٠23برنامج قوانين القرآن الكريم - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

قوانين القرآن الكريم - الدرس : 02 - قانون العزة


2008-09-02

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
أعزائي المشاهدين ... أخوتي المؤمنين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

حاجات الإنسان حاجات حيادية :

 لازلنا في قواعد القرآن الكريم ، والقاعدة اليوم قاعدة العزة ، ولابدّ من مقدمة .
 أيها الأخوة الأحباب ، الإنسان عقل يدرك ، وقلب يحب ، وجسم يتحرك ، وغذاء العقل العلم ، وغذاء القلب الحب ، وغذاء الجسم الطعام والشراب ، ولكن الله سبحانه وتعالى خلق في الإنسان حاجات ثلاث :
 الحاجة الأولى حاجته إلى الطعام والشراب ، ليحافظ على بقائه ، أما الحاجة الثانية فهي حاجته إلى الطرف الآخر ، إلى زوجة ، وحاجة الزوجة إلى زوج ، حاجة كل من الذكر والأنثى إلى الطرف الآخر ، هذه الحاجة تحقق بقاء النوع .
 لكن قانون العزة متعلق بالحاجة الثالثة ، الحاجة الثالثة هي حاجة إلى تأكيد الذات ، فالإنسان بعد أن يأكل ، ويشرب ، ويشبع ، ويرتوي ، ويتزوج ، ويحقق هذه الحاجة في الطرف الآخر هو بحاجة عميقة جداً إلى أن يكون شيئاً مذكوراً ، إلى أن يؤكد ذاته ، إلى أن يشار إليه بالبنان ، هذه حاجة في أي إنسان .
 وحاجات الإنسان لحكمة بالغةٍ بالغة حاجات حيادية ، يمكن أن تكون سلماً نرقى بها إلى أعلى عليين ، أو أن تكون دركات نهوي بها إلى أسفل سافلين ، ألم يقل الله عز وجل يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام :

﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾

( سورة الشرح )

 هذا الرفع للذكر تلبية لحاجة في الإنسان ، لكن هذه الحاجة كما أقول دائماً : حيادية ، قد تكون سلماً نرقى بها إلى أعلى عليين ، وقد تكون دركات نهوي بها إلى أسفل سافلين .

 

حاجة الإنسان إلى أن يكون مكرماً و عزيزاً حاجة أودعها الله فيه :

 أيها الأخوة الكرام ، حاجة الإنسان إلى أن يكون مكرماً ، إلى أن يكون عزيزاً ، إلى أن يكون مهماً ، إلى أن يكون في قلوب الناس ، إلى أن يكون ملء سمعهم وبصرهم ، إلى أن يكون مقرباً ، هذه حاجة أودعها الله في الإنسان ، ويمكن أن يلبيها وفق منهجه فيسعد في الدنيا والآخرة ، ويمكن أن يلبيها بخلاف منهجه فيشقى في أثناء تلبيتها في الدنيا والآخرة ، الآية الكريمة التي تعد قانوناً لتلبية هذه الحاجة هي قوله تعالى :

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾

( سورة يونس )

أكبر جزاء للذين أحسنوا في الدنيا الجنة و النظر إلى وجه الله الكريم :

 من هؤلاء الذين يستحقون التكريم ؟ من هؤلاء الذين يكونون في مكانة علية في مجتمعهم ؟

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾

  وكلمة أحسنوا كلمة جامعة مانعة شاملة ، أحسنوا في عملهم ، أحسنوا في زواجهم ، أحسنوا في حرفهم ، أحسنوا في علاقاتهم ، أحسنوا في كسب أموالهم ، أحسنوا في إنفاق أموالهم ، أحسنوا في وقت غضبهم ، أحسنوا في رضاهم .
 الإحسان كلمة جامعة مانعة مطلقة ، أنت حينما تكون محسناً ، حينما تبني حياتك على العطاء ، حينما تكون لبنة أساسية في بناء ، حينما تكون متفوقاً على أقرانك ، أنت محسن ، والإحسان بشكل دقيق نصفان ، التزام وانضباط بتعليمات الخالق ، ثم عطاء للمخلوق ، التزام ، وعطاء ،

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾

 أكبر جزاء لهذا الإحسان الجنة ،

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

 قال علماء التفسير : هي النظر إلى وجه الله الكريم ، هي الزيادة .

 

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

( سورة القيامة )

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ ﴾

 أي تقنين ، أو حرمان ،

﴿ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾

 ما الذي يؤلم الإنسان ؟ أن يكون محروماً ، أو مهاناً .
 فمن أجل أن أكون كريماً ، متفوقاً ، متألقاً ، محبوباً ، عزيزاً ، أشعر بقيمتي في مجتمعي ، يجب أن أكون محسناً .

 

أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم  فطالما استعبد الإنسان إحسان
* * *

 فأنت إن كنت محسناً رفعك المجتمع شئت أو أبيت ، لأن الإنسان مفطور على حبّ الكمال ، على حبّ الإحسان ، على حبّ الالتزام ، على حبّ النقاء .

