بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 073 - الورع .


1995-08-13

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام: فالحديث الشريف الذي روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه محمد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ ))

 هذا الحديث أيها الأخوة أصل في الورع، وركعتان من روع خير من ألف ركعة من مخلط، دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، الحق يطمئن القلب إليه والباطل تتردد النفس بالإقبال عليه، ما حاك في صدرك، ما حاك في نفسك وتردد في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس هو الإثم فالمؤمن الورع يبتعد عن كل شيء فيه ريب، فيه شك، فيه التباس، علامة الورع أنه يدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس، فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم:

 

(( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، قال: وكيف لي بالعلم بذلك ـ كيف أعرف الذي يريبني من الذي لا يريبني ـ قال: إذا أردت أمراً فضع يدك على صدرك فإن القلب يضطرب للحرام ويسكن للحلال، وإن المسلم الورع يدع الصغيرة مكان الكبيرة ))

 معنى ذلك أن هناك درجة عالية هي الورع، والورع أن تترك شيء من المشتبهات وقد قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

((عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))

 استبرأ لدينه وعرضه، أي استبرأ لدينه عند الله، ولعرضه عند الناس عرضه عند الناس أي سمعته بين الناس، ودينه عند الله، والمؤمن الصادق يبالي بسمعته عند الناس لأنه مظنة صلاح، فلو أنه لا يبالي وعمل عملاً دعا الناس إلى الشك فيه والريب فيه فهذا ليس من أخلاق المؤمن، من وضع نفسه موضع تهمة ينبغي أن لا يلوم الناس إذا اتهموه، والنبي عليه الصلاة والسلام، والآن دخلنا في موضوع فرعي يعني أحياناً تكون أنت أنقى من الثلج وأطهر من الملك، ومع ذلك قد تكون في وضع يستطيع فيه خصمك أن يتهمك قد تكون أنقى من الثلج وأطهر من الملك لكنك في موضع يستطيع خصمك أن يتهمك فإذا كنت عاقلاً لا تضع نفسك موضع التهمة.
والنبي عليه الصلاة والسلام علمنا كيف نوضح، كيف نبين، علمنا أن البيان يطرد الشيطان، وكان مع زوجته السيدة صفية، جاءته صفية إلى معتكفه فأراد النبي أن يوصلها إلى البيت في الطريق مر صحابيان جليلان، فقال عليه الصلاة والسلام: على رسليكما، أي انتظرا، هذه زوجتي صفية.
 أخوانا الكرام: هذا الحديث ممكن أن يطبق على مليون حالة في حياتنا بين الحساب، وضح الملابسات، وضح لماذا تأخرت ؟ وضح لماذا لم تدفع ؟ وضح لماذا دفعت ؟ وضح لماذا خفضت السعر ؟ وضح لماذا غضبت ؟ البيان يطرد الشيطان، يوجد أشخاص عندهم خطأ سلوكي أساسه أنه يتوقع الناس يعرفون خباياه، الناس لا يعرفون خباياك، إذا أنت لك عمل طيب لكن ليس ظاهراً للناس، والذي ظهر عمل غير طيب، فمن وضع نفسه موضع التهمة لا ينبغي أن يلوم الناس إذا اتهموه، فكما أنك مكلف أن تدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، أنت مكلف أن تسلك سلوكاً لا تسمح للخصوم أن يتهموك، يوجد حقيقة أيها الأخوة أحب أن تكون واضحةً لديكم بشكل جيد وهي أن أهل الدنيا، أهل المعصية، أهل الفجور، المنحرفون، الذين يختل توازنهم الداخلي حينما ينحرفون، أي إنسان انحرف إما في أخذ المال الحرام، أو في ممارسة الشهوات التي لا يرضى الله عنها، إما لمكسبٍ مادي أو في إرواء شهوة محرمة، هؤلاء الذين ينحرفون في قبض الأموال وفي انتهاك الأعراض، والذين لا يبالون في شيء مصلحتهم وشهواتهم فوق كل شيء، هؤلاء حينما يقترفون السيئات ما الذي يحصل لهم ؟ بحكم فطرتهم التي فطرهم الله عليها، بحكم البنية الطاهرة التي خلق الله الإنسان بها يختل توازنهم الداخلي، يضيقون بانحرافهم، ما الذي يعيد لهم توازنهم ؟ أن يطعنوا في المؤمنين، أن يكتشفوا أخطاء المؤمنين، أن يروا أن المؤمنين ليسوا أفضل منهم ، لو أنهم رأوا هذه الرؤية لعاد إليهم توازنهم، فلذلك أيها الأخوة المؤمن الصادق يعد إلى المليون قبل أن يتحرك أما إنسان لا ديني، إنسان ينكر أصل الدين، إن هذا الإنسان يراك بشكل غير طبيعي، أخطاءك يكبرها ألف مرة لماذا ؟ ليستريح، هو عندما انحرف وحينما عصى، وحينما فجر اختل توازنه بحكم فطرته فضاقت نفسه به ذرعاً، أما إذا رأى خطأً في مؤمن أو زلة قدم أو تساهل، أخذ هذا الخطأ وكبره آلاف آلاف المرات وقال هكذا ألم أقل لكم إن الإيمان لا يقدم ولا يؤخر، لذلك سيدنا علي رضي الله عنه يقول قوام الدين والدنيا أربع رجال عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم وغنياً لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيع العالم علمه استكف الجاهل أن يتعلم.
 دائماً وأبداً فكر أنك إذا أخطأت مع مسلم مثلك يقول المسلم فلان أساء إلي أما إذا أخطأت مع طرف آخر، إنسان ينكر الدين، إنسان فاجر يقول المسلمون سيئون، يغفل اسمك ويتهم دينك، لذلك كما قال عليه الصلاة والإسلام: أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يأتين من قبلك.

 

 

(( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، قال: وكيف لي بالعلم بذلك، قال: إذا أردت أمراً فضع يدك على صدرك فإن القلب يضطرب للحرام ويسكن للحلال، وإن المسلم الورع يدع الصغيرة مكان الكبيرة ))

 والله يا أخوانا مقياس دقيق، ولكن طبعاً أنا لا أقبله مع الفجار، العقل أحياناً يطغى والفطرة تنطمس، أقبله مع الذين حافظوا على نقاء فطرتهم فقلبك مشعر دقيق فإن المسلم الورع يدع الصغيرة مخافة الكبيرة، بالمناسبة ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، يعني العوام يقولون: المعلم لو شلفها شلف بألف، بالتعبير الدارج، يعني الورع كيفما تحرك له أجر عند الله، والمخلط يوجد حجاب بينه وبين الله بمعنى أن أعماله الصالحة محفوظة عند الله لكنها مع السيئات لا تعينه على الاتصال بالله، أساس الدين الصلة بالله، لك عمل سيئ وعمل طيب، هذا الخلط بالعملين، السيئ حجبك عن الله والصالح لم يعد صالح، يعني أنت مثلاً من أجل أن تطبخ تحتاج إلى رأس غاز وإلى أسطوانة، لو عندك رأس غاز فقط لا تستطيع أن تطبخ، الرأس له ثمن وتستطيع أن تبيعه لكن هذا الرأس وحده لا يصنع لك طعاماً، عندك أسطوانة فقط جيدة وثمنها ألف ليرة لكنها وحدها لا تصنع طعاماً، لكن إذا جمعت بين الرأس والاسطوانة اتقد الرأس وأنضج لك الطعام.
 فالعمل الصالح ينهض بك إلى الله، إذا خالطه عمل سيئ، السيئ حجبك عن الله، إذاً العمل الصالح الآن لا يكفي كي تقبل على الله خالطه عمل سيئ لكن الله عز وجل يعطيك ما يقابله في الدنيا، العمل الصالح له فوائد جمة، الأولى أنه ينهض بك إلى الله، والثانية أن الله يكافئك عليه في الدنيا أو في الآخرة، والوظيفة الكبرى الأساسية أنه ينهض بك إلى الله تعطلت، انظر إلى أكثر الناس لهم عمل طيب لكن خالطها معاصي وانحرافات إما في موضوع الشهوات أو موضوع كسب المال، وهذه المعاصي والانحرافات حجبتهم عن الله عز وجل لذلك الدين لم يبقَ له معنى عندهم، الإنسان عندما ينقطع عن الله يبقى الدين ثقافة، أفكار، يوجد عنده فكر إسلامي يطالع ويقرأ، حرارة الإيمان غير موجودة، حرارة الإقبال غير موجودة، النور الذي يلقيه الله في قلب المؤمن غير موجود، السكينة التي هي أثمن شيء في الدنيا فأنزل الله سكينته، لا تجد في قلبه سكينة، ولا نور، ولا إيمان حار تجعله يتأجج وينطلق إلى الله كالمرجل لأن السيئات خالطت الحسنات.
أخوانا الكرام: كلام النبي عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ))

 وأنا ذكرت سابقاً أن الإنسان ممكن أن ينحجب عن الله بجريمة كبيرة، بمعصية فادحة، بانحراف خطير، أما أن يحجب عن الله ويفقد أثمن ما في الدين بصغيرة تافهة، يكون مغبون جداً، أيام الإنسان يقول لك لا يوجد كهرباء في المدينة، والكهرباء منقطعة كل جهاز في البيت معطل أما أن الكهرباء واصلة إلى البيت وملم واحد مقطوع، كل شيء معطل في البيت لانقطاع شريط لك أن تصله بثانية، يمكن أن تتعطل كل الأجهزة في البيت إذا كان لا يوجد تيار رئيسي، ليس لك حيلة، أما التيار واصل ويوجد قطعة صغيرة بين طرفي شريط وبإمكانك أن تصلها بثانية، هل تضحي بكل هذه الأجهزة من أجل هذه القطعة الصغيرة أنت مغبون إذاً.
الإنسان إذا ارتكب الكبائر يحجب عن الله ولكن هذا الحجاب يتناسب مع الكبائر أما يحجب عن الله لصغائر.

 

 

(( عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ))

 اتبع لا تبتدع، الورع لا يتسع، اتضع لا ترتفع، درسنا اليوم عن الورع والحديث الوحيد الذي هو محور الدرس هو:

 

 

(( دع ما يريبك إلى ما لا يريبك... " واثلة بن الأسقع روى عن النبي صلى الله عليه وسلم زيادة لهذا الحديث، قيل له فمن الورع يا رسول الله ؟ قال: الذي يقف عند الشبهة ))

 تعريف الورع عند النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يقف عند الشبهة هذا هو الورع، يقول أحد أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم: لماذا تريد ما يريبك وحولك أربعة آلاف لا تريبك، هذا معنى جديد، يعني الأشياء المتفق عليها كثيرة جداً، أحياناً يكون ألف نوع من الطعام ويوجد علبة لحم مستوردة هل يا ترى مذبوح ذبح شرعي، أم الحيوان مصعوق صعق، دمه فيه، يا ترى مخلوط بشحم خنزير، هذه العلبة كلها انتهي منها، يوجد عندك ألف نوع طعام طاهر نظيف لا يوجد فيه إشكال، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وربنا عز وجل جعل الحلال كثير والحرام قليل، ما جعل ثلاثين نوع حرام وخمسة حلال، جعل ألف نوع حلال وواحد حرام، قال تعالى:

 

 

﴿وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35)﴾

 

( سورة البقرة )

  كم شراب مسموح به ؟ بالمئات، الخمر ممنوع، كم لحم مسموح به، الخنزير ممنوع، لك أن تتزوج، أخوانا الكرام ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفة في الإسلام لا يوجد فيه حرمان الإسلام كله نظافة، أهل الدنيا يتوهمون أن الدين يحرمهم من كل شيء يجب أن تفهم الدين هذا الفهم أنك تسير في حقل فإذا بلافتة تقول لا تتجاوز الحقل يوجد ألغام، هل تحقد على من وضع هذه اللوحة ؟ أبداً، هل ترى أن هذه اللوحة تقيد حركتك ؟ لا والله، إنها ضمان لسلامتك، حينما تفهم المحرمات أنها ضمان لسلامتك فأنت فقيه، أما حينما تفهم المحرمات أنها قيد لحريتك فأنت لا تعرف شيئاً، ليست المحرمات قيداً لحريتك ولكن ضمان لسلامتك.
 ما تريد إلى ما يريبك وحولك أربعة آلاف لا تريبك، لا يوجد إشكال لأن المؤمن يمشي على أرض صلبة، أرض مستوية، وأرض مائلة منزلقة فيها حشائش ومواد مزحلقة، ثم يوجد نهر عميق، سر على المنطقة الجافة المستوية واطمئن، أما هذه المنطقة خطرة تقودك إلى النهر.
 سيدنا عمر قال: دع الربا والريبة، جناس ناقص، الريبة شيء مشكوك به، يعني أخوانا الكرام الحلال المحض القلب يطمئن له لا يضطرب القلب إلا إذا في شك، لذلك أنا أشعر أن كل إنسان يسأل سؤال والله سؤاله دليل ورعه، الحقيقة يوجد إنسان لا يسأل إطلاقاً، ولا يسأله لأنه ليس سائل، هذا إنسان خارج قوس، أما الذي يسأل هو يسأل ليعرف الحق، لكن لأنه سأل شعر بشك، شعر بريب والريب يدعوه للسؤال، والشبهات أيها الأخوة والنبي قال:

 

(( عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ ))

 

((... لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ.... "))

 ما معنى ذلك ؟ معنى ذلك أن الشبهات ليس كل الناس لا يعلمونها بل أكثرهم لا يعلمونها إلا أن بعض الناس يعلمونها، قال لي أخ البارحة: أنه ساهم بثمن سيارة، ورجل قال له: أريد أجرة، والأجرة حق، ولكن بعد سنة أريد أن أسترد مبلغي كما هو، صارت ربا، هذا صار قرض جر نفع، لكن إذا بعد سنة السيارة قيمت إما أن يزداد ثمنها أو يقل إذا كنت راضياً أن تأخذ ثمن نصف السيارة مهما بلغ فالأجرة حق أما إذا أصررت على أن تأخذ المبلغ كما أديته، الأجرة ربا صارت.
 أحد أصحاب النبي سئل، قال: ما شيء أهون من الورع ؟ الورع سهل لا يحتاج إلى علم واسع، تبحر، ما شيء أهون من الورع، إذا رابك شيء فدعه، هذا اسمه بالفقه الخروج من الخلاف، ياترى يجوز أن أمسح عن الجوربين، أبو حنيفة في آخر أيامه أجاز ويوجد أئمة رفضوا إذا خلعت الجوربين وتوضأت ماذا فعلت الآن ؟ خرجت من الخلاف، موضوع خلافي إن أخذت الأحوط انتهى الخلاف، لذلك الورع دائماً يأخذ بالأحوط فيخرج من الخلاف، أما عند الضرورة لك أن تأخذ بالرخصة، أما عند الطمأنينة والبحبوحة لك أن تخرج من الخلاف، لأخذ الطرف الأشد.
 أحد التابعين الأجلاء كتب غلام لحسان بن أبي سنان في الأهواز، إن قصب السكر أصابته آفة فاشتري السكر فيما عندك، مثل إذا الآن دولة تنتج قصب السكر بكميات تصديرية كبيرة أصابت هذا النبات آفة خطيرة، الناس لم يعرفوا، ولكن حتماً الأسعار سوف ترتفع، فهذا الرجل، قال ابن المبارك كتب غلام لحسان بن أبي سنان في الأهواز، إن قصب السكر أصابته آفة فاشتري السكر فيما عندك، فاشتراه من رجل ولم يأتِ عليه إلا قليل فإذا فيما اشتراه ربح ثلاثين ألفاً.
 هو تلقى خبر من أماكن زراعة قصب السكر أنه أصابته آفة وهذا الخبر جاءه منفرداً، وهو ماذا فعل ؟ اشترى السكر وبعد حين وصل الخبر والأسعار ارتفعت، ولم يأتِ عليه إلا قليل فإذا الذي اشتراه ربح ثلاثين ألفاً، قال: فأتى صاحب السكر وقال: يا هذا إن غلامي كان قد كتب إليك فلم أعلمك فأقلني فيما اشتريته منك، اشترى وباع وربح ثلاثين ألف، لكن عندما اشترى ما أعلم هذا البائع أنه انتبه أن قصب السكر أصابته آفة والأسعار سوف ترتفع ارتفاعاً جنونياً وباعه بالسعر وهو جاهل بما أصاب قصب السكر، فلما عاد إلى نفسه رأى الأسلم أن يعيد هذه الصفة إلى صاحبها، قال: إن غلامي كان قد كتب إلي فلم أعلمك فأقلني فيما اشتريته منك، قال له الآخر: قد أعلمتني الآن وقد طيبته لك الآن أنا علمت وهي حلال لك، قال: فرجع فلم يحتمل قلبه فأتاه فقال: يا هذا إني لم آتِ هذا الأمر من قبل فأحب أن تسترد المبيع، لم يتحمل وهذا هو الورع، البائع قال له: أعلمتني الآن وأنا قبلت وطيبت لك هذا البيع، فعاد مرة ثانية، صار في غبن، تدليس، كتم معلومات، وهذه درجة من الورع عالية جداً والآن يعدونها الناس في منتهى الشطارة، ومنتهى الحنكة والذكاء والحنكة التجارية أن تأتي بمعلومات دقيقة وأن تشتري من أناس لا يعلمون شيئاً، أيام يشعر الإنسان أنه يوجد تنظيم للأرض، وخبر أخذه من مصادره، ومنابعه يذهب إلى هذه الأمكنة ويشتري أراضي بمئات الدونمات، بعد حين يظهر قانون التنظيم وترتفع الأسعار عشر أضعاف، عشرين ضعف، ويعد نفسه في غاية الذكاء، طبعاً هذه قصة من قصص الورع.
 قال فما زال فيه حتى رده عليه، وكان يونس بن عبيد إذا طلب المتاع ونفقة أرسل ليشتريه يقول لمن يشتري له _أعلم من تشتري منه أن المتاع قد طلب، اشترى حاجة وباعها وصار عليها طلب، يرسل غلامه ليشتري بضاعة ليرمم ما نقص عنده فيقول له أعلم البائع أن البضاعة صار عليها طلب ونفقت، وما يكون في تدليس.
 قال هشام بن حسان: ترك محمد بن سيرين أربعين ألفاً فيما لا ترون اليوم فيهم بأساً، ترك أربعين ألف ورعاً أما أهل زمان ابن سيرين لا يرون بأساً في أخذ هذا المال، معنى هذا أن الورع درجات.
 الحجاج بن دينار بعث طعاماً إلى البصرة مع رجل ليبيعه له، ليبيع هذا الطعام بسعر يومه، إذا الإنسان أرسل طعام، أو جلب طعام وباعه بسعر يومه له أجر الصدقة، يوجد حاجة إلى مادة غذائية استوردتها وبعتها بسعر اليوم دون احتكار هذا المبيع يعد عند الله صدقةً لك مع أنك بعت وربحت، لكن ما حبستها حتى يرتفع سعرها ولا سيما أقوات المسلمين، أرسل طعام إلى البصرة مع رجل وائمره أن يبيعه بسعر يومه، فأتاه كتابه إني قدمت البصرة فوجدت الطعام قليلاً فحبسته فزاد الطعام، فازددت فيه كذا وكذا، يعني ربحت أربعين، خمسين ألف وآخرته جمعة، وهو وصل إلى البصرة ووجد التجار قالوا له: ننصحك أن تحبسه أسبوعاً لأنه صار عليه طلب، وهو لصالح موكله حبس الطعام وارتفعت الأسعار وباع، وحقق ربح كبير وأرسل إلى سيده أنه حبست الطعام ثم بعته بكذا وكذا فكتب إليه الحجاج: إنك قد خنتنا وعملت بخلاف ما أمرناك به، فإذا أتاك كتابي هذا فتصدق بجميع ذلك الثمن، ثمن الطعام على فقراء البصرة، أنا أمرتك أن تبيع الطعام بسعر يومه فلماذا حبسته أسبوعاً عن المسلمين وازداد ثمنه وحققت أرباحاً طائلةً، أنا آمرك أن تقدم ثمن الطعام الذي بعته لفقراء البصرة ولا أريد منك شيئاً.
 تنزه يزيد بن زريع عن خمسة ألف مائة من ميراث أبيه فلم يأخذه وكان أبوه يلي الأعمال للسلاطين، يعين أموال أبوه شك في حلها، فخمسة مائة ألف لم يأخذها من ميراث أبيه ورعاً، قد ترون هذه القصص ضرباً من الخيال لكن صدقوني أن الورع الله جل جلاله يكافئه أضعافاً مضاعفة لكن بعد حين، مرة قلت لكم فلاح صغير أعطوه قطعة أرض وعشرين دونم، وطول عمره فلاح وفجأةً صار صاحب أرض ففرحه بلغ درجة غير معقولة، له شيخ في الشام، قال له: يا سيدي منحت عشرين دونم من أراضي الإقطاع الفلاني وأصبحت مالك أرض وبارك لي، قال له: يا بني هذه أرض مغتصبة لا يحل لك أن تأخذها، يعني كأنه ألقى على فرحه ماء فانطفأ جمر فرحه، فقال له: ماذا أفعل ؟ قال له: حاول أن تشتريها من صاحبها، قال له: لا أملك، قال له: بع ما بحوزتك وادفعه دفعةً أولا لعله يرضى، فذهب إليه قال: يا سيدي أعطيت من أرضك عشرين دونماً ولي شيخ أنبأني أن هذا لا يجوز فماذا أفعل هل تقبل أن تبيعني هذه الأرض، قال له: الإقطاعي أخذ مني أربع مائة دونم ولم يأتِ أحد إلي إلا أنت هذه هدية مني لك، تملكها حلالاً مني، طبعاً المؤمن ورع والله يكافئ الورع دائماً، يكافئ الورع مكافأة مجزية، أحدكم لا يخاف إذا رأى شيء فيه شبهة وتركها يبقى بلا شيء، لا يأتيه كل شيء.
 أخوانا الكرام يوجد أحاديث أنا أعدها أصول، هذا الحديث يجب أن يكون عندكم جميعاً في أذهانكم: ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه، في دينه مع الله، وفي دنياه التي يعيشها.
أحد التجار ابن مخرمة احتكر طعاماً كثيراً فرأى سحاباً في الخريف فكرهه، رأى سحاب وأمطار كثيرة وهذه الأمطار تنتهي إلى موسم طيب، وهذا الموسم الطيب يخفض له الأسعار المخزونة عنده رأى سحاباً في الخريف فكرهه، فقال يخاطب نفسه: ألا أراني كرهت ما ينفع المسلمين فآل على نفسه أن لا يربح بهذا المخزون شيئاً، وشعر بلؤمه، المؤمن إذا الأسعار هبطت يفرح، أما إذا إنسان بعيد عن الإيمان يقول لك السعر تشرشح، تبهدل، يعني إذا الناس أكلوا كرز تحزن أنت، يجب أن يكون سعر الكيلو مائة ليرة تفرح عندئذ، المؤمن يفرح إذا رخصت الأسعار.
سيدنا عمر أول سؤال كان يطرحه على واليه إذا التقاه، كيف الأسعار عندكم ؟ الله هو المسعر لكن سيدنا عمر يسأل عن السعر، والسعر مهم جداً، السعر المنخفض في بحبوحة للناس، والمرتفع، أيام ترى الحاجات كلها موفورة وأسعارها غير معقولة، أسعارها ليس في متناول الفقير شيء مؤلم جداً.
 هناك حالات كثيرة جداً في العلاقات التجارية تدخلها الشبهة فالمؤمن الصادق يبحث عن الربح الحلال الطيب، إلا أنه يوجد نقطة دقيقة ليس كل شيء فيه شك بسيط تركناه، هناك رخص أحياناً، النبي رخص بها وهي ثابتة، وهذه الرخص قد لا تصل إلى بعض العلماء، فإن لم تصل إليهم وأفتوا في حرمة ذلك، ويوجد رخص ثابتة للنبي أنت يمكن أن تعتمد على الرخصة الثابتة، بحديث صحيح دون أن يكون هناك أحاديث مخالفة لهذا الترخيص، يعني الحقيقة أن التحريم سهل يستطيعه الجاهل، الجاهل يستطيع أن يقول لك عن كل شيء حرام، أما البطولة أن تعطي الرخصة الثابتة عن رسول الله، أيام الإنسان يعطي جزء من ربحه لشخص جاء بشاري، إذا كان الفرق من ربح لا يوجد مانع، يوجد إنسان يقول كله حرام، لا ليس كله حرام، إذا بضاعة سعرها في السوق مائة والذي جلب لك هذا الشاري أعطيته خمسة من ربحك الخاص وما زدت من ثمن المبيع هذا الشيء لا شيء عليه، الإنسان يسأل يوجد أشياء مباحة، وأشياء محرمة، يوجد أشياء فيها شبهات، طبعاً من ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، طبعاً إذا كنت على ما هم عليه المسلمون فأنت في بحبوحة لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ أُمَّتِي لا تَجْتَمِعُ عَلَى ضَلالَةٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُ اخْتِلافًا فَعَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الأعْظَمِ ))

 مجموع المسلمين، والإجماع أحد المصادر الشرعية الأساسية، دائماً الفكر الشاذ والحكم الشاذ منبوذ مهاجم، أما لو أن المسلمين جميعاً في عصر ما اقتضوا شيئاً هذا الشيء مع الأدلة في الأعم الأغلب مقبول لأن النبي عليه الصلاة والسلام أنبأنا أن أمته لا تجتمع على خطأ، لكن يوجد في نقطة دقيقة جداً، ما ظهر العمل به في القرون الثلاثة المفضلة هو الحق وما عداه هو الباطل، قال عليه الصلاة والسلام: خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
 فالقرون الثلاثة تسمعون ويسمع منكم، ويسمع من يسمع منكم، فهذه القرون الثلاثة إذا في شيء عمله الناس والصحابة بين ظهرانيهم، والتابعون كذلك، وتابعوا التابعين كذلك، إن هذا الأمر عليه إجماع المسلمين لا شبهة فيه، أما إذا فعله أناس قلائل وأدلتهم ضعيفة هذه الشبهة لا ينبغي أن تؤخذ، لكن الشيء الذي ينبغي أن نلفت النظر إليه أنه من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة ثم يتورع عن شيء من دقائق الشبه، إن هذا لا يقبل منه، مرتكب أكبر المعاصي ويقول لك سمسمة بين أسناني هل يا ترى أفطرت يا سيدي، أي سمسمة هذه ؟ يكون مقترف الكبائر برمضان، وخاف أن يكون قد أفطر من سمسمة بين سنين فضغطها وشعر بطعمها، دائماً الورع المبالغ به.
 سيدنا عمر كان يطوف حول الكعبة في موسم الحج ورجل وجد لوزة صاح ورفع صوته مَن صاحب هذه اللوزة ؟ من صاحب هذه اللوزة ؟ فقال له: كلها يا صاحب الورع الكاذب، فإذا الإنسان متلبس بالمعاصي بالكبائر، متفلت في كسب ماله ودخله ربوي، بيته متفلت لا يوجد فيه انضباط، وبدأ يسأل عن أشياء دقيقة جداً، هذا الورع ورع كاذب غير مقبول، العلماء قالوا: أما من يقع في انتهاء المحرمات الظاهرة ثم يريد أن يتورع عن شيء من دقائق الشبه فإن هذا ينكر عليه ولا يقبل منه.
 قال مرة ابن عمر سأله سائل عن دم البعوض، الذي سأله من الخوارج أن دم البعوض وإذا البعوضة توقفت على ثوب والإنسان قتلها فإذا قتلها شيء من دمها يأتي هذا الثوب هل يجوز أن نصلي بهذا الثوب وعليه دم بعوضة، فقال: تسألني عن دم البعوض وقد قتلتم الحسين.
 يعني قتلوا بعض الصحابة، قتلوا تابعين، هذا من الورع الكاذب، رجل له زوجة وأمه تأمره بطلاقها، فسأل أحد العلماء فقال: إن كان بر أمه في كل شيء ولم يبقَ من برها إلا طلاق زوجته فليفعل، يعني هو يعصي أمه في ألف شيء، فلما قالت له طلق امرأتك ورع، هل يجب أن تطلقها، أنت لماذا لم تحمل هذا الأمر على أوامرها الأخرى.
 سئل الإمام أحمد عن رجل يشتري بقلاً ويشترط الخوصة، والخوصة ما يربط به البقل ـ أن هذه تكون حلال ـ فقال له: إيش هذه المسائل ـ يعني لأي شيء هذه المسائل ـ قيل له إن إبراهيم بن أبي نعيم يفعل ذلك فقال: إن كان إبراهيم بن أبي نعيم يفعل ذلك فنعم، فهذا لا يشبه هذا، لكل إنسان له مقام.
يوجد أشخاص ورعون جداً فإذا تورعوا عن أشياء دقيقة جداً، سيدنا أبو حنيفة تورع عن أن يقف في ظل بيت مرهونة عنده، أما إذا رجل جزء من دخله حرام، وقف في الظل لا بأس، اجلس في الظل، القصة الآن ليس مقبول ورع من إنسان غير ورع.
 مر الإمام أحمد كان لا يستمد من محابر أصحابه وإنما يخرج معه محبرته يستمد منها ـ لا يحب أن يضع الريشة في محبرة صاحب لعل الحبر اشتري بطريقة غير شرعية فيأخذ معه محبرته وهذا منتهى الورع ـ مرة استأذنه رجل أن يأخذ من محبرته فقال له: اكتب فهذا ورع مظلم، واستأذنه رجل آخر في ذلك فقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا، من الإمام أحمد مقبولة أما من إنسان غير منضبط غير مقبول منه أن يصل إلى هذه الدقائق ويترك الدقائق الواضحة.
على كلٍ الحديث الشريف الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم

 

(( عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ ))

 المؤمن قلقه وحيرته وأسئلته وتدقيقه، وعرض المسائل على المختصين بغية معرفة الوجه الصحيح فيها هذا أيضاً من الورع، هناك من لا يسأل وهناك من يسأل، الذي يسأل أفضل ألف مرة من الذي لا يسأل، والشبهات أحياناً يعلم حقيقتها بعض الناس، والعلماء المحققون يعلمونها قطعاً، فالإنسان ليسأل لأن الله عز وجل قال:

 

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)﴾

 

( سورة النحل )

﴿ةفَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً (59)﴾

( سورة الفرقان )

 هاتان الآيتان تشيران إلى موضوعين كبيرين، اسأل في أمور متعلقة بالدين من عرف الله معرفةً يقينية، فسأل به خبيرا، واسأل في أمور الدنيا أهل الذكر، واسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، ومن استشار الرجال استعار عقولهم، والعلم مفتاحه السؤال.
والحمد لله رب العالمين
 وردني سؤال من موضوع الدرس إن بعض العائلات، والحقيقة العائلات هذا خطأ شائع صوابها إن بعض الأسر لأن العائلة مؤنث عائل والعائل هو من ينفق على الآخرين، والحقيقة الذي يعيننا جميعاً هو الله عز وجل، نحن معانين، ولسنا معينين، أما الصواب إن بعض الأسر يقيمون جمعية خيرية توزع لكل منهم مبلغاً هل في هذا العمل من ربا ؟
يعين مجموعة أشخاص عشرين شخص يدفع كل واحد ألف في الشهر ويوجد كل شهر عشرين ألف ويدفعون هذا المبلغ كل شهر لواحد، هذا يوجد عنده ولادة، وهذا يوجد عنده مناسبة، شراء ألبسة لأولاده، هذا العمل لا يوجد فيه شيء إطلاقاً بالعكس تعاون وهذا مما يندب له لقول الله عز وجل:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)﴾

 

( سورة المائدة )

 هذا بديل اليانصيب، الذي أخذ عشرين ألف أخذها قرضاً من أخوانه وسوف يؤديها منجمةً كل شهر، وهذا العمل طيب، كل شيء فيه حرمة له بديل، يوجد تأمين تعاوني ولكن نظري غير موجود، أما لو مائة تاجر اتفقوا أنه لو كل مستورد يدفع بالمائة اثنين من مستورداته في صندوق، واحد خسر ندفع له من هذا الصندوق ما يصلح مشكلته، أما الباقي لنا جميعاً ويمكن هذا المال أن نستثمره في جهة مشروعة وهذا موضوع تعاوني لا شيء عليه بالعكس ندوب إليه.
دين الله لا يمكن أن يعجز مهما تقدمت العصر، مهما تعقدت الأمور، دين الله وصفه بأنه:

 

﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)﴾

 

( سورة المائدة )

 الدين تام وكامل ونحن أحياناً نرفض الطرح الديني لحل مشكلة والعلة ليست في الدين بل فينا، حينما نرفض الحل الديني، والدين يوجد عنده حل لك مشكلة، عوض أن تدفع مبلغ ويأتي إنسان ويأخذ مجموع المبالغ كرابح أول والكل محرومين، هذا عقد بلا عوض، أما حينما يدفع كل إنسان لسنة ويأخذ بالشهر اثني عشر ألف هذا شيء لا غبار عليه وهذا تعاون ولا شيء عليه، وأنا أتمنى من أخوانا أن السؤال مفتاح العلم، والإنسان لا يبقى على شيء يسأل في البيوع، في الرهون، وفي الآجار
 محور درسنا دع ما يريبك إلى ما لا يريبك بالتعليق على هذا الحديث من ودع، هذا دع فعل أمر ليس ماضي، ولكن ماضيه، من ودع ما يريبه إلى ما لا يريبه الله عز وجل يكافئه بأضعاف مضاعفة نظير ورعه، ما ترك عبد شيء لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018