بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 075 - الحسد2


1995-08-27

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون: قبل أن نقرأ الحديث الشريف الذي هو موضوع هذا الدرس، أذكركم بقول سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يقول هذا الصحابي الجليل: ثلاثة أنا فيهن رجل، ومعنى رجل أي بطل، وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس، من هذه الثلاثة، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، لو أخذت كلام الناس لوجدت معظمه وأكثره وجله ينطلق من الهوى، من مصلحته من شهوته، من غريزته، من نزوته، من ضيق أفقه، لكن النبي صلى الله عليه وسلم كلامه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، لذلك قال علماء العقيدة: الوحي وحيان، وحي مَتْلُو وهو القرآن الكريم ووحي غير مَتْلُو وهو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح طبعاً، فكلما ازداد إيمانك يزداد تعظيمك لكلام رسول الله، أنت في حياتك نصان: القرآن والحديث، أو القرآن وما صح من الحديث، لا يأتيه الباطل من بين أيديه ولا من خلفه، ما عليك إلا أن تتقصى صحة الحديث، والمدلول الصحيح للحديث، وعليك أن تطبقه أي نص آخر من إنسان كائن من كان يقيم من خلال الكتاب والسنة، فإن وافقه فعلى العين والرأس وإلا فلا، الحديث الذي يعد أصلاً في العلاقات الاجتماعية هو أصلاً حديث.

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ حَسْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ))

 والله أيها الإخوة لو طبق هذا الحديث في المجتمع المسلم، لكان المجتمع كالبنيان المرصوص، لكانت حياة المسلمين في قمم السعادة، أجمل ما في الحياة أن تعيش بين إخوان متحابين، يحبونك وتحبهم يؤثرونك وتؤثرهم، يحفظونك وتحفظهم، يصلحونك وتصلحهم، ينصحونك وتنصحهم، يؤثرونك على أنفسهم وتؤثرهم على نفسك، يعني أحد أكبر سبب للسعادة في الدنيا أن تكون في مجتمع مؤمن، مجتمع متحابب، قال الله تعالى في الحديث القدسي:

 

(( عَنْ مُعَاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْثُرُ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَحَابُّونَ فِيَّ، وَيَتَجَالَسُونَ فِيَّ، وَيَتَبَاذَلُونَ فِيَّ ))

 هذا التداور والبغضاء والشحناء والحسد والضغينة، هذه جميعاً صفات مجتمع الكفار تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى، متفتتون لكن مجتمع المسلمين من نوع آخر فإن لم يكن كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم فهناك خلل، خلل في إيمانهم خطير، لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا شرحناهم في الدرس الماضي، اليوم ولا تدابروا قال أبو عبيدة التدابر المصارمة والهجران ، ما بين الرجلين من قطيعة من تدابر أو هجران، هذا هو التدابر، قال: ولا تدابروا، لعلي أفهم من هذا الكلام الشريف ألاتفعل شيئاً تجعل أخوك يهجرك، لا تكن سبباً في قطيعة أخيك، طبعاً ليس النهي عن آخر مرحلة، النهي عن أسبابها، أسباب التدابر كلمة قاسية، نظرة قاسية، نظرة ساخرة، موقف فيه احتقار أن تكذب عليه، أن تستغله، يعني كل شيء يدعو أخاك إلى أن يقطعك لا تفعله، كقوله صلى الله عليه وسلم: لا تباغضوا البغض حالة نفسية عفوية ليست إرادية لكن بيدك أسباب البغضاء، لاتفعل شيئاً تدعو أخاك كي يبغضك، أو تحمل أخاك كي يهجرك، لا تدابروا أي التدابر هو فعل فيه مشاركة، دابر أي أدار كل طرف ظهره للآخر، أي تقاطع، يولي الرجل صاحبه دبره، أي يعرض عنه بوجهه، هو التقاطع، قال عليه الصلاة والسلام لا تحاسدوا ولا تقاطعوا ولا تباغضوا ولا تدابروا أي ولا تقاطعوا أي كونوا عباد الله إخوانا، كما أمركم الله تعالى، في الصحيحين أنا بدأت الحديث وما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى والله سبحانه وتعالى لا يقبل أن تدعي محبته إن لم تطبق سنة رسوله لا يقبل قال تعالى:

 

 

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31)﴾

 

(سورة آل عمران )

 بل إن الله سبحانه وتعالى طمأن كل مجتمع يقيم سنة رسول الله، قال الله تعالى:

 

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)﴾

 

 

( سورة الأنفال )

 هذه سنتك في الحياة، إذا كانت سنة النبي في أعمالهم في تجارتهم بيوعهم، شرائهم، في بيوتهم، مع زوجاتهم، مع أولادهم، في نزهاتهم، في أفراحهم، في أتراحهم، هم في بحبوحة من العذاب، في الحديث الذي ورد في الصحيحين، وهو أعلى درجات الحديث، قال الرسول الكريم:

 

((عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ))

 أي لعل هناك مشكلات، يوم أو يومين أو ثلاث أما أكثر من ذلك فلا بد أنّ هناك مرض، صار هناك خلل في المجتمع، قال الرسول:

 

 

((عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَْنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ))

 الصد أريح لنا تتمشى مع رغبتك في القطيعة، في الانتقام، تصد عنه من أجل أن تشفي غليلك منه، قال فيصد هذا ويصد هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام، ويقول عليه الصلاة والسلام:

 

 

((عَنْ أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ ))

 لأن الإنسان في الأصل اجتماعي، قلت لكم من قبل أن الله عز وجل قهرنا بالجوع الجوع دفعنا إلى أن نعمل، وقهرنا بحب الطرف الآخر، حب الطرف الآخر دفعنا إلى أن نتزوج، الجوع دفعنا إلى أن نأكل فنحافظ على بقاء الفرد، وحب الطرف الآخر دفعنا إلى أن نتزوج فنحافظ على بقاء النوع، وحب التفوق، العلو، تأكيد الذات، الأهمية دفعنا إلى أن نتفوق كي نشعر بأننا أصحاب مهمون، ثم إن الله قهرنا بالاجتماع، الإنسان اجتماعي بالطبع الإنسان يرتاح إذا كان في مجتمع العوام لهم أقوال كثيرة، الدنيا بلا ناس ما بتنداس، أيّ مكان فيه عزلة فهناك وحشة، مع الأشخاص هناك أنس لكن بالمناسبة المجتمع الصالح خير من الوحدة، والوحدة خير من جليس السوء، أنا أعطيكم ميزان دقيق، هي لعبة شد الحبل، إذا كان بإمكانك أن تشد الآخرين إلى الله ورسوله فكن معهم، أما إذا كان بإمكانهم أن يشدوك إلى خطتهم إلى انحرافهم ابتعد عنهم، المقياس لعبة شد الحبل، إذا كان بإمكانك أن تشدهم كن معهم، أنت قوي، أما إذا أمكنهم أن يشدوك ابتعد عنهم، مقياس الاختلاف والعزلة أساسه قدرتك على أن تؤثر، أو على أن تتأثر إذا كان تأثرك بهم أشد من تأثيرك فيهم ابتعد عنهم، وإذا كانت قوة تأثيرك فيهم أشد من تأثرك بهم خالطهم، نعم من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه، الله قهرنا بالطعام والشراب من أجل أن نعمل، وقهرنا بحب الطرف الآخر من أجل أن نتزوج، وقهرنا برغبة التفوق من أجل أن نبدع وأن  نكون أبطالاً ثم قهرنا أن نكون مع الناس كي تظهر فضائلنا لو أنّ الإنسان سكن وحده في صومعة لا يمكن أن تظهر فضائله، فضائل الإنسان لا تبدو إلا في مجتمع، حلمك، عفوك، رحمتك، إنصافك، صدقك، عطاؤك، فلذلك من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه، بمعنى أنه حطّم فيه الدافع الاجتماعي، أو منعه من أن يلبي رغبته الاجتماعية، لذلك الإنسان إذا وضع في غرفة منفردة لا أدري كم يوم بشكل مستمر دون أن يشعر بالليل والنهار ودون أن يكون معه أي خبر من المحيط الخارجي ولا ساعة بعد حوالي عشرين ثلاثين يوم يختل عقله، لذلك هناك أناس يؤثرون أن يكونوا في مهجع على _أن يكونوا في غرفة منفردة لأنّ قضية الانعزال قد تصيب الإنسان بخلل، قال الرسول الكريم:
(( عَنْ أَبِي خِرَاشٍ السُّلَمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ ))

