٠06برنامج الإسلام منهج حياة - قناة إقرأ
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإسلام منهج حياة - الندوة : 19 - علاقة الإنسان بالشأن العام 5 ، من هو المسؤول عن الدعوة إلى الله ؟


2009-09-10

مقدمة :

  السلام عليكم ورحمة الله ، أيها الأخوة والأحبة ، أهلاً بكم في لقاء جديد في برنامج : " الإسلام منهج حياة ".
 وأرحب بضيفي فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، الداعية الإسلامي أهلاً بكم فضيلة الدكتور .
الدكتور راتب :
 بكم أستاذ جميل جزاك الله خيراً .
الأستاذ جميل :
 سبق الحديث عن الجهاد ومكانته ، والنصر وأسبابه ، وبشرى إحقاق الحق وإبطال الباطل ، ماذا عن جهاد الدعوة خصوصاً ؟ ومن هو المسؤول عن الدعوة إلى الله عز وجل ؟.

 

الدعوة إلى الله أعلى مقام يناله الإنسان :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
 أستاذ جميل النبي عليه الصلاة والسلام قال الله عنه :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ﴾

( سورة الأحزاب )

 الدعوة إلى الله أعلى مقام يناله الإنسان ، والله عز وجل يقول :

 

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ ﴾

( سورة فصلت الآية : 33 )

 أي لن تجد على وجه الأرض إنساناً أفضل عند الله :

 

﴿ مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

( سورة فصلت )

الدعوة إلى الله فرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف :

 إلا أن الدعوة إلى الله يتوهمها الناس فرض كفاية ، إذا قام بها البعض سقطت عن الكل ، وهذا الكلام بعضه صحيح ، لقول الله عز وجل :

﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾

( سورة آل عمران الآية : 104 )

 والمن للتبعيض ، طبعاً الدعوة إلى الله كفرض كفاية تحتاج إلى تفرغ ، وإلى تبحر، وإلى تعمق ، وإلى قدرة فائقة على رد كل الشبهات حول الدين ، هو اختصاص ، والاختصاص فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل ، لكن الذي قد لا يصدقه معظم الناس أن الدعوة إلى الله فرض عين ، كيف فرض عين ؟ لماذا يصلي المسلم ؟ لأن الصلاة فرض ، فإذا ثبت بالدليل القطعي أن الدعوة إلى الله فرض فلابد من أن يكون كل مسلم داعية إلى الله بطريقة أو أخرى ، فالدليل قول النبي عليه الصلاة والسلام :

(( بلِّغُوا عني ولو آية ))

[أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

 مثلاً : إنسان حضر خطبة جمعة تأثر بها تأثراً بالغاً ، ينبغي أن يجعلها محور حديثه في هذا الأسبوع ، لأقربائه ، لجيرانه ، لشركائه في المحل ، لأصدقائه ، لزملائه ، إذاً جعل من هذه الخطبة أداة دعوية طوال الأسبوع ، والشيء الدقيق جداً أن الدعوة إلى الله كفرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف فقط .

 

التواصي بالحق أحد أركان النجاة :

 أنا حينما أؤكد بالدليل القطعي أن الدعوة إلى الله فرض عين ، قد يقول أحدهم أين الدليل ؟ قال تعالى :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا ﴾

( سورة العصر )

 فالإنسان بنص هذه الآية خاسر لا محالة ، إلا أن الله استثنى من الخسارة :

 

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر )

 فالتواصي بالحق هو الدعوة إلى الله وهو فرض عين ، بل إن التواصي بالحق أحد أركان النجاة ، بل إن المؤمن لا يستقر في قلبه الإيمان إلا ويعبر عن ذاته بحركة دعوية نحو الآخرين ، هذه حقيقة .

 

من يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله على بصيرة :

 أما الدليل الثاني أوضح ، قال تعالى :

﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف الآية : 108 )

 فالذي يتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله على بصيرة ، ومعنى بصيرة أي بالدليل المؤصل والتعليل ، إذاً الذي لا يدعو إلى الله لا يتبع رسول الله ، والذي لا يتبع رسول الله لا يحب الله ، والدليل :

 

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾

( سورة آل عمران الآية : 31 )

 صار معنا دليلان قويان على أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم في حدود ما تعلم ومع من تعرف .
الأستاذ جميل :
 إذاً الدعوة قسمين ، القسم الأول فرض عين وضمن حدود الإمكان ، والقسم الثاني الخاص فرض كفاية .

