٠23برنامج قوانين القرآن الكريم - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

قوانين القرآن الكريم - الدرس : 06 - قانون الفرقان


2008-09-06

  الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

قانون الفرقان :

 أعزائي المشاهدين ... أخوتي المؤمنين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ولازلنا في قوانين القرآن الكريم ، والقانون اليوم : ( قانون الفرقان )

العمل الصحيح ينطلق دائماً من رؤيا صحيحة :

 لابدّ من مقدمة : الله عز وجل خلق الأكوان ، ونورها بالقرآن ، إذاً :

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

( سورة النور الآية : 35 )

 أحياناً يُشق الطريق ، وبعدها توضع الشاخصات لتنور لسالكي الطريق دربهم والأخطار التي تحيط بهم ، ما من عمل يعمله الإنسان إلا وتسبقه رؤيا ، هذه الرؤيا إن صحت صحّ العمل ، وإن فسدت فسد العمل ، هذه الرؤيا إما أن تكون محصلة تجارب أو محصلة رؤيا صحيحة تنطلق من منهج الله في الأرض .
 فلذلك الإنسان بحاجة إلى رؤيا صحيحة تكون سبباً في صحة عمله ، وبالتالي في سلامته ، وفي سعادته .

 

نور الله النور الذي يقذف في قلب المؤمن فيرى به الخير خيراً فيتبعه والشر شراً فيجتنبه:

 قانون الفرقان فيه آية تعد أصلاً في هذا الباب ، هذه الآية :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً ﴾

( سورة الأنفال الآية : 29 )

 أي يجعل لكم حالة تفرقون فيها بين الحق والباطل ، بين الخير والشر ، بين ما يجوز وبين ما لا يجوز ، بين الجمال والقبح ، بين القيم السامية والحاجات الوضيعة .
 إذاً هذا التفريق بين الصح وبين الآخر الغير صحيح هو من محصلة الرؤيا الصحيحة .
 الآن يمكن أن نسميه نوراً يقذف في قلب المؤمن ، تؤكده آيات كثيرة ، لعل الآية الأولى التي تؤكد هذا النور الذي يقذف في قلب المؤمن فيرى به الخير خيراً فيتبعه ، والشر شراً فيجتنبه ، إنه نور الله .

 

مخاطبة الله عز وجل الناس في القرآن الكريم بأصول الدين :

 الله عز وجل يقول :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 كلمة

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 تشير إلى عقد إيماني بين العبد وربه ، يعني يا من آمنت بي ، يا من آمنت بحكمتي ، يا من آمن بقدرتي ، يا من آمنت برحمتي ، يا من آمنت بعطائي ،

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 الله عز وجل في القرآن الكريم يخاطب الناس بأصول الدين :

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

( سورة البقرة )

 ويخاطب ربنا جلّ جلاله المؤمنين بفروع الدين ، هذا آمن بالله ، آمن به إلهاً ورباً وخالقاً ، آمن به مسيراً ، آمن به واحداً ، وكاملاً ، آمن بأسمائه الحسنى ، آمن بصفاته الفضلى ، كأن هناك عقداً إيمانياً بين العبد وربه .
 لذلك الله خاطب المؤمنين بما يقترب من ثلاثمئة آية ، لأن بينه وبينهم عقداً إيمانياً بينما لم يخاطب الطرف الآخر إلا بآية واحدة يوم القيامة :

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ ﴾

( سورة التحريم )

تمتع المؤمن برؤيا صحيحة تمكنه من معرفة الخير و الشر :

 إذاً حيث ما قرأنا

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

 تعني أن كل من آمن بالله ، وحمله إيمانه على طاعته معنياً بهذا الخطاب ،

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اَتَّقُوا اللَّهَ ﴾

 أطيعوه ، وتقوى الله بالمفهوم البسيط طاعته ، أي اتقوا معصيته ، اتقوا غضبه ، اتقوا عقابه .

﴿ يأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ ﴾

( سورة الحديد الآية : 28 )

 في قرآنه كليات ، ونجد في سنة النبي صلى الله عليه وسلم التفصيلات ، الله عز وجل كلف النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين للناس ما نزل إليهم ،

﴿ يأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ ﴾

 الآن :

﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾

( سورة الحديد الآية : 28 )

 قال علماء التفسير : رحمة في الدنيا ، ورحمة في الآخرة ، هذا تؤكده الآية الكريمة :

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

( سورة الرحمن )

 هذا تؤكد آية أخرى :

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾

( سورة النحل الآية : 97)

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

( سورة الحديد الآية : 28 )

 يتمتع المؤمن أيها الأخوة ، في ضوء هذه الآية برؤيا صحيحة ، يرى الخير خيراً ، يرى الشر شراً ، يرى الحق حقاً ، يرى الباطل باطلاً ، يرى ما ينبغي رؤيا واضحة فيسلكه ، ويرى ما لا ينبغي رؤيا واضحة فيجتنبه .

 

تقوى الله نور يقذفه الله في قلب المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام ، هذه الآية الثانية أصل في الموضوع ،

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾

 من هنا قال الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : تقوى الله تعني أن نوراً يقذفه الله في قلب المؤمن ، فيرى به الخير خيراً ، والشر شراً .
 يعني المؤمن يشبه تماماً إنسان يمشي ليلاً في طريق ، فيه حفر ، فيه أكمات ، فيه حشرات ، فيه حيوانات ، فيه أخطار ، فيه منزلقات ، لكن نجاته من كل أخطار هذا الطريق بنور قوي كشاف ، هذا النور القوي الكشاف جعله يبتعد عن الحفرة ، ويتلافى الأكمة ، ويقتل الحشرة ، وينجو من كل خطر ، هذا هو نور الله حينما يقذفه الله في القلب .

 

الحق واحد لا يتعدد :

 أيها الأخوة الكرام ، آية ثانية :

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

( سورة البقرة الآية : 257 )

 وليهم ، يربيهم ، يرشدهم ، يؤدبهم ، يخوفهم أحياناً ، يبشرهم ، يرفع قدرهم .

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 257 )

 الذي يلفت النظر في هذه الآية أن الظلمات جاءت جمعاً ، وأن النور جاء مفرداً ، الجواب اللطيف : الحق لا يتعدد ، يعني بين نقطتين لا يمر إلا خط مستقيم واحد ، ولو حاولت أن ترسم بين نقطتين آلاف الخطوط المستقيمة تأتي جميعها فوق بعضها بعضاً ، الحق لا يتعدد ، لذلك جاء النور مفرداً ، أما الباطل كالخطوط المنكسرة ، والمنحنية ، قد نرسم بين نقطتين آلاف الخطوط المنحنية والمنكسرة .

 

الله عز وجل ولي الذين آمنوا يرشدهم و يؤدبهم و يرفع قدرهم :

 لذلك :

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾

( سورة البقرة )

 يتضح من هذه الآيات أن الإنسان يتحرك ، هو كائن متحرك ، تحركه حاجاته ، وشهواته ، وغرائزه ، وطموحاته ، هذه الحركة إما أن تسبقها رؤيا صحيحة ، وهذا هو المؤمن ، وإما أن تسبقها رؤيا خاطئة وهذا غير المؤمن الذي ضلّ سواء السبيل وتحرك في غير سعادته وهناءته ، فلذلك الآية الكريمة :

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ ﴾

 أيها الأخوة الكرام ، الحقيقة الصارخة الهدى من عند الله وحده.

(( يا عبادي ، كُلُّكم ضالّ إلا مَنْ هَدَيتُه ، فاسْتَهدُوني أهْدِكم ))

[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

 قال تعالى :

﴿ وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾

( سورة النور )

 النور من عند الله ، الرؤيا الصحيحة من عند الله ، اتخاذ القرار الحكيم من عند الله .

 

قوى الأرض مجتمعة لن تفسد على الله هدايته لخلقه :

 أيها الأخوة ، بطولة المؤمن أنه يهتدي بنور الله ، يتحرك بتوفيق الله ، يمشي بهدف واضح كان نتيجة رؤيا صحيحة ، فكلما اتقينا ربنا ، وأطعناه قذف في قلوبنا نوراً .
 فالإنسان أحياناً يعيش بمجتمع فاسد ، ومنحرف ، هذا المجتمع رؤيته غير صحيحة ، بينما المؤمن يتمتع برؤيا صحيحة فلا يقع في المنزلقات والأخطاء التي يقع بها غيره .
 الآية التي تلفت النظر هي قوله تعالى :

﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ ﴾

( سورة التوبة الآية : 32 )

 تصور ضوء الشمس ، لا أقول نور الله ، ضوء الشمس ، تصور ضوء الشمس كيف أن إنساناً بسذاجة ما بعدها سذاجة أراد أن يطفئها بنفخة من فمه ، لذلك هذا الذي يحاول أن ينهي الحق ، أو أن يلغي الهداية ، أو أن يفسد على الله هدايته لخلقه ، هذا مستحيل وألف ألف ألف مستحيل تماماً كمن يحاول إطفاء ضوء الشمس بنفخة من فمه :

﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾

( سورة التوبة )

 إذاً لن تستطيع قوى الأرض مجتمعة أن تفسد على الله هدايته لخلقه ، لذلك يبقى الإسلام شامخاً ، ولا تقلق على هذا الدين إنه دين الله ، ولكن اقلق على نفسك أيها الأخ الكريم ما إذا سمح الله لك أو لم يسمح أن تكون جندياً له .
 لذلك ما ضرّ السحاب نبح الكلاب ، وما ضرّ البحر أن ألقى فيه غلام بحجر .
 أيها الأخوة الكرام ، إلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى .

 

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018