 

 

 


 لكن هناك تعليقات كثيرة جداً ومهمة، هذا التقاطع من أجل الأمور الدنيوية، أما لأجل الدين فهناك شرح طويل، الثلاثة الذين خلِّفوا عن غزوة تبوك النبي عليه الصلاة والسلام أمر أصحابه ولكن بأمر من الله ليس من عنده الأمر، قال له: قم حتى يقضي الله فيك، هذه من كعب بن مالك، النبي تلقى أمراً من الله بمقاطعتهم، قال تعالى:

 

﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)﴾

 

 

( سورة التوبة )

 إذاً لعلة يراها رسول الله صلى الله عليه وسلم يجوز أن يُقَاطع الإنسان لأسباب تتعلق بآخرته، والنبي عليه الصلاة والسلام من خلال أحاديثه استنبط الفقهاء أنه يجوز أن تهجر أهل البدع المغلظة، إنسان جاء بشيء لم يرد في الدين، هذا مبتدع والمبتدع خطأه كبير، لأن الخطأ بالمفردات سهل أما بالميزان صعب، لو أنّ إنسان وزن وزنة وأخطأ فيها ممكن، ممكن أن يخطئ في الوزن، أما أن يكون خطأ في الميزان لو وزن به مليون وزنة كله غلط، لذلك الخطأ في العقيدة شيء، والخطأ في السلوك شيء آخر، الخطأ في العقيدة صاحبه مبتدع لا يتوب من ذنبه، بينما الخطأ في السلوك سريعاً ما يتوب، أكبر خطر يتهدد المؤمن أن تنحرف عقيدته، لذلك العاصي يعرف أنه عاصي فيتوب أما المبتدع فلا يعلم أنه مبتدع فلا يتوب، لكن الحكم الشرعي هنا طبعاً أصحاب البدع المغلّظة، جاء بشيء ليس من الدين، وكلكم يعلم أيها الأخوة أنّ موضوع البدع موضوع دقيق جداً، البدعة نوعان في الإسلام، بدعة في الدين وبدعة لغوية، هذه المروحة لم تكن على عهد رسول الله، وتكبير الصوت لم يكن على عهد رسول الله، وتكييف المسجد لم يكن على عهد رسول الله، وفي حياتنا آلاف المظاهر التي لم تكن على عهد رسول الله، لكن هذه البدع ليس لها علاقة بالدين، البدعة في الدين أن تأتي بشيء في العقيدة أو العبادة لم يكن قد جاء به رسول الله، لذلك قال تعالى:

 

﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (3)﴾

 

 

( سورة المائدة )

 الإتمام في اللغة عددي، والإكمال نوعي، أي أنّ عدد القضايا التي عالجها الدين تام، وأنّ طريقة المعالجة كاملة، العدد تام والطريقة كاملة، لذلك لا يستطيع إنسان كائن من كان أن يضيف على الدين شيئاً ولا أن يحذف منه شيئاً، وإذا أردنا لهذا الدين أن يستمر إلى ما شاء الله كما بدأ ينبغي أن نحافظ عليه من أن يضاف عليه شيء ومن أن يحذف منه شيء، لذلك البدعة في الدين أن تأتي في العقيدة بشيء ما ورد في الكتاب والسنة، أو تأتي في العبادة بشيء ما ورد في الكتاب والسنة، أما البدعة في اللغة فما أكثرها، أيّ شيء لم يكن على عهد رسول الله هو أنواع ثلاثة نوع متوافق مع أصول الدين، ومع فروع الدين، وهو لاشيء عليه، الله سبحانه وتعالى قال:

 

﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36)﴾

 

( سورة النور )

