٠3الخطب الإذاعية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطب الإذاعية - الخطبة : 25 - قواعد الدعوة - حليب الأم.


1992-09-11

 استفتاح الخطبة:

 الحمد لله رب العالمين، يا رب اجعلنا نخشاك حتى كأنَّا نراك، وأسعدنا بلقياك، ولا تشقنا بالبعد عنك، اجعل حبك أحب الأشياء إلى قلوبنا، واجعل خشيتك أخوف الأشياء عندنا، خِر لنا في قضائك، وبارك لنا في قدرك، حتى لا نحب تعجيل ما أخرت، ولا تأخير ما عجلت.
 اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم، فأقرر أعيننا من رضوانك.
 وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، غنى كل فقير، وعز كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف، فحاشا يا رب أن نفتقر في غناك، وأن نضل في هداك، وأن نذل في عزك، وأن نضام في سلطانك.
 وأشهد أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خير نبي اجتباه، وللعالمين أرسله، صفوة المصطفين، وخاتم المرسلين، وهو قبل البعثة الصادق الأمين، وبعد البعثة رحمة مهداة للعالمين.
 اللهم صل، وسلم، وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل محمد وعلى أصحاب محمد الهداة المهديين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين.
 عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

مقدمة لموضوع قواعد الدعوة:

 

1 ـ النبي عليه الصلاة والسلام أفضل الدعاة إلى الله:

 سيدي يا رسول الله، ما من كلمة تُقال في يوم مولدك أبلغ من كلمة سيدنا جعفر بن أبي طالب، ابن عمك يا رسول الله، يوم كان في الحبشة مهاجراً، وسأله ملكها عنك فقال:

(( أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ، وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ ))

[ أحمد عن أم سلمة ]

 سيدي يا رسول الله، خاطبك الله جل جلاله، فقال:

 

﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا(45)وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا(46)وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا(47)وَلَا تُطِعْ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ﴾

 

( سورة الأحزاب )

 

2 ـ دعوة النبي خرّجت رجالا هذه أوصافهم:

 لقد دعوت إلى الله، وتلوت على قومك آيات الله، وعلمتهم الكتاب والحكمة، وزكيت الذين آمنوا بك، وساروا على نهجك حتى صاروا أبطلاً، رهباناً في الليل فرساناً في النهار، يقومون الليل إلا قليلاً.
هم:

﴿ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴾

[ البقرة: 274 ]

﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾

[ الرعد: 22 ]

 هم:

 

﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ(2)وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ(3)وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ(4)وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾

 

[ المؤمنون ]

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ ﴾

[ المؤمنون ]

 هم:

 

﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا(63)وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ﴾

 

[ المؤمنون ]

 هم:

﴿ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنْ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ﴾

[ التوبة: 112 ]

 هم:

﴿ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ﴾

[ المائدة: 54 ]

 هم:

﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾

[ آل عمران ]

 هم:

﴿ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ﴾

[ الأحزاب ]

 هم:

﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ ﴾

[ الأحزاب: 39 ]

 

﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾

[ الحشر: 9 ]

 هم:

﴿ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًَا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾

[ الأنفال ]

 هم الذين أوذوا:

 

﴿ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾

 

[ آل عمران: 146 ]

 وكانوا:

﴿ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ﴾

[ المائدة: 8 ]

﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾

 أحبوا الله، وأحبهم، ورضي عنهم، ورضوا عنه.

 

3 ـ الدعاة إلى الله مصابيح الدجى:

 أيها الإخوة الأكارم في دنيا العروبة والإسلام، نحن إذ نحتفل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم نقف عند الجانب التربوي في دعوته، ونستنبط بعض القواعد من أقواله، ومن أفعاله ومن إقراره، هذه القواعد التي يمكن أن تكون منارات للدعاة إلى الله من بعده يهتدون بها.
المسلمون من دون دعاة إلى الله جُهَّال تتخطفهم شياطين الإنس والجن، من كل حدب وصوب، وتعصف بهم الضلالات من كل جانب، لذلك كان الدعاة إلى الله مصابيح الدجى، وأئمة الهدى، وحجة الله في أرضه، بهم تُمحق الضلالات وتنقشع الغشاوات، هم ركيزة الإيمان، وغيظ الشيطان، وهم قوام الأمة، وعماد الدين، هم أمناء على دين الله يدعون الناس إلى الله بلسان صادق، وجنان ثابت، وخلق كريم فأعمالهم تؤكد أقوالهم، لذا فهم أسوة ونبراس يصلحون ما فسد ويقوِّمون ما اعوجَّ، لا يستخفون من الناس، ولا يخشون أحداً إلا الله، ولا يقولون إلا حسناً.

