال :

 

﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾

( سورة البقرة الآية : 191 )

إذا فتنت الشباب ، إذا فتنت شاباً كان مؤمناً ، مصلياً ، صالحاً ، فتنته بفلم مثلاً ، إذا فتنت فتاةً ، إذا أفسدت مجتمعاً ،

﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ ﴾

هذه الموءودة إذا سئلت .

 

حافظ على ابنتك من الفتنة

 

﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾

 

( سورة التكوير )

بنت صغيرة ماتت إلى الجنة ، لكن قتلها ظلم شديد ، أما إذا أطلقت لابنتك العنان ، وارتدت من الثياب ما تشاء ، وفتنت كل من في الطريق ، وأنت أبوها من رواد المساجد ، تقول : بنت تحب أن تعيش وقتها ، تعيش شبابها ، لا أحب أن أعقدها ، لا يحب أن يعقدها ، لكن يحب أن يعقد الناس ، هذه فتنها ،

﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ ﴾

لأنه لو وأدها كالجاهليين كان مصيرها إلى الجنة ، أما حينما أطلقها ، وجعلها تفسد كل من حولها كان مصيرها إلى النار ، لذلك ورد في بعض الآثار : أن فتاةً أفسدها أبوها تقف يوم القيامة أمام رب العزة وتقول : يا رب ، لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي .
والله أيها الإخوة ، فضلاً عن ذلك ، هناك فتاة طاهرات ، محجبات ، مؤمنات حافظات لكتاب الله ، الأب لا يزوجهن تعنتاً ، وهذا الذي يعضل ابنته عن الزواج وقع في إثم كبير ، وفي معصية كبيرة .

إِلَّا بِالْحَقِّ

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾

بالحق القاتل يقتل ، لكن بالحق سمح الله لنا أن نأكل الأنعام ، لكن كيف تقتلها بالحق ؟ كمَن ذبح شاة أمام أختها ، فرآه النبي ، فغضب غضباً شديداً فقال :

(( هلا حجبتها عن أختها ؟ أتريد أن تميتها مرتين ))

[ ورد في الأثر ]

(( وَإذَا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذّبْحَ ، وَلْيُحِدّ أحَدُكُمُ شَفْرَتَهُ ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَه ))

[ رَوَاهُ مُسلِمٌ عن أبي يعلى شداد بن أوس رَضِيَ اللَّهُ عَنه ]

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾

وجوب تحرِّي الحلال والسؤال عن الحرام :

لذلك يسأل المؤمن عن الحلال والحرام ، الحرام يحجبك عن الله ، والحلال ، بجعلك قريباً من الله عز وجل .
إذاً بعد أن تؤمن بالله ينبغي أن تتحرى الحلال والحرام ، أنت بالكون تعرف الله ، وبالشرع تعبد الله ، نحن عندنا مشكلة ، أن معظم المسلمين يتوهمون أن الإسلام صوم وصلاة ، وحج ، وزكاة ، وعمرة ، يصوم رمضان ، ويصلي الخمسة أوقات ، والإسلام في واد ، وهو في واد ، إذا لم تعتقد ، والله لا أبالغ أن الإسلام500 ألف بند يبدأ من فراش الزوجية ، وينتهي بالعلاقات الدولية ، كسب أموالك ، معاملتك لمن دونك ، إخلاصك في عملك ، إخلاصك للمسلمين ، نفع المسلمين .

الدين في جميع نواحي الحياة :

