٠3الخطب الإذاعية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطب الإذاعية - الخطبة : 24 - حكمة الحج - خطبة حجة الوداع.


1992-04-24

 استفتاح الخطبة:

 الحمد لله الذي جعل كلمة التوحيد لعباده حرزاً وحصناً، وجعل البيت العتيق مثابة للناس وأمناً، وأكرمه بالنسبة إلى ذاته تشريفاً له وتحصيناً وأمناً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الكعبة البيت الحرام قياماً للناس، والشهر الحرام، والهدي، والقلائد، ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله بكل شيء عليم، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله، خير نبي اجتباه، وللعالمين أرسله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، اللهم صل، وسلم، وبارك على سيدنا محمد، سيد الخلق، وحبيب الحق، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا، وعنهم يا رب العالمين.
 أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

الحج:

1 ـ العبادات الشعائرية هدفها السمو بالإنسان:

 في الإسلام فضلاً عن العقائد التي تعد أساس الدين عبادات تنظم علاقة الإنسان بربه، ومعاملات تنظم علاقة الإنسان بأخيه، وإذا صحت العبادات ارتقت المعاملات، وكان ارتقاء المعاملات مؤشراً على صحة العبادات، والعبادات تهدف أول ما تهدف إلى السمو بالإنسان نفساً وقولاً وعملاً، عن طريق إحكام الصلة بالله رب العالمين، والاهتداء بهديه، والتنعم بقربه، والتقلب في رحمته، والارتشاف من عذب شرابه، وقطف ثمار فضله، ومن هذا المنطلق شُرعت العبادات الشعائرية، كالصلاة والصيام والحج.

2 ـ الحج عبادة مالية بدنية:

 الحج هو أحد أركان الإسلام الخمسة، وهو عبادة مالية، بدنية شعائرية، وهو تلك الرحلة الفريدة في عالم الأسفار، ينتقل فيها المسلم ببدنه، وقلبه إلى البلد الأمين الذي أقسم الله به، في القرآن الكريم ليقف في عرفات، وليطَّوَّف ببيت الله الحرام، الذي جعله الإسلام رمزاً لتوحيد الله، ووحدة المسلمين، ففرض على المسلم أن يستقبله كل يوم خمس مرات في صلواته، قال تعالى:

 

﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾

( سورة البقرة )

 ثم فرض عليه أن يتوجه إليه بشخصه، ويطوف به بنفسه في العمر مرة واحدة.

3 ـ البيت العتيق: بناء إبراهيم ودعوته بالرزق لأهله:

 إن هذا البيت العتيق هو أول بيت وُضع للناس، هو أول بيت أُقيم في الأرض لعبادة الله، ومجدِّدُ بنائه الخليل إبراهيم وولده الذبيح إسماعيل، وهما الرسولان الكريمان اللذان جعل الله من ذريتهما هذه الأمة المسلمة، واستجاب دعوتهما الخالصة، وهما يُشيدان هذا البناء العتيد، قال تعالى:

﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(127)رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128)رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾

( سورة البقرة )

 قال صلى الله عليه وسلم:

 

(( دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ))

 

[ أحمد عن أبي أمامة ]

4 ـ الحج برهان عملي يقدمه المؤمن لربه ولنفسه:

 والحج برهان عملي يقدمه المؤمن لربه ولنفسه، على أن تلبية دعوة الله بدافع محبته وابتغاء رضوانه ـ أفضل عنده من ماله، وأهله، وولده، وعمله، ودياره، ومما تتميز به هذه العبادة أنها تحتاج إلى تفرغ تام، فلا تؤدى إلا في بيت الله الحرام.
 إذاً: لا بد من مغادرة الأوطان، وترك الأهل، والخلان، وتحمُّل مشاقِّ السفر، والتعرض لأخطاره، وإنفاق المال في سبيل رضوانه.

