بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 5 - سورة المدثر - تفسير الآية31 معرفة الله من خلال أفعاله و كلامه


1998-01-16

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام: مع الدرس الخامس من سورة المُدَّثِر، ومع الآية الكريمة الواحدة والثلاثين وهي قوله تعالى:

﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَاناً وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31)﴾

(سورة المدثر )

ولاء الملائكة لله عز وجل:

 تروي كتب التفسير أن أبا جهل قال: أيعجز كل مئة منكم أن يبطش بواحدٍ منهم، هؤلاء التسعة عشر ؟ أيعجز كل مئة منكم أن يبطش بواحدٍ منهم ؟ ثم تخرجون من النار، تفكير عميق جداً أن مئة لواحد فقال الله عزَّ جل:

 

﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾

 

(سورة المدثر: آية " 31 )

 من جنس آخر، لا من جنس البشر، إذا بدا جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام ملء الأفق، فهؤلاء الملائكة ليسوا من جنس البشر، وقد حلل بعض علماء التفسير حكمة أن الذين يعذِّبون الكُفَّار في النار ليسوا من جنسُ البشر، لأنهم لو كانوا من جنسهم لكان في مقاربة في القوة فقد يغلب المعذَّب المعذِّب، ولو كانوا من جنسهم لتعاطفوا معهم، ولو كانوا من جنسهم لما كانوا في نُصرة لله عزَّ وجل، فالملائكة من جنسٍ آخر، لا يتعاطفون مع هؤلاء العُصاة الفُجَّار، كما أن ولاءهم لله وحده، فلا يمكن أن يكون هناك تخفيف.

 

عدم تعاطف الملائكة مع الكفار:

 أحياناً يأتي أمر بإيقاع عذاب معين بشخص، المنفذ قد يخفف هذا الأمر، قد يأتي بربعه، قد يعذِّب عذاباً شكلياً إذا في تعاطف، فإذا توهَّم أبو جهل أن كل مئة من كفار قريش يصرعون واحداً من هؤلاء التسعة عشر فتفكيرٌ مضحكٌ سخيف، قال:

 

 

﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾

 

 الملائكة ليسوا متعاطفين مع هؤلاء العُصاة الكفار، ولاؤهم لله وحده، لو كانوا من جنسهم لتعاطفوا معهم، ولا يمكن بحال أن يخفف الملائكة بعض العذاب عن هؤلاء، الآية الكريمة:

﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)﴾

(سورة التحريم )

 فليس من الحكمة أن يكون هذا الذي كُلِّف بتعذيب هؤلاء لطيف.

 

﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6)﴾

 

معرفة الله من خلال خلقه:

 إذاً: هذا التفكيرٌ المحدود وينمُّ عن جهل، ولكن أنا أريد أن أقف وقفةً توَضِّح أعماق هذه الآية، الله جلَّ جلاله لا بدَّ من أن نعرفه، هناك طرق لمعرفته، إنَّ أسلم الطرق وأنجعها أن تعرفه من خلال خلقه، ترى عظمةً ما بعدها عظمة، ترى حكمةً ما بعدها حكمة، ترى دقةً ما بعدها دقة، ترى نظاماً ما بعده نظام، ترى إعجازاً ما بعده إعجاز، أما لو أن المشاهد جَهِلَ، غفل عن معرفة الله من خلال خلقه وأراد أن يعرفه مثلاً من خلال أفعاله، فالطريق شائك، هذا الطريق محفوف بالألغام، ماذا يرى المشاهد ؟ يرى مجاعة، ويرى عدوان، ويرى تَصَحُّر، ويرى نقص مياه في العالم، ويرى فقر شديد، فإن أردت أن تعرف الله من خلال أفعاله هذا الطريق يوصل ولكن بصعوبة، سالك بصعوبة، فيه ألغام كثيرة، وإن أردت أن تعرف الله من خلال كلامه فقط تقرأ الآية الكريمة:

 

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾

 

(سورة السجدة: آية " 13 )

 تقع في إشكال، أي أن الله عزَّ وجل ما شاء أن يهدي الناس، لو شاء لهداهم، فلذلك طريق معرفة الله من خلال كلامه طريق يحتاج إلى تَبَصُّر، من هنا قال أصحاب رسول الله رضي الله عنهم أجمعين: "أوتينا الإيمان قبل القرآن ".
 هناك آيات كثيرة شاءت حكمة الله أن تكون متشابهة.