يمكن أن تكون صاحب معمل لمواد غذائية للأطفال ، يمكن أن تشتري مواد انتهت صلاحيتها بثلثي قيمتا ، ولا تحاسب ، تحاسب إذا عرضتها للبيع ، والصلاحية منتهية ، أما إذا جئت بها إلى المعمل ، وأدخلتها في الآلات ، فالمادة التي انتهت مفعولها ضاعت هذه المخالفة بجعلها بضمن التصنيع ، يمكن أن تشتري مواد أولية انتهى مفعولها ، وانتهت صلاحيتها ، بثلثي قيمتها ، وتربح أرباحاً طائلة ، هل تظن أن الله لا يحاسبك ، مستحيل ، صدقوا أيها الإخوة أن الدين ليس في المسجد ، أنت هنا في المسجد من أجل أن تأخذ تعليمات الصانع .
أحياناً هناك شركات يأتي الموظف الساعة الثامنة ، يتلقى التعليمات وينطلق ، الدين في بيتك ، في دكانك ، في مكتبك التجاري ، في مخبر تحليل الدم ، يمكن أن تتفق مع طبيب ، يعطيك 8 تحاليل ، مطلوب فقط أول واحد ، وقيمة السبعة مناصفة ، هل تظن أنك تنجو من عذاب الله ؟ أنت محامٍ تقول للموكل : القضية سهلة جداً ، خذها مني ، وعندك إمكان أن تؤجل الدعاوى 8 سنوات ، وبعد هذا تفاجئه ، بالنهاية أن القاضي انحاز إلى خصمك ، ماذا تفعل ؟ أنت لم تدفع كثيرًا ، هل تظن أنك تنجو من عذاب الله ؟ يمكن أن تدرس ، وتضع أسئلة فوق طاقة الطلاب ، والكل أصفار ، هم يحتاجون الآن إذاً إلى درس خصوصي ، وأنت جاهز للدرس الخصوصي ، هل يمكن أن تنجو من عذاب الله ؟ يمكن لطبيب زارك في المستشفى الحكومي ، والدواء مجاني ، تقول له : لا بد من دواء آخر غير هذا الدواء ، تعال إلى العيادة ، هو فقير ، يمكن أن تهرب دواء إلى بلد مجاور ثمنه 13 ليرة يرجع بـ300 ليرة ؟ هو الدواء مدعوم ، لأن الدخل قليل ، تجمع الأدوية ، وتأخذها لبلد مجاور تأتيك بشكل تهريب دواء مهرب بـ300 ليرة ، وتنجو من عذاب الله ؟ أين الدين ؟ أين دينك في بيع مواد هرمونية؟
الدين بعيادتك ، بمخبرك ، بمكتب الهندسة بالبقالية ، بالزراعة ، يمكن أن تأتي بهرمون مسرطن ، يكبر الثمرة ، يعطي ألوانًا زاهية ، هذا كله مسرطن ، ممنوع بالعالم كله ، يأتي تهريب يضعه الفلاح ، يقول لك : تزداد الغلة ، أين الدين ؟ يمكن أن يكون الواحد عاملا بمطعم ، ومعه وباء كبدي قاتل ، إذا لم ينظف يديه تماماً يمكن أن يسبب هذا الوباء القاتل لـ 300 من رواد المطعم ، أين الدين ؟ هذا الدين ، الدين بالمطعم ، لو فرضنا صاحب محل بقالية وجد فارة في الزيت ، له أن يبيع الزيت ثاني يوم ، يسحبها ويبيع ، أما المؤمن فستحيل .
أنا أقول : إن الحياة لا تنتظم إلا بالإيمان ، وعندنا مشكلات لا تعد ولا تحصى ، كلها ناتجة عن ضعف شعور البشر بمراقبة الله عز وجل ، فأقول : الدين ليس في المسجد ، الدين في عملك ، وفي بيتك ، وفي تربية أولادك ، وفي صدقك في التعامل ، أنت حينما تستقيم النبي عليه الصلاة والسلام ضغط الاستقامة كلها بكلمة واحدة ، قال :

(( أطب مطعمك ))

[ رواه الطبراني عن ابن عباس ]

الواحد يكثر السمن البلدي ؟ يكثر اللحم في الكل ؟ لا ، اكسب مالاً حلالاً ، لأنك مستقيم في تعاملك ، المال الحلال إذا اشتريت به طعاماً هذا الطعام هو الطيب .
والله زرت والد صديق لي من سنوات عديدة ، الآن توفي رحمه الله ، فهو عمره 96 سنة ، قال لي بالحرف الواحد : أنا البارحة أجريت تحليلات كاملة للدم والبول ، قال لي : كله طبيعي ، 96 سنة ! كله طبيعي ، قال لي : والله لم آكل قرشًا حرامًا في حياتي ، ولا أعرف الحرام .
الله موجود ، استقيموا ، اصدق في التعامل ، الله عز وجل لا يضيعنا أبدا ، يرزقنا ، لكن أنت مرتاح .
لذلك :

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

هنا سؤال : لمَ لم يقل الله عز وجل : ذلك وصاكم بها ؟ لأنه جمع :

﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ ﴾

بها ، جمع ، لأنه قال :

﴿ بِهِ ﴾

لأن منهج الله موضوع واحد ، أن تخافه ، فإذا خفته طبقت أمره تماماً ،

﴿ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

ماذا نفهم من هذا الربط ؟

﴿ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾

هذا منهج ، هذا نقل ،

﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

عقل ، منهج الله عز وجل يتطابق مع العقل 100 % ، لأن المنهج وحيه ، والعقل مقياس أودعه الله فينا ، تطابق العقل مع النقل حتمي ، فإذا تعارضا فلعدم حدية أحدهما ،

﴿ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018