٠3الخطب الإذاعية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطب الإذاعية - الخطبة : 26 - الوقت - طول العمر.


1993-01-01

 استفتاح الخطبة:

 الحمد لله رب العالمين، يا رب قد عجز الطبيب فداونا، يا رب قد عم الفساد فنجنا، يا رب قلَّت حيلتنا فتولنا، ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، لا تعاملنا بما فعل السفهاء منا، اغفر ذنوبنا، واستر عيوبنا، واقبل توبتنا، وأصلح قلوبنا، وارحم ضعفنا وتولَ أمرنا.
 استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنَّا في أوطاننا، انصرنا على أعدائك وأعدائنا، بلغنا مما يرضيك آمالنا، اختم بالصالحات أعمالنا.
 وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، غنى كل فقير، وعز كل ذليل، وقوة كل ضعيف، ومفزع كل ملهوف، فحاشا يا رب أن نفتقر في غناك، وأن نضل في هداك، وأن نذل في عزك، وأن نضام في سلطانك، وأنت القائل يا رب، ما من عبد يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجاً وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطَّعت أسباب السماء بين يديه.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، خطب مرةً فقال:

(( إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا إلى نهايتكم، وإن المؤمن بين مخافتين، بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع به وأجل قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذ العبد من نفسه إلى نفسه ومن دنياه لآخرته، من شبابه قبل الكبر، ومن حياته قبل الممات فو الذي نفس محمد بيده، ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ))

[ الديلمي في مسند الفردوس ]

 صلى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، لقد عرفت قيمة الوقت فجعلته ظرفاً لبطولاتٍ تعجز عن صنعها الأمم والشعوب، حتى أقسم الله بعمرك الثمين، فقال تعالى:

﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾

( سورة الحجر )

 اللهم صل الله عليه وسلم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، الذين رباهم عليه الصلاة والسلام تربية حملت أحدهم على أن يقول: << والله لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً، ولو قيل لي: إنك تموت غداً، ما قدرت أن أزيد في عملي شيئاً >>.

مقدمة:

1 ـ ماذا يعني أن يمضي عام وأن يأتي عام ؟

 أيها الإخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، نحن في اليوم الأول من العام الجديد، لقد مضى عام وأقبل عام، وماذا يعني أن يمضي عام وأن يأتي عام ؟ إنه الزمن في حركته، وما حقيقة الزمن ؟ إنه البعد الحركي الرابع للأشياء، فالجسم المادي له بُعدان سطحيان: طول وعرض، وبُعد حجمي: هو عمق أو ارتفاع.. فإذا تحرك هذا الجسم صار الزمن بعداً رابعاً له، ويضيف علماء الفيزياء أن الجسم إذا تحرك بسرعة الضوء توقف الزمن، وأصبحت كتلته لا نهائية، وإذا تجاوز سرعة الضوء تراجع الزمن، وإذا قصَّر عنها تراخى الزمن، وشرح هذا يطول، ويحتاج إلى محاضرات على مدرجات الجامعات، قال تعالى:

﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾

( سورة يس )

 فحركتها سبب حصول الزمن، لولاها ما اتسقت أيامه، ولا انتظمت شهوره وأعوامه، ولا اختلف نوره وظلامه.

 

2 ـ أين نجد مفهوم الزمن في التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان ؟

 والسؤال الآن: أين نجد مفهوم الزمن في التصور الإسلامي للكون، والحياة والإنسان ؟ وأين موقعة في الكتاب والسنة ؟ وما علاقة الزمن بالمخلوق الأول المكرم الإنسان ؟ وهل يمكن أن تتسع تلك العلاقة وتقوى حتى تبلغ درجة التطابق ؟ أي هل يمكن أن نقول: الإنسان في حقيقته " زمن " ؟
حينما يتفكر الإنسان في خلق السماوات والأرض، ويحكم من خلال مبادئ عقله أن لهذا الكون خالقاً عظيماً، ومربياً رحيماً ومسيّراً حكيماً.
 الأقدام تدل على المسير، والماء يدل على الغدير، أفسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدلان على الحكيم الخبير ؟ وأن هذا الخالق عظيم في خلقه، كامل في أفعاله، ومن لوازم كماله ألا يدع عباده بلا تعريف، ولا تبيين، ولا منهج من أمر، ونهي، وإعذار، وإنذار، ووعد، ووعيد.
 لهذا بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه.
 ففي الكتب المنزلة تعريف للإنسان بخالقه ومربيه، تعريف بحقيقة الحياة الدنيا، ومهمة الإنسان فيها، وقد ورد في البيان الإلهي أن البشر مخلوقون لجنة عرضها السماوات والأرض تجري من تحتها الأنهار، أُكلها دائم وظلها، لهم فيها ما يشاؤون خالدين فيها أبداً، ذلك الفوز العظيم.