 

ما من شيء يتذبذب بين أن يكون أرقى عمل وبين أن يكون أتفه عمل كالدعوة إلى الله :

الدكتور راتب :
 إلا أن هناك مفارقة حادة أستاذ جميل ، أنا أرى أنه ما من شيء يتذبذب بين أن يكون أرقى عمل على الإطلاق يرقى إلى صنعة الأنبياء ، وبين أن يكون أتفه عمل على الإطلاق لا يستهل إلا ابتسامة ساخرة كالدعوة إلى الله ، ترقى ، وترقى ، وترقى حتى تقترب من صنعة الأنبياء ، وتسقط ، وتسقط ، وتسقط حتى تغدو عملاً سخيفاً لا تثير أي اهتمام ، متى ترقى ؟ ومتى تسقط ؟ حينما تطبق ما تقول ، وحينما تخلص فيما تقول ، وحينما تبذل من أجل الدعوة الغالي والرخيص ، والنفس والنفيس ، يمكن أن ترقى عندئذٍ بدعوتك ، أما حينما يتاجر الإنسان بالدعوة ويستخدم الدين كورقة رابحة من أجل الدنيا ، كقوله تعالى :

﴿ اشْتَرَوْا بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾

( سورة التوبة الآية : 9 )

 هنا المشكلة ، مرة في بلد إسلامي في إفريقيا هناك وضع صعب شرحه بالتفصيل ، صدر قرار بإعدام عالم كبير ، فجاؤوا لهذا العالم بشيخ ليلقنه الشهادة ، عالم كبير ترك تفسيراً كبيراً ، فجاؤوا له بشيخ ليلقنه الشهادة ، فقال هذا العالم الجليل لهذا الشيخ : أنا أموت من أجل لا إله إلا الله ، أما أنت فترتزق بها .
 فالفرق بين الدعوة إلى نهج الأنبياء وبين الدعوة الساقطة ، بين أن تموت من أجلها ، وبين أن ترتزق بها ، هذا هو الفرق .
 لذلك النقطة الدقيقة جداً أن الدعوة تتذبذب بين أن تكون أرقى عمل على الإطلاق يرقى إلى صنعة الأنبياء ، وبين أن يكون أتفه عمل على الإطلاق لا يستأهل إلا ابتسامة ساخرة .

 

الدعوة إلى الله دعوتان ؛ دعوة إلى الله خالصة ودعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله :

 إلا أنني أريد أن أضيف أن الدعوة إلى الله دعوتان ، دعوة إلى الله خالصة ، ودعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله ، الدعوة الخالصة من خصائصها الاتباع ، قل : إنما أنا متبع ولست بمبتدع ، من خصائص الدعوة إلى الله الخالصة الاتباع ، ومن خصائص الدعوة إلى الذات الابتداع ، ينبغي أن تبتدع حتى توهم الناس أنك جئت بجديد ، والحقيقة لا جديد في الدين ، الدين توقيفي ، وإذا تجاوزنا وسمحنا لأنفسنا أن نسمي التجديد في الدين فلا يعني إلا أن تنزع عن الدين كل ما علق به مما ليس منه ، فالدعوة الخالصة إلى الله من خصائصها الاتباع ، أما الدعوة إلى الذات من خصائصها الابتداع ، الدعوة إلى الله الخالصة من خصائصها التعاون ، والدعوة إلى الذات المغلفة بدعوة إلى الله من خصائصها التنافس ، علامة إخلاصك أن تتعاون ، وعلامة انتفاعك في الدعوة أن تتنافس ، الآخرة توحدنا ، والدنيا تفرقنا ، من خصائص الدعوة إلى الله الاعتراف بالآخر ، وتقدير الآخر ، ومن خصائص الدعوة إلى الذات إلغاء الآخر ، وجحد مكانة الآخر ، وتسفيه الآخر ، من خصائص الدعوة الخالصة إلى الله قبول النصيحة ، ومن خصائص المنتفع بالدعوة ألا يقبلها ، فصار عندنا دعوة خالصة متألقة ، ودعوة إلى الذات مغلفة بدعوة إلى الله أساسها المكاسب الدنيوية .