 

التفكر في خلق السماوات و الأرض:

 

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(13)﴾

(سورة السجدة )

 فإذا الإنسان ما له معرفة بالله عميقة جداً يقع في إشكال مع هذه الآية، مع أن معنى هذه الآية دقيق جداً: أي يا عبادي لو أردت أن أُلغي اختياركم، وأن أُلغي تكليفكم، وأن أُلغي حمل الأمانة، وأن أجعلكم كبقية المخلوقات التي لا اختيار لها، وأجبرتكم على شيءٍ ما، لما أجبرتكم إلا على الهدى.

 

﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾

 

 لكن هذا المعنى الدقيق هذا لا يفهم إلا بعد مرحلة متقدِّمة من الإيمان، فربنا عزَّ وجل شاءت حكمته أن يكون في كتاب الله بعض الآيات المتشابهة، هذه تحتاج إلى إيمان قبل أن تقرأها.

﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

(سورة فاطر: آية " 8 )

 هكذا قد تفهم هذا الآية على نحوٍ ما أراده الله عزَّ وجل، إذاً الطريق السليم الآمن الموصل الذي لا يوجد فيه أخطار، ما فيه ألغام، ما فيه مفاجئات أن تتفكر في خلق السماوات والأرض، أبو جهل اسم على مسمَّى.

 

﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾

 

الإنسان الغافل عن الله لا يفهم القرآن المبين:

﴿ عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) ﴾

 هم قلة، نحن أكثر، كل مئة على واحد يصرعونه ويخرجون من جهنم، هذا أراد أن يعرف الله من خلال كلامه وإيمانه صفر، أما إذا آمنت بالله إيماناً عميقاً عندئذٍ أنت أقرب الناس.
 ذكرت قبل يومين أن القرآن الكريم لا يكفي أن تتقن العربية لفهمه، لأن الله عزَّ وجل قال:

 

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199)﴾

 

(سورة الشعراء )

 نزَّلنا هذا الكتاب على إنسان فارسي أو على إنسان تركي أو على إنسان صيني، فقرأ عليهم هذا القرآن باللغة الصينية أو الفارسية أو التركية، لا يفقهون شيئاً، قال:

 

﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200)﴾

 

(سورة الشعراء )

 أي أن هذا القرآن العربي المبين الواضح المعجز إذا الإنسان قرأه وهو غافل عن الله، بعيد عن الله، بعيد عن الاتصال بالله، يفهمه كما يفهم كتاباً باللغة الفارسية.

 

﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199) كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200)﴾

 

(سورة الشعراء )

 الله عزَّ وجل قال:

 

﴿أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44)﴾

 

(سورة فصلت )

 وقال:

 

﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾

 

(سورة فصلت )

 وقال:

 

﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً (82)﴾

 

(سورة الإسراء )

 فهو عمى على الكفار ويزيد الظالمين خساراً لأنه يُنادى من مكانٍ بعيد، والله عزَّ وجل يبيِّن أنه لا بدَّ من أن تؤمن بالله قبل أن تقرأ كلامه.

 

الإيمان شرط للوصول إلى الله:

 أنت أحياناً تلتقي بإنسان لا تعرف عنه شيء إطلاقاً، قال لك: أنا معي ألف مليون، تضحك من هذا الكلام، لو تعرف حجمه المالي حقيقةً لما ضحكت، لذلك الطريق إلى الله ؛ طريق كلامه يحتاج إلى إيمان مسبق، وطريق أفعاله يحتاج إلى إيمان مسبق، طريق أفعاله حقل محفوف بالألغام، أنت ماذا ترى ؟ ترى مشكلات في العالم، ترى دول متجبِّرة ودول مقهورة، ترى مجاعات، ترى فيضانات، ترى سيول، ترى زلازل، ترى براكين، ترى أعاصير، ترى شحاً في المياه، ترى حروب طاحنة، ترى حروب أهلية تدوم أربعين عام أحياناً، الحرب العالمية الثانية فيها خمسين مليون قتيل، فقد تأخذ صورة غير صحيحة، هناك حكمٌ ما بعدها حِكَم، العبرة أن توحِّد، أن ترى يد الله تفعل في كل شيء، فلذلك الله جعل لنا مثلاً قال:

 

 

﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)﴾

 تسعة عشر ملكاً، فجاء إنسان غافل عن الله وقال: هؤلاء قلة، نحن نغلبهم وننجو من هذا العذاب.