3 ـ الحياة الدنيا مرحلة إعدادية للحياة الأخروية:

 وشاءت حكمة الله أن يجعل لهذه الحياة العليا الأبدية حياة دنيا إعدادية، وخلق الإنسان فيها ليزكي نفسه، ولتكون هذه التزكية ثمناً لتلكم الجنة، لهذا منح الله الإنسان مقومات هذه التزكية ؛ كوناً مسخراً تسخير تعريف وتكريم، وعقلاً هو أداة المعرفة ومناط التكليف، وفطرةً تكشف للإنسان خطأه وانحرافه، وشهوةً يرقى الإنسان بها صابراً وشاكراً وحرية اختيار تثمن العمل وتقي الزلل، وقوةً فيما يبدو تحقق الاختيار، ومنهجاً يصحح المسار، كل هذا على مسرح مكاني هو الأرض، وفي ظرف زماني هو العمر، فالعمر رأسمال الإنسان في حياته الدنيا، إذا أنفقه الإنسان في تزكية نفسه كان ثمناً لجنة ربه، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ(15)آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ(16)كَانُوا قَلِيلًا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ(17)وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(18)وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ﴾

( سورة الذاريات: 15 )

 وقال تعالى:

 

﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِي(19)إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِي(20)فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(21)فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ(22)قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ(23)كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾

 

( سورة الحاقة: 19 )

الوقت:

1 ـ الوقت رأس مال الإنسان:

 من خلال هذه المقدمة في كليات العقيدة يتضح أن الزمن الذي هو عمر الإنسان هو رأس ماله الوحيد، وهو وعاء عمله الصالح الذي جعله الله ثمناً للجنة، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر )

 العصر هو الزمن، بل مطلق الزمن وهو من خلق الله تعالى، إذ لا يصح أن نسأل: متى كان الله ؟ لأنه خالق الزمان، ولا أين الله ؟ لأنه خالق المكان، وقد أقسم الله به:

 

﴿ وَالْعَصْرِ ﴾

 ومن الثابت لدى المفسرين أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه فذلك ليلفت أنظارهم إليه، ولينبههم إلى جليل منفعته وعظيم أثره، وما أقسم الله للإنسان بالعصر إلا لأن الإنسان في حقيقته زمن، إنه بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، أو لأن أثمن ما يملكه الإنسان هو الزمن.

 

 

ما مضى فات والمؤمل غيب  ولك الساعة التي أنت فيها
***

 ويأتي جواب القسم:

 

﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

( سورة العصر )

 من هو الإنسان الخاسر ؟ إنه أي إنسان لأن ( أل ) تفيد استغراق جنس الإنسان وكيف يخسر الإنسان ؟ ولماذا ؟

 

2 ـ الخسارة الحقيقية أن يخسر الإنسان رأس ماله:

 ألم نقل: إن الإنسان زمن، أو إن أثمن ما يملكه هو الزمن، أو إن رأس ماله هو الزمن، وهل الخسارة الحقيقية في التجارة إلا أن يخسر الإنسان رأس مال ؟ والزمن يعني الحركة نحو هدف ثابت، وهو الموت، أليست هذه الحركة التي هي مضي الزمن تستهلك عمر الإنسان، ورأس ماله ؟
خسارة الإنسان تعني أن الزمن يستهلكه ويقربه من أجله فإذا بلغ أجله، ووصل العد التنازلي إلى الصفر، انتهى الإنسان واستهلكه الزمن، وأصبح خبراً بعد أن كان مخبراً، قال الشاعر:

حكم المنية في البرية جــار  ما هذه الدنيا بدار قــرار
بينا يُرى الإنسان فيها مُخبراً  حتى يُرى خبراً من الأخبار
***

 ولقد شاءت إرادة الله وحكمته أن يكون الموت نهاية كل حي:

 

فكل مخلوق يموت  ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت

 

والليل مهما طـــال  فلا بد من طلوع الفجر
والعمر مهما طـــال  فلا بد من نزول القبر
***

كل ابن أُنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلة حدباءَ محمولُ
فإذا حملت إلى القبور جنـازة  فاعلم بأنك بعدها محمــولُ
***

 إذاً: فرأس مال الإنسان عُمُره، ومضي الزمن وحده.. مضي الثواني والدقائق والساعات، مضي الأيام والشهور والسنوات، يستهلك رأسماله شيئاً فشيئاً، فإذا استهلكت حركة الزمن كل عمره، فَقَدَ رأسماله، وتحقَّقت خسارته، قال تعالى:

﴿ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾

( سورة الزمر )

 وقال تعالى:

﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا(105)ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا ﴾

( سورة الكهف )

 خسارة الإنسان أن ينفق عمره الذي هو رأسماله الوحيد إنفاقاً استهلاكياً في غير ما خلق له.
 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال في خطبته:

 

(( أيها الناس، لا خير في العيش إلا لعالم ناطق، أو مستمع واعٍ، أيها الناس، إنكم في زمن هدنة، وإن السير بكم لسريع، وقد رأيتم الليل والنهار يُبليان كل جديد، ويُقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، فقال له المقداد: يا رسول الله، وما الهدنة ؟ قال: (( دار بلاء وانقطاع، فإذا التبست عليكم الأمور، كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن، فإنه شافع مشفَّع، وشاهد مصدق، فمـن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، وهو أوضح دليل إلى خير سبيل، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل ))

 

[ ذكره الهندي في كنز العمال عن علي ]

 أما إذا أنفق الإنسان الوقت فيما خُلق له من معرفة لله، والتزام بمنهجه، ودعوة إليه، وصبر على كل ذلك فقد تلافى الخسارة، بل حقق ربحاً مجزياً، قال تعالى:

﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

( سورة العصر )

3 ـ لابد من الإيمان في الوقت المناسب:

 فالإيمان معرفة الله من خلال آياته الكونية، والتكوينية، والقرآنية، وتصديق بما أنزل على رسوله، من وحي متلو وغير متلو، ثم الاتصال به اتصالاً محكماً، يكون أساساً لإشراق الحقائق في النفس واصطباغها بالكمالات الإنسانية، وانغماسها في سعادة روحية، عندئذ يصبح الإيمان أساس الفضائل، ولجام الرذائل، وقوام الضمائر، وسند العزائم في الشدائد، وبلسم الصبر عند المصائب، وعماد الرضى بالحظوظ، ونور الأمل في الصدور.

 

4 ـ العمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان:

 والعمل الصالح هو الثمرة الطبيعية للإيمان، لأن الإيمان حقيقة إيجابية متحركة، فما إن تستقر في النفس حتى تسعى بذاتها إلى تحقيق ذاتها في صورة عمل صالح، فإن لم يتحرك هذه الحركة الطبيعية، فهو مزيف أو ميت، لأن الإيمان ليس انكماشاً وسلبيةً وانزواءً، وليس مجرد نوايا طيبة لا تتمثل في حركة أو عمل.

5 ـ التواصي بالحق ضرورة:

 والتواصي بالحق ضرورة، لأن النهوض بالحق عسير، والمعوقات عن الحق كثيرة، والتواصي بالحق: حق الفرد على الجماعة، أو حق الجماعة على الفرد، وهو حركة الحق في اتجاه النمو، ومحاصرة الباطل، وما من أحد في المجتمع المسلم أصغر من أن يوصي بالحق، وما من أحد أكبر من أن يصغي إلى الحق وهو يُسدى إليه، وإذا كان التواصي بالحق ضرورة للنهوض به وتوسيع رقعته، فإن التواصي بالصبر ضرورة للحفاظ عليه ومنع انكماشه وتراجعه.