 

 

القرب من الله عز وجل والسكينة لا يكونان إلا بالاتصال بالله والإحسان إلى خلقه :

 إذاً من أجل أن تكون مكرماً ، من أجل أن تكون عزيزاً ، من أجل أن يشار إليك بالبنان ، ينبغي أن تحسن

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا ﴾

 لهم مكانة في الدنيا ، وجنة يوم القيامة ، وهذا معنى قوله تعالى :

 

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

( سورة الرحمن )

 جنة في الدنيا ، وجنة في الآخرة ، وفي الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة .

 

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾

( سورة محمد )

 في الدنيا ، هم حينما اتصلوا بربهم ، وأحسنوا إلى خلقه ، قربهم الله عز وجل ومنحهم السكينة التي تألقوا بها .

 

المحترم من انضبطت كلماته و تصرفاته وفق القواعد المشروعة :

 شيء آخر : يقول عليه الصلاة والسلام :

(( إياك وما يعتذر منه ))

[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمر ]

 أي موقف ، أي سلوك ، أي حركة ، أية سكنة ، أي كلام تضطر معه إلى أن تعتذر ، وإلى أن تندم ابتعد عنه ، كلام جامع مانع :

(( وإياك وما يعتذر منه ))

 قيل مرة لداهية من دهاة الصحابة ، قيل لعمرو بن العاص : ما بلغ من دهائك ؟ قال : والله ما دخلت مدخلاً إلا أحسنت الخروج منه ، هو الحقيقة الذي سأله سيدنا معاوية ، فقال معاوية : لست بداهية ، أما أنا والله ما دخلت مدخلاً أحتاج أن أخرج منه .
 فأنت حينما تنضبط ، أو حينما تضبط كلماتك وفق القواعد المشروعة تكون محترماً ، ومعززاً ، ومكرماً .

 

أربعة أدعية خطيرة :

 أيها الأخوة الكرام ، قرأت كتاباً في أدعية أربعة في الصفحة الأولى ، هذه الأدعية متصلة أشد الاتصال بهذه الحلقة المتعلقة بقانون العزة :

الدعاء الأول :

 " اللهم إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني " .
 مصيبة كبيرة أن تنطق بالحكمة وألا تطبقها ، فيسعد الناس بها ، وتشقى بعدم تطبيقها ، من أسعد الناس من سعد بعلمه " إني أعوذ بك أن يكون أحد أسعد بما علمتني مني " .

الدعاء الثاني :

 " اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك " .
 يعني أنا أصبح قصة يتعظ بها الناس ، فلابدّ من أن أكون مع المشاهدين ، لا أن أكون على خشبة المسرح ، وتكون قصتي موعظة للناس ، " اللهم إني أعوذ بك أن أكون عبرة لأحد من خلقك " .
 هناك آية دقيقة يقول الله فيها :

 

﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ﴾

( سورة المؤمنون الآية : 44 )

 أصبحوا عبراً للخلق ، فالإنسان حينما يستقيم على أمر الله لا يكون عبرة بل يكون عنصراً إيجابياً يقدم للمجتمع المثل الأعلى .

الدعاء الثالث :

 " اللهم إني أعوذ بك أن أقول قولاً فيه رضاك ، ألتمس به أحداً سواك " .
 هذا هو النفاق ، " أن أقول قولاً فيه رضاك ، ألتمس به أحداً سواك " المنافق يسقط من عين الله ، ومن عين المجتمع ، فيكون لك موقفان ، موقف معلن ، وموقف حقيقي ، أن يكون لك سرّ وعلن ، شيء تفعله وحدك ، وشيء تفعله أمام الناس ، هذا الإنسان تسقط كرامته بين مجتمعه .

الدعاء الرابع :

 " اللهم إني أعوذ بك أن أتزين للناس بشيء يشينني عندك " .
 إذاً كرامة الإنسان مطلب أساسي عند كل إنسان ، وهذا المطلب يمكن أن يكون سبباً لرقي الإنسان إلى أعلى عليين ، وأن يكون هذا المطلب نفسه سبباً لسقوط الإنسان إلى أسفل سافلين .

 

من يخطئ يسقط أول ما يسقط من عين نفسه :

 لذلك لن نقطف ثمار هذا الدين من سلامة ، وسعادة ، وعزة ، وكرامة ، إلا إذا كنا محسنين ، فالإنسان طريق العزة ، وقد تجد موظفاً متواضعاً جداً لكنه محسن ، ويؤدي واجبه تماماً ، يتمتع بعزة ، وكرامة لو وزعت على أهل بلد لكفتهم .
 فالإنسان حينما يخطئ يسقط أول ما يسقط من عين نفسه ، ويكون سقوطه دليلاً على أن فطرة الإنسان فطرة سليمة أودعها الله في الإنسان لتكون رادعاً ، ودافعاً لكماله الذي يرقى به عند الله ، وعند الناس .
أيها الأخوة الأحباب إلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى .

 

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018