٠3الخطب الإذاعية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطب الإذاعية - الخطبة : 07 - الإسراء والمعراج - انتفاضة المسجد الأقصى.


1988-03-18

الخطبة الأولى:
الحمد لله رب العالمين، ما منْ يومٍ إلا والجليل سبحانه وتعالى ينادي عبده فيقول: عبدي، ما أنصفتني، أذكركَ وتنساني، وأدعوكَ إليَّ وتذهبُ إلى غيري، وأُذهِبُ عنك البلايا وأنت مُعتَكِفٌ على الخطايا.
عبدي، ماذا تقول غداً إذا جئتني؟
خلقتُ الأشياءَ كلَّها من أجلك، وخلقتُك من أجلي، فاشتغلتَ بما خلقتُه لك عني، فإذا اشتغلت بالنعمة عن المُنعِمِ، وبالعطية عن المُعطي، فما أديتَ شكرَ نعمتي، ولا رَعَيت حُرمتي، فكل نِعمةٍ شغَلَتْك عني فهي نِقمة، وكلُّ عطيةٍ ألهَتْك عني فهي بلية.
وأشهد أن لا إله إلا أنتَ وحدك لا شريك لك، لك العبادةُ، وإليكَ التوجُّه ومنك الخشية وعليك الاعتمادُ، لا احتكامَ إلا إليك، ولا سُلطان إلا لشريعتك، ولا اهتداء إلا بهداك.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، سيدي يا رسول الله:

سَرَيت من حرمٍ ليلاً إلى حَرم كما سَرى البدرُ في داجٍ من الظلمِ
وبتَّ ترقى إلى أن نِلتَ منزلة ً من قابِ قوسين لم تُدركْ ولم تُرَمِ
وقدَّمتك جميعُ الأنبياء بها والرُسْلِ تقديمَ مخدومٍ على خَدَمِ
فَجَلَّ مقدارُ ما ولّيْتَ من رُتَبٍ وعزَّ إدراكُ ما وُلّيتَ من نِعَمِ
* * *

اللهم صلِ، وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الغُرِّ الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين.

شكوى النبي عليه الصلاة والسلام:

الشكوى لله من مظاهر التقرب إليه
وبعد، عباد الله، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

(( اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس يا أرحم الراحمين، أنت ربُّ المستضعفين، وأنت ربِّي، إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدوٍّ ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، ولكن عافيتَك هي أوسعُ لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك أو يحلَّ عليَّ سخطك، ولا حول ولا وقوة إلا بك ))

[ الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]

كان هذا دعاء النبي صلوات الله وسلامه عليه، في الطائف، وقد خرج إلى أهلها، يلتمس هدايتَهم ونصرَتَهم، فردُّوا دعوته رداً منكراً، وأغلظوا له في القول، وأغرَوا به سُفهاءهم، يصيحون به، ولقد جاءه جبريل عليه السلام فيما رواه الشيخان عن عائشة يعرض عليه أن يُطْبِقَ على هؤلاء الجبلين، فقال قولةً عبَّرت عن رحمته الفياضة، وعن خُلُقه العظيم:

(( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا ))

أيها الإخوة، إن الشكوى إلى الله من أجلَّ مظاهر العبودية، والضراعة إليه من أعظم القربات، وكانت خديجة صدِّيقة النساء التي حَنَتْ عليه ساعة العُسرة، والتي واسَتْهُ في أيام الشدَّة بنفسها ومالها، قد توفيت، وكان عمُّه أبو طالب، الذي أظهر من النُبْلِ في كفالته، ومن البطولة في الدفاع عنه الشيء الكثير قد توفي أيضاً، وقد نالت قريش من النبي بعد وفاة عمِّه ما لم تنل منه في أي وقت مضى، وجاء ردُّ سادة ثقيف في الطائف وسفهائهم جافياً قاسياً، فكان العام العاشر من البعثة بحقٍ عام الحزن، فقد تحمل النبي صلوات الله وسلامه عليه فيه من الشدائد ما لا يحتمله بشر على الإطلاق إلا أن يكون نبياً، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾

[ سورة المائدة ]

الإسراء والمعراج:

وكانت معجزة الإسراء والمعراج، وهو حدث ضخم من أحداث الدعوة الإسلامية سبقته البعثة، وجاءت من بعده الهجرة، لقد كان مسحاً لجراح الماضي، وتثبيتاً لقلب النبي، وتطميناً للمستقبل، وتعويضاً عن جفوة الأرض بحفاوة السماء، وعن قسوة الناس بتكريم الملأ الأعلى، وإشعاراً له أن الله معه، بالرعاية والعناية، وتكريماً له فريداً من دون الأنبياء، وتعريفاً له بأنه سيد ولد آدم، وسيد الأنبياء والمرسلين، وإراءةً له لملكوت الأرض والسماوات، ولِما تؤول إليه الخلائق بعد الممات.
إخوة الإيمان في كل مكان، كلُّ ذكرى من ذكرياتنا العطرة فيها دلالات كُبرى، ومناراتٌ جُلَّى ومواعظُ بليغة، وليستِ العبرةُ في ذِكر الوقائع والتفصيلات، لمجرد الذكرِ أو التعرف، ولكنَّ العبرةَ في أن نستنبط من هده الأحداث الدروس والعِبر، حيثُ تكون هذه الدروس والعبر نوراً نهتدي به في طريقنا إلى الله ، ومشعلاً وضّاءً نستضيءُ به في دروب الدعوة إليه.

دروس الإسراء والمعراج:

ودروسُ الإسراء والمعراج أكثرُ من أن تُحصى، وأجلُّ من أن تُستقصى:

1 الدنيا دار امتحان وبلاء:

اصبر.. لعله خير
إنها تعلِّمنا أن الدنيا دارُ التواء، لا دارُ استواء، ومنزل ترح لا منزلُ فرح، وأن من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، وأن الله قد جعلها دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاءَ الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي.

2 للمحن والمصائب حِكَمٌ جَليلة:

إن دروس الإسراء والمعراج تُعلمنا أن للمحن والمصائب حِكَماً جَليلة ، منها أنها تسوق أصحابها إلى باب الله تعالى ، وتُلبسهم رداءَ العُبودية ، وتُلجئهم إلى طلب العون من الله .

3 المحن والمصائب لا تصد المؤمن عن ربه:

إنها تُعلِّمنا أنَّه لا ينبغي أن تَصدَّنا المحن والعقبات ، عن متابعة السير في استقامة وثبات .

4 الله هو الضامن والحافظ والناصر:

إنها تُعلِّمنا أنَّه ما دام الله هو الآمر ، فلا شكَّ أنه هو الضامن والحافظ والناصر .

5 لولا الجهادُ والصبر ما عُبِدَ الله في الأرض:

إنها تُعلِّمنا أنه لولا الجهادُ والصبر ، ما عُبِدَ الله في الأرض ، ولا انتشر الإسلام في الخافقين ، ولا قُمنا في هذا المكان ، وعلى أمواج الأثير نوحِّدُ الله ونُسبِّحه ، وندعو إليه .

6 اليسر مع العُسر ، والنصر مع الصبر:

ثق بنصر الله
إنها تُعلِّمنا أن اليسر مع العُسر ، وأن النصر مع الصبر ، وأن الفرج مع الكرب .

7 فضل الصلاة بفرضها في المعراج:

وإنَّ من أجلِّ دروس الإسراء والمعراج ، أنَّ الله تعالى ، كرَّم النبي صلى الله عليه وسلم بالعروج إليه لينال به أعلى درجات القُربات ، وكرَّم أمَّته بأن فرَضَ عليهم الصلوات ، لتكون معراجهم إلى ربِّ الأرض والسماوات ، لقد فرضت الصلاة التي هي من أجل القرب في أعلى مستويات القرب .

الصلاة:

1 الصلاة عماد الدين:

أقم صلاتك مهما كانت الظروف
لقد فُرضت الصلاة وحياً مباشراً، والنبي صلى الله عليه وسلم في سِدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، بعد أن دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى.
إنَّ من أجلِّ دروس الإسراء والمعراج، أنَّ الصلاة عمادُ الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن هدمها فقد هدم الدين، فجوهر الدين اتصال بالخالق، وإحسانٌ إلى المخلوق، فلو لم يكن هذا الاتصال، أو انقطع بعد أن كان، أو أصبح اتصالاً شكلياً أجوفَ، كان التفلُّت من قواعد الشرع والإساءة إلى كلِّ الخلق.

2 الصلاة رقيٌّ:

الناس إما شقيٌّ أو سعيد، أي مقطوعٌ عن الله، متفلِّت من أوامره، مسيء إلى خلقه، أو موصولٌ بالله بالشرع، منضبطٌ محسنٌ إلى الخلق، وفي الصلاة يرقى مِن حالٍ إلى حال، ومن منزلة إلى منزلة ومن مقام إلى مقام، ومن رؤيةٍ إلى رؤيةٍ، إنها ترقى بالمصلي من عالم المادة إلى عالم القيم، ومن عالم الأوهام إلى عالم الحقائق، ومن سفاسف الأمور إلى معاليها، ومن مرتبة مدافعة التدني إلى مرتبة متابعة الترقي، ومن التمرغ في وحول الشهوات إلى التقلب في جنَّات القربات.

