٠23برنامج قوانين القرآن الكريم - قناة الرسالة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

قوانين القرآن الكريم - الدرس : 26 - قانون تفريج الكروب


2008-09-26

 بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .

قانون تفريج الكروب :

 أعزائي المشاهدين ... أخوتي المؤمنين ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، لازلنا في قوانين القرآن الكريم ، والقانون اليوم : ( قانون تفريج الكروب)وما أكثرها في العالم الإسلامي .

الدنيا دار ابتلاء و امتحان :

 أيها الأخوة الأحباب ، ورد في كتاب عن خُطب رسول الله صلى الله عليه وسلم النص التالي :

(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء ، ومنزل ترح لا منزل فرح ، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى ، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سببا ، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضا فيأخذ ليعطي ، ويبتلي ليجزي ))

[ الديلمي عن ابن عمر]

 أيها الأخوة ، المركبة (السيارة)لماذا صُنعت ؟ صُنعت من أجل أن تسير ، ولماذا وضع فيها المكبح والمكبح في أصل وظيفته يتناقض مع السير ويوقف الحركة ؟ هذا المكبح مع أنه يتناقض مع علة صنع السيارة لكنه ضروري جداً لسلامة الركاب .
 وكذلك المصائب ، نحن في دار ابتلاء ، نحن في دار امتحان ، نحن في دار فيها نوازع نحو الأرض ، واتجاهات نحو السماء ، فحينما يغفل الإنسان قد يقع في خطأ ، والخطأ ينبغي أن يُعالج من قبل رب العالمين ، وكلمة رب العالمين تعني التربية ، فالله عز وجل يقول :

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

( سورة السجدة )

مصائب المؤمنين مصائب دفع إلى باب الله ورفع في مقامات المؤمن :

 إذاً طبيعة الحياة الدنيا فيها ابتلاء ، الإمام الشافعي سُئل : ندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين ؟ تبسم وقال : لن تمكن قبل أن تبتلى ، والله عز وجل يؤكد في بعض الآيات الكريمة أن هناك مصائب تصيب المؤمنين قال تعالى :

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ* الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾

( سورة البقرة )

 هذه مصائب المؤمنين ، مصائب دفع إلى باب الله ، ومصائب رفع في مقامات المؤمن ، هذه المصائب كلها خير ، وقد عبّر القرآن عنها وقال :

﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

( سورة لقمان الآية : 20 )

 الباطنة هي المصائب التي تصيب المؤمنين كي تسوقهم إلى باب الله ، وتحملهم على التوبة ، وترقى بهم إلى أعلى مقام .

 

مصائب الأنبياء مصائب كشف و مصائب الطرف الآخر مصائب قصم :

 لكن مصائب الطرف الآخر مصائب العصاة ، والمجرمين ، والفجار ، مصائب قصم ، وإن كان في هذا الإنسان بقية خير مصائب ردع ، أما مصائب الأنبياء مصائب كشفٍ.
 لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول :

(( اللهم ما رزقتنا مما نحب ، فاجعله عوناً لنا فيما تحب ، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب ))

[ورد في الأثر]

 هذه النصوص تؤكد حقيقة دقيقة ، هي أن الدنيا مفعمة بالمصائب ، بالأحزان ، هكذا جعلها الله بهذه الطبيعة ، كي نسعد في الآخرة ، الله عز وجل يربينا في الدنيا ويكرمنا في الآخرة .

 

توزيع الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء و في الآخرة توزيع جزاء :

 أيها الأخوة الأحباب ، هناك نقطة دقيقة في الموضوع أن الحظوظ ، المال حظ ، الوسامة حظ ، الذكاء حظ ، القوة حظ ، العمر المديد حظ ، أن هذه الحظوظ وزعها الله في الدنيا توزيع ابتلاء ، وسوف يوزعها في الآخرة توزيع جزاء ، قال تعالى :

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾

( سورة الإسراء )

 فالمؤمن كما قال عليه الصلاة والسلام :

(( عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ ؛ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ ))

[ مسلم عن صهيب]

 أين هو قانون تفريج الكروب ؟ الدنيا دار ابتلاء ، وفيها مصائب ، يصيب الله بهذه المصائب عباده المؤمنين ، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول :

(( أشد الناس بلاء الأنبياء ، وأنا أشدهم بلاء ، ثم العلماء ثم الأمثل فالأمثل ))

[أخرجه الحاكم عن سعد بن أبي وقاص ]

 شيء طبيعي جداً أن هناك مصائب في الدنيا ، لأن الله رب العالمين يأخذ بيدنا إلى بابه ، ويسوقنا إلى جنته ، وقد قال عليه الصلاة والسلام :

(( عجب ربنا من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل ))

[رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي هريرة]

 ولكن هذا المؤمن إذا وقع في إشكال ، وقع في ألم ، في حزن ، في مصيبة ، ماذا يفعل كي ينجو منها ؟ هنا محور هذا اللقاء الطيب ، قانون تفريج الكروب .

 

وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً :

 أيها الأخوة ، الله عز وجل يقول :

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

( سورة الطلاق )

 الإنسان أحياناً يرى أن الأبواب قد غُلقت كلها ، يبحث عن مخرج نجاة ، لذلك الآية تقول :

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

 ولحكمة بالغةٍ بالغة تُغلق الأبواب أمام المؤمن أحياناً ، ويفتح له باب السماء ، هذا الباب فيه سعادته ، وفيه سلامته ، وفيه رقيه ، لذلك قال تعالى :

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

 وأنا أعتقد أن زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين ، زوال الكون ، لأن هذه المصائب يسوقها الله عز وجل لحكمة بالغة ، إذا دخلت إلى مسجد ، ورأيت فيه آلاف مؤلفة ، اعلم علم اليقين أن معظم هؤلاء ساقهم الله إلى بابه بتدبير حكيم ، وتربية راقية ، فكانت النتيجة أنهم اصطلحوا مع ربهم ، وسلموا وسعدوا في الدنيا والآخرة .
 لذلك يقول عليه الصلاة والسلام :

(( عش ما شئت فإنك ميت ، وأحبب ما شئت فإنك مفارق ، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))

[رواه أبو داود الطيالسى عن جابر]

 قانون تفريج الكروب في هذه الآية الدقيقة الجامعة المانعة .

 

من عظمة هذا القرآن أن كل آية إذا نُزعت من سياقها كانت قانوناً :

 أيها الأخوة ، هذه الآية :

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

 لها سياق لو نزعتها من سياقها لأصبحت قانوناً ، في سياق آيات الطلاق ، يقول الله عز وجل :

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

 أي

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾

 في تطليق زوجته طلاقاً سُنياً صحيحاً وفق توجيهات القرآن الكريم ،

﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

 إلى إرجاعها ، هذا المعنى السياقي ولكن عظمة هذا القرآن أن كل آية إذا نُزعت من سياقها كانت قانوناً .
 مثلاً :

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾

 في كسب ماله يكسب المال الحلال ،

﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

 من إتلاف المال ،

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾

 في اختيار زوجته ، اختارها ذات صلاح ودين ، فسعد بها ، وكانت وفية له ،

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾

 في اختيار زوجته وفق منهج الله .

(( فعليك بذات الدين ))

[ أخرجه أبو يعلى والبزار عن أبو سعيد الخدري ]

﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

 من الشقاء الزوجي ،

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾

 في تربية أولاده تربية إسلامية

﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

 من عقوقهم ،

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾

 بالإيمان والتوحيد

﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

 من الشرك .
 هذه الآية صدقوا أيها الأخوة زوال الكون أهون على الله من ألا تحقق نتائج هذه الآية ، حينما تضيق :

كن عن همومك معرضا  وكلِ الأمور إلى القضا
وابشر بخير عــاجل  تنسى به ما قد مضى
فلربَ أمــر مسخط  لك في عواقبه رضـا
* * *
ولربما ضاق المضيق  ولربما اتسع الـفضا
الله يفــعل ما يشاء  فلا تـــكن معترضا
الله عودك الــجميل  فقس على ما قد مضى
* * *

كل شيء وقع أراده الله وكل شيء أراده الله وقع :

 أيها الأخوة الأحباب ،

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

 قال تعالى :

﴿ َقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ﴾

( سورة إبراهيم )

 إلهنا ، وربنا ، وخالقنا ، في قرآنه ، وفي كلامه ، يبين أن مكر الطرف الآخر يزيل الجبال من مواقعها ، ومع ذلك يطمئننا ، ويقول :

﴿ وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً ﴾

( سورة آل عمران الآية : 186 )

 إذاً ما ساق الله لنا مصيبة إلا لمصلحتنا ، إلا ليقربنا منه ، إلا ليجمع كلمتنا ، والله عز وجل لا يسمح لطاغية على الإطلاق أن يكون طاغية إلا وأن يوظف طغيانه لخدمة دينه والمؤمنين بلا شعور ، وبلا إرادة ، وبلا أجر ، وبلا ثواب .
 إذاً كل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق .

 

زوال الكون أهون على الله من ألا يحقق وعوده للمؤمنين :

 أيها الأخوة ، الله عز وجل يعدنا فيقول :

﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾

( سورة النور الآية : 55 )

 إذاً نحن حينما نعبد الله عز وجل نستحق كل هذه الوعود التي يعد زوال الكون أهون على الله عز وجل من ألا تحقق ، لذلك فلنستبشر ، ولنثق بربنا ، وبهذا الدين العظيم .

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة آل عمران )

الفائز من ربح الآخرة والجنة معاً :

 أيها الأخوة الكرام ، الدنيا زائلة ، تغر ، وتضر ، وتمر ، والآخرة باقية ، فطوبى لمن ربح الآخرة ، وذاق بعض المتاعب في الدنيا. فلذلك الإنسان حينما يربح الآخرة ، ويربح جنة الله عز وجل يكون قد فاز فوزاً عظيماً .

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

( سورة الأحزاب )

 أيها الأخوة الأحباب ، إلى حلقات قادمة إن شاء الله تعالى .
 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018