 

 

آيات الله امتحان للإنسان:

 قال الله عزَّ وجل:

 

 

﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾

 

 ما معنى فتنة ؟ أنت أحياناً تقول كلاماً واضحاً كالشمس، لكن هناك كلام له فائدة، يوجد كلام تمتحن به الآخرين، مثلاً لو قلت لك: أعطي فلاناً ألف درهمٍ، شيء واضح لا يوجد معه مشكلة، أما أعطي فلاناً ألف درهمٍ ونصفه. هنا تدخل النفوس، البخيل يقول لك: ألف ونصف درهم، لأن الهاء تعود على الدرهم، أما الكريم يقول لك: ألف و خمسمئة لأن الهاء تعود على الألف، فهذا كلام احتمالي لكن في الوقت نفسه فيه امتحان، الله عزَّ وجل يمتحن هذا الإنسان، فربنا عزَّ وجل يقول:

﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾

 تصور مثلاً حقل سباق، نأتي بمئة حصان مثلاً كلها تجري في هذا الحقل، لو وضعنا عقبة (مرتفع) فبعض هذه الأحصنة لا تستطيع تخطي هذه العقبة، العقبة ما فائدتها ؟ هذه تعطي فرزاً، فمنهم خمسة ضعاف ما أمكنهم تجاوز هذه العقبة، لو رفعنا العقبة سقطوا عشرين، لو رفعناها أكثر سقطوا خمسين، لو رفعناها أكثر وأكثر سقطوا تسعين، فهذه العقبات التي توضع أمام الخيول في أثناء جريها هي فارزة لها، فربنا عزَّ وجل أنزل هذا الكتاب على النبي الكريم، يوجد آيات تفرز المؤمنون، ويوجد آيات متشابهة، إنسان ميَّال للربا، مُصِر عليها، يقرأ قوله تعالى:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130)﴾

 

(سورة آل عمران )

 أنا آكله ضعفاً واحداً (نسبة قليلة)، فأنا لست معنياً بهذه الآية، يفهمها كما يريد، كما يحلو له، فالقرآن الكريم فيه أيضاً امتحان، لذلك قالوا: تؤخذ ألفاظه من حُفَّاظه، وتؤخذ معانية ممن يعانيه، القرآن يحتاج إلى قرب من الله، القرآن يحتاج إلى إيمان بالله، القرآن يحتاج إلى أن تعرف من هو المتكلم ؟ خالق السماوات والأرض.

 

معرفة الله من خلال أفعاله و كلامه:

 من هنا قال بعض الصحابة الكرام: " أوتينا الإيمان قبل القرآن، لمّا آمنا بالله فهمنا كلامه فهماً صحيحاً وكنا في المستوى الذي ينبغي ".
 كذلك إذا نظرت في أفعاله قد تجد أمراضاً وبيلة، قد تجد طفلاً مات في المهد، قد تجد شاباً مات في حادث عمره ثلاثين سنة لم يتزوَّج، إنسان عمر مئة وثلاثين، قد تتساءل، لذلك لا تستطيع فهم أفعاله إلا بعد معرفته:
 مثل بسيط: لو طفل رأى طفلاً يضربه رجل يقول لك: هذا الرجل ظالم، أما لو رجل رأى رجلاً يضرب ابنه، يقول لك: يربِّيه، اختلف، الطفل توهَّم أن هذا الإنسان يظلمه، أما الرجل الذي عنده مشاعر الأبوَّة علم أن هذا الرجل يؤدِّب ابنه لذنبٍ كبير حتماً، ما الذي جعله يفهم صواب فعل الرجل ؟ قربه منه.
 الذي أريد أن أقوله هنا: خطر كبير أن تعرف الله من خلال أفعاله فقط، لأنه لا يمكن أن تفسِّرها إلا بحالة واحدة أن يكون لك علمٌ كعلمه، وهذا مستحيل، هناك أمثلة كثيرة جداً، فإنسان قد يجد مرضاً عضالاً ألَمَّ بإنسان فسحقه سحقاً، أنت لا تعرف عن هذا الإنسان شيئاً، قد يكون هذا عقاباً له، وقد يكون ترقية، هناك حكمةٌ.