4 ـ نجاح الدعوة في اتباع النبي:

 ولن يفلح الدعاة إلى الله في دعوتهم إلا إذا اتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم الذي عصمه الله عن الخطأ في الأقوال، والأفعال والأحوال، وأوحى إليه وحياً متلواً وغير متلو، وألزمنا أن نأخذ منه كل ما أمرنا به، وأن ندع كل ما نهانا عنه، وأن نتأسى بمواقفه وسيرته، لأنه القدوة، والأسوة الحسنة، والمثل الأعلى.

القواعد المستنبطة من دعوة النبي:

 فمن القواعد المستنبطة من دعوته صلى الله عليه وسلم:

 

القاعدة الأولى: القدوة قبل الدعوة:

 كان صلى الله عليه وسلم عابداً متحنثاً، وقائداً فذاً، شيَّد أمَّةً من الفُتات المتناثر، ورجل حرب يضع الخطط، ويقود الجيوش، وأباً عطوفاً، وزوجاً، تحققت فيه المودة، والرحمة، والسكن، وصديقاً حميماً، وقريباً كريماً، وجاراً تشغله هموم جيرانه، وحاكماً، تملأ نفسه مشاعر محكوميه، يمنحهم من مودته وعطفه ما يجعلهم يفتدونه بأنفسهم، ومع هذا كله فهو قائم على أعظم دعوة شهدتها الأرض، الدعوة التي حققت للإنسان وجوده الكامل، وتغلغلت في كيانه كله، ورأى الناس الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم تتمثل فيه هذه الصفات الكريمة كلها، فصدقوا تلك المبادئ التي جاء بها كلها، ورأوها متمثلة فيه، ولم يقرؤوها في كتاب جامد، بل رأوها في بشر متحرك، فتحركت لها نفوسهم، وهفت لها مشاعرهم، وحاولوا أن يقتبسوا قبسات من الرسول الكريم، كلٍّ بقدر ما يُطيق فكان أكبر قدوة للبشرية في تاريخها الطويل، وكان هادياً ومربياً بسلوكه الشخصي، قبل أن يكون بالكلم الطيب الذي ينطق به.
 ولأن القدوة هي أعظم وسائل التربية ذلك، لأن دعوة المترف إلى التقشف دعوة ساقطة، ودعوة الكذوب إلى الصدق دعوة مضحكة، ودعوة المنحرف إلى الاستقامة دعوة مخجلة، لذلك كانت مواقف النبي صلى الله عليه وسلم وشمائله، وفضائله، ومكارمه قدوةً صالحة، وأسوة حسنة، ومثلاً يُحتذى، وهي ليست للإعجاب السلبي، ولا للتأمل التجريدي، ولكنها وُجدت فيه لنحققها في ذوات أنفسنا، كل بقدر ما يستطيع.
 وقد ورد في وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ أن:

(( يا معاذ أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، وحفظ الجار، ورحمة اليتيم، ولين الكلام، وبذل السلام، وحسن العمل، وقصر الأمل، ولزوم الإيمان، والتفقه في القرآن، وحب الآخرة والجزع من الحساب، وخفض الجناح، وأنهاك أن تَسُبَّ حكيماً، أو تكذب صادقاً، أو تُطيع آثماً، أو تعصي إماماً عادلاً، أو تُفسد أرضاً، وأوصيك باتقاء الله عند كل حجر، وشجر، ومدر، وأن تُحدث لكل ذنب توبة، السر بالسر، والعلانية بالعلانية ))

[أخرجه البيهقي في كتاب الزهد]