 فإذا حسنّا المسجد جعلناه مريحاً لطفنا جوه، جعلنا فيه الماء البارد، الماء الساخن في الشتاء، نقلنا الصوت إلى أرجائه هذا الشيء لم يكن، إنه متوافق مع الدين متوافق مع تحسين بيوت الله عز وجل، لكن هناك بدعة تتناقض مع الدين، لم يكن في حفلات الأعراس قبل ألف عام تصوير، أما حينما يكون في العرس تصوير والعياذ بالله، فهذه الآلة تلتقط صور النساء، وهن في أبهى زينة وهذا الفيلم يعرض في بيوت أزواج المدعوات، في كل بيت، فيشاهد الرجل كل نساء الحفل، وهن بأبهى زينة فهذه من أكبر المعاصي، لذلك التصوير في الأعراس بدعة ولكنها تتناقض مع أحكام الدين إذن هي محرمة، الثالثة هناك بدعة موقوفة على نوع استخدامها فهي إما أن تستخدم في الحق أو الباطل، قد تشتري مسجلة لتستمع إلى درس دين أو إلى قرآن كريم، وقد تشتري هذه المسجلة لتستمع إلى غناء وإلى فسق وفجور، فهذه الآية موقوفة على نوع استخدامها، أصبح عندنا البدعة في الدين وهي مرفوضة كلياً لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

 

((عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: يَحْمَدُ اللَّهَ وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ يَقُولُ: مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ إِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ وَكُلُّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ، ثُمَّ يَقُولُ: بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ وَكَانَ إِذَا ذَكَرَ السَّاعَةَ احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ وَعَلاَ صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ نَذِيرُ جَيْشٍ يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ تَرَكَ مَالاً فَلأَِهْلِهِ وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَإِلَيَّ أَوْ عَلَيَّ وَأَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ ))

 أما البدعة في اللغة فشيء لا علاقة له لا بالعقيدة ولا بالعبادة، لم يكن على عهد رسول الله إلا أنواع ثلاثة، إما أنه متوافق مع أصول الدين وفروعه فهو مباح، وإما أنه مناقض فهو محرم، وإما أنه يمكن أن يستعمل في طريق مشروع أو في طريق غير مشروع، وذلك موقوف على نوع استعماله، هذا معنى المبتدع، المبتدع قال: أباح الإسلام أن تهجر أصحاب البدع المغلظة، الإنسان جاء ببدعة في العقيدة لم تكن، أفسد عقائد الناس، دلّهم على شيء فيه معصية، عدّ هذه المعصية مشروعة، هذا إذا احترمته وسلّمت عليه ووقفت له وأثنيت على علمه وذكائه أنت بذلك غششت الناس، فمن الدين أن تهجر أصحاب البدع المغلظة، انظر إلى دقة الكلام لو أنها بدعة غير مغلّظة، ننصحه، لا نقاطعه، هو لم يقصد، هناك خروج عن السنة ولكن بشكل طفيف، غير مقصود، غير صارخ، لا يؤذي المسلمين، فأصحاب البدع الملَطّفة يُنصحون، أما أصحاب البدع المغلظة يُهجرون وهذا من الدين، قال: والدعاة إلى الأهواء، أي هل من الممكن لصاحب مسبح مختلط أن يعمل مولد، ونلبي الدعوة، ونلقي كلمات ونثني عليه وعلى أخلاقه وورعه، أعوذ بالله، فهؤلاء الذين يدعون إلى البدع المغلظة أو إلى الأهواء والمعاصي، ينبغي أن يُهجروا استثناءً من قول النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إنّ هجران الأب لابنه بقصد تربيته يجوز أن يزيد هذا الهجران على ثلاثة أيام، أحياناً ابن منحرف أرعن لا يعبأ بالدين إطلاقاً فالأب هنا مضطر أن يهجره فوق ثلاثة أيام، يردعه، ولكي يحمله على الطاعة، قال: يجوز للأب أن يهجر ابنه فوق ثلاث، ويجوز للزوج أن يهجر زوجته فوق ثلاث تأديباً لأن النبي صلى الله عليه وسلم هجر نساءه شهراً، الهجران متى ينقطع ؟ هل ينقطع للسلام، إذا قال السلام عليكم انتهى الهجران، هنا يوجد نظر، قالت طائفة من العلماء: الهجران ينقطع بالسلام، إذا سلمت على الذي هجرته انقطع الهجران، قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلاَثٍ فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلاَثٌ فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الأَْجْرِ وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالإِْثْمِ.))