 

 

تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة:

 نحن لدينا قاعدة: كل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق، هذا السطر يحل مليون مشكلة، كل شيء وقع يجب أن تؤمن إيماناً جازماً أن الله أراده، الدليل: لو لم يرده لما وقع، لأنه لا يقع شيءٌ في ملك الله إلا إذا أراده الله، مستحيل ما دام وقع.
 وتوجد مقولة رائعة جداً: لكل واقعٍ حكمة، قد يكون الذي أوقع هذا الشيء غير حكيم، أحمق، مجرم، لكن ما دام هذا الشيء قد وقع فليس لكل موقعٍ حكمة، لكن لكل واقعٍ حكمة، الشيء الذي وقع هناك حكمةٌ ما بعدها حكمة منه، قد نعرفها وقد لا نعرفها، قد نكشفها وقد لا نكشفها، قد نكشفها بعد حين، وقد نكشفها بعد أمدٍ طويل، وقد لا نكشفها، نحن غير مكلَّفين أن نستقصي حكمة الله من أفعاله فهذا فوق طاقة البشر.

 

 

لكل واقع حكمة:

 قصة ذكرتها كثيراً لكن الآن تفيدنا كثيراً: إنسان استوقفني مرة بالطريق قال لي: فلان خرج من بيته إلى دكانه في أحد أسواق دمشق الشهيرة المغطاة وسمع إطلاق رصاص اثنان يتشاجران، مد رأسه فإذا برصاصةٍ تستقر في عموده الفقري تشلُّه فوراً، فهذا الإنسان فكَّر

 

﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18)﴾

 ليس له ذنب، إنسان برئ جاء إلى هذا المحل التجاري وهو محله ليفتح المحل وليبيع وليشتري ويكسب قوت أولاده، قال لي: ماذا فعل ؟ أجبني، قلت له: أنا ليس لدي جواب، أنا غير مكلف أن أستقصي حكمة أفعال الله كلها، فهذا فوق طاقتي.
 أنا مؤمن إيماناً إجمالياً أن الله حكيم وعادل ورحيم، أما هذه بالذات أنا لا أعرف تفسيرها، طبعاً حكمة إلهية الله سخرها، بعد عشرين يوماً أحد إخواني الكرام قال لي: أنا ساكن في الميدان بالمحل الفلاني، لنا جار بالطابق الأعلى أو الأدني لا أذكر آكل مال أيتام، مال أولاد أخيه، والمبلغ كبير ويساوي ثمن بيت، وأولاد أخيه في أمسِّ الحاجة لهذا المال ليشتروا بيتاً به، يمتنع عن إعطاء حقهم، شكوه لأحد علماء دمشق توفِّي رحمه الله، فاستدعاه وحضَّه على دفع ما عليه فرفض، قال لي: بالضبط قال لهم: يا بني إيَّاكم أن تشكوه إلى القضاء فهذا لا يليق بكم ولا به هو عمكم والعم والد، اشكوه إلى الله، هذا الكلام تم في الساعة التاسعة مساءً، هذا الشخص نفسه الذي نزل إلى محله التجاري وسمع إطلاق رصاص بين اثنين متشاجرين ومد رأسه ليرى ما الخبر ؟ فإذا برصاصة تستقر في عموده الفقري. أنا لا أعلم الحكمة وقتها، لكن أُتيح لي لحكمةٍ أرادها الله أن يأتي إنسان يعطيني هذه القصة التي فسَّرت لي الحدث الأخير.

 

امتحان الله للإنسان في الدنيا من أجل أن يتوب إليه:

 من الصعب أن تعرف الله من أفعاله، الله له حكم.
 يوجد شيء ثان أهم بكثير، هذه الدنيا محدودة، الله خلقنا لجنةٍ عرضها السماوات والأرض، فربنا أحياناً يُضَحِّي لنا بدنيانا من أجل أن نتوب إليه، فأصحاب الجنة أتلف كل محاصيلهم، محصول ثمنه خمسمئة ألف فرضاً تجده كله منتهٍ ؟ دَمَّر كل محاصيلهم، ليقولوا:

 

 

﴿ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) ﴾

 

(سورة القلم)

 ليقولوا هذه الكلمة وليتوبوا إلى الله.
 فأنت إذا كنت غنياً كبيراً أو عندك ابن صغير ومعلِّق عليه آمالاً كبيرة، وفحصه على الأبواب و يلعب بلعبة، واللعبة غالية وأنت غني فجئت ودهستها برجلك حطمتها برجلك، قلت له: ادرس، والطفل متعلق بهذه اللعبة، بكى بكاءً مراً من أجلها، شيء ثمين عنده، لكن عند الأب ليس لها قيمة، سحقها وحطَّمها من أجل أن يلتفت إلى دراسته، إلى مستقبله، فالدنيا على الناس غالية كثيراً.
 إنسان يفلس، إذا كان لا يصلي وبعد أن فلس صار يصلي فقد ربح ربحاً كبيراً، إنسان لا يوجد فيه دين، بعد ما جاءه شبح مرض مخيف فتاب، ربح ربحاً كبيراً، المرض شر نسبي، والتفليسة شر نسبي، ومحله احترق شر نسبي، أما في منظور الله عزَّ وجل الله ناظر إلى الآخرة، خير مطلق.