5 ـ ثمار الحج:

 وإذا صح أن ثمن هذه العبادة باهظ التكاليف فإنه يصحُّ أيضاً أن ثمرة هذه العبادة باهرة النتائج، حيث قال المصطفى صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم:

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))

[ رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]

 وقال أيضاً:

(( وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ))

[ مسلم عن عمرو بن العاص ]

 و عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( الْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ ))

 

[ أحمد ]

 وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:

 

(( الْحَاجُّ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ، إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ، وَإِنِ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ ))

 

[ البيهقي في السنن الكبرى ]

 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ الْمَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الْجَنَّةُ ))

 

[ رواه الترمذي والإمام أحمد ]

 عَنْ بُرَيْدَةَ الأَسْلَمِى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:

 

(( النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سَبْعِينَ ضِعْفًا ))

 

[ البيهقي في السنن الكبرى ]

6 ـ التلبية معزاها ومدلولها:

 يذهب المسلم إلى بيت الله الحرام، ويُخلِّف في بلدته هموم المعاش والرزق، هموم العمل والكسب، هموم الزوجة والولد، وهموم الحاضر والمستقبل، وبعد أن يُحرم من الميقات يبتعد عن الدنيا كلياً، ويتجرَّد إلى الله عز وجل ويقول: " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ".
 هذه التلبية كأنها استجابة لنداء ودعوة يقعان في قلبه، أن يا عبدي خلِّ نفسك وتعال، تعال يا عبدي، لأريحك من هموم كالجبال، تجثم على صدرك، تعال يا عبدي لأطهرك من شهوات تُنغِّص حياتك.

 

إلى متى أنت باللذات مشغول  وأنت عن كل ما قدمته مسؤول ؟
تعالَ يا عبدي، وذق طعم محبتي.. تعال يا عبدي، وذق حلاوة مناجاتي.

 " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك ".
 تعال يا عبدي لأريك من آياتي الباهرات، تعالى لأريك ملكوت الأرض والسماوات، تعالى لأضيء جوانحك بنوري الذي أشرقت به الظلمات، تعال لأعمر قلبك بسكينة عزت على أهل الأرض والسماوات تعال لأملأ نفسك غنىً ورضىً شقيتْ بفقدهما نفوس كثيرة، تعال لأخرجك من وحول الشهوات إلى جنات القربات، تعال لأنقذك من وحشة البعد إلى أُنس القرب، تعال لأخلصك من رُعب الشرك وذل النفاق إلى طمأنينة التوحيد وعز الطاعة.
لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك ".
 تعال يا عبدي لأنقلك من دنياك المحدودة، وعملك الرتيب، وهمومك الطاحنة إلى آفاق معرفتي، وشرف ذكري، وجنة قربي، تعال يا عبدي وحُطَّ همومك ومتاعبك، ومخاوفك عندي، فأنا أضمن لك زوالها، تعال يا عبدي واذكر حاجاتك، وأنت تدعوني فأنا أضمن لك قضاءها "، إن بيوتي في الأرض المساجد، وإن زوارها هم عُمارها، فطوبى لعبد تطهَّر في بيته ثم زارني، وحقَّ على المزور أن يكرم الزائر "..
 فكيف يكون إكرامي لك إذا قطعت المسافات، وتجشمت المشقات، وتحملت النفقات، وزرتني في بيتي الحرام، ووقفت بعرفة تدعوني، وتسترضيني.
 " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد، والنعمة لك، والملك، لا شريك لك ".
 تعال يا عبدي، وزرني في بيتي، لتنزاح عنك الهام، ولتعاين الحقائق ولتستعد للقاء، فعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ يَرْفَعُهُ قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

 

 

(( إِنَّ عَبْدًا أَصْحَحْتُ جِسْمَهُ، وَأَوْسَعْتُ عَلَيْهِ فِي الْمَعِيشَةِ تَأْتِى عَلَيْهِ خَمْسَةُ أَعْوَامٍ لَمْ يَفِدْ إِلَىَّ لَمَحْرُومٌ ))

 

[ سنن البيهقي ]

7 ـ الطواف وتقبيل الحجر الأسود:

 تعال يا عبدي، وطُف حول الكعبة طواف المحب حول محبوبه، واسعَ بين الصفا والمروة سعي المشتاق لمطلوبه، تعال يا عبدي، وقبِّل الحجر الأسود، يميني في الأرض، واذرُف الدمع على ما فات من عمر ضيعته في غير ما خُلقت له، وعاهدني على ترك المعاصي والمخالفات على الإقبال على الطاعات والقربات، " وكن لي كما أُريد لأكن لك كما تريد، كن لي كما أريد ولا تعلمني بما يصلحك، فإذا سلَّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تُسلِّم لي فيما أُريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد خلقت لك ما في الكون من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك ".
 " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك ".