 يستطيع الإنسان أن يكون عالماً جهبذاً في الطب، أو العلوم، أو الهندسة من دون أن تتطلب هذه العلوم ممن يتعلمها قيداً سلوكياً، ولا يُفسد حقائقها أن يتبع النابغ فيها هوى نفسه، في حياته الخاصة، إلا علم الدين، فإنك إن كنت من المتدينين المخلصين، أو من علمائه أو الداعين إليه، فلا بد أن تكون قدوة حسنة لمن تدعوهم إليه، وإلا ما استمع إليك أحد، ولو كنت أكثر الناس اطلاعاً وعلماً في دين الله، ولن ينظر إليك أحد نظرة احترام جديرة بك، إلا إذا كان سلوكك وفقاً لقواعد الدين.
 قال ملك عمان، وقد التقى النبي صلى الله عليه وسلم: " والله ما دلني على هذا النبي الأمي إلا أنه لا يأمر بخير إلا كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شيء إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويُغلب فلا يضجر، ويفي بالعهد وينجز الوعد ".
 قال أحد كُتاب السيرة الغربيين الذين أسلموا: " كان محمد ملكاً، وسياسياً، ومحارباً، وقائداً، ومشرِّعاً، وقاضياً، وفاتحاً، ومهاجراً "، فقد مارس بالفعل جميع المبادئ التي كان يلقنها للناس، ولن تجد في القرآن حُكماً أو أمراً لم يعمل به النبي صلى الله عليه وسلم، إذا كان يمارس بالفعل كل ما كان يدعو إليه بالقول، فالمرء مثلاً لن يكون عفواً، إلا أن يكون له عدو يلقى منه أشد الإساءة، ثم تدور الدائرة على هذا العدو فيقع في قبضته، ويصبح تحت رحمته، ثم يملك القدرة على الانتقام منه، ثم يعفو عنه.. ثم يقول الكاتب: " تأمل دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخول الظافر المنتصر، وقد خرَّت جزيرة العرب صريعة تحت قدميه، وأصبحت مكة قلعة العدو تحت رحمته، فلو شاء لقطع رؤوس القوم، الذين كانوا بالأمس ألد أعدائه، الذين اتخذوه هزواً، وأمعنوا في اضطهاده والاستخفاف به، ولو أنه عاقبهم بذنبهم لكان مُحقاّ، ولم يكن ملوماً، ولم تظهر فضيلة العفو قط بصورتها الكاملة في تاريخ أي دين من الأديان حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم، ولولاه لظلت هذه الفضيلة معطلة إلى الأبد ".

 

2 ـ القاعدة الثانية: الإحسان قبل البيان:

 لقد علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نكون رحماء قبل أن نكون أوصياء، فمن لا يرحم لا يُرحم..

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾

( سورة الأنبياء )

 فالنفوس جُبلت على حُب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها، فهو صلى الله عليه وسلم فتح أقفال القلوب برحمته ورفقه، حتى لانت له القلوب القاسية، واستقامت الجوارح العاصية، قال صلى الله عليه وسلم:

 

(( إنما بُعثت بمدارات الناس ))

 

[ البيهقي في شعب الإيمان عن جابر ]

 وحرف الجر ( الباء ) في كلمة المداراة يفيد معنى الاستعانة، أي أن النبي الكريم يستعين على هداية الناس بمداراتهم، والمداراة شيء، والمداهنة شيء آخر، المداراة بذل الدنيا من أجل الدين، والمداهنة بذل الدين من أجل الدنيا.
بعث النبي الكريم خيلاً قِبَل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة يُقال له " ثمامة بن آثال "، وكان ثمامة قد أوقع أشدَّ الأذى بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

 

((بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ: لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ فَقَالَ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ قَالَ: مَا قُلْتُ لَكَ: إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ، فَقَالَ: مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، فَقَالَ: أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ، فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي، وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى، فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ، قَالَ: لَا، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

 

[ البخاري ]

 وهذا نوع من الحصار الاقتصادي.

 

القاعدة الثالثة: الترغيب قبل الترهيب:

 لقد علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نقدَّم للمدعو الترغيب قبل الترهيب، والتبشير قبل الإنذار، وأن نرغِّبه في الإخلاص، قبل أن نرهبه من الرياء، وأن نرغبه في طلب العلم ونشره، قبل أن نرهبه من الإعراض عنه وكتمانه، وأن نرغبه في الصلاة في وقتها، قبل أن نرهبه من تركها أو تأخيرها، لأن تقديم أسلوب الترغيب يكون أنفع وأجدى من تقديم أسلوب الترهيب، يتَّضح هذا من موقف النبي صلى الله عليه وسلم وحديثه لعدي بن حاتم حينما أسلم.
 يروي عديُ بن حاتم الطائي عن نفسه فيقول: ما من رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يُذكر مني، وكنت ملكاً في قومي فالتقيت به فقال لي: لعلك يا عدي إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم ـ أي فقر المؤمنين ـ فو الله ليوشكن المال أن يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه ما ترى من كثرة عدوهم، وقلة عددهم، تقول: إنما اتَّبعه ضعفة الناس، فوالله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها تزور هذا البيت لا تخاف أحداً إلا الله، ولعلك إنما يمنعك من دخول فيه أنك ترى أن المُلك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض في أرض بابل قد فُتحت عليهم، قال عدي: فلما سمعت بذلك أسلمتُ ".