 

تعلق حكمة الله بالخير المطلق:

 أول نقطة إخوانا الكرام: كل شيء وقع أراده الله، لأن لكل واقعٍ حكمة، ما دام وقع في حكمة، قد يكون الفاعل أحمق، قد يكون مجرماً فلا يهمنا، ما دام الله سمح له أن يفعل إذاً لكل واقعٍ حكمة، كل شيءٍ وقع أراده الله، بالعكس كل شيءٍ أراده الله وقع أي:

 

 

﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾

 

(سورة الرعد: آية " 11 )

 مهما كانوا أقوياء يتهافتون كبيت العنكبوت، فقلعة من قلاع الإلحاد تداعت كبيت العنكبوت، فلا أحد عند الله قوي، الله هو القوي، إذاً إذا أراد شيئاً وقع، الله عزَّ وجل فعَّالٌ لما يريد، الذي أراده يقع، والذي وقع أراده.
 الآن: إرادته متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، أي أن هذا الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، أو لو وقع على خلاف ما وقع لكان الله ملوماً، أو لعُدَّ هذا نقصاً في حكمته، والذي وقع أراده الله، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق، اسمع قوله تعالى:

 

﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾

 

(سورة آل عمران )

﴿ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

 لو قال: والشر اختلف المعنى، إيتاء الملك خير، ونزعه خير، تعز من تشاء خير، تذل من تشاء خير.

 

﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾

 

الكون هو الطريق الآمن لمعرفة الله تعالى:

 هذه المُقدمة أيها الإخوة الطريق السليم الآمن لمعرفة الله الكون، أقصر طريق إلى الله وأوسع باب.

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(191)﴾

 

( سورة آل عمران )

 هل تريد أن تكون معطِّلاً لكتاب الله لا سمح الله ولا قدر ؟ لما ربنا عزَّ وجل يقول لك:

 

﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)﴾

 

(سورة الغاشية )

 هذا أمر إلهي.

 

التفكر في خلق الإنسان لمعرفة قدرة الله:

 يوجد عندنا قاعدة أصولية: كل أمرٍ يقتضي الوجوب.

 

 

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً (25)﴾

 

(سورة عبس )

 تحلية لتر ماء يكلِّف خمس عشرة ليرة، فهذا الماء الذي تشربه محلى، مصفى، فرات، عذب، من جعله عذباً فراتاً وكان ملحاً أجاجاً ؟ انظر إلى طعامك، وإلى شرابك.

 

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5)﴾

 

(سورة الطارق )

 باللقاء الزوجي يوجد خمسمئة مليون حوين، والحوين يوجد عليه مليون معلومة مبرمجة، الخمسمئة مليون حوين بسنتيمتر مكعب، أو اثنين سنتيمتر مكعب، والحوين الواحد عالم قائم بذاته والبويضة قال تعالى:

 

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ(8)﴾

 

(سورة الطارق )

التفكر في الآيات الكونية للوصول إلى الله:

 اجمع الآيات التي تتحدث عن الكون تقريباً ربع القرآن، فإذا الإنسان لم يفكر في هذه الآيات عطَّلها، عَطَّل رُبع كتاب الله، هذا خطأ كبير، طريق معرفة الله من خلال الكون طريق آمنة وسالكة، والكون أوسع بابٍ للدخول منه إلى الله وأقصر طريقٍ إليه، في طريقين اثنين، طريق أفعاله طريق ضيِّق ومحفوف بالألغام وسالك بصعوبة، فيه مشكلات، في حروب، في فقر، يوجد قوي ويوجد ضعيف، يوجد ظالم ويوجد مظلوم، يوجد فروقات اجتماعية كبيرة جداً هذه لا تعرف حكمتها إلا أن يكون لك علمٌ كعلم الله، وكلامه:

 

﴿الم (1)﴾

 

(سورة البقرة )

 الله أعلم بمراده.