8 ـ الوقوف بعرفة نفحة ودعاء ومعرفة:

 تعال يا عبدي إلى عرفات، يوم عرفة فهو يوم اللقاء الأكبر، تعالى لتتعرض لنفحة من نفحاتي تطهر قلبك من كل درن وشهوة، وتُصفي نفسك من كل شائبة، وهذه النفحات تملأ قلبك سعادة وطمأنينة، وتشيع في نفسك سعادة لو وُزِّعت على أهل بلد لكفتهم، عندئذ لا تندم إلا على ساعة أمضيتها في قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال.
 تعال لعرفات يوم عرفة، لتعرف أنك المخلوق الأول من بين كل المخلوقات، ولك وحدك سخرت الأرض والسماوات، وأنك حُمِّلت الأمانة التي أشفقت منها الجبال والأرض والسماوات، وأني جئت بك إلى الدنيا لتعرفني، وتعمل عملاً صالحاً يؤهلك لجنة الخلد، تعال إلى عرفات يوم عرفة، لتعرف أن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وتواصوا بالحق، وتواصوا بالصبر، وأنك إن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فُتُّك فاتك كلُّ شيء.
 وبعد أن يذوق المؤمن في عرفات، من خلال دعائه، وإقباله، واتصاله، روعة اللقاء، وحلاوة المناجاة، ينغمس في لذة القرب، عندئذ تصغر الدنيا في عينيه، وتنتقل من قلبه إلى يديه، ويصبح أكبر همه الآخرة فيسعى إلى مقعد صدق عند مليك مقتدر، وقد يُكشف للحاج في عرفات أن كل شيء ساقه الله له مما يكرهه، هو محض عدل، ومحض فضل، ومحض رحمة، ويتحقق من قوله تعالى:

 

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

 

( سورة البقرة: 216 )

9 ـ رمي الجمرات: معرفة عداوة إبليس:

 وبعد أن يفيض الحاجُّ من عرفات، وقد حصلت له المعرفة واستنار قلبه، وصحت رؤيته يرى أن السعادة كلها في طاعة الله، وأن الشقاء كله في معصيته عندئذ يرى عداوة الشيطان، وكيف أنه يَعِدُ أولياءه بالفقر إذا أنفقوا، ويخوفهم مما سوى الله، إذا أنابوا وتابوا، ويعدهم، ويمنيهم، وما يعدهم الشيطان إلا غروراً، قال تعالى:

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾

( سورة إبراهيم )

 عندئذ يُعبِّر الحاج عن عداوته للشيطان تعبيراً رمزياً برمي الجمار، ليكون الرمي تعبيراً مادياً، وعهداً موثقاً في عداوة الشيطان، ورفضاً لوساوسه وخطراته.
 يقول الإمام الغزالي: " اعلم أنك في الظاهر ترمي الحصى في العقبة، وفي الحقيقة ترمي بها وجه الشيطان، وتقصم ظهره، ولا يحصل إرغام أنفه إلا بامتثالك أمر الله تعالى ".

 

10 ـ الهدي والأضاحي: شكر وتضحية:

 

 وحينما يتجه الحاج لسوق الهدي، ونحر الأضاحي، وكأن الهدي هدية إلى الله تعبيراً عن شكره لله على نعمة الهدى، التي هي أثمن نعمة على الإطلاق، وكأن ذبح الأضحية ذبح لكل شهوة، ورغبة لا تُرضي الله، وتضحية بكل غالٍ ورخيص، ونفس ونفيس في سبيل مرضاة رب العالمين، قال تعالى:

﴿ لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرْ الْمُحْسِنِينَ ﴾

( سورة الحج )

11 ـ طواف الإفاضة والوداع: تهيئة العودة وتفكر في الرحلة الأخيرة:

 ثم يكون طواف الإفاضة تثبيتاً لهذه الحقائق، وتلك المشاعر، ثم يطوف طواف الوداع لينطلق منه إلى بلده إنساناً آخر استنار قلبه بحقائق الإيمان، وأشرقت نفسه بأنوار القرب، وعقد العزم على تحقيق ما عاهد الله عليه، وإذا صحَّ أن الحج رحلة إلى الله، فإنه يصحُّ أيضاً أنه الرحلة قبل الأخيرة، لتجعل الرحلة الأخيرة مُفضية إلى جنة عرضها السماوات والأرض.

12 ـ زيارة المدينة النبوية حنين وطاعة:

 وبعد أن ينتهي الحجاج من مناسك الحج يتجهون إلى المدينة المنورة، التي هي من أحب بلاد الله إلى الله، يتجهون إليها لزيارة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم، فقد رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

(( من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي ))

[ الترغيب والترهيب، وإسناده ضعيف ]

 وقد عُلِّقت في مكان بارز من الحجرة الشريفة الآية الكريمة:

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾

 

( سورة النساء: 64 )

طاعة النبي من طاعة الله:

وقد أشار القرطبي إلى أن الآية تصدق على زيارة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته، وليس هذا لغير النبي صلى الله عليه وسلم.
 وقد أورد القاسمي في تفسيره أن في هذه الآية تنويهاً بشأن النبي صلوات الله وسلامه عليه، فالرجل حينما يظلم نفسه بمعصية ربه، من خلال خروجه عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وجب عليه أن يستغفر الله، وأن يعتذر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تتم التوبة إلى الله، ولا تُقبل إلا إذا ضمَّ إلى استغفار الله استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم عين طاعة الله، ورفض سنة النبي صلى الله عليه وسلم عين معصية الله وإرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عين إرضاء الله، يستنبط هذا من إفراد الضمير في قوله تعالى عند كلمة يرضوه:

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ﴾

( سورة التوبة )

 هكذا بضمير المفرد، ولا أدل على ذلك من قول الله تعالى:

﴿ مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾

( سورة النساء: 80 )

 ومن قوله تعالى:

 

[سورة آل عمران]
 ولعل سرَّ السعادة التي تغمر قلب المسلم حينما يزور مقام النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما إن يرى معالم المدينة حتى يزداد خفقان قلبه، وما إن يبصر الروضة الشريفة حتى يجهش بالبكاء، وعندئذ تُصبح نفس الزائر صافية من كل كدر، نقية من كل شائبة، سليمة من كل عيب، منتشية بحبها له صلى الله عليه وسلم وقُربها منه، وهذه حقيقة الشفاعة التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: "من جاءني زائراً، لم تنزعه حاجة إلا زيارتي كان حقاً على الله أن أكون له شفيعاً يوم القيامة ".

[رواه ابن خزيمة في صحيحه والبزار والدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما ]

 وإذا شئت الدليل القرآني على ما يشعر به المسلم من سكينة وسعادة حينما يتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو أو بآخر، فهو قوله تعالى:

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

 

( سورة التوبة )

 وقال الرازي في تفسيره: إن روح محمد صلى الله عليه وسلم كانت روحاً قوية صافية مشرقة باهرة لشدة قربه من الله، ولأن قلبه الشريف مهبط لتجليات الله جل وعلا، فإذا ذكر أصحابه بالخير والود، أو ذكره المؤمنون بالحب والتقدير فاضت آثار من وقته الروحانية على أرواحهم، فأشرقت بهذا السبب نفوسهم، وصفت سرائرهم، وهذه المعاني تفسر قوله تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾

( سورة الأحزاب )

 رُوي أن بلالاً رضي الله عنه سافر إلى الشام، وطال به المقام، بعد وفاة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم، ولقد رأى وهو في منامه وهو بالشام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له: " ما هذه الجفوة يا بلال ؟ أما آن لك أن تزورني " ؟ فانتبه حزيناً، وركب راحلته، وقصد المدينة، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يبكي عنده كثيراً، فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما وجعل يضمهما، ويقبلهما فقالا: نشتهي أن نسمع أذانك، الذي كنت تؤذن به لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصرّا عليه، فصعد وعلا سطح المسجد، ووقف موقفه الذي كان يقفه.
ولما بدأ بقوله: الله أكبر.. وتذكر أهل المدينة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتجَّت المدينة، وخرج المسلمون من بيوتهم، فما رأيت يوماً أكثر باكياً وباكيةً في المدينة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم.
 لقد صدق أبو سفيان رضي الله عنهم حينما قال: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً.. وهذه الحقيقة ينبغي أن تنسحب على كل مؤمن إلى يوم القيامة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ ))

 