٠06برنامج الإسلام منهج حياة - قناة إقرأ
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الإسلام منهج حياة - الندوة : 25 - علاقة الإنسان بعمله 3، لماذا الوقت هو أهم عامل من عوامل إثراء الاقتصاد ؟


2009-09-16

مقدمة :

  السلام عليكم ورحمة الله ، أيها الأخوة والأخوات أسعد الله أوقاتكم بكل خير ، وأهلاً بكم في لقاء جديد في برنامج : "الإسلام منهج حياة ".
 ضيف البرنامج هو فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي ، الداعية الإسلامي ـ حفظه الله ـ أهلاً بكم فضيلة الدكتور .
الدكتور راتب :
 بكم أستاذ جميل جزاك الله خيراً .
الأستاذ جميل :
 دكتور ، الوقت هو وعاء العمل ، ومحطتنا التي نتحدث فيها هي الاقتصاد ، العمل ، الزكاة ، والوقت هو أهم عامل من عوامل الاقتصاد ، لماذا ؟.

 

الوقت أثمن شيء يملكه الإنسان :

الدكتور راتب :
 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
 أستاذ جميل ، هل تصدق أن خالق السماوات والأرض أقسم بعمر النبي ؟ والعمر زمن ، هذا الإنسان الذي استفاد من حياته دقيقةً دقيقة ، وجعلها في خدمة الخلق ، وفي إسعادهم ، وفي حثهم على طرق سلامتهم ، فلذلك قال تعالى :

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

( سورة الحجر )

 أقسم الله بعمر هذا الإنسان ، فالعمر له خطورة كبيرة في حياة الإنسان ، فالإنسان وقت .
 ما من تعريف جامع مانع للإنسان كتعريف الإمام الجليل الحسن البصري قال : " الإنسان بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، وما من يوم ينشق فجره إلا وينادي : يا بن آدم أنا يوم جديد ، وعلى عملك شهيد ، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة ".
 فالوقت أثمن ما يملكه الإنسان ، أو رأسمال الإنسان ، أو هو الإنسان ، فلذلك الوقت وإدارته في الحقيقة إدارة للإنسان ، إدارة لذاته ، إدارة لدينه ، إدارة لعلمه ، من هنا تأتي خطورة الوقت في حياة الإنسان .
 لكن سيدنا علي رضي الله عنه يقول : " الله لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً " ، أنا يقيني قبل كشف الغطاء كيقيني بعد كشف الغطاء .
 وله قول آخر : " والله لو علمت أن غداً أجلي ما قدرت أن أزيد في عملي "، فالوقت هو الإنسان أو هو رأسماله ، أو هو أثمن شيء يملكه .
الأستاذ جميل :
 دكتور ، هل هناك نص قرآني صريح لحديثنا عن الوقت ؟.

 

سورة العصر نص قرآني صريح عن الوقت وأهميته  :

الدكتور راتب :
 والله سورة العصر هي النص الأول في القرآن الكريم ، فالله جلّ جلاله يقسم بمطلق الزمن ، بالعصر فيقول :

﴿ وَالْعَصْرِ ﴾

 جواب القسم :

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

( سورة العصر )

 الإنسان بجواب القسم خاسر لا محال ، لماذا يا رب ؟ قال : لأن مضي الزمن يستهلكه ، مضي الزمن وحده يستهلكنا .

 

ما لم يصبر الإنسان في البحث عن الحقيقة والعمل وفقها والدعوة إليها فهو خاسر لا محالة :

 لذلك الإنسان خاسر لأنه بضعة أيام ، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه ، ولكن الله جلّ جلاله كانت رحمته في كلمة إلا ، هناك استثناء :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا ﴾

 ما بعد إلا أركان النجاة من الخسارة .

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر )

 هؤلاء أنفقوا وقتهم إنفاقاً استثمارياً ، ولم ينفقوا وقتهم إنفاقاً استهلاكياً ، معظم الناس اليوم ينفقون أوقاتهم إنفاقاً استهلاكياً ، يأكلون ، ويشربون ، ويتمتعون ، ثم يفاجؤون بالموت وزادهم في الآخرة قليل ، أما المؤمن عمل في الوقت الذي سينقضي عملاً ينفعه بعد انقضاء الوقت ، هذه نقطة دقيقة :

﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

 أي الذين يبحثون عن الحقيقة ، وعملوا وفقها ، وعملوا الصالحات ، ودعوا إليها، وهذا فرض عين على كل مسلم في الدعوة إلى الله ، في حدود ما يعلم ومع من يعرف

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

 صبروا على البحث عنها ، والعمل وفقها ، والدعوة إليها .
 هذه السورة ، كان الصحابة الكرام لا يتفرقون إلا على هذه السورة ، وقال عنها الإمام الشافعي : "لو أن الناس استوعبوا هذه السورة لكفتهم "، فلذلك تعد أصلاً من أصول إدارة الوقت .
الأستاذ جميل :
 دكتور ذكرتم الإدارة ، ماذا نعني بإدارة الوقت ؟ وكيف الإفادة منها ؟.