 

6 ـ في القرآن الكريم إشارات لطيفة ودقيقة إلى قيمة الوقت في حياة الإنسان:

 في القرآن الكريم إشارات لطيفة ودقيقة إلى قيمة الوقت في حياة الإنسان، وحضٌّ على الاستفادة منه، ونهيٌ عن الغفلة والتسويف وما كلمات ( سارعوا ) و( سابقوا ) إلا تأكيد لهذه المعاني، قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

( سورة البقرة )

 تُشير هذه الآية إلى أن وجهة الإنسان الصحيحة، أو المنحرفة، ومواقفه المشرفة، أو غير المشرفة، وأعماله الصالحة أو الطالحة هي من كسبه وحده:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

( سورة البقرة )

 وسوف يُسأل عنها ويُجازى عليها، قال تعالى:

 

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(92)عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾

 

( سورة الحجر )

 وإن هذه الحرية في الكسب، هي التي تثمِّن عمله، إذ لولاها لما كان لأعماله من قيمة، ولما سعد بها وهذه الحرية في الكسب التي هي سر سعادته، فرصة ثمينة لا تتكرر، ولا تُعوض، مرتبطة بعمر الإنسان، وتنتهي بالموت، لذلك أكدها ربُّنا بكلمتين الأولى:

﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾

 والثانية:

﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمْ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾

 تنتهي حرية الكسب، ويختم العمل ليجازى الإنسان.

 

خصائص الوقت :

 هذا الوقت الذي هو رأسمال الإنسان، له خصائص منها:

1 ـ سرعة انقضائه:

 فهو يمر مرَّ السحاب، ويجري جري الرياح، سواء أكان زمن مسرةٍ أو فرح، أم كان زمن اكتئاب وترح، وإن كانت أيام السرور تمرُّ أسرع، وأيام الهموم تسير أبطأ، لا في الحقيقة، ولكن في شعور صاحبها، ومهما طال عمر الإنسان، فهو قصير، مادام الموت نهاية كل حي.
وعند الموت تنكمش الأعوام والعقود، حتى لكأنها لحظات كالبرق الخاطف، قال تعالى:

 

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾

 

( سورة يونس )

2 ـ ما مضى منه لا يعُود ولا يُعوَّض:

 ومن خصائص الوقت أن ما مضى منه لا يعود ولا يُعوض، قال الحسن البصري: " ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: يا بن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة ".
 ولما كان الوقت سريع الانقضاء وكان ما مضى منه لا يرجع ولا يعوض كان الوقت أنفس وأثمن ما يملك الإنسان، وترجع نفاسة الوقت إلى أنه وعاء لكل عمل، فهو رأسمال الإنساني الحقيقي، إنه الحياة من ساعة الميلاد إلى ساعة الوفاة، قال الحسن البصري: " يا ابن آدم إنما أنت أيام مجموعة، كلما ذهب يوم ذهب بعضك ".

موقفان خطيران: ساعة الاحتضار، اليوم الآخر:

 ومن جهل قيمة الوقت فسيأتي عليه حينٌ يعرف قيمته ونفاسته، ولكن بعد فوات الأوان، وقد ذكر القرآن موقفين يندم فيهما الإنسان على ضياع وقته، حيث لا ينفع الندم:
 الموقف الأول: ساعة الاحتضار، حين يودع الدنيا، ويستقبل الآخرة، ويتمنى لو مُنح مهلة من الزمن وأُخر إلى أجل قريب، ليُصلح ما أفسد، وليتدارك ما فات.. قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ(9)وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ(10)وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة المنافقون )

 ويأتي الرد على هذه الأمنية الفارغة قاطعاً ومانعاً، بقوله تعالى:

﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة المنافقون )

 الموقف الثاني: في الآخرة، حيث تُوفى كل نفس ما عملت، وتُجزى بما كسبت، ويدخل أهل الجنة الجنةَ، وأهل النار النارَ، هناك يتمنى أهل النار لو يعودون إلى دار التكليف، ليعملوا عملاً صالحاً، ولكن هَيهات هيهات، فقد انتهى زمن العمل، وجاء زمن الجزاء، يقول تعالى:

 

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ(36)وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾

 

( سورة فاطر )

القرآن يحذر من الغفلة والتسويف:

 والقرآن يحذر من الغفلة أشد التحذير، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنْ الْجِنِّ وَالْإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمْ الْغَافِلُونَ ﴾

( سورة الأعراف )

 وآفة أخرى هي التسويف، قال الحسن البصري رحمه الله: " إياك والتسويف، فإنك بيومك، ولست بغدك، فإن يكن غدٌ لك فكن في غد كما كنت في اليوم، وإن لم يكن لك غد لن تندم على ما فرطت في اليوم ".
 وقيل لعالم: أوصنا، قال: " احذروا ( سوف ) فهي جند من جنود إبليس ".

 

تزود من التقوى فإنك لا تدري  إذا جنّ ليل هل تعيش إلى الفجـر
فكم من سليم مات من غير علة  وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر
وكم من فتى يُمسي ويُصبح آمناً  وقد نُسجت أكفانه و هو لا يـدري
***

 عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الأَوْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

 

 

(( لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ ))

 

[ رواه الحاكم وصححه ]

***

الخطبة الثانية:

طول العمر:

 

1 ـ طول العمر مع العمل الصالح نعمة من الله:

 أكثر الناس يدعون لمن يحبونهم، أو لمن يُسدي لهم معروفاً، يدعون له بطول العمر، وهل يطول العمر ؟ وإذا كان العمر يطول فما الذي يطيله ؟
إن الإنسان مفطور على حب وجوده، وعلى سلامة وجوده، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده، قال تعالى:

﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ﴾

( سورة البقرة )

 والدين نفسه يعدّ طول العمر نعمة إذا اقترن بالعمل الصالح، فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم:

 

(( أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ ؟ فَقَالَ: طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ ))

 

[ رواه الترمذي عن عبد الله بن بسر، وقال: حديث حسن ]

2 ـ العمر محدود، والموت ينغص على الإنسان حياته:

 لكن الموت ينغص على الإنسان حياته، فكثيراً ما يختطف الشاب، وهو في ريعان شبابه، والعروس ليلة زفافها، والوحيد لمدلل من بين يدي أهله، والغني المترف من أحضان نعمته، والقوي المرهوب من بين يدي خدمه وحشمه، لهذا سُمي الموت هادم اللذات، مُفرِّق الأحباب، مُشتت الجماعات، وفي الحديث الشريف عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيه وسَلَّم: قَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ:

(( يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَأَحْبِبْ مَنْ أَحْبَبْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ لاَقِيهِ ))

[ قال العجلوني في كشف الخفاء: رواه أبو الشيخ وأبو نعيم والحاكم وصحح إسناده، وحسنه العراقي]

 ولم يصل الطب الذي وصل إلى زرع قلب مكان قلب، ولا العلم الذي وصل بالإنسان إلى سطح القمر أن يُقاوم الهرم، ويُعيد إلى الشيخ الشباب بعد أن رُدَّ إلى أرذل العمر، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً ))

 

[ أخرجه البخاري ]

 إذاً: فما دام عمر الإنسان محدوداً بهذه الصورة فأنى له أن يُطيله ؟ وكيف يستطيع ؟

 

3 ـ عمر الإنسان الحقيقي هو حجم عمله الصالح الخالص:

 الحقيقة أنه ليس عمر الإنسان الحقيقي هو تلك السنوات التي يعيشها الإنسان من يوم ولادته إلى يوم وفاته، إن عمره الزمني أتفه أعماره، إنما عمره الحقيقي هو حجم العمل الصالح الخالص لله عز وجل.
 قال صاحب الحكم: " رُبَّ عُمُرٍ اتَّسعت آماده، وقلَّت أمداده، ورُبَّ عُمُرٍ قليلةٌ آماده، كثيرة أمداده، ومن بورك له في عمره، أدرك في يسير من الزمن من المنن ما لا يدخل تحت دائرة العبارة، ولا تلحقه وَمضةُ الإشارة ".
 لهذا ورد في بعض الأدعية:

(( لا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله علماً، ولا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله قُرباً ))

[ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ٍ، و]

