٠3الخطب الإذاعية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطب الإذاعية - الخطبة : 21 - الإخلاص - من هو زيد الخير؟.


1991-06-14

 استفتاح الخطبة:

 الحمد لله رب العالمين، يا رب أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا.
 نعوذ بك أن نقول قولاً فيه رضاك، نلتمس به أحداً سواك، ونعوذ بك أن يكون أحدٌ أسعد بما علمتنا منا، ونعوذ بك أن نتزين للناس بشيء يشيننا عند يا رب، ونعوذ بك أن نكون عبرةً لأحدٍ من خلقك.
 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عجباً ممن يستحي من الخلق كيف لا يستحي من الحق، وعجباً لمن يسعى لإرضاء المخلوقين ! كيف لا يسعى لإرضاء رب العالمين ؟ وعجباً لمن يعرف جلال الله كيف يعرض عنه ؟ وعجباً لمن يأكل رزق الله كيف يشكر غيره ؟
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: قَالَ:

(( إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ))

[ متفق عليه ]

 هذا التفاوت في الأضعاف يرجع إلى درجة الإخلاص الذي هو موضوع خطبتنا اليوم،

(( وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ))

 اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أمناء دعوته وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين.
 عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

 

الإخلاص:

 

1 ـ الغاية من خلق الإنسان عبادة الله:

 يقول الله جل وعلا:

 

﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ ﴾

 

( سورة البينة )

 تعلق أمر الله لهذا المخلوق الأول والمكرم الإنسان بشيئيـن، واقتصر عليهما، الأول: العبادة أي الانقياد التــام لأمره، الثاني: الإخلاص له، وهو تصفية القلب عن الشك والشرك، العبادة للظاهر، والإخلاص للباطن، العبادة للجوارح، والإخلاص للقلب، العبادة لما يظهر، والإخلاص لما يخفى، أي أن المؤمن الحق منقاد إلى أمر الله بأعضائه، وجوارحه، مخلص له في قلبه.. ولا يخفى أن الإخلاص شطر الإيمان، بل هو الإيمان كله.

 

2 ـ العمل له بواعث:

 إن البواعث التي تسوق المرء إلى العمل، وتدفعه إلى إجادته، وتُغريه بتحمّل التعب فيه، أو بذل الكثير من أجله، إن هذه البواعث كثيرة متباينة، من هذه البواعث ما هو قريب، يكاد يُرى مع العمل، ومنها ما هو بعيد يحتاج في إدراكه إلى كدٍّ، وبُعد نظر، منها الواضح الذي لا يختلف فيه اثنان، ومنها الغامض الكامن في أعماق النفس، حيث يسهر الخلق، ويختصمون في تحديده، وتقييمه.
 من البواعث ما هو فطري، مركب في جبلة الإنسان، تدفعه إلى الحفاظ على وجوده، وعلى سلامة وجوده، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده.
 ومن البواعث ما هو كسبي ينبعث في النفس، إثر معرفتها بربها ومعرفتها بذاتها، ومعرفتها بما أُعد لها من نعيم مقيم في جنة عرضها السماوات والأرض.
 وكلما ارتقى الإنسان في سُلم العلم النافع، الذي أراده الله، ارتقى معه الباعث الذي يبعث النفس إلى جلائل الأعمال، ورفيع الخصال.
وكلما ابتعد عن العلم الموصل إلى الله هبط الباعث النفسي عنده إلى مستوى يبعث النفس إلى الدنيء من الأعمال والخسيس من الخصال
والعمل الصالح مظهر للإيمان، وبرهان عليه، بل إن الإيمان بلا عمل كالشجر بلا ثمر، وهو ثمن الجنة بل مفتاح أبوابها، ونوعه وحجمه يحددان منزلة المؤمن فيها، قال تعالى:

﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة النحل )

 وقال أيضاً:

 

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾

 

( سورة الأنعام )

3 ـ النية هي الفارق في الأعمال:

 وقيمة العمل ترجع قبل كل شيء إلى طبيعة البواعث التي وراءه، بل إن الباعث وحده يحدد قيمة العلم، فلو رأى إنسان في الطريق قطعة نقدية كبيرة، فانحنى والتقطها، وفي نيته أن يبحث عن صاحبها، فقد قام بعمل يُثاب عليه، ولو رأى إنسان آخر هذه القطعة الكبيرة من النقود فانحنى، والتقطها، وفي نيته أن يأخذها، من دون أن يبحث عن صاحبها فقد قام بعمل يُعاقب عليه، إن العملين متشابهان، بل هما متطابقان، لكن الذي جعل من الأول صالحاً، والثاني عملاً سيئاً هو النية ليس غير.
 عن أمير المؤمنين عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[ رواه البخاري ومسلم ]

4 ـ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا: أخلصه وأصْوبه:

 وقال تعالى:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾


( سورة الملك )

 وقال الفضيل بن عياض مفسراً:

﴿ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾

هو أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي ما أخلصه، وما أصوبه ؟ فقال: إن العمل إذا كان خالصاً، ولم يكن صواباً لم يُقبل، وإذا كان صواباً، ولم يكن خالصاً لم يقبل، ولا يقبل حتى يكون خالصاً وصواباً، والخالص أن يبتغي بعمله وجه الله، لقوله تعالى:

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ﴾

( سورة الإنسان )

 والصواب ما وافق السنة لقوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

( سورة آل عمران )

 ثم قرأ الفضيل:

 

﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾

 

( سورة الكهف: 110 )

 وقال تعالى:

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا ﴾

( سورة الفرقان )

 قيل: هي الأعمال التي كانت على غير السنة، أو التي أُريد بها غير وجه الله، وفي الحديث القدسي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:

 

(( أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ))

 

[ مسلم ]

 وفي حديث آخر:

 

(( الإخلاص سرٌّ من سري، أستودعه قلب من أحببت من عبادي ))

 

[ ورد في الأثر ]

5 ـ الإخلاص يقلب العمل الدنيوي إلى عبادة:

 إن الإخلاص في طلب مرضاة الله، يرفع العمل الدنيوي المحض فيجعله عبادة متقبلة، فعمل الإنسان الذي يرتزق منه إذا كان مشروعاً في الأصل، وسلك فيه الطرق المشروعة، وابتغى به أن يكفَّ نفسه عن سؤال الناس، وأن ينفق منه على أهله، ومن يعول، وابتغــى به خدمة الناس بعامة الذين هم عيال الله، وخدمة المسلمين بخاصة، ولم يحمله عمله هذا على معصية الله، كما لم يشغله عن فرض، أو واجب ديني، أو طاعة، إذا توافرت في العمل الذي يرتزق منه الإنسان، هذه الشروط انقلب هذا العمل إلى عبادة متقبلة.
 وقد ورد عن بعض الصالحين، أنه رأى رجلاً يصلي في المسجد، ولا يعمل فسأله: << من يطعمك ؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك >>.
عَنْ مُعَاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:

 

(( مَنْ بَنَى بُنْيَانًا مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا اعْتِدَاءٍ، أَوْ غَرَسَ غَرْسًا فِي غَيْرِ ظُلْمٍ وَلَا اعْتِدَاءٍ كَانَ لَهُ أَجْرٌ جَارٍ مَا انْتُفِعَ بِهِ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ))

 

[ رواه الإمام أحمد ]

 وروى الإمام مسلم في صحيحه عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إِلَّا كَانَ مَا أُكِلَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتْ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ ))

 

[ رواه الإمام مسلم في صحيحه]

 فالأعمال الدنيوية المحضة تنقلب بالنيات الطيبة إلى عبادات، وأعمال صالحة، وإن واجبات الإنسان تجاه نفسه وأهله وأولاده التي يؤديها الناس كافة إذا رافقتها النيات الحسنة تنقلب إلى أعمال صالحة يُثاب الإنسان عليها، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( مَا أَطْعَمْتَ نَفْسَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ وَلَدَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ زَوْجَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ، وَمَا أَطْعَمْتَ خَادِمَكَ فَهُوَ لَكَ صَدَقَةٌ ))

 

[ رواه الإمام أحمد في مسنده ]

 وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلَّا أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فَمِ امْرَأَتِكَ ))

 

[ رواه الإمام البخاري ]

6 ـ الإخلاص في طلب مرضاة الله تعالى وحده يُعدُّ عملاً صالحاً:

 وقد يعجب الإنسان أن الإخلاص في طلب مرضاة الله تعالى وحده يُعدُّ عملاً صالحاً حينما تحول الظروف القاهرة بين الإنسان وبين أعماله التي يبتغي بها مرضاة الله، ففي غزوة العسرة تقدم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجال يريدون أن يقاتلوا الكفار معه، وأن يجودوا بأنفسهم في سيبل الله، غير أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يستطع تجنيدهم، فعادوا وفي حلوقهم غُصة لتخلفهم عن الميدان، وفيهم نزل قوله تعالى:

 

﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ ﴾

 

( سورة التوبة )

 وقد نوه النبي صلى الله عليه وسلم بإيمان هؤلاء القوم وإخلاصهم فقال للجيش السائر:

 

((إِنَّ أَقْوَامًا بِالْمَدِينَةِ خَلْفَنَا مَا سَلَكْنَا شِعْبًا وَلَا وَادِيًا إِلَّا وَهُمْ مَعَنَا فِيهِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ ))

 

[ رواه البخاري ]

 بل إنه صلى الله عليه وسلم يَعدُّ المرض والسفر إذا رافقه الإخلاص في طلب مرضاة الله يوجب لصاحبه أجر الأعمال الصالحة التي كان يفعلها في صحته وحضره، حيث قال:

(( إن الله تعالى يكتب للمريض أفضل ما كان يعمل في صحته مادام في وثاقه، وللمسافر أفضل ما كان يعمل في حضره ))

[ ذكره الهندي في كنز العمال ]

7 ـ الرياء نقيض الأعمال:

 أما الرياء الذي هو نقيض الإخلاص، فإذا داخل الأعمال الصالحة في أتم صورها، بل إذا داخل العبادات المحضة يقلبها إلى أعمال توجب اللوم والعقوبة، قال تعالى:

﴿ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ(4)الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(5)الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ(6)وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾

( سورة الماعون )

 حتى إن إنفاق المال الذي زُين للناس عامة حيازته إذا داخله الرياء فَقَدَ قيمته وأجره، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾

 

( سورة البقرة )

 لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

(( أخلص دينك يكفك العمل القليل ))

 

[أخرجه الحاكم عن معاذ 4/306 وصححه ]

أقوال العلماء في الإخلاص:

 ومن أقوال بعض العلماء في الإخلاص:
 الإخلاص: استواء أعمال العبد، في الظاهر والباطن، والرياء أن يكون ظاهر العبد خيراً من باطنه، والصدق في الإخلاص أن يكون باطن العبد أعمر من ظاهره.
 إفراد الحق سبحانه بالقصد في الطاعة، وتصفية هذه الطاعة عن ملاحظة الخلق.
 المخلص لا رياء له، والصادق لا إعجاب له، ولا يتم الإخلاص إلا بالصدق، ولا يتم الصدق إلا بالإخلاص، ولا يتمان إلا بالصبر.
 الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق، ومن تزين للناس بما ليس فيه سقط من عين الله.
 وقيل: ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.
 والإخلاص سرٌّ بين الله وبين العبد، لا يعلمه مَلَك فيكتبه، ولا شيطان فيُفسده، ولا هوى فيميله.
 الإخلاص ألا تطلب على عملك شاهداً غير الله، ولا مُجازياً سواه
 من شهد في إخلاصه الإخلاص، احتاج إخلاصه إلى إخلاص، وحينما ينجو المؤمن من إعجابه بإخلاصه، يصبح مخلِصاً مخلَصاً فأشدُّ شيء على النفس الإخلاص، لأنه ليس لها فيه نصيب.

الخطبة الثانية:
 مَن هو زيد الخير ؟
لقد كان زيد الخير من أشجع الناس، وأجودهم في الجاهلية، بلغته أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، ووقف على شيء مما يدعو إليه، فأعدَّ راحلته، ودعا السادة الكبراء من قومه إلى زيارة يثرب، ولما بلغوا المدينة، توجهوا إلى المسجد النبوي، وأناخوا ركائبهم ببابه، وصادف عند دخولهم أنه كان صلوات الله وسلامه عليه يخطب المسلمين فوق المنبر، فراعهم كلامه، وأدهشهم تعلُّق المسلمين به، وإنصاتهم له، وتأثُّرهم بما يقول، ولما أبصرهم النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( إني خير لكم من العُزَّى، ومن كل ما تعبدون إني خير لكم من الجمل الأسود الذي تعبدونه من دون الله - مكنياً عن أَنْفَس المال في الجزيرة - فلما انتهى الرسول صلى الله عليه وسلم من خطبته وقف زيد بين جموع المسلمين، وكان من أجمل الرجال، وأتمهم خلقة، وأطولهم قامة، وقف، وأطلق صوته الجهير، وقال: يا محمد أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فأقبل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: من أنت ؟ قال: أنا زيد الخيل، فقال عليه الصلاة والسلام: بل زيد الخير، لا زيد الخيل، والحمد لله الذي جاء بك من سهلك وجبلك، ورقق قلبك للإسلام، ثم مضى به الرسول صلـى الله عليه وسلم إلى منزله تكريماً له ومعه عمر بن الخطاب، ولفيف من الصحابة ))  وفي البيت طرح النبي صلى الله عليه وسلم لزيد مُتَّكأً، فعظم على زيد وهو حديث عهد بالإسلام أن يتَّكئ في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، والله لا أتكئُ في حضرتك، ولما استقر بهم المجلس، قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: يا زيد ما وُصف لي رجلٌ قطُّ ثم رأيته إلا كان دون ما وصف إلا أنت يا زيد، ثم قال له: يا زيد، إن فيك لخصلتين يحبُّهما الله ورسوله، قال: وما هما يا رسول الله ؟ قال: الأناة والحلم، فقال زيد: الحمد لله الذي جعلني على ما يحبُّ الله ورسوله، ثم التفت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أعطني ثلاثمائة فارس، وأنا كفيل لك بأن أُغير على بلاد الروم، وأنال منهم، فأكبر النبي صلى الله عليه وسلم همته هذه، وقال له: لله درك يا زيد، أيُّ رجل أنت ؟.. ثم أسلم مع زيد جميع من صحبه من قومه، ولما همَّ بالرجوع إلى ديار قومه في نجد، ودَّعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أيُّ رجل هذا ؟ وفي الطريق إلى دياره وافته المنية، ولم يكن بين إسلامه وموته متَّسع، ولكن إخلاصه في إسلامه، ونواياه الكبيرة في نشر هذا الدين أغنته عن كثير من العمل الذي يشوبه الرياء، قال صلى الله عليه وسلم:

(( يا معاذ أخلص دينك يكفك القليل من العمل ))

[ الجامع الصغير عن معاذ، وسنده ضعيف ]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018