 

القرب من الله يقودنا إلى التفسير الصحيح:

 بعضهم قال:

 

 

﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)﴾

 لماذا ليسوا عشرين ؟ عشرين رقم صحيح، تسعة عشر، يوجد أشياء تتحدى عقل البشر، فهذه المقدِّمة: إذا أردت أن تعرف الله ابدأ بمعرفته من خلال خلقه، بعد ذلك أصبح عندك نوراً، هذا النور يكشف لك أفعاله، مثل بسيط: طفل صغير رأى طفلاً يضربه أبوه، قال: هذا أبوه ظالم، لأنه رؤيته محدودة جداً، أما صديق الأب يعلم علم اليقين أن ابنه ارتكب ذنباً كبيراً وهو يؤدِّبه ويضربه رحمةً به، اختلف التفسير، فكلما كنت أقرب إلى الله كان التفسير أوضح وأصح، وكلما كنت أبعد كان التفسير خطأ، هذا عن أفعاله، وعن كلامه أيضاً الصحابة قالوا: " أوتينا الإيمان قبل القرآن "، هذا معنى قوله تعالى كل هذا التمهيد:

 

 

﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾

 

اختبار الله العباد لفرزهم:

 عملية فرز، اللهم صلِ على سيدنا محمد بعثه الله رسولاً، و أنزل عليه قرآناً أما عندما عرج به إلى السماء، وقال له: أخبرهم، فهذا شيء صعب جداً، فهم ما قبلوه رسولاً، حتى يقبلوه سافر إلى القدس ورجع ببضعة دقائق، فهو كان يتمنَّى من أعماقه ألا يقول لهم ذلك، هم كذَّبوه في الأصل وفوق تكذيبهم كيف يقول لهم: أنا كنت في السماء، وتخطيت بيت المقدس، وعرجت إلى السماء، فلهذا قد قالوا: الإسراء والمعراج كان فرزاً للمؤمنين جاء قبل الهجرة، يوجد عملية تحميل، كشرفة منسِّمة إخواننا المهندسين يعرفون هذا الشيء ماذا نفعل تجاهها ؟ نضع لها عشرة براميل من الماء فإذا وقعت هذا هو المقصود نكشف خللها، إذا ثبتت معناها جيدة، نطمئن، عملية تحميل.
 فربنا أحياناً يفعل شيئاً أولاً لفرز عباده، أو يُحَمِّلهم، فإما أن يكشف لهم أنهم بعيدون عن الإيمان أو أنهم يصمدوا، فإن صمدوا عرفوا أنهم صامدون والله عزَّ وجل أكرمهم بعد ذلك، فالقضية ليست سهلة أن أنا آمنت وانتهى كل شيء.

 

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾

 

( سورة العنكبوت )

 فهل من الممكن طالب بالجامعة يقدِّم طلباً لرئيس الجامعة أنا أشعر أنني قوي بالرياضيات، فيرجى إدراج اسمي مع الناجحين، وإعطائي مرتبة امتياز الأولى، التوقيع من دون فحص، فأنا واثق من نفسي. شيء مضحك، لا يمكن أن تأخذ شهادة من دون امتحان، والامتحان صعب.

 

﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2)﴾

 

امتحان الله لكل إنسان على قدر ما يستطيع:

 معرفة الله من خلال قرآنه تحتاج إلى إيمان مسبق، ومعرفة الله من خلال أفعاله تحتاج إلى إيمان مسبق، أما إن بدأت فابدأ بخلقه فلا إشكال في ذلك، النبي قال:

((تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))

﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾

 وقيل: إلا عذاباً للذين كفروا لأن الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14)﴾

 

(سورة الذاريات )

 أي أنها عملية فرز، الامتحان هكذا، فمرة كنا في الجامعة الصف الذي أعلى منا جاء سؤال، الدكتور في الجامعة كتب نصاً قال ( قال ابن المقفَّع و كتب نصف صفحة ) اشرح هذا النص ؟ الطلاب ثلاثمئة وخمسين طالباً، والنتيجة سطر واحد: لم ينجح أحد. لماذا فكلهم شرحوا النص ؟ هذا النص بعيد عن خصائصه عن كلام ابن المقفع، فكيف صدَّقوا أنه له، فالذي ينجح هذا النص ليس لابن المقفع، لأن خصائصه الأدبية بعيدة عن أسلوبه، هم لم ينتبهوا، فكان هذا النص عملية فرز، من عَطَّل محاكمته، عَطَّل ذوقه الأدبي، عطل فهمه العميق للنص وشرحه شرحاً آلياً، فرسب عنده، يوجد امتحانات، والله عزَّ وجل حكيم، فهو يمتحن كل إنسان على قدر ما يستطيع، فعن هذا الرقم (تسعة عشر ) قال:

 

﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَاناً﴾

 

(سورة المدثر )

عدم الإكثار من الجدل:ً

 سيدنا الصديق لما قيل له: تعالَ اسمع ما يقول صاحبك، قال: إنه عرج إلى السماء، فقال: هو قال هذا ؟ قالوا: نعم، قال: فقد صدق، هذا الإيمان، إن قال هذا فقد صدق، فأحياناً الله يمتحنا بامتحانات عبودية، سيدنا إبراهيم قال له الله: اذبح ابنك، ليست مقبولة بل غير معقولة وغير محتملة، قال له: سمعاً وطاعةً يا رب، قال:

﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾

 يوجد شيء اسمه امتحان عبودية، الله قال لك:

 

﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)﴾

 انتهى، في حكمة بالغة، أما لماذا ليسوا عشرين ؟ يجعلهم مئة، خمسة، صارت هناك مناقشة، أنت تناقش خالق الكون.

 

 

﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾

 أي الذين آمنوا، كعبد الله بن سلام، أو الذين أوتوا الكتاب لأن هذا الرقم عندهم أيضاً، إما ليستيقن الذين أوتوا الكتاب من أن القرآن كالإنجيل والتوراة من مصدر واحد، أو لأن بعض الذين آمنوا بالإسلام يستيقنوا أن كلام الله هو الصحيح..

 

 

﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَاناً﴾

 

مكافأة الله لمن ينصاع لأمره:

 الحقيقة توجد نقطة مهمة جداً، أحياناً الإنسان يتلقَّى أمر إلهي ما فهم حكمته، لكن لأنه يعلم أن الله الذي خلق السماوات والأرض حكمته لا شك فيها، فيستسلم لحكمةٍ يصدِّقها ولا يراها (دقق في هذا الكلام) أحياناً تجد أن هناك حكماً شرعياً، لماذا الله عزَّ وجل ما ورَّث أبناء الذين توفي أبوهم في حياة جدهم ؟ يا ترى هل في نقص بالشريعة ؟ الله عزَّ وجل نسي أن يورثهم، ألا يوجد له ورثة ؟ فالمؤمن عنده علم اليقين أن الله عزَّ وجل حكيم، فيستسلم لحكمة الله، لأنه استسلم لحكمته العامة غير التفصيلية فربنا عزَّ وجل يكرمه لكشف حكمة عدم توريث هذا الإنسان، فيكون جَمَعَ الإنسان الحُسْنَيين ؛ جمع العبادة ثم أضاف إليها الحقيقة، فكل إنسان ينصاع لأمر الله استسلاماً له يكافئه الله عزَّ وجل بكشف الحكمة، فكسب مرتبة العابدين ومرتبة العلماء، العلماء قالوا: " علة كل أمرٍ أنه أمر".

 

حكمة الله وراء أوامره و نواهيه:

 أحد علماء دمشق الأكارم كان بأمريكا وكان يناقش عالماً أسلم حديثاً عن مضار لحم الخنزير، ذكر له تفاصيل، ذكر له الدودة الشريطية، ذكر له انتقال طباع الخنزير إلى الإنسان، يقول لك: هذا مخنزر، لأن الخنزير يقارب امرأته أمام بقية الخنازير، فإذا شخص أكل لحم الخنزير يتطبع بطباعه، بعد ما أسهب قال له: كان يكفيك أن تقول لي إن الله حرَّمه (الأمريكي كلامه أبلغ)، كان يكفيك أن تقول لي: إن الله حرمه، خالق الكون حرمه، انتهى.
 سألوا امرأة ببرنامج مفتوح بين القارات الخمس عن رأيكِ في تعدد الزواجات ؟ امرأة من بلد إسلامي، قالت: كيف تطلب رأيي والله سمح به، من أنا ؟ إذا كان الله سمح به أنا ليس لي رأي في الموضوع، يوجد كلام عميق جداً، فأنا الذي أريده أن تعرف الله، إن عرفته فسَّرت أفعاله، أن تعرف الله، إن عرفته فسَّرت كلامه.

 

 

﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

 يوجد شخص لو تفرمه لا يصدق أن الله يضل عباده، لكن أضله أي وجده ضالاً، أنا عاشرت هؤلاء فما أبخلتهم (بالمعاجم): أي ما وجدتهم بخلاء.