 إذاً برأي بعض العلماء أنّ طرح السلام، إلقاء السلام ورد السلام يُنهي الهجران، أخذاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

 

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلاَثٍ فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلاَثٌ فَلْيَلْقَهُ فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الأَْجْرِ وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ فَقَدْ بَاءَ بِالإِْثْمِ))

 الذي ألقى السلام خرج من الهجر، والذي أبى أن يرد السلام وقع في الإثم إذاً وقع هجران بين مؤمنين، مضت أيام ثلاثة، التقيا، قال أحدهما للآخر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، قال له الآخر: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، انتهى الهجران، لم يرد عليه خرج الأول من إثم الهجران وبقي الثاني في هذا الإثم، الآن هناك شيء دقيق جداً عُدّ من الهجر، أي كان هناك مودة ومحبة وزيارات ونزهات مشتركة وبذل وهدايا وتضحية، حدثت مشكلة فتصارما، تقاطعا، تهاجرا، فجاء أحدهما وألقى السلام وردّ الثاني عليه وانتهى الهجران، لكن بقيا متباعدَين، متدابرين، ليس بينهما زيارات ولا مودة ولا بذل ولا نصيحة قال: بقي كل منهما هاجراً لصاحبه على الرغم من السلام، إذا كان هناك مودة بالغة ولقاء وزيارات وأنت تقطع الهجران بكلمة تقولها وانتهى الأمر لا، قال: إذا كان بينهما قبل الهجر مودة ولم يعودا إليها ففيها نظر، أصبح عندنا حكم ثالث، قال الإمام أحمد: وسُئل عن السلام يقطع هجران قال: قد يسلم عليه وقد صدّ عنه، ثم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا، أي القصد أنّ الإنسان عليه أن يعود إلى ما كان عليه لا إلى إلقاء السلام وانتهى الأمر، إذا كان بين مؤمنين مودة عميقة، بذل، تضحية، زيارات، وتقول: أنا ألقيت السلام، وتلقيت رد السلام، وانقطع الهجران وانتهى الأمر وبقي التدابر والصد والبعد وما إلى ذلك، يقول الإمام مالك: لا يُقطع الهجران بدون العودة إلى المودة، الآن عندنا شرط جديد، السلام وحده إلقاءً ورداً لا يقطع الهجران، يحتاج إلى أن تعود المودة إلى ما كانت عليه، فإذا كان أخ وله علاقة بأخ وصار هناك هجران بينهما، ينبغي أن يحاول أن يعيد المياه إلى مجاريها، والعلاقات إلى ما كانت عليه، علماء آخرون فرّقوا بين الأقارب والأباعد قال: الأباعد ينقطع الهجران بينهم بإلقاء السلام، أما الأقارب فلا ينقطع الهجران بينهم إلا بالمودة التي كانت من قبل، أن تعود المودة كما كانت من قبل، لأنه يوجد هنا صلة رحم، كان هناك تدابر، ثم أصبح سلام ورد سلام انتهى، ولكن لا يوجد زيارات، لا يوجد تعاون، لا يوجد لقاءات، هؤلاء أقرباء، هؤلاء رحم، لذلك التفريق الثالث أنّ الأباعد والأجانب ينقطع الهجران بينهم برد السلام، لكنّ الأقارب ذوي الرحم لا ينقطع الهجران بينهم إلا بالمودة التي كانت من قبل، هذا حول معنى قوله صلى الله عليه وسلم ولا تدابروا، أما قوله: لا يبع بعضكم على بيع بعض، النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين:

 

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ وَلاَ يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَتِهِ ))

 أي الإنسان اشترى شيئاً ودفع ثمنه، لم يستلمه بعد، تذهب أنت وتدفع سعراً أعلى للبائع كي تأخذه من أخيك، هذا منهي عنه، هذا بيع على بيع، إنسان خطب فتاة فيأتي إنسان آخر ويخطبها بعد خطبة أخيه لها هذه خطبة على خطبة وبيع على بيع، هذا لا يجوز، قال الرسول:

 

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ يَزِيدُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلاَ يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَتِهِ))

 وفي رواية أخرى لمسلم:

 

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ يَسُمِ الْمُسْلِمُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ وَلاَ يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَتِهِ ))

 السوم يعني الأخذ والعطاء في البيع والشراء، لا يبيع على بيعه ولا يخطب على خطبته، إلا بإذن منه، في رواية ثانية، نعم المؤمن أخو المؤمن فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه ولا أن يخطب على خطبة أخيه حتى يذر، في أشخاص تعطي أسماء خمس أسر إذن هل من المعقول بيت اثنين ثلاث أربع، بيت بيت، صار في نصيب اتفقوا، ما صار انسحبت عندها صار في مجال لأخيك، أما خطبة على خطبة بيع على بيع اتفاق على اتفاق، هذا مما نهى عنه رسول الله عليه وسلم لا يخطب على خطبته حتى يذر، حتى ينسحب هذا من حق المسلم على المسلم، لكن بعض العلماء قال: هذا الحق لا ينشأ للكافر على المسلم نعم رأي الإمام الأوزاعي والإمام أحمد، أن هذا الحق لا ينطبق على غير المسلم، لذلك حق الشفعة ألا تبيع البيت الذي لك فيه جار إلا أن تستأذن جارك، وهو أحق بشراء البيت من الغريب، قد يكون مضطر أن يتسع بالبيت، معه ثمن بيتك هو تحل له مشكلة فهو ساكن في البيت بيتين في شقة واحدة فتح الأبواب على بعضها أصبحت بيت واحد، معه ثمنه أن تبيعه للغريب لا يجوز، هذا الحق ثابت في الفقه، الحقيقة هناك خلاف بين العلماء، أن هذا النهي تحريماً أم تنزيهاً، منهم من قال: للتنزيه دون التحريم، والصحيح أن جمهور العلماء على أنه تحريم، لا يبع على بيع ولا يخطب على خطبة، هذا النهي ينصرف إلى التحريم لا إلى التنزيه، لكن السؤال هل يصح البيع، هو بيع محرم ولكن هل يصح، عند أبي حنيفة يصح البيع، لكنه يلقى من الله عذاباً وعقاباً على أنه باع على بيع أخيه، الإمام مالك في النكاح قال: إن دخل بها ثبت النكاح، إن لم يدخل فسخ النكاح، إذا كان نكاح على نكاح، خطبة على خطبة نعم، بعض العلماء قال: البيع باطل والخطبة باطلة إذا كان البيع على بيع والخطبة على خطبة، هذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ولا يبع بعضكم على بيع بعض، أما الفقرة التي تلي هذه الفقرة في الحديث الشريف، وكونوا عباد الله إخوانا، متى يكون العباد إخوانا إذا تركوا الحسد، وتركوا النجش وتركوا التباغض، وتركوا التدابر، وتركوا التداخل في البيع والخطبة، وتركوا كل ما يؤدي إلى النفور بين المؤمنين، وفعلوا كل ما يؤدي إلى المودة، البشاشة، بذل السلام، تلبية الدعوة، تشميت العاطس، طرح السلام، هذا كله يزيد المودة بين المؤمنين، لذلك لا يكون المؤمنون عباد الله إخوانا، إلا إذا ابتعدوا عن كل ما يبعدهم عن بعضهم، وفعلوا كل ما يمتن علاقتهم ببعضهم، إن فعلوا كل هذا أو ذاك كانوا عباد الله إخواناً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ عَبْدِ اللَّهِ الْخُرَاسَانِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَصَافَحُوا يَذْهَبِ الْغِلُّ وَتَهَادَوْا تَحَابُّوا وَتَذْهَبِ الشَّحْنَاءُ))