3 الصلاة ذكرٌ:

فالصلاة ذكرٌ، قال تعالى:

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه ]

4 الصلاة قربٌ:

واسجد واقترب
والصلاة قربٌ، قال تعالى:

﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾

[ سورة العلق ]

5 الصلاة خشوعٌ:

والصلاة خشوع، قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون ]

6 الصلاة مناجاة:

المناجاة عبادة
والصلاة مناجاةٌ، قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّ الْمُصَلِّىَ يُنَاجِى رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ بِمَا يُنَاجِى رَبَّهُ ))

[ أحمد ]

7 الصلاة وعي:

والصلاة وعيٌ، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ﴾

[ سورة النساء آية 43 ]

8 الصلاة عقلٌ:

والصلاة عقلٌ، قال عليه الصلاة والسلام:

(( ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها ))

[ إتحاف السادة المتقين ، للزبيدي ]

9 الصلاة عُروجٌ:

بل هي عروجٌ إلى الله، قال عليه الصلاة والسلام:

(( الصلاة معراج المؤمن ))

10 الصلاة ميزان لمعرفة بالله:

ولن تكون الصلاةُ ذكراً، وقرباً، وخشوعاً، ومناجاةً، ووعياً، وعقلاً، وعروجاً إلا إذا بُنيت على معرفة الله، والاستقامة على أمره، واتباع سُنَّة نبيه، فكيف تذكر، وتناجي من لا تعرفه، أم كيف تتقرب ممن تعصي أمره، إن الجهل مانعٌ، والمعصية حجابٌ، فالتفكر في خلق السماوات والأرض يُعَرِّفك بمن تذكره وتناجيه، فيزول المانع.
والتوبة النصوح تهدم كلَّ شيء قبلها، فيمزَّقُ الحجاب، والعمل الصالح يُسَرِّعُ الخُطى إلى الله، ويرفع الدرجات عنده، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾

[ سورة الكهف : الآية 110 ]

لذلك تُعدُّ الصلاة ميزاناً دقيقاً لمعرفتك بالله، ولاستقامتك على أمره، ولعملك الصالح، فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((مثلُ الصلاة المكتوبة، كالميزان، فمن أوفى استوفى ))

أي فمن أوفى صلاته شروطها ، استوفى منها ثمارها التي وعد الله بها .

 

حكمة وثمار الصلاة:

ولكن ما ثمارها لماذا فرضت؟ ما الحكمة منها؟ ما الغاية من فرضها ؟ما ثمارها؟!

1 الصلاة تطهير للنفس:

إنها تُطهّر نفس المصلي من النزوات الشريرة والشهوات المنحرفة، والأمراض النفسية المهلكة، فالنفس التي تشتهي المحرَّمات، وتستهوي البدع، لهي نفسٌ مريضة، والصلاة كما أرادها الله تعالى دواؤها وشفاؤها، إنها تنهي صاحبها نهياً ذاتياً عن الفحشاء والمنكر، على أساس الوازع الداخلي، لا على أساس الرادع الخارجي، قال تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ﴾

[ سورة العنكبوت ]

وقد أشار بعض العلماء إلى أن الذكر هو أكبرُ ما في الصلاة أخذاً من قوله تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه ]

وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الوظيفة الأساسية للصلاة، فقال فيما رواه البخاري ومسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:

(( أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ ، مَا تَقُولُونَ ؟ هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ؟ قَالُوا: لاَ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: ذَاكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهَا الْخَطَايَا ))

2 الصلاة نور المؤمن:

وفضلاً عن أن الصلاة طهور، فهي نور المؤمن، كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( يرى به الحق حقاً فيتبعُه ، والباطل باطلاً فيجتنبه ))

[ ورد في الأثر ]

قال تعالى:

﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا ﴾

[ سورة الأنعام : من الآية 122]

وقال تعالى:

﴿ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب ]

فكل عمل صالح، أو طالح وراءه رؤيةٌ صحيحةٌ أو منحرفة، ولن يستقيم العمل، ولن يطيب، حتى يستنير صاحبه بنور الله.

3 الصلاة تبعثُ في النفس السرور:

وفضلاً عن أن الصلاة طَهور ونور، إنها تبعثُ في النفس السرور، فالقلب لا يطمئن، والنفس لا تَسعد إلا بها، قال تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه ]

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾

[ سورة الرعد : الآية 28 ]

وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( ... وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ ))

[ أخرجه النسائي وأحمد ]

(( ولا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تَبعاً لما جئت به ))

[ رواه البغوي في شرح السنة عن عبد الله بن عمرو ]

إن الإنسان المنقطع عن الله، شديد الهلع، كثير الجزع، لكن المصلي معافى من هذا الضعف، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

[ سورة المعارج ]

ويكفي أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمرٌ بادر إلى الصلاة وكان يقول:

(( أرحنا بها يا بلال ))

[أخرجه أبو داود بلفظ يَا بِلالُ أَقِمِ الصَّلاةَ أَرِحْنَا بِهَا ]

وعن السيدة عائشة رضي الله عنها، قالت:

(( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في مهنة أهله - تعني خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة ))

[ أخرجه البخاري ]

ورضي الله عن سيدنا سعد بن أبي وقاص، إذ يقول: « ثلاثة أنا فيهنَّ رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم. إلا علمت أنه حقٌّ من الله تعالى، ولا صليت صلاةً فشُغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها، ولا سِرت في جنازةٍ فحدثتُ نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف عنها ».
وصفوة القول ما ورد في الحديث القدسي الذي رواه الديلمي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل:

(( ليس كلُّ مصلٍ يصلي، إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي، وكفَّ شهواته عن محارمي، ولم يُصرَّ على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب، كلُّ ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نورَ وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظلمةَ نوراً، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم عليَّ فأبرُّه، أكلأه بقربي، واستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس، لا يُمسُّ ثمرها ، ولا يتغير حالها ))

فالصلاة عماد الدين، وعصام اليقين، وسيدة القربات، وغرَّةُ الطاعات، ومعراج المؤمن إلى ربِّ الأرض والسماوات، وهي الركن الوحيد المتكرر من أركان الإسلام الذي لا يسقط بحال، إنها أسُّ العبادات، وأصل القربات، ومبدأ الطاعات، وهي ركن الأركان، وأساس البنيان، وهي أول ما يحاسب عنه المرء يوم القيامة، ولا يُفلح المؤمن إلا بها، قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون ]

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً .

 

الخطبة الثانية:

في ذكرى الإسراء والمعراج:

1 الإيمان والجهاد :

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، إن الإسلام يربط الإيمان بالجهاد ربطاً محكماً، بحيث لا يتحقق إيمانٌ صادقٌ عميقٌ راسخٌ من دون أن يكون الجهاد جزءاً تكوينياً من مقوماته، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾

[ سورة التوبة ]

والمسجدُ الأقصى الذي بارك الله حوله أضحى بالإسراء إليه والمعراج منه رمزاً للشخصية المعنوية للمسلمين، وأنه لا يصحُّ أن يكون عُرضةً للاستيلاء عليه، وتدنيس رحابه الطاهرة، من قبل أعداء الله، الذين أكثروا في الأرض الفساد.

2 المسجد الأقصى:

أولى القبلتين
وفي ذكرى الإسراء والمعراج إيماءٌ قوي إلى العرب والمسلمين أنه مفروضٌ عليهم ألا يتهاونوا في أمر الحفاظ على هذا المسجد، لأنه الموطن الذي شرَّف الله به هذا النبي العظيم، وهو موطن تشريفهم بالضرورة، كياناً وشخصيةً، وأمةً ودياراً، وديناً، ومن هنا كان الجهاد في سبيل تخليصه من أيدي الغزاة وشذاذ الآفاق فرضاً عينياً على كل قادر من المسلمين، من أجل تطهيره من دنس الصهاينة المجرمين.

 

3 انتفاضة المسجد الأقصى:

النصر قادم لا محالة
وإن انتفاضة أهلنا في الأرض المحتلة اليوم مستوحاةٌ من ذكرى الإسراء والمعراج، ففي هذه الذكرى تعرج الأرواح إلى بارئها طالبةً دحر الظالمين، وتدميرَ الطغاة العابثين.
أيها الإخوة الثائرون في الأرض المحتلة، بوركت سواعدكم، وسَلمت أيديكم، لقد كنتم رمز البذل والعطاء، لقد ضربتم المثل في التضحية والفداء، يا من تحركت فيكم معاني العزة والإباء، فأقلقتم مضاجع الصهاينة الأعداء، لقد انتزعتم إعجاب شعبكم، وأمتكم، وإعجاب العالم أجمع، فتعاطفتْ معكم القلوب، وتعلقت بكم الأفئدة، ورُفعت لكم الأكف.
كتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ومن معه من الأجناد: « أما بعدُ، فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإنَّ تقوى الله أفضل العُدَّة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشدَّ احتراساً من المعاصي، فإنَّها أضرُّ عليكم من عدوِّكم، وإنما تنصرون بمعصية عدوكم لله، فإن استويتم في المعصية كان لهم الفضل عليكم بالقوة ».

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018