 

 

﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾

 

(سورة الكهف: آية " 28 )

 أي من وجدناه غافلاً، أما قد يفهم إنسان منحرف أن الله خلق فيه الغفلة، أو خلق فيه الضلال، لا.

 

الكون طريق المعرفة السالك:

 إذاً: يجب أن تعرف الله قبل أن تقرأ كلامه، ويجب أن تعرفه قبل أن تنظر في أفعاله، طريق المعرفة السالك والآمن والمحصَّن طريق الكون، طريق أفعاله يحتاج أن تعرفه قبل أن تنظر في أفعاله، وطريق كلامه يحتاج إلى أن تعرفه قبل أن تقرأ كلامه.

 

 

ازدياد إيمان المؤمن بعد كشفه حكمة الله تعالى:

 

﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَاناً﴾

 فالإنسان أحياناً يستسلم إلى الله، تكشف له الحكمة فيزداد إيماناً.

 

﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾

 

(سورة االمدثر: آية " 31 )

 معناها:

 

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112) وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ (113)﴾

 

(سورة الأنعام )

 إذاً هذه الآية هي آية دقيقة جداً، مُفادها أنها امتحان، وأنها فرز، وأنها تعريف بإيمان المؤمن.

 

﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾

 أي المنافقون، أو المختلفون.

 

 

﴿وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾

 

عظمة الله في خلقه:

 الله عزَّ وجل قال:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً﴾

 

(سورة البقرة )

 بعوضة !! هذه البعوضة ! إله عظيم، أنت هل تعلم أن هذه البعوضة لها ثلاثة قلوب ؟ قلب مركزي، وقلب لكل جناح، وأن جناح البعوضة يرف أربعة آلاف رفة في الثانية، وأن هذه البعوضة تملك جهاز رادار، تتحرَّك في الليل المظلم بأشعة رادار، تأتي على جبين النائم مباشرةً لا تخطئ، وأن هذه البعوضة معها جهاز تحليل دم، فهناك دم لا يناسبها، إذا نام أخوان على فراش واحد، الأول يلسع، والثاني لا يوجد فيه شيء.
 وهذه البعوضة يوجد عندها جهاز تمييع دم لأن خرطومها دقيق جداً، فإذا كان الدم غير مميَّع لا يمر، وأن هذه البعوضة عندها جهاز تخدير وأنت تضربها تكون قد طارت تخدرك أولاً، وتأخذ الدماء، ينتهي المخدر تجد نفسك مقروصاً، تعمل هكذا فإذا هي قد طارت إلى الأعلى، جهاز رادار، وجهاز تحليل، وجهاز تخدير، وجهاز تمييع، ولها مخالب إذا كان سطح خشناً، ولها محاجم إذا كان لها سطح أملس على الضغط، ولها مخالب، وجناحاها يرفرفان أربعة ألاف رفة في الثانية، ولها ثلاثة قلوب.

 

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾

 

(سورة البقرة )

 ما هذا ؟ بعوضة !! أنت لو تعرف ما البعوضة تخشع لله عزَّ وجل.

 

الإضلال الجزائي المبني على إضلال اختياري:

 تسعة عشر ليسوا كُثُر، كل مئة على واحد ينتهوا، هكذا قال أبو جهل، وهو اسم على مسمى، كل مئة لواحد فنخرج من النار.

 

 

﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾

 

(سورة المدثر )

 إذا عُزِيَ الإضلال إلى الله فهو الإضلال الجزائي المبني على ضلال اختياري، أو يضلهم عن شركائه، أو يجدهم ضالين، تحب أن تقول: وجدهم ضاليّن، أو أضلّهم عن شركائه ليلتفتوا إليه، أو أضلَّهم ضلالاً جزائياً أساسه ضلال اختياري.

 

﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾

 أي ملايين مُمَلينة، الحديث الشريف: أنه لا يوجد مكان بالسماء إلا وفيه ملك.

 

 

استسلام الإنسان لله عز وجل:

 

﴿وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31)﴾

(سورة المدثر )

 إما النار التي نستخدمها هي ذكرى للبشر، أي الإنسان لو وضع يده على لهب يقفز قفزاً سريعاً، فكيف إذا وضع كله في النار، فالنار ذكرى للبشر، أو جهنم جعلها الله رادعاً للبشر، أو جعل هذا الرقم ذكرى ليستيقن الإنسان أنه يجب أن يستسلم لله عزَّ وجل.
 وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى نعود لهذه الآيات.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018