بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 054 - التواضع .


1992-10-11

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم... موضوعٌ دقيقٌ جداً ألا وهو التواضع، لكن التواضع إما أنه سلوكٌ ذكي، وإما أنه سلوكٌ عَفْويّ، الذي يعرف الله عزَّ وجل يعرف عظمته، ويعرف ضعفه، إن عرفت عظمة الله وعرفت ضعفك، إن عرفت قوته، إن عرفت غناه وعرفت فقرك، إن عرفت علمه وعرفت جهلك، دائماً في معرفتين أن تعرف َمن أنت وأن تعرف من ربك..

﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64)﴾

 

( سورة غافر )

 الشعور الناتج من تحققك لضعفك، وافتقارك، وجهلك، والشعور الناتج عن تحققك بغنى الله عزَّ وجل وعلمه وقدرته، من خلال هذين التحقيقين ينشأ سلوكٌ عفوي هو التواضع
 لكن هناك أناسٌ كثيرون بحكم ذكائهم، واتقاد ذهنهم، ورغبتهم في أن ينتزعوا إعجاب الناس، وأن ينتزعوا حبَّهم، يسلكون سلوكاً متواضعاً، هذا السلوك ليس عبادةً، وليس مؤشراً على معرفة الله عزَّ وجل، ولا على عبودية الإنسان، الذي أتمناه على الله أن يتضح أمامكم الفرق الدقيق بين السلوك المَدَني، السلوك الذكي، وبين العبودية لله عزَّ وجل.
 ذات مرة في خطبة ذكرت لكم: أن الإنسان لو أدى ما عليه من حقوق للناس هل يسمى أميناً ؟ الجواب لا، الإنسان الذكي يوازن بين اسمه، واسم شركته، واسم تجارته فإن لم يدفع، نهش الناس عرضه، وذمّوه، وتحدّثوا عليه، واغتابوه، فحينما يخاف الإنسان على سمعته، أو على مركزه التجاري، أو على مكانته الاجتماعية، ويبادر إلى دفع ما عليه هذا ليس عند الله أمانةً، هذا سلوك مدني مبني على الترجيح، أنت وازنت بين عدم الدفع، وأن تفتضح بين الناس، وبين أن تدفع وأن تنجو بسمعتك، فآثرت الدفع، سلوك مدني. مَن هو الأمين ؟
 الأمين إنسان أودع عندك مائة ألف ليرة، أو نصف مليون ليرة، أو مليون ليرة، ولم يأخذ منك إيصالاً ـ فرضاً ـ ولم يُعْلِم أحداً، ومات فجاًةً، وليس في الأرض كلها جهةً تقاضيك، أو تطالبك، أو تدينك، وذهبت طواعيةً إلى ورثة هذا الميت، وأعطيتهم هذا المبلغ، هذا هو السلوك العبادي، هذه هي العبادة، هذه هي الأمانة، إن لم تكن مُداناً من الخَلق لكن الحق يعرف ذلك.
 فنحن دائماً الأمور تختلط لنا، في عندنا مشكلة يعاني منها أكثر المؤمنين، يلتقي بشخص يقول لك: أخلاق عالية، صادق لا يكذب، شركة أجنبية لا تكذب أبداً، لو أنك أعلمتها أن البضاعة تالفة تعطيك التعويض فوراً من دون تحقيق، ليس فقط هي صادقة بل تصدقك أيضاً، يجد حل بعدها: يا أخي أخذوا أخلاقنا وأعطونا أخلاقهم، هذه أخلاقنا وليس أخلاقهم، لكنهم لا يصلون، شاربين للخمر، مفرِّقين بين الشعوب، يبنون حضارتهم على أنقاض الشعوب، أخي هذه أخلاق الإسلام.
 في عندنا مشكلة كبيرة، مشكلة عقائدية عندما تجد شخص صادق ولا يصلي، يجب أن تعلم وأن تفرق بين السلوك المدني، الذكي، المبني على الترجيح والموازنة، وبين العبادة لله عزَّ وجل، العبادة شي، ء والسلوك المدني المبني على المصلحة، وتوفير السمعة، وتحقيق المصلحة، شيءٌ آخر.
 لذلك، يجب أن ننحي من درسنا هذا كل أنواع التواضع الناتجة عن الذكاء، أريد التواضع الحقيقي الذي كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أريد التواضع الذي يرقى بك إلى الله، أريد التواضع الذي هو انعكاسٌ لإيمانك، انعكاسٌ لمعرفتك بحقيقة ذاتك، انعكاسٌ لمعرفتك بالله عزَّ وجل، طبعاً عندما الإنسان يكون عنده آلة تريكو مثلاً موديل تسعة وأربعين، يدوية، يدخل لمعمل فيه ثلاثمائة آلة إلكترونية تعطيك إنتاج مذهل مع ضبط إلكتروني، مع كمبيوتر يحركها، مع ألوان، مع تنسيق، غير معقول تفتخر بماكينتك عندها، فمن أين يأتي تواضعك ؟ إن عرفت من أنت ومن هو الله، إن عرفته وعرفت نفسك نشأ التواضع.
لذلك التواضع أساسه معرفة، معرفةٌ بالله، ومعرفةٌ بحقيقة الإنسان، هذا التواضع، ولا في صفة أبغض إلى الله من الكبر، ولكن في سؤال: لماذا ؟ في ذنوب كثيرة جداً الله عزَّ وجل يغفرها، لكن مثقال ذرةٍ من كبر تكبُّ صاحبها في النار ؟! ما السبب ؟ العلماء قالوا: لأن الكبر يتناقض مع العبودية لله عزَّ وجل، أنت لا شيء والله هو كل شيء، أنت لا تعلم والله يعلم، أنت فقير والله غني، أنت جاهل والله عالم، لذلك قال الشاعر:

 

وما لي سوى فقري إليك وسيلةٌ  فبالافتـقار إليك فقري أدفعُ
وما لي سوى قرعي لبابك حيلةٌ  فلئن رددت فأي بابٍ أقرع

 

* * *

 النقطة الدقيقة قبل أن نخوض في ثنيات الدرس هي: أنه على عكس ما يبدو لك، كلما تواضعت لله رفعك الله، وعلى عكس ما يبدو لعامة الناس كلما رفعت نفسك خفضك الله عزَّ وجل، وضعك الله، إن رفعت نفسك وضعها الله، وإن تواضعت لله عزَّ وجل رفعك الله، هذه واحدة.
 الشيء الأخطر قد يقول قائل: ولو تكبَّر. المشكلة أن الإنسان بين حالتين ؛ إما التأييد، أو التخلي، الله عزَّ وجل يأيدك، ينصرك، يوفقك، يسدد لك خطاك، يعطيك رؤية صحيحة، يرشدك، ينبهك، يحفظك، يوفقك، أو يتخلى عنك، إذا تخلى الله عنك وقعت في مطباتٍ كثيرة، ظهرت منك حماقاتٌ كثيرة، وقعت في سلوكٍ مضطرب.
 الآن سؤال: ما هو سرُّ التخلي، وما هو سر التوفيق ؟ لا أعتقد أحد من إخواننا الحاضرين إلا ويتمنى من كل قلبه أن يكون موفقاً ؛ في دراسته، في تجارته، في صناعته، في وظيفته، في بيته، في زواجه، في صحته، التوفيق شيء متألِّق، شيء مرغوب فيه جداً أن تكون موفقاً، وأن تأتي الأمور على عكس ما تريد، على خلاف ما تريد، أن تُعسَّر الأمور، أنت تفاجأ بألغام، أن تفاجأ بمطبَّات، أن تتورط ورطات كبيرة جداً، أن تدمَّر، هنا السؤال: ما سر التأييد الإلهي وما سر التخلي ؟ هو التواضع والكبر. إذا قلت: أنا، المقابل التخلي، الدليل، طالبوني بالدليل؟

 

(( من اتكل على نفسه أوكله الله إياها ـ تخلى الله عنه ـ ومن اتكل على الله كفاه الله كل مؤنة ))

 

( من كنز العمال )

 الدرس واسع جداً، بصحتك،ب تجارتك، بصناعتك، بدراستك، حتى بمركبتك، تقول هذه انتقيتها أحسن ماركة ما في مثلها، هذه الماركة شريف هذا الموديل، تقطعك. حينما تتكل على شيء، الله عزَّ وجل يهيئ ظروف يعرفك بحقيقته أنه ضعيف، لذلك في عندنا قصتان شهيرتان قرآنيّتان، بدر، وحنين..

 

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

 

 

( سورة آل عمران: من آية " 123 " )

هنا (أذلة) أي مفتقرون إلى الله..

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 25 " )

 واللهِ الذي لا إله إلا هو بحياة كل واحد منكم بكل يوم بدر وحنين، تقول له: يا رب إني تبرأت من حولي وقوتي وعلمي، والتجأت إلى حولك وقوتك وعلمك، تجد التأييد، السداد، الرؤية الصحيحة، القرار السليم، الكلمة الدقيقة، الموقف المشرف، التوفيق، التفوق، النجاح، قل: أنا، أنا ذكي، عندي خبرة، أربعين سنة خبرات متراكمة بالتجارة. ترتكب حماقة في شراء صفقة تفلس فيها.
 فأنت لأن موضوع الدرس يومي، أنا أعني ما أقول، في حياة كل واحد منكم يومياً بدر وحنين، تقول: أنا. حنين، تقول: الله. بدر، يا رب ما في غيرك يوفقك الله عزَّ وجل، كل إنسان اتكل على ماله، ضل، اتكل على حسبه ونسبه، ذل، اتكل على علمه، ما وفقه الله عزَّ وجل، فلذلك ما عاد موضوع تواضع، موضوع سلوك يرضي الله، لا، لا، حقيقي أنت لا شيء، الله قادر يلقي في روعك فكرة غير صحيحة، قادر يخوفك من جهةٍ ضعيفة، وقادر يطمئنك من جهةٍ قوية، قادر يشعرك بالفقر وأنت غني، وقادر أن يشعرك بالغنى وأنت فقير، وقادر يسعدك وكل شروط السعادة غير متوافرة عندك، وقادر يشقيك وأنت في كل شروط السعادة، القضية بيد الله عزَّ وجل، والنهاية التوحيد، فبدر وحنين، بدر:

 

﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾

 

 

 

( سوزرة آل عمران: من آية " 123 "

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ﴾

( سورة التوبة: من آية " 25 " )

 أعتقد لو فتحنا المجال لإخواننا يعبروا عن موفقتهم لهذا الكلام ما في واحد ما في بحياته مع الله خبرات، أيام، يا رب فقط عاوني بالجبر لأن الهندسة قوي فيها، فيرسب في الهندسة، صار يا رب بالجبر والهندسة عليك، إذا كان بالدراسة، إن كان بالتجارة، إن كان بالصناعة، إن كان بالزراعة، إن كان بالوظيفة، فالإنسان دائماً يدخل مفتقر، المفتقر دائماً يأخذ كل شيء ، مثل بسيط:
 برميل فيه عشرين حنفية على خط عمودي واحد، الحنفية العليا ممكن تأخذ منه خمس ليترات، الثاني عشر ليترات، الثالثة خمسة عشر، الرابعة عشرين، أما السفلية تفرغه كله، فأنت كلما نزلت تأخذ أكثر، وكلما طلعت تأخذ قليل.
 طبعاً يجوز يقول لي واحد: أنا والله ما لي متكبر، مظبوط على ماذا تتكبر ؟ قد يكون واحد فقير، على ضعيف، على جاهل، نحن نخاف تقوى من جهة، القوة والغنى مزلة قدم، وأنت طالب علم، سنك صغير، غير متزوج، ليس لك بيت، ليس لك تجارة، ما عندك شيء بوضع عادي جداً، طبعاً متواضع، وما أحلاك أن تتكبر، على ماذا تتكبر ؟ ولكن نحن نخاف هذا الإنسان الله عزَّ وجل يوفقه، كثير في ناس كانوا في بداياتهم متواضعين، لكن دخلوا مدخلاً وخرجوا مخرجاً، خرجوا على غير ما دخلوا، أحياناً يصبح في مركز، أيام المال، أيام الغنى، أيام الوسامة، أيام التوفيق بالتجارة، هذا مزلة قدم، البطل هو الذي يتواضع وهو في قمة مجده، يتواضع وهو في قمة مجده، في أوج نشاطه، في أعلى درجات نجاحه في الحياة.
الآن إلى الحديث النبوي الشريف، هذا كلام رسول الله
عن عياض بن حماد رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:

 

((إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحد ))

 

( رواه مسلم )

 تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحد " لا فخر، ولا بغي، ولازم تعرف ما في إنسان على وجه الأرض كان أشد تواضعاً من رسول الله، بالمقابل ما في إنسان على وجه الأرض رفع الله شأنه، وأعلا مقامه، ورفع ذكره كرسول الله. يذكر النبي كلما ذكر الله عزَّ وجل.
 هذا موضوع آخر: تكريم النبي عليه الصلاة والسلام، هل تصدقون أن الله جل جلاله إكراماً للنبي عليه الصلاة والسلام في الإسراء والمعراج أطلعه على كل ما سيكون ؟ في إنسان واحد في الأرض إن حدَّثك عن الجنة والنار يحدثك عن مشاهدة، النار والجنة خبر، الله أخبرنا أن هناك جنةً وهناك ناراً، إلا النبي عليه الصلاة والسلام رأى رأي العين أهل الجنة في الجنة يتنعمون، وأهل النار في النار يتعذَّبون، لذلك إذا حدَّثك النبي عليه الصلاة والسلام عن الجنة والنار حدَّثك عن يقين، وعن شهود..

 

﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18﴾

 

 

 

( سورة النجم )

 أتمنى عليك هذا التمني: أيُّ شيءٍ دُهِشْتَ له في النبي عليه الصلاة والسلام أنت كمؤمن على قدر إيمانك، وعلى قدر إخلاصك، وعلى قدر صدقك من الله، الله يعطيك شيء منه، فإذا النبي الله رفع له ذِكره..

 

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

 

 

( سورة الشرح )

 أنا أقول وأنا أعني ما أقول، وأحاسب عما أقول: ما في واحد منكم يتعامل مع الله مباشرةً، يخلص له، يطيعه، يذكره، يدعو إليه، يأتمر بأمره، ينتهي عما عنه نهى، إلا الله عزَّ وجل يرفع له ذكره ؛ في أسرته أولاً، في حَيِّه ثانياً، في عمله ثالثاً، بين إخوانه رابعاً، إلى أن يلتمع. هذه:

 

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾

 لكن الله عزَّ وجل قال للنبي الكريم:

 

 

﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

 

( سورة الطور: من آية " 48 " )

 وأنت لك من هذه الآية نصيب على قدر إيمانك، فقضية الإيمان في ثمار يانعة جداً، الله عزَّ وجل طمأن النبي، وأنت أيضاً على قدر طاعتك لله يطمئنك الله عزَّ وجل،ت تفاجأ أحياناً أن
إنسان قوي، وغني في عنده قلق عجيب، قلق مَرَضي، شعور بالقهر، معنوياته هابطة جداً، هذا هو الشِرك، من لوازم الشرك الخَوف، من لوازم الإيمان الطمأنينة، لذلك في قلب المؤمن طمأنينةٌ لو وزِّعت على أهل بلدٍ لكفتهم، يا الله !! " إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحدٌ على أحد... ".
لا تقل لإنسان:

 

﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً (34)﴾

 

 

( سورة الكهف )

 لا تنجح إلا إذا أغفلت شخصك نهائياً، لا تقل: أنا أبداً بل قل: بفضل الله عزَّ وجل، الله أكرمني، هذه حقيقة، الله يسر لي هذا الأمر، الله تفضل علي بهذا الأمر، الله سمح لي أزور بيته الحرام، سمح لي أدعو إليه. أما أن تقول: أخي قعدت في جلسة والله ما أحد استرجى يحكي كلمة، طلاقة لسانة مع قوة بيان. طول بالك، قل: الله عزَّ وجل تفضل علي وسمح لي أدعو إليه، سمح لي فأطلق لساني، آتاني الحجة، آتاني قوة البيان، هذا الواقع، إن كان في توفيق، في تفوّق، فبفضل الله عزَّ وجل، في إخفاق فبذنبٍ ارتكبته، لذلك قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية..

 

شكوت إلى وكي ٍ سوء حفظي
فأرشدني إلى  ترك المعاصي
وأنبـأني بأن  العـلـم نـورٌ
ونور الله لا  يهـدى لعاصي
* * *

 اتصل شخص اليوم، له قضية موضوع شائك جداً، فموكل محام، فالمحام قال له: إن لم تكذب لا يمشي الحال، يبدو أن المحامي أقنعه وضغط عليه لكي يؤمن له حقه، فأدلى بتصريح غير صحيح، هذا الشخص لا يفوته قيام الليل أبداً، قال لي: أول ليلة لا أستيقظ على قيام الله، طبعاً، لا يستيقظ لأنه كذب، فتريد التجلي، تريد الإقبال يجب أن تستقيم، فلا تقل لي المحامي أقنعني، إن لم تكذب لا تأخذ حقك، هذا كلام فارغ، لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق.
 الآن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
ما نقصت صدقةٌ من مال ـ يعني ما أنقصت (نقص) فعل لازم ومتعدِ ـ وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله ".
هذه صيغة (ما، من) ماذا تفيد ؟

 

 

(( ما نقصت صدقةٌ من مال، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً، وما تواضع أحدٌ لله إلا رفعه الله ))

.. ما فعل عبدٌ كذا إلا صار معه كذا وكذا، هذه الصيغة ماذا تفيد ؟ القانون، تفيد أن هذه قاعدة لا تتخلف أبداً.
 وعن نصيح العَنْسي عن ركب المصري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

 

(( طوبى لمن تواضع في غير منقصةٍ ))

 يعني إذا واحد قعد جاهل بين علماء، طبعاً سيتواضع، ولكن هذا التواضع سببه المَنْقَصَة، هو لا يقرأ ولا يكتب وجالس بين دكاترة مثلاً، الممرض بين الدكاترة يتواضع إجباري، الحاجب باجتماع رؤساء أركان سيتواضع إجباري، بائع متجول أمام أعضاء غرفة التجارة، كلهم من كبار أغنياء البلد، طبعاً سيتواضع، لكن نحن نريد واحد يتواضع من غير منقصة، يكون قوي، معه شهادة عُليا، غني، جميل الشكل، وسيم المنظر، من أسرة كريمة ومع هذا متواضع.
 أحد إخواننا عندما كان صغيراً اشتغل بمعمل يقول لي: كلما أقرأ فاتحة أوهبها لوالدي ومعلمي في المعمل ـ صاحب المعمل ـ فما هو السبب ؟ قال لي: أولاً يعاملنا مثل أولاده، ثانياً يتغدى معنا، يأتيه أكل طيب ويضعه أمامنا، هاتوا أكلاتكم، يأكل من أكلنا ونأكل من أكله، إذا واحد عليل له مشكلة على الفور يعاونه، أي أنه كان أرحم من الأب، هذا التواضع من قبل رب العمل رفعه حتى بعد وفاته، إنسان كلما قرأ فاتحة يوهبها لرب عمله ـ لصاحب المعمل ـ لأنه رأى منه رحمة الأب، وعطف الأم، والكرم، والعناية، نحن ما ذقنا الحياة الإسلامية الكاملة، أيام تبنى حياتنا على الحقد أحياناً، ويقول لك: صراع طبقي، الإسلام فيه تعاطف ديني، تعاطف إنساني، المؤمن ما عنده كبر أبداً، أعرف إخوةً كثيرين مؤمنين يعاملوا من معهم من موظفين وعمال كما يعاملون أبناءهم، طبعاً هذا المؤمن، لو كان في إيمان حقيقي، ما وجدت أبداً مجال في هذه النظريات المستوردة، التي أساسها الحقد.

 

 

(( طوبى لمن تواضع في غير منقصةٍ، وذل في نفسه من غير مسألةٍ ))

 .. ذليل لله عزَّ وجل، أي أنه مستعد يمرغ جبهته بأعتاب لله عزَّ وجل، السجود ما هو ؟ السجود تذلل وضعف لله عزَّ وجل، والله عزَّ وجل وصف المؤمنين فقال:

 

 

﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾

 

 

( سورة المادة: من آية " 54 " )

 فلماذا قال: أذلةً وأعزةً ؟ لئلا نتوهم أن الذليل أن الذل في طبعه، لا، لا بل هو على الكافر عزيز جداً، أما هو حينما يخضع للمؤمن هذا ذل العطف والشفقة، والدليل ( على )، ما قال: أذلةً للمؤمنين، بل:

 

﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 (على) تفيد الشفقة، أي ذلهم شفقةٌ على إخوانهم، أحياناً الأم من شدة حبها لابنها تتذلل له: واجعك شيء يا ماما، قل لي، تريد شيء، بالله قل لي، لتكون جائع ؟ أعمل لك أكلة ؟ فلماذا هذا التذلل ؟ هذا ذل الحب، عندما تحب الأم ابنها تصير أمامه ذليلة، فلما ربنا وصف الذل قال:

 

 

﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾

 ما قال: للمؤمنين، بل ( على )، هنا معنى الذل يعني الشفقة، أي هم مشفقون على إخوانهم إلى درجة أنهم يبدون وكأنهم أذلاَّء أمامهم..

 

 

﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾

 

(( طوبى لمن تواضع في غير منقصةٍ، وذل في نفسه من غير مسألةٍ، وأنفق مالاً جمعه في غير معصيةٍ، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن طاب كسبه، وصلحت سريرته، وكرمت علانيته، وعزل عن الناس شرَّه، طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله ))

 أعيد على أسماعكم نصَّ الحديث، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( طوبى لمن تواضع في غير منقصةٍ، وذل في نفسه من غير مسألةٍ، وأنفق مالاً جمعه في غير معصيةٍ، ورحم أهل الذل والمسكنة، وخالط أهل الفقه والحكمة، طوبى لمن طاب كسبه، وصلحت سريرته، وكَرُمَت علانيته، وعزل عن الناس شرَّه، طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله ))

 

( رواه الطبراني )

 كلامٌ واضحٌ كالشمس، جامعٌ مانع، مختصرٌ مفيد، بينٌ جلي، هذا منطق النبي عليه الصلاة والسلام.
 سيدنا عمر كان على ناقةٍ له، وفي طريقه إلى الشام، ومعه أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضةٍ، أي طريق فيه ماء، وعمر على ناقةٍ له، سيدنا عمر نزل وخلع خفيه، وضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض، في المخاضة نزل، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين تفعل هذا أنت ؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك. أخاف أحد يراك، أنت فاتح البلاد، بلاد الشام فتحتها، وأنت أمير المؤمنين، وتحكم أقطار عديدة، يراك الناس هكذا نعلاك على عاتقك، وتخوض هذه المخاضة، تأخذ بزمام ناقتك ؟
 قال: أواه، لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالاً لأمة محمد. أي لو حكاها غيرك هذه لكنت فرمته فرم، إنا كنا أذل قومٍ، هذه الحقيقة لا تعملوا لي كما في الجاهلية مفاخر، إنا كنا أذل قومٍ فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزَّ بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.
 هذا الدرس لنا اليوم، مهما طلبنا العز بغير هذا الدين أذلنا الله، قال له: لو يقل ذا غيرك يا أبا عبيدة لجعلته نكالاً لأمة محمد، إنا كنا أذل قومٍ فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله.
 سيدنا الصديق ـ قلت لكم مرة ـ كان لهم جيران أرامل يحلب لهم الشياه، فلما صار خليفة، دخل البيت الحزن لأن هذه الخدمات توقفت، صار خليفة المسلمين، أول يوم تسلَّم منصبه كخليفةٍ للمسلمين طُرق باب الجيران، الأم قالت لابنتها: يا بنيتي افتحي الباب. فتحت الباب، فإذا سيدنا الصديق، قالت مَن الطارق يا بنية ؟ قالت: جاء حالب الشاة يا أماه. جاء يحلب الشياه، وهو خليفة المسلمين، هكذا علمنا.
 سيدنا عمر كان مع سيدنا عبد الرحمن بن عوف في الليل، رأوا قافلة مقيمة في طرف المدينة فقال له: تعال نحرسها، فجلس، طفل بكى فقال لأمه: أرضعيه، بكى مرة ثانية قال لها: أرضعيه، بكى مرة ثالثة غضب، كان عصبي قال لها: يا أمة السوء أرضعيه، فقالت له: ما شأنك بنا، ما هو دخلك ؟ إنني أفطمه، قال: ولمَ، قالت: لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام، أي التعويض العائلي، سيدنا عمر يقول أنه ضرب جبهته وقال: ويحك يا ابن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين. أنت معنى هذا قاتل، الكل يفطمون أولادهم قبل الأوان حتى يأخذوا التعويض، عمم كتاب أن العطاء تستحقه الأم عند الولادة وليس عند الفطام.
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

 

(( من تواضع لله درجةً يرفعه الله درجةً ))

 تصور واحد أعلى إنسان بمملكته ـ سيدنا عمر ـ أحب شخص يتقرب منه فقال له: والله يا أمير المؤمنين ما رأينا أفضل منك. تطلع فيهم سيأكلهم بلا ملح ـ كما يقول العوام ـ إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خير منك، في من هو أحسن منك، وهو يخاطب أمير المؤمنين، قال له: ومَن هو ؟ قال: أبو بكر، فقال رضي الله عنه: لقد كذبتم جميعاً، اعتبر سكوتهم كذباً وصدق، قال: كنت أضل من بعيري وكان أبو بكرٍ أطيب من ريح المسك.
 وقف على المنبر ونزل درجة، لماذا نزل درجة إنه لم يخطب بعد؟ قال: ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر، هذه الدرجة الأخيرة لأبي بكر الصديق، لو توفى ولكنها له وليست لي، نزل درجة. منبرهم ما كان مثل منبرنا عشر درجات بل كان ثلاث درجات، نزل درجة وقعد على الوسطى، سيدنا عثمان لو نزل درجة لصار على الأرض، فتمَّ بالمرتبة الثانية. جاء خليفة أموي سأل وزيره قال له: عثمان لمَ لمْ ينزل درجةً ؟ فقال: والله لو فعلها لكنت أنت في قعر بئر، جيد أنه لم ينزل درجة، إذا كان كل خليفة ينزل درجة سنحفر أبيار، أنت في قعر بئر.
 على كلٍ هذا تواضع من سيدنا عمر. ما كان الله ليراني أن أرى في مكان أبا بكر، كنت أضل من بعيري وكان أبو بكرٍ أطيب من ريح المسك.
فيقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( من تواضع لله درجةً يرفعه الله درجةً، حتى يجعله الله في أعلى عليين ))

 يرووا أنه كان في رئيس جمهورية فرنسا (ديغول) يمشي بجانبه رئيس الوزراء تماماً بجانبه فقال له: خطوة إلى الوراء يا سيد، ليعلم من في البلد أنه في رئيس جمهورية واحد في البلد لا تقف بجانبي، خطوة إلى الوراء، إذا واحد ماشي مع شخص له قيمته لا يمشي بجانبه تماماً أو أمامه بدرجة هذا سوء أدب، ولو أخر حاله عشرة سنتيمتر فهو أكمل، في شخص تجده ماشي أمامك، غير معقول، كل واحدة، أحياناً واحد ماشي أمام أبوه، الابن يمشي وراءه درجة، ولو خمسة سنتيمتر، ولو عشرة سانتي، فقال له: خطوة للوراء يا سيدي ليعلم الناس أنه في فرنسا واحد وليس اثنان.

 

 

 

(( من تواضع لله درجةً يرفعه الله درجةً، حتى يجعله الله في أعلى عليين، ومن تكبَّر على الله درجةً يضعه الله درجةً، حتى يجعله في أسفل سافلين ))

تتواضع درجة يرفعك لأعلى عليين، تتكبر درجة تنزل إلى أسفل سافلين.
 سيدنا عمر بن الخطاب كان على المنبر، في قصتين ثلاثة بهذه المعنى، فمرة يخطب خطبة لها موضوع موحَّد وماشي فيها، فتوقف وتكلم كلام ليس له علاقة بالخطبة إطلاقاً، مثلاً يحكي على موضوع معين فسكت وقال:
ـ كنت عميراً أرعى غنماً على قراريط بمكة. وأكمل خطبته، هذه مثل الدعاية بنصف الأخبار، ليس لها علاقة بالأخبار إطلاقاً، فلما نزل سيدنا عمر قال له ابن عوف:
ـ ماذا قلت على المنبر ما سمعنا ما حكيت ؟
 ـ قال له: والله قالت لي نفسي: أنت أمير المؤمنين ـ أعلى شيء ـ وليس بينك وبين الله أحد، فأردت أن أعرِّف نفسي حقيقتها. أي كنت أنا عمير راعي غنم، أرعى غنماً على قراريط لأهل مكة، فخاطب نفسه بهذه الصورة حتى يعرفها حقيقتها.
 فهنا سيدنا عمر يقول: أيها الناس تواضعوا ـ هذا حديث دقيق جداً ـ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

 

 

 

(( من تواضع لله رفعه الله وقال ـ أي قال الله له ـ انتعش نعشك الله فهو في أعين الناس عظيم وفي نفسه صغير، ومن تكبر قصمه الله وقال اخسأ، فهو في أعين الناس صغير وفي نفسه كبير ))

 تعليقي على الحديث: أن المتكبر بنظر نفسه كبير أما عند الناس صغير، وكل إنسان يتكبر يقلدونه بغيابه، يحكوا عليه، يسخروا منه، يصير مصدر مضحك، كل إنسان متكبِّر يلقى بغيبته السخرية، والذم والتعليقات اللاذعة إلى درجة غير معقولة، أما المتواضع يلقى في غيبته الاحترام الحقيقي، والتوقير، والتبجيل، إذاً المتواضع في عين نفسه صغير، لكنه في عين الناس كبير، أما المتكبر في عين نفسه كبير، لكنه في عين الناس صغير.
هذا الحديث خاص بالمؤمنين، قال:

 

 

(( من تواضع لأخيه المسلم رفعه الله، ومن ارتفع عليه وضعه الله ))

 

( من مجمع الزوائد: عن " أبي هريرة " )

 أحياناً تحكم الظروف أنك مدير دائرة وعندك حاجب مؤمن، فإذا أنت مؤمن فعلاً تحس أنه أخوك في الله، لو أنت مدير عام وهذا حاجب، أنا سمعت مرة بالقلعة أنه كان في ضابط ووالده كان مساعد، والنظام العسكري يقتضي أن هذا المساعد يقدم الصف لهذا الضابط، والضابط ابنه، طبعاً استرح واستاعد، وبعدها يأخذ تحية نيابة عن كل المجموع، عن ستمائة عنصر، ويقدم الصف لسيده الملازم، سيده الملازم ابنه، هذا الملازم كان شهم، حينما يقدم الصف إليه يتجه إلى أبيه ويقبل يده أمام كل العناصر، فهنا:

 

(( من تواضع لأخيه المسلم رفعه الله، ومن ارتفع عليه وضعه الله ))

 

( من مجمع الزوائد: عن " أبي هريرة " )

 والكبر ليس له علاقة بالغنى والفقر، أحياناً تقعد مع إنسان غني تشعر أن عنده تواضع عجيب جداً، كأنه إنسان عادي جداً، أو مع إنسان قوي، تحسه عادي جداً، تقعد مع إنسان لا يملك من الدنيا شيئاً جاهل، على فقير، على مغمور، تجد عنده كبر أعوذ بالله، فالكبر ليس له علاقة بالغنى والفقر، وليس له علاقة بالقوة والضعف، ما له علاقة بالشهرة وبعدم الشهرة، فالكبر مرض نفسي.
قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( إياكم والكبر فإن الكبر يكون في الرجل وإن عليه العباءة ))

 

( من الجامع الصغير: عن " ابن عمر " )

 عليه هذه العباءة ولا شيء غيرها.
وعن جابرٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 

(( إن من أحبكم إليَّ، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون ـ يعني مكلَمْدان ـ والمتشدقون ـ يتفاصح ـ والمتفيهقون. قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارين ـ نعرفهم ـ والمتشدقين، فما المتفيهقون ؟ قال: المتكبرون ))

 أعيد وأرجع للنقطة الدقيقة: أنت عبد لله، شأن العبودية التواضع، فالتكبر ليس للعبد، مرة واحد طرق باب شخص اسمه بشر الحافي، كان غارق في الخمر، والقيان، والمعازف، والطرب، والمعاصي، والموبقات، فكان في كلام دقيق، طرق بابه شخص، فطلع له العبد قال له: قل لسيدك إن كان حراً فليفعل ما يشاء، وإن كان عبداً فما هكذا تصنع العبيدُ.
 يبدو أن هذا الإنسان صحي فقال له: سيدي في الباب رجل يقول لك: إن كنت حراً فافعل ما تشاء، وإن كنت عبداً فما هكذا تصنع العبيد. داخ بهذه الكلمة، فانطلق إلى الباب ليرى مَن قائل هذا الكلام، لم يجد أحداً، فتبعه حافياً، وصار من كبار العارفين بالله بهذه الكلمة، قال له: إن كنت حراً فافعل ما تشاء، وإن كنت عبداً فما هكذا تصنع العبيد. نحن عبيد لله عزَّ وجل، نحن ما لنا خيار، فنحن عندنا أمر ونهي، في عندنا منهج، في عندنا شرع، هذه تجوز، وهذه لا تجوز، هكذا المؤمن.
 لذلك في بالقرآن: عذاب مهين، وفي عذاب أليم، وفي عذاب عظيم، ذات مرة كنت بالحجاز، يظهر واضعين تنظيمات للمرور معينة، فواحد خالف التنظيمات، إلى الآن أتذكر أنه لابس جاكيت كحلي وعليه أزرار مذهبة، شيء أنيق جداً، أناقة من أعلى ما يكون، تلاسن مع واحد ممن كلفوا بضبط هذه الأمور، فضربه كفين أمام حوالي مائتي شخص، أنا تصورت أنه يجب ألا ينساهم للموت أمام كل الناس، وما تمكن يرد عليه لأنه جاء أناس، فقلت: هذا عذاب مهين، يمكن أحدنا عند طبيب الأسنان يتألم أكثر من هذه، إذا كان ما في بنج يقول له: أستاذ يجب أن تتحملنا، فيكبس على الكرسي، الألم ألم، ولكن هذا عذاب مهين، ممكن تتألم ألم من دون ذل.
 فربنا عزَّ وجل دائماً المتكبر يعالجه بعذاب مهين، ليس أليم، أحياناً في آلام بالمعدة لا تحتمل، في أحياناً نوبات ( كريزات ) كلية شيء فوق التصور، جالس في بيته الشخص ويتلوى في الفراش، هذا عذاب أليم، ولكن العذاب المهين، سيدنا علي سئل: ما الذل ؟ قال: أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يرده.
 " واللهِ واللهِ مرتين لحفر بئرين بإبرتين، ونقل بحرين زاخرين إلى أرض الصعيد بمنخلين ـ تنقل بحر بمنخل ـ وكنس أرض الحجاز بريشتين في يومٍ عاصف، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون عليَّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين ". ففي مواقف صعبة كثير، الله عزَّ وجل لا يذلنا، المؤمن عزيز، الله عزَّ وجل يعزه، لكن عندما يرتكب الإنسان مخالفات تستدعي الذل، يكون وضع نفسه موضع الذل، لذلك في آية:

 

 

﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً (144)﴾

 

 

( سورة النساء )

 إذا عندك كل البضاعة نظامية، ومرَّ رجل من رجال الجمارك فهل تتحرك شعرة من عندك ؟ أما إذا كله تهريب ترجف ركبك، على هوى البضاعة ؛ إذا كلها نظامية وفيها فواتير لا يهمك بل تقول له: تفضل، شرف، أما إذا كان عندك مخالفات تجد نفسك ترجف، فالإنسان عندما يعصي كأنه جعل لله عليه سلطاناً مبيناً، أما إذا كان مستقيم الله يطمئنه.
 فهنا النقطة، يقول الله عزَّ وجل

(( العزُّ إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته ولا أبالي ))

 .. الإله له صفات، له أسماء، الكبرياء لله عزَّ وجل، من حقه لأنه إله أما أنا عبد، الكبرياء من عبد بالباطل، أما الكبرياء من الله بالحق

(( والكبرياء ردائي، والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منها قذفته في النار ))

 عن سراقة بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

 

(( يا سراقة ألا أخبرك بأهل الجنة وأهل النار ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: أما أهل النار فكل جعظريٍ جواظٍ مستكبر، وأما أهل الجنة فالضعفاء المغلوبون ))

 الجوَّاظ الصخاب، الجعفري سيئ الخلق، أخلاق سيئة، ولسان بذيء فاحش، وصخَّاب، وعدواني المزاج، هؤلاء هم أهل النار.

 

 

(( وثلاثٌ لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذابٌ أليم: شيخٌ زانٍ، وإمامٌ جائر، وعائلٌ مستكبر ))

 

( من الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )

 العائل الفقير، فقير مستكبر.
وفي..

 

(( أربعة يبغضهم الله عزَّ وجل البياع الحلاف، والفقير المختال، والشيخ الزاني، والإمام الجائر))
( من الجامع الصغير: عن " أبي هريرة "  و..

 

((ثلاثٌ ـ أيضاً ـ يدخلون النار أول الداخلين: أميرٌ مسلَّط، وذو ثروةٍ من مالٍ لا يؤدي حق الله، وفقيرٌ فخور ))

( من تخريج أحاديث الإحياء: عن " أبي هريرة " )

 أخطر حديث:

 

(( لا يدخل الجنة إنسانٌ في قلبه مثقال حبةٍ من خردلٍ من كبرٍ ))

 

( من أحاديث الإحياء: عن " ابن مسعود " )

 بقي علينا بعض التوضيحات ؛ عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 

(( لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرةٍ من كبرٍ، فقال رجل: يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً، ونعله حسناً. فقال عليه الصلاة والسلام: إن الله جميلٌ يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس ))

 رد الحق، واحتقار الناس، هذا هو الكبر، الكبر في التعريف الدقيق أن تتكبر عن قبول الحق، فأن قال له: هكذا الشرع. يقل: لا على المحكمة. هكذا أمر ربنا، هكذا القرآن، هكذا السنة، من حق الزوج يطلب زوجته لبيت الطاعة، لا، لا نعطيه إياها، هذه زوجته، كبر، كل إنسان لا يطلب الحق، يرفض أمر الله، حكم الله، فهو متكبر، وكل إنسان لا ينصف الآخرين، يعني يجحد حقهم، يجحد مكانتهم، لا ينصفهم فهو متكبر.. " من تعظم في نفسه، أو اختال في مشيته لقي الله تعالى وهو عليه غضبان ".
آخر حديث: يقول عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( بئس العبد عبدٌ تخيَّل واختال ـ تخيل حاله عظيم واختال في مشيته ـ ونسي الكبير المتعال، بئس العبد عبدٌ تجبَّر واعتدى ونسي الجبار الأعلى، بئس العبد عبدٌ سهى ولهى ونسي المقابر والبلى، بئس العبد عبدٌ عتا وطغى ونسي المبتدى والمنتهى، بئس العبد عبدٌ يختل الدنيا بالدين، بئس العبد عبدٌ يختل الدين بالشهوات، بئس العبد عبدٌ طمعٌ يقوده، بئس العبد عبدٌ هوىًٌ يضله، بئس العبد عبدٌ رغبٌ يذله ))

 

( من الجامع الصغير: عن " نعيم بن حمار " )

 مرة ثانية: يقول عليه الصلاة والسلام:

 

((بئس العبد عبدٌ تخيَّل واختال ـ نسي الله شاف حاله قوي أو غني ـ...))

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018