القاعدة الرابعة: التيسير لا التعسير:

 لقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نُيسر ولا نُعسر، وأن نُبشر ولا ننفِّر، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا ))

[ رواه البخاري ومسلم ]

 قال الإمام النووي رحمه الله: لو اقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله على: (( يَسِّرُوا )) لصدق على أن يسَّر مرة، وعسَّر كثيراً فلما قال: (( وَلَا تُعَسِّرُوا ))، فلكي نجتنب التعسير في كل الأحوال، قال ابن مسعود رضي الله عنه: "<< كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام، كراهة السآمة علينا >>.
 أي كان يعظنا من حين لآخر، دون تتابع لئلا نسأم الموعظة، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تكليف الناس ما لا يطيقون ليستمر سيرهم في طريق الإيمان، فالداعية المتبع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ نفسه بالعزائم، ويسمح للمدعوين بالرخص، تخفيفاً عليهم وتيسيراً لهم.
 وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:

 

(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ ))

 

[ أبو داود، الترمذي، أحمد ]

 عَنْ طَاوُوسٍ:

 

(( أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِأَبِي إِسْرَائِيلَ وَهُوَ قَائِمٌ فِي الشَّمْسِ فَقَالَ: مَا لَهُ ؟، فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ لاَ يَسْتَظِلَّ، وَلاَ يَقْعُدَ، وَلاَ يُكَلِّمَ أَحَدًا، وَيَصُومَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَسْتَظِلَّ، وَأَنْ يَقْعُدَ، وَأَنْ يُكَلِّمَ النَّاسَ، وَيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ ))

 

[ البيهقي في السنن الكبرى ]

 وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:

 

(( كَانَتْ عِنْدِي امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ ؟ قُلْتُ: فُلَانَةُ، لَا تَنَامُ بِاللَّيْلِ، فَذُكِرَ مِنْ صَلَاتِهَا، فَقَالَ: مَهْ، عَلَيْكُمْ مَا تُطِيقُونَ مِنْ الْأَعْمَالِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ))

 

[ البخاري ]

 وقد قال الإمام علي كرم الله وجهه: << إن للقلوب إقبالاً وإدباراً، فإذا أقبلت فاحملوها على النوافل، وإن أدبرت فاقتصروا بها على الفرائض >>.

 

[راجع المائة المختارة للجاحظ، وغرر الحكم للآمدي ص113]

 

القاعدة الخامسة: التربية لا التعرية:

 لقد علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم من خلال أقواله وأفعاله ومواقفه من أصحابه في شتى مستوياتهم، وأحوالهم أن الدعوة مهمة تربوية أساسها النفسي الحب الصادق، والرحمة الواعية، والشفقة الحانية على المدعو، وأساسها العقلي: المعرفة الدقيقة والعميقة والشاملة لطبيعة النفس الإنسانية، في قوتها وضعفها، في تألقها وفتورها، في إقبالها وإدبارها.
 لما تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لفتح مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة يخبرهم بذلك، فعن عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:

(( بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا وَالزُّبَيْرَ وَالْمِقْدَادَ، فَقَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ، فَخُذُوا مِنْهَا، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى أَتَيْنَا الرَّوْضَةَ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، قُلْنَا لَهَا: أَخْرِجِي الْكِتَابَ، قَالَتْ: مَا مَعِي كِتَابٌ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، قَالَ: فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا ـ أي من ضفائر شعرها ـ فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى نَاسٍ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا حَاطِبُ، مَا هَذَا ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ، إِنِّي كُنْتُ امْرَأً مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ، يَقُولُ: كُنْتُ حَلِيفًا، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مَنْ لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَ أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنْ النَّسَبِ فِيهِمْ أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ قَرَابَتِي، وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكُمْ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ ))

[ البخاري ومسلم ]

 إنه القلب الكبير، والصدر الواسع، والتفهُّم العميق للحظة ضعف طارئة ألمّت بهذا الصحابي، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الموقف الرحيم أن يعينه، وينهضه من عثرته فلا يطارده بها، ولا يدع أحداً يطارده... وسر التفاوت بين موقف النبي صلى الله عليه وسلم وموقف عمر رضي الله عنه أن عمر نظر إلى الذنب نفسه، فإذا هو خيانة عظمى لله ولرسوله ولدينه، بينما نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى لحظة الضعف الطارئة التي ألمت بصاحب الذنب فتفهمه ورحمه.