 فالإنسان يستطيع أن يُطيل عمره بمقدار ما يُوفقُ إليه من عباده الله تعالى، والإحسان إلى خلقه، وكلما توافر لعمله الإخلاص والإتقان كان الأحر والفضل أعظم عند الله.
 وكلما اتسعت رقعة العمل فشملت أعداداً كبيرة من البشر حتى دخلت فيه الأمم والشعوب، وكلما امتد أمد العمل، وطال حتى توارثت ثماره أجيال وأجيال، وكلما تغلغل العمل في كيان الإنسان كله المادي والنفسي والاجتماعي والروحي، حتى تحقق به وجود الإنسان وتألقت من خلال إنسانيته، وكان كما أريد له أن يكون إذاً كلما اتسعت رقعة العمل وعمَّ خيره وطال أمده، واشتد تأثيره كان أعظم عند الله.
 النبي صلى الله عليه وسلم أخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن دركات الجاهلية إلى أعلى مراتب الإنسانية، وغير وجه التاريخ البشري كله، إلى اليوم وإلى ما شاء الله، في ثلاث وعشرين سنة أقام فيها دينا جديداً، وربى عليه جيلاً فريداً، وأنشأ أمة مثالية، وأسس دولة عالمية في هذا الزمن اليسير، على الرغم من كل الصعوبات والمعوقات التي اعترضت سبيله من أول يوم.

 

العمل الصالح تزداد أهميته بالمعوقات وفساد المجتمعات:

 

 ويزداد ثقل العمل في ميزان الحق، وتتضاعف قيمته ومثوبته عند الله كلما كثرت المعوقات في سبيله، وعظمت الصوارف عنه قلّ المُعين عليه.
 ويزداد ثقـل العمل في ميزان الحق وتتضاعف قيمته ومثوبته عند الله حينما تفسد المجتمعات، وتضطرب الأحوال، فيجور الأمراء، ويتجبر الأقوياء، ويترف الأغنياء، ويداهن العلماء، وتشيع الفاحشة، ويظهر المنكر، ويختفي المعروف، عَن مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))

[ أخرجه مسلم، والترمذي ]

4 ـ للإنسان أن يطيل عمره بعد موته:

 وهنا محلُّ الإشارة إلى أن الإنسان إذا رُزق التوفيق في إنفاق وقته يستطيع أن يُطيل عمره إلى ما شاء الله بعد موته، فيحيا وهو ميت، ويؤدي رسالةً وهو تحت التراب، ففي الحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

[رواه مسلم عن أبي هريرة]

 وفي حديث آخر تضمن تفصيلات لهذه الثلاث، فعَن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ: عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ ))

 

[رواه ابن ماجه، وابن خزيمة في صحيحه ]

 وأخرج مسلم في صحيحه:

 

(( مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ كُتِبَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا وَلَا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ ))

 

[رواه مسلم، والنسائي عن جرير ]

 ويلٌ لمن انقضت آجالهم وآثامهم باقية من بعدهم:

 وويل لمن انقضت آجالهم وضلالاتهم وآثامهم باقية من بعدهم، وهنيئاً لمن كانوا تحت الثرى، والناس مهتدون بهديهم سعداء بأعمالهم.
 يقول الإمام علي كرم الله وجهه: << إنه ليس شيء شر من الشر إلا العقاب، وإنه ليس شيء خير من الخير إلا الثواب، وكل شيء في الدنيا سماعه خير من عيانه، وكل شيء في الآخرة عيانه أعظم من سماعه، فليكفكم من العيان السماع، ومن الغيب الخبر، واعلموا أن ما نقص من الدنيا، وزاد في الآخرة خير مما نقص من الآخرة، وزاد في الدنيا، فكم من منقوص رابح، وكم من مزيد خاسر، واعلموا أن الذي أمرتم به أوسع من الذي نهيتم عنه، وما أحل لكم أكثر مما حُرم عليكم، ذروا ما قل لما كثر، وما ضاق لما اتسع وقد تُكُفِّل لكم بالرزق، وأمرتم بالعمل، فلا يكن المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم، فبادروا العمل، وخافوا بغتة الأجل >>.

[ نهج البلاغة ]

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018