الدعوة إلى الله أعظم عمل على الإطلاق :

 أستاذ جميل ، حينما قال الله عز وجل لسيدنا موسى :

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾

( سورة طه )

 لا يوجد عمل أعظم من الدعوة ، هذه خصوصية لهذا النبي الكريم :

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾

 كطرفة ، سأل إنسان كم الزكاة ؟ قال له : عندنا أم عندكم ؟ قال له : عجيب ! كما دين يوجد ؟ قال له : عندكم اثنان ونصف بالمئة ، أما عندنا العبد وماله لسيده هذا معنى

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾

﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الأنعام )

 فالدعوة إلى الذات هكذا ، والدعوة إلى الله هكذا ، فلذلك الدعوة إلى الذات لا تنجح ، بينما الدعوة إلى الله الخالصة هي التي تستقطب .
 لذلك قالوا : حال واحد في ألف أبلغ من قول ألف في واحد .

 

الانتماء الحقيقي هو الانتماء إلى مجموع المؤمنين :

 النقطة الدقيقة التي أريد أن تكون واضحة هي قوله تعالى :

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾

( سورة الحجرات الآية : 10 )

 وما لم يكن انتماؤك لمجموع المؤمنين فلست مؤمناً ، الانتماء إلى فقاعات صغيرة تسبب متاعب ، وخصومات ، وتنافس ، وهذا بعض حالات الجماعات الدينية المتنافسة ، التي تتراشق التهم ، أما الانتماء الحقيقي انتماء إلى مجموع المؤمنين ، لقوله تعالى :

 

﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾

( سورة الحجرات الآية : 10 )

 أخوة الإيمان أرقى أخوة ، فقد ورد في الحديث القدسي :

(( وجبت محبتي للمتحابين فيَّ ، والمتجالسين فيَّ ، والمتباذلين فيَّ ، والمتزاورين فيَّ ، والمتحابون في جلالي على منابر من نور يغبطهم عليها النبييون يوم القيامة ))

[أخرجه ابن حبان عن معاذ بن جبل ]

 الذي أتمنى أن يكون واضحاً إن لم يكن انتماء الإنسان إلى مجموع المؤمنين فهناك مكاسب يحققها ، فلذلك لا يريد أن يوزعها على الآخرين ، أما حينما يكون العمل خالصاً لوجه الله هذا طالب علم .
 أنا أذكر كلمة قالها بعض الشيوخ أعجبتني ، قال له : يا بني ائتِ لي بإنسان من الملهى إلى المسجد ، لا من مسجد إلى مسجد .

 

الدعوة إلى الله عمل عظيم لأنها تدعو الناس إلى الله والسعادة والسكينة والاستقرار :

 بطولتك أن تستطيع إقناع الطرف الآخر ، أن تأخذ بيد الشاردين إلى الله عز وجل، والدعوة عمل عظيم لأنها تدعو الناس إلى الله ، تدعوهم إلى السعادة ، تدعوهم إلى السكينة ، إلى الاستقرار ، إلى جنة عرضها السماوات والأرض ، والآية التي بدأت بها هذا اللقاء الطيب قال تعالى :

﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

 أي لن تجد على وجه الأرض إنساناً أفضل

﴿ مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾

 ومرة قابلت الشيخ الشعرواي ـ رحمه الله تعالى ـ وسألته سؤالاً متعلقاً بنصيحة أقدمها إلى الدعاة ، فقال لي كلاماً مختصراً جامعاً مانعاً : ليحذر الداعية أن يراه المدعو على خلاف ما يدعوه .
 أي الدعوة إلى الله الخالصة تؤتي ثمارها كل حين بإذن ربها ، وأرجو من الله سبحانه وتعالى أن ينصرف الأخوة المؤمنون إلى دعوة إلى الله كفرض عين في حدود ما يعلمون ، ومع من يعرفون .

 

خاتمة و توديع :

الأستاذ جميل :
 للحديث بقية إن شاء الله فضيلة الدكتور لأن الوقت أدركنا ، نشكر لكم أيها الأخوة حسن المتابعة ، نترككم في أمان الله وحفظه .

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018