٠23برنامج قوانين القرآن الكريم - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

قوانين القرآن الكريم - الدرس : 20 - قانون التوبة


2008-09-20

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

قانون التوبة :

 أعزائي المشاهدين ... أخوتي المؤمنين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ولا زلنا في قوانين القرآن الكريم ، والقانون اليوم ( قانون التوبة )بل قوانين التوبة .

الله سبحانه وتعالى ما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا :

 أيها الأخوة الكرام ، العظام التي يتركب منها الهيكل العظمي قابلة للكسر ، لذلك هيأ الله لهذه العظام خصائص ، وهي النمو الذاتي ، وما على طبيب العظمية إلا أن يضع العظمة المكسورة في مكانها الصحيح ، ثم ينتظر أن يلتئم هذا العظم التأماً ذاتياً ، هذا من فضل الله علينا ، وهذا من النواحي المادية في خلق الإنسان .
 ولكن الله سبحانه وتعالى علم أيضاً أن هذا الإنسان المخلوق الأول الذي كرمه الله ، وسخر له ما في السماوات والأرض ، منحه الكون كمظهر لأسماء الله الحسنى ، منحه العقل ، منحه الفطرة ، منحه المنهج ، منحه الشهوة ، منحه حرية الاختيار ، أعطاه كل مقومات التكليف ، الله عز وجل يعلم أن هذا الإنسان قد تضعف نفسه أحياناً ، وقد يستجيب لنداء غريزته أحياناً ، وقد تزل قدمه أحياناً .
 لذلك كما أن الله سبحانه وتعالى صمم العظام التي إذا كُسرت تلتئم ذاتياً كذلك شرع لهذا الإنسان التوبة ، فما أمرنا الله أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا ، وما أمرنا أن تستغفره إلا ليغفر لنا ، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا ، من هنا شُرع باب التوبة .

التوبة مقوم من مقومات خلاص الإنسان من ذنوبه التي وقع فيها :

 أيها الأخوة الكرام ، الله سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾

( سورة النساء )

 إذاً إرادة الله أن نتوب إليه ، والله سبحانه وتعالى ما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا ، لذلك يمكن أن ننطلق في قوانين التوبة ، من أن الله يحب التوابين ، من أن الله يحب العبد التائب ، بل إن الذي يتوب إلى الله عز وجل كما ورد في بعض الأحاديث الله يفرح بتوبته .

(( لله أفرح بعبده المؤمن من الضال الواجد ، والعقيم الوالد ، والظمآن الوارد ))

[ أخرجه ابن عساكر في أماليه عن أبي هريرة ]

 أيها الأخوة الأحباب ، لو تصورنا أنه ليس هناك توبة على الإطلاق ، فالإنسان إذا زلت قدمه ، وقع في خطأ ، وقع في معصية ، ولا توبة يستمرئ الخطأ ، ويتابع الخطأ بخطأ ، ويزيد مستوى الخطأ إلى أن يستحق هلاك الدنيا ، وعذاب الآخرة .
 لذلك تقتضي رحمة الله عز وجل أن الله يعلم ضعف الإنسان أحياناً ، فشرع له باب التوبة ، لتكون التوبة حبل نجاة ، وشاطئ أمان ، ومقوم من مقومات خلاصه من ذنوبه التي وقع فيها .

 

فرحة الإله العظيم بتوبة عبده المؤمن :

 أيها الأخوة ، شيء آخر : أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يصف لنا موقف الإله العظيم حينما يتوب عبده إليه ، ذكر قصة لطيفة أن أعرابياً ركب ناقته ، وعليها طعامه وشرابه ، بعد حقبة من السير شعر بالتعب ، فجلس ليستريح في ظل نخلة ، وأخذته سِنة من النوم ، فلما استيقظ لم يجد الناقة ، عندئذٍ أيقن بالهلاك ، أيقن بالموت المحقق ، فجلس يبكي ثم يبكي ، حتى أخذته سِنة من النوم ثانية ، فلما استيقظ رأى النافقة أمامه ، فاختل توازنه من شدة الفرح ، فقال : يا رب أنا ربك وأنت عبدي ، وقد نطق بكلمة الكفر ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعلق على كلماته تلك ، بل قال : لله أشد فرحاً بتوبة المؤمن من ذاك البدوي بناقته .
 لذلك الإنسان حينما يتوب إلى الله ، هو بالحقيقة يفعل عملاً يفرح الله به ، لأنه إذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنؤوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ، من هنا قال الله عز وجل :

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾

( سورة الزمر الآية : 53 )

عدم وجود أي وسيط بين العبد و ربه أثناء الدعاء :

 أيها الأخوة الأحباب ، ملمح آخر من ملامح التوبة ، الله عز وجل يقول :

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ ﴾

( سورة النساء الآية : 220 )

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ﴾

( سورة البقرة الآية : 212 )

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ﴾

( سورة البقرة الآية : 222 )

 هناك أكثر من اثنتي عشرة آية في كتاب الله تبدأ بقول الله تعالى

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ ﴾

 وتأتي كلمة

﴿ قُلِ ﴾

 وسيطاً بين السؤال والجواب ، لكن الذي يلفت النظر أن آية واحدة من سلسلة هذه الآيات ليست فيها كلمة قل ، فالله عز وجل يقول :

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾

( سورة البقرة الآية : 186 )

 لم يقل قل ، استنبط العلماء من هذه الظاهرة أنه في آية واحدة لم نجد كلمة قل ، يدل ذلك على أنه ليس هناك حجاب بين العبد وربه ، بل ليس هناك وسيط بين العبد وربه .

 

من شروط التوبة الإيمان بالله و الاستجابة له :

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

( سورة البقرة )

 وكأن قانون التوبة أن تؤمن بالله أولاً ، وأن تستجيب له ثانياً ، عندئذٍ يتوب عليك من هنا قد يفهم بعضهم قوله تعالى :

﴿ نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾

( سورة الحجر )

 غفور رحيم إذا عدتم إلى الله ، واصطلحتم معه .

 

ما من ذنب إلا وهو قابل لمغفرة الله عز وجل بشرط التوبة النصوح :

 أيها الأخوة الأحباب ، الله عز وجل يقول :

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾

 أي ما من ذنب مهما توهمته كبيراً إلا وهو قابل لمغفرة الله عز وجل ، ولكن بشرط أن تعود إليه تائباً ،

﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾

﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾

 ولكن بشرط :

 

﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ﴾

( سورة الزمر الآية : 54 )

 لابدّ من العودة ، لابدّ من الإقلاع عن الذنب ، لابدّ من الندم ، من هنا قال عليه الصلاة والسلام :

(( الندم توبة ))

[أخرجه البزار والحاكم عن أنس بن مالك ]

 بل هناك من فصّل في هذا ، قال التوبة تحتاج إلى علم ، وإلى حال ، وإلى عمل ، بل إن هذا القانون ينطبق على علاقة الإنسان بما حوله ، لأوضح :
 لو إنسان رأى أفعى ، إذا أدرك أنها أفعى ، وأن لدغتها قاتلة ، لابدّ من أن يضطرب ، فإذا اضطرب تحرك ، إما إلى قتلها أو من الهرب منها .
 إذاً : هذا القانون يحكم العلاقة بين الإنسان وبين المحيط ، إدراك ، فحال ، فسلوك .

 

معرفة منهج الله عز وجل ضروري لتقييم العمل :

 الإنسان حينما يطلب العلم ، ويعرف منهج الله ، يعرف في أي مكان هو من طاعة الله ، أي هل يمكن أن يعالج الإنسان ضغطه المرتفع إن لم يعلم أن معه ضغط مرتفع ؟ فمتى يتوب الإنسان من ذنبه ؟ إذا طلب العلم ، وعرف الحلال والحرام ، عندئذٍ أدرك أين هو من منهج الله عز وجل .
 إذاً لابدّ من أن تعرف منهج الله حتى تقيّم عملك ، إذا قيّمته رأيت فيه أخطاءً كثيرة ، وتقصيرات كبيرة ، عندئذٍ تفكر أن تتوب إلى الله عز وجل ، وعندئذٍ تتألم ، كنت في الإدراك ، فأصبحت في الانفعال ، والانفعال الصادق لابدّ من أن يقودك إلى سلوك .
 لو أن إنساناً قال لإنسان : على كتفك عقرب شائلة ، بقي الإنسان هادئاً ، مرتاحاً ثم توجه إلى من قال له هذه الكلمة بالشكر والامتنان ، وقال : أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعينني على مكافأتك على هذه الملاحظة .
 أخوتي الكرام ، هل تصدقون بأن هذا الإنسان الذي بقي هادئاً مع هذه الكلمة سمع ماذا قال له هذا الأخ الكريم ؟ أبداً .
 إذاً ما لم تدرك الحقيقة ، وتتعظ عند إدراكها ، وما لم تتحرك إلى الحل الأمثل بناءً على هذا الإدراك فلا تعد هذه توبة ، ولا يعد هذا سلوكاً مقبولاً عند الله .

باب التوبة مفتوح إلى يوم القيامة ما لم يغرغر الإنسان :

 أيها الأخوة الكرام ، أبواب التوبة مفتحة إلى يوم القيامة ، ما لم يغرغر الإنسان .

﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ ﴾

( سورة النساء الآية : 18 )

 فرعون الذي قال :

﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾

( سورة النازعات )

 فرعون الذي قال :

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾

( سورة القصص الآية : 38 )

 حينما أدركه الغرق قال :

﴿ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾

( سورة يونس الآية : 90 )

 فأجابه الله عز وجل :

﴿ آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾

( سورة يونس الآية : 91 )

 باب التوبة مفتوح إلى يوم القيامة ، بشرط أن تصحو من غفلتك قبل فوات الأوان ، أما عند الموت ، أو عندما يحضر الموت عندئذٍ يغلق باب التوبة .
 أيها الأخوة الأحباب ، إلى لقاء آخر إن شاء الله تعالى .

 

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018