٠23برنامج قوانين القرآن الكريم - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

قوانين القرآن الكريم - الدرس : 13 - قانون الشفاعة


2008-09-13

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

قانون الشفاعة :

 أعزائي المشاهدين ... أخوتي المؤمنين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، لازلنا في قوانين القرآن الكريم ، والقانون اليوم ( قانون الشفاعة )

مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ : آية تعد أصلاً في قانون الشفاعة :

 الأشياء وتر وشفع ، الوتر منفرد ، الشفع مزدوج ، معنى الشفاعة ؛ لا يلتقي اثنان ، لا يتعاون اثنان ، لا يتنافس اثنان ، لا يؤذي واحد الآخر ، أية حركة نحو الآخر إيجابية أو سلبية نوع من الشفاعة ، لذلك الآية الأصل في هذا الموضوع قول الله عز وجل :

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾

( آية الكرسي من سورة البقرة الآية : 255 )

 أيها الأخوة ، هذه آية الكرسي ، وهي من أعظم آيات القرآن الكريم

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾

 يعني لا مسير للكون إلا هو ، لا معطي ، ولا مانع ، ولا خافض ، ولا رافع ، ولا معز ، ولا مذل ، هذا هو التوحيد ، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد .

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾

( آية الكرسي من سورة البقرة الآية : 255 )

 عنده في ملكه ، يعني في ملك الله ، في السماوات والأرض ، في الكون ، لا يمكن أن يتصل كائن بكائن ، أن ينفع كائنٌ كائناً ، أن يؤذي كائنٌ كائناً ،

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾

 هذه الآية تعد أصلاً في قانون الشفاعة ، فكل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق .

 

لله أمر تكليفي و أمر تكويني :

 أيها الأخوة الأحباب ، كلنا يعلم أن لله أمراً تكليفياً ، وأن لله أمراً تكوينياً ، فالأمر التكويني

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾

 هذه الآية دقيقة جداً ، التي يمكن أن تنفي الحقد ، والألم ، والندم الشديد ، كل شيء وقع أراده الله ، لأنه لا يليق أن يقع في ملكه ما لا يريد ، ليس معنى أنه أراد أي أمر ولا رضي ، لكن سمح فقط لحكمة بالغةٍ بالغة عرفها من عرفها ، وجهلها من جهلها .

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

( آية الكرسي من آية البقرة )

 كأمر تكويني

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾

 أما كأمر تكليفي ، متى يسمح لي أن أشفع لإنسان ؟ متى يسمح لي أن ألتقي بإنسان ؟ متى يسمح لي أن أتعامل مع إنسان ؟ هنا موضوع قانون الشفاعة كأمر تكليفي ، أما كأمر تكويني كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق .

 

أفضل شفاعة كأمر تكليفي هداية الناس إلى طريق الهدى و التوفيق بينهم :

 الآن أيها الأخوة الأحباب ، الآية الأولى في الأمر التكليفي :

﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ﴾

( سورة النساء الآية : 85 )

 يعني أنت وفقت بين زوجين ، ثمار هذا الزواج في صحيفتك عملاً صالحاً ، وفقت بين شريكين ، أنت دللت إنساناً على طريق الهدى ، أية علاقة من الآخر ، أية علاقة مع الآخر من دون استثناء ، للذي سبب هذه العلاقة الإيجابية أجر عند الله كبير .
 لذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام مخاطب الإمام علياً رضي الله عنه :

((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى الله بِكَ رَجُلاً وَاحِداً خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ))

[أخرجه البخاري و مسلم عن سهل بن سعد الساعدي ]

(( خير لك من الدنيا وما فيها ))

[ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ]

 دللت إنساناً على خير .

(( الدَّال على الخير كفاعله ))

[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]

 حذرت إنساناً من شر فابتعد عن هذا الشر ، وفقت بين زوجين ، دللت إنساناً على زوجة صالحة مؤمنة طاهرة ، فهذا الزواج المبارك الميمون كل نتائجه الإيجابية في صحيفة هذا الذي كان سبب هذا الزواج .
 لذلك :

(( أفضل الشفاعات : أن تشفع بين اثنين في نكاح ))

[أخرجه الطبراني عن أبي رهم السمعي ]

 أفضل شفاعة أن توفق بين أم وولدها ، بين أخ وأخيه ، بين شريك وشريكه ، بين مسلم ومسلم ، هذه أفضل شفاعة كأمر تكليفي .

 

وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا :

 ولكن بالمقابل أيها الأخوة هناك إيجابيات، وهناك سلبيات.

﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾

( سورة النساء الآية : 85 )

 يتحمل إثماً ، أي أيُّ شرٍّ ظهر من هذه الشفاعة السلبية ، دللت إنساناً على معصية فانغمس بها ، ومات عاصياً لله ، بعيداً عن ربه ، فاستحق عذاب النار ، فهذا الذي دلّه على هذه المعصية سبب شقاء كبيراً .
 لذلك فماذا فعل نوبل الذي اخترع البارود ، جعل كل ثروته من أجل عمل إنساني لأنه أدرك أن هذا البارود سوف يسبب للبشرية متاعب لا تنتهي ، لذلك

﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾

﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾

( سورة النساء )

قضية الشفاعة قضية خطيرة جداً فالشفاعة الحسنة لصاحبها نصيب منها و كذلك السيئة :

 أيها الأخوة الأحباب ، قضية الشفاعة قضية خطيرة جداً ، فالمؤمن لحرصه على طاعة الله ، ولحبه للخير ، ولحرصه الذي لا حدود له على خير البشرية ، لا يقبل أن يكون سبباً لحصول مشكلة ، لا يقبل أن يبني مجده على أنقاض الآخرين ، لا يقبل أن يبني حياته على موتهم ، عزه على ذلّهم ، أمنه على خوفهم ، غناه على فقرهم ، كل شفاعاته حسنة لا يدل إلا على الخير ، لا على الشر .
 مثلاً : إنسان أفسد فتاة ، فكل أخطائها ، وكل مستقبلها المظلم ، في صحيفة الذي أفسدها ، شيء خطير جداً أن الله عز وجل يحاسب كل إنسان عن عمله ، وهذا في قوله تعالى :

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ ﴾

( سورة يس الآية : 12 )

 الأمر التكليفي الخطير في موضوع الشفاعة أن هناك شفاعة حسنة لمن سببها ولمن كان وسيطاً بها ، هذا له نصيب منها ، له نصيب من الأجر .
 لذلك هذه حقيقة بالدين رائعة جداً ، هذه التجارة مع الله ، أي عمل صالح دللت الناس عليه ، أو روجته في المجتمع ، أي عمل خيري ، أي مؤسسة خيرية ، أي مؤسسة دار أيتام ، مأوى عجزة ، معهد شرعي ، جمعية خيرية ، أي عمل تقوم به ينطوي على شفاعة بين اثنين في صحيفتك إلى أبد الآبدين ، وهذا من فضل الله عز وجل ، ومن كرمه ، هذه الشفاعة الحسنة لصاحبها نصيب منها ، لكن الشيء الخطير أن كل عمل سيء ، وأن كل إضرار بالناس وأن كل ترويج لمعصية ، وأن كل زواج بني على الفساد ، وأن كل كسب غير مشروع ، وأن كل ضلالة راجت بين الناس ، وأن كل وهم روجه أناس مكاسب مادية الآثار السلبية التي نتجت عن هذا الترويج ، وعن هذه الدلالة في صحيفة من سببها ، ومن دلّ عليها إلى يوم القيامة ، وهذا شيء مخيف جداً ، ونسأل الله جل جلاله أن يقينا من الآثار المدمرة للشفاعة السيئة .

 

من كان سبباً في خير فله أجره إلى يوم القيامة :

 أيها الأخوة ، الله عز وجل يقول :

﴿ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾

( سورة إبراهيم )

 الكلمة الطيبة تطير في الهواء ، تطير في الآفاق ، قد ينتفع بها أناس كثيرون ، والكلمة الخبيثة بالمقابل أيضاً تطير في الهواء ، الضلالات تنتشر عبر وسائل الإعلام ، الضلالات تنتشر عبر المطبوعات ، عبر المقابلات ، عبر الندوات ، هذه الضلالات كل من روجها ، وأشاعها بين الناس ، فانعكست فساداً ، وانحرافاً ، ومعصية ، وبعداً ، وأصحابها هم مسؤولون عن أعمالهم ، وعن نتائج أعمالهم ، وهذا تؤكد الآية الكريمة :

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ ﴾

 أيها الأخوة ، في بعض الأحاديث الشريفة :

(( من شرك في دم حرام بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه : آيس من رحمة الله ))

[أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عباس ]

(( من أعان ظالماً سلطه الله عليه ))

[الديلمي في الفردوس بلا سند عن ابن مسعود]

 هذا الموضوع خطير جداً ، يجب أن نعد للمليون قبل أن نكون وسطاء في شفاعة سيئة ، ويجب أن نبحث بكل ما نملك بجهد كي نوفق بين اثنين ، ندل على خير ، نشيع الخير في الناس ، هذه قضية متعلقة بقانون الشفاعة ، والشفاعة كما قلت في هذا اللقاء الطيب شفاعة تكوينية ،

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾

 وشفاعة تكليفية ، ومن كان سبباً في خير فله أجره إلى يوم القيامة .
 أيها الأخوة الكرام ، إلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى .

 

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018