 

إدارة الوقت :

الدكتور راتب :
 والله إدارة الوقت تعني فعل الذي ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي ، مرة التقيت مع أحد الأخوة الكرام يحمل دكتوراه في إدارة الأعمال في أمريكا ، حدثته عن هذه الآية :

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾

( سورة الملك )

 أقسم لي بالله أن هذه الآية جمعت كل اختصاصه ، المؤمن له هدف واضح يسعى نحوه ، أما غير المؤمن

﴿ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ ﴾

 نسي الآخرة ، نسي ما بعد الموت ، نسي الحساب ، نسي العذاب ، نسي الجنة ، نسي النار ،

﴿ يَمْشِي مُكِبّاً ﴾

 فلذلك إدارة الوقت بتعريف آخر تعني : تحديد هدف ، ثم تحقيقه ، أنت تدير وقتك أي عندك أهداف واضحة ، ولها وسائل واضحة ، فتتحرك نحو هذه الأهداف .
 لذلك الإنسان حينما يدير وقته بشكل فعال هو في الحقيقة يدير نفسه ، وعبادته ، وعمله ، ودنياه ، إدارة فعالة .

 

الوقت من أكثر الأشياء هدراً في حياة الدول النامية  :

 شيء آخر : مع الأسف الشديد الشديد أكثر الأشياء هدراً في حياة الدول النامية الوقت ، الوقت قيمة كبيرة جداً ، لكن هذه القيمة أقل القيم استثماراً ، وأكثرها هدراً ، الحقيقة أن علماء الاقتصاد جمعوا الموارد الاقتصادية فكانت من هذه الموارد المواد الأولية ، والمعلومات ، والأفراد ، والوقت ، عندنا إنسان ، و عندنا وقت ، وعندنا موارد ، وعندنا أعمال ، هذه أربعة موارد للاقتصاد ، الوقت أهمها ، والإنسان ثاني أكبر مورد اقتصادي ، الإنسان نفسه .
 فلذلك الوقت مورد نادر لا يمكن استرجاعه ، فما مضى فات ، والمؤمل غيب ، ولك الساعة التي أنت فيها .
الأستاذ جميل :
 دكتور ، هل هذه المعاني عالجتها نصوص السنة النبوية أم أنها مصطلحات ومعان محدثة ليس لها تأصيل شرعي ؟.

أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم عن الوقت و أهميته :

الدكتور راتب :
 والله هناك أحاديث كثيرة للنبي عليه الصلاة والسلام ، إدارة الوقت تشغل حيزاً كبيراً في ديننا ، مثلاً يقول عليه الصلاة والسلام :

(( نعمتان مَغْبُون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ ))

[أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

 الذي عنده وقت فراغ ، عنده مشاريع كبيرة جداً ، ويرقى بهذه المشاريع ، بل هناك مقولة معاكسة : الذي ليس عنده وقت فراغ لا يعيش إنسانيته ، فلابدّ من وقت فراغ تمارس به هواياتك .
 شيء آخر ، يقول عليه الصلاة والسلام :

(( لا تزولُ قدَمَا عبد يومَ القيامة ، حتى يُسألَ عن أربع : عن عُمُره فيما أفناه ؟ وعن عِلْمِهِ ما عمِل به ))

[أخرجه الترمذي عن أبي برزة الأسلمي ]

 لمََِ فعلت كذا ؟ لِمَ طلقت امرأتك طلاقاً تعسفياً ؟ لَمَ أكلت هذا المال ؟ لِمَ أغفلت الحسابات عن شريكك ؟ سوف يحاسب الإنسان حساباً دقيقاً عن المال ، وعن الوقت .

(( وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه ؟ وعن جسمه فيمَ أبلاه ؟))

[أخرجه الترمذي عن أبي برزة الأسلمي ]

 السبعون عاماً كيف أمضيتها ؟ في طاعة أم في معصية ؟ هذا حديث أصل في موضوع الوقت ، لكن الحديث الرائع الذي ينبغي أن يكون واضحاً يقول عليه الصلاة والسلام :

(( اغتنم خمساً قبل خمس ؛ شبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك ، وغناك قبل فقرك ، وفراغك قبل شغلك ، وحياتك قبل موتك ))

[ أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عباس ]

 نحن في إدارة الوقت هذا موضوع يعني كل مسلم ، يعني كل مؤمن ، لأن الوقت هو الإنسان ، هو رأسمال الإنسان ، هو أثمن شيء يملكه الإنسان ، الوقت غلاف العمل ، وهناك أناس كثيرون يمضون أوقاتهم بلا جدوى ، وبلا عمل ناجح ، في كلام فارغ ، في غيبة ، في نميمة ، في لعب نرد .
 مرّ أحد العلماء على مقهى رأى من في المقهى يلعبون النرد ، فقال : يا سبحان الله ! لو أن الوقت يُشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم .

 

الحرص على الوقت شيء مهم جداً :

 النقطة الدقيقة أن الإنسان خُلق لهدف كبير ، فإذا اختار هدفاً محدوداً وحققه شعر بفراغ ، وشعر بالسأم ، والضجر ، فأنت مخلوق لمعرفة الله ، فلابدّ من أن تستفيد من وقتك دقيقةً دقيقة ، وبطولة المؤمن أن إدارة الوقت عنده دقيقة ، وأحاديث كثيرة تتحدث عن قيمة الوقت ، وعن قيمة هذا المورد الاقتصادي الكبير ، العالم الغربي قال : الوقت مال .
 وقال بعض علماء المسلمين : الناس حريصون على أوقاتهم كحرصهم على حياتهم ، فالحرص على الوقت شيء مهم جداً .

خاتمة و توديع :

الأستاذ جميل :
 جزاكم الله خيراً فضيلة الدكتور وأحسن إليكم ، كنا معكم أيها الأخوة في إدارة الوقت ، وكيفيته ، نشكر لكم حسن المتابعة ، نترككم في أمان الله وحفظه .

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018