 ماذا نستنبط من فعل تهادوا ؟ فعل مشاركة، تقدم هدية ويرد عليك أخوك بهدية مثلها، إي إذا كان بينك الإنسان وأخيه مشكلة، بغضاء، حسد، قضية عالقة هدية مخلصة، وليس من الضرورة أن تكون القيمة غالية، مهما تكون رمزية فإنها تذهب بوحل الصدر، سيدنا عمر بن عبد العزيز يقول: تصافحوا فإنه يُذهب الشحناء وتهادوا، الشحناء والضيق هذا كله تذهبه الهدية المخلصة، والمصافحة تزيد في المودة، قال الإمام المجاهد: بلغني أنه إذا تراءى المتحابان فضحك أحدهما إلى الآخر وتصافحا تحاتت خطاياهما كما يتحات الورق من الشجر، أي سقطت عنهما خطاياهما كما يسقط الورق من الشجر، إذا تراءى المتحابان وتصافحا وتَبَاشا، كان سيدنا محمد حكيم حكمة بالغة، عندما قال له أحد الصحابة، مر صحابي قال: والله إني أحبه، قال له النبي: هل أعلمته ؟ قال: لا، قال: قم فأعلمه، تبعه وقال له: يا فلان إني والله أحبك لله، فقال: أحبك الذي أحببتني من أجله، أي إذا إنسان يُكِنُ لأخيه مودة يقدر فيه الصفة، يحب فيه أمانته، وإخلاصه، تواضعه، صبره، عمله الدؤوب، وبقيت صامتاً فأنت بهذا لم تنمِ هذه المودة، لا تَضِن بكلمة مديح صادقة لأخيك، نمِّ هذه العلاقة بالكلام الطيب والمديح المعتدل الصحيح الواقعي، هذا المديح بحالة معتدلة صحيحة واقعية تنمِ المودة، أحياناً يكون بأخيك ميزات كثيرة جداً أنت تعرفها لكن لا تعترف بها، تعرفها ولا تعترف بها، هذا يسبب تدابر، أما لو كان لأخيك ميزات طيبة وأنت أثنيت عليها ولم تضن بالحديث عنها، أثنيت على شجاعته، ودقة مواعيده، وعلى محبته، وعلى إخلاصه في عمله، أو على تفوقه في اختصاصه، سبحان الله الإنسان يحب أن يكون مقدراً، يحب أن يكون حجم قدراته معروفة عند الناس، فإذا أردت أن تستميل إنساناً فاعترف بفضله، ولا تنكر عليه فضله، لذلك المؤمن الصادق يعترف بفضل الآخرين ولا ينكر عليهم فضلهم، بهذه الطريقة تنشأ المودة، النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال لسيدنا الصدِّيق، قال: ما ساء ني قط، فاعرفوا له ذلك، ما دعيت أحداً إلى الإسلام إلا وكانت له كبوة إلا أخي أبا بكر ما كبا أبداً، ما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر، سيدنا عمر لو كان نبي بعدي لكان عمر، سيدنا خالد هو سيف من سيوف الله، سيدنا أبو عبيدة أمين هذه الأمة، سيدنا سعد ارم سعد فداك أبي وأمي، سيدنا الزبير حواري هذه الأمة، ليس هناك صحابي على الإطلاق إلا والنبي خصه بمديح صادق، مخلص، هذا ينمي العلاقات لذلك كان عليه الصلاة وسلم كل صحابي التقى به يظن نفسه أقرب الناس إليه، كل صحابي كان يعتقد أنه أقرب صحابة رسول الله إلى رسول الله، هذه بطولة في الإسلام، لذلك قال الله تعالى يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام:

 

 

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)﴾

 

 

( سورة الأنفال )

 أي المظهر الصارخ للمؤمنين هذه المحبة، وهذه المودة، وهذا التواصل وهذا التبادل، وهذه المجانسة، قال الرسول الكريم:

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ وَحَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ))

 لذلك ما دام المسلم أخو المسلم نُهِي المسلم عن أن يفعل شيئاً ينفّر أخاه منه، وأُمر أن يفعل كل شيء يزيد المودة بينهم، المسلم من شأنه أن يوصل النفع لأخيه ويدفع عنه الضرر، قال الرسول عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَِخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ))

 وهناك رواية:

 

 

((وحتى يكره لها ما يكره لنفسه ))

 اسمعوا هذا الحديث ودققوا في مضمونه قال الرسول:

 

 

((عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبَا طَلْحَةَ بْنَ سَهْلٍ الأَْنْصَارِيَّ يَقُولاَنِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلاَّ خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلاَّ نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ ))

 أنت قوي وأخوك مؤمن، أُذِلَ أو أُهين أو انتُقِص من عرضه وتبقى ساكت وتقول لا علاقة لي بالأمر، عندها فإن الله عز وجل سيذيقك مثلها، تكون في أشد الحاجة إلى من ينصرك ولا أحد ينصرك.
الفقرة التالية من الحديث:

 

 

(( عَنْ أَنَسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا ؟ قَالَ: تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ ))

أنت ينبغي أن تنصر أخاك دائماً ظالماً كان أو مظلوماً، مظلوماً بأن تضرب على يد من ظلمه، أما ظالماً أن تمنعه من الظلم، هذا هو النصر له، قال الرسول الكريم:

 

 

((عَنْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبَا طَلْحَةَ بْنَ سَهْلٍ الأَْنْصَارِيَّ يَقُولاَنِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلاَّ خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ إِلاَّ نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ ))

 أي كما تدين تدان، إن خذلت مسلماً يخذلك الله، وإن نصرته ينصرك الله، وقد ورد في الحديث الشريف:

 

 

(( من نصر أخاه بالغيب وهو يستطيع نصره، نصره الله بالدنيا والآخرة))

 بقي من الحديث:

 

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ قَالَ إِسْمَاعِيلُ فِي حَدِيثِهِ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا يُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثًا حَسْبُ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ))

 وقال أيضاً:

 

 

((عَنْ نَوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَبُرَتْ خِيَانَةً تُحَدِّثُ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ بِهِ كَاذِبٌ ))

 أي أكبر خيانة لأخيك المسلم أن تحدثه حديثاً هو لك به مصدق وأنت له به كاذب، آخر شيء ولا يحقره، المتكبر ينظر إلى نفسه بعين الكمال وإلى غيره بعين الاحتقار، هذا هو المتكبر، فالكبر بطر الحق وغمط الناس، تعريف الكبر بطر الحق، رد الحق، وغمط الناس أي تحتقرهم أن ترفض الحق أنت متكبر، أن تحتقر الناس أنت متكبر، فأدق تعريف للنبي في الكبر هو بطر الحق وغمص الناس، وفي رواية أخرى:

 

 

(( قَالَ كُرَيْبٌ: سَمِعْتُ أَبَا رَيْحَانَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّهُ لاَ يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنَ الْكِبْرِ الْجَنَّةَ، قَالَ: فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَتَجَمَّلَ بِسَبْقِ سَوْطِي وَشِسْعِ نَعْلِي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِالْكِبْرِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ إِنَّمَا الْكِبْرُ مَنْ سَفِهَ الْحَقَّ وَغَمَصَ النَّاسَ بِعَيْنَيْهِ))

 أي أن ترد الحق وأن لا تقبل به، آخر شيء في الحديث هو قوله عليه الصلاة والسلام:

 

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَخُونُهُ وَلاَ يَكْذِبُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ التَّقْوَى هَا هُنَا بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ))

 لا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئاً إلا عن طيب نفس منه، ولا يحل لك أن تنتقص من قيمة أخيك في حضرته أو في غيبته، أي أن تنال من عرضه لأنّ عرضه محرّم عليك، من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته ووجبت أخوته وحرمت غيبته، ليس لك أن تسفك دم المسلم ولا أن تنتهك عرضه، ولا أن تأخذ ماله إلا عن طيب نفس منه، هذا الحديث أيها الأخوة طبعاً شُرِح سابقاً لكن من زاوية غير هذه الزاوية، إذا ورد حديث ذكر في درس الأحد يكون مطروق من زاوية جديدة ومن شرح لم يكن مشروحاً في الدرس الماضي، هذا الحديث أصل من أصول التعامل الاجتماعي بين المسلمين، فلو كتبه كل إنسان ودقق في كلماته كلمة كلمة وحاسب نفسه دائماً عن مدى تطبيق هذا الحديث وعن مدى التقصير في تطبيقه لكُنّا في حال غير هذه الحال، والمؤمنون لا يتحابون ولا يتوادون ولا يكونون كالبنيان المرصوص وكالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى إلا إذا طبقوا هذا الحديث، وهذا من أصول الأحاديث المتعلقة بالعلاقات الاجتماعية بين المؤمنين

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018