 

القاعدة السادسة: مخاطبة العقل والقلب معاً:

 علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلم من خلال سنته وسيرته، أن الإنسان عقل يدرك وقلب يحب، وأن العقل غذاؤه العلم، وأن القلب غذاؤه الحب، وأن العقل أمير القلب، لذلك ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن:

(( أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حباً ))

[ روي في الأثر ]

 وإذا كان العقل للنفس كالعين تبصر به فإن الهدي الرباني نور لهذه العين، فأنى للعقل أن يرى الحقائق من دون نور يكشفها له ؟ وإذا كان القلب وما ينطوي عليه من حب محركاً للإنسان ينتقل ويرقى به فإن العقل مقودٌ يوجه الحركة نحو الهدف، ويجنبها الانحراف والهلاك.
لذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يخاطب العقل في الإنسان، فعَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ:

 

(( إِنَّ فَتًى شَابًّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، قَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لِأُمِّكَ ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأُمَّهَاتِهِمْ قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِابْنَتِكَ ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِأُخْتِكَ ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ ؟ قَالَ: لَا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلَا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالَاتِهِمْ، قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ، وَحَصِّنْ فَرْجَهُ، فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ ))

 

[ مسند أحمد ]

 وإذا كانت مخاطبة العقل تُحدث قناعة فإن مخاطبة القلب تُحدث موقفاً، فلقد خاطب الأنصار الذين وجدوا عيه في أنفسهم، عقب غزوة حنين، وتوزيع الغنائم فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ قَالَ:

 

(( لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَسَمَ فِي النَّاسِ فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ، فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمْ اللَّهُ بِي، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ بِي، كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ: كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ: جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا، أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رِحَالِكُمْ ؟ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الْأَنْصَارُ شِعَارٌ، وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ ))

 

[ البخاري ومسلم ]

القاعدة السابعة: الدليل والتعليل:

 علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم من خلال ما أُوحي إليه أن القرآن الكريم كلام خالق السماوات والأرض.. قال تعالى:

﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾

( سورة الفرقان )

 إذاً: لا بد من تطابق دقيق وتام بين مضامين القرآن الكريم، وقوانين الكون بسماواته وأرضه ومخلوقاته، ولا سيما الإنسان، كما أن العقل بمبادئه ؛ مبدأ السببية والغائية وعدم التناقض، يتفق مع سنن الكون الثابتة، ودعوة القرآن الكريم إلى إعمال العقل في خلق السماوات والأرض، كأداة لمعرفة الله، وكمناط لمسؤولية الإنسان، يؤكد هذا التوافق، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الفطرة الإنسانية تتفق اتفاقاً تاماً مع الإيمان بالله واليوم الآخر وطاعة الله، واللجوء إليه والسعادة بقربه، قال تعالى:

 

﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾

 

( سورة الروم )


 لهذا نستنتج أن كل دعوة إلى الله لا يتقاطع في دائرتها النقل الصحيح، مع العقل الصريح مع الفطرة السليمة، مع الواقع الموضوعي هي دعوة غير مقبولة، ولا يمكن أن تحقق نجاحاً لذلك قال صلى الله عليه وسلم:

 

(( إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ ))

 

[رواه البخاري، وسلم عن علي ]

***

الخطبة الثانية:

تتمة قواعد الدعوة:

القاعدة الثامنة: الآمر قبل الأمر:

 علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم من خلال ما أوحي إليه أن العلم وحده هو الوسيلة والطريق إلى الله، قال تعالى:

﴿ وَمِنْ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾

( سورة فاطر )

 وإن المرء ما لم يتعرف إلى الله من خلال آياته الكونية، وآياته التكوينية، وآياته القرآنية، فإنه لا يملك الخشية الكافية التي تحمله على طاعته، واتباع سنة نبيه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعـو ويقول:

 

(( اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعَاصِيكَ ))

 

[ الترمذي عن ابن عمر ]

 لذلك كان التفكُّر في خلق السماوات والأرض طريقاً إلى خشية الله التي هي طريق إلى طاعته، وطاعته طريق إلى سعادة الدارين، قال تعالى:

 

﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾

 

( سورة الفتح )

 وأي دعوة إلى الله تقتصر على التعريف بأمره ونهيه، ولا تُقدم على التعريف بأمره التعريف به هي دعوة لا يُكتب لها النجاح، قال تعالى:

 

 

 

﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾

( سورة فصلت )

حليب الأم آيةٌ معجزة:

 لبن المرأة الذي يُعدُّ مدهشاً ومبهراً، تعجز عن تركيبه بخصائصه قوى البشر ولو اجتمعت، وأضخم المعالم ولو تضافرت، فتركيبه في تبدل مستمر، بحسب حاجات الرضيع، ومتطلباته، وبحسب احتمال أجهزته وأعضائه، وهو أكثر ملائمة، وأكثر احتمالاً، وهو آمن طرق التغذية، من حيثُ الطهارة والتعقيم، إذا يؤخذ من الحُلمة مباشرة دون التعرض للتلوث الجرثومي، وحرارته ثابتة خلال الرضعة الواحدة ومتناسبة مع حرارة الرضيع، ويصعُب توافر هذه الشروط في الإرضاع الصناعي، وفوق ذلك فهو لطيف الحرارة صيفاً دافئ في الشتاء، وهو سهل الهضم فلا تتجاوز فترة هضمه، الساعة والنصف، بينما تزيد فتره هضم حليب القوارير عن ثلاث ساعات.
 والطفل الذي يرضع من ثدي أمه، يكتسب مناعة ضد كل الأمراض لن في حليب الأم كل مناعاتها، وفيه مواد مضادة للالتهابات المعوية والتنفسية، ومواد تمنع التصاق الجراثيم بجُدُر الأمعاء، ومواد حامضية لقتل الجراثيم، والإرضاع يقي الأم أورام الثدي الخبيثة، ويقي الرضيع الآفات القلبية والوعائية، وأمراض التغذية والاستقلاب.
 بل إن الفطام السريع يُحدث عند الطفل رضًّا نفسياً، وانحرافات سلوكية، وهو أي حليب الأم، سهل التحضير ليلاً ونهاراً، في السفر وفي الحضر، لأنه جاهز دائماً بالحرارة المطلوبة، والتعقيم المثالي والسهلة في الهضم والمناعة الشاملة، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ(4)أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ(5)يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا(6)أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ(7)أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ(8)وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ(9)وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(10)فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ(11)وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ(12)فَكُّ رَقَبَةٍ ﴾

( سورة البلد )

 قال عكرمة وابن المسيب: النجدان هما الثديان.

 

تداركتنا باللطف في ظلمة الحشا  وخير كفيل في الحشا قد كفلتنا
وأسكنت قلب الأمهات تعطفــاً  علينا وفي الثديين أجريت قوتنا
وأنشأتنا طفلا وأطلقت ألســناً  تترجم بالإقرار أنك ربنـــا
وعرفتنا إياك فالحمد دائمـــاً  لوجهك إذ ألهمتنا منك رشدنـا
***

 

الدعاء:

 اللهم طهر قلوبنا من النفاق، وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
 اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، ومن الفقر إلا إليك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، نبرأ من الثقة إلا بك، ومن الأمل إلا فيك، ومن التسليم إلا لك، ومن التفويض إلا إليك، ومن التوكل إلا عليك، ومن الطلب إلا منك، ومن الرضا إلا عنك، ومن الصبر إلا على بلائك، نسألك خفايا لطفك، وفواتح توفيقك، ومألوف برك، وعوائد إحسانك، وجميل سترك، وروح قربك، وجفوة عدوك.
 اللهم احرسنا عند الغنى من البطر، وعند الفقر من الضجر، وعند الكفاية من الغفلة، وعند الحاجة من الحسرة، وعند الطلب من الخيبة، وعند المنازلة من الطغيان، فإنه لا عز إلا في الذل لك، ولا غنى إلا في الفقر إليك، ولا أمن إلا في الخوف منك.
 اللهم أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام والمسلمين، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين، في مشارق الأرض ومغاربها، لما تحب وترضى، اللهم وفق بينهم، ووحد كلمتهم، واجمعهم على الحق والخير والهدى وانصرهم على أعدائك وأعدائهم يا كريم.
 اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر، والحمد لله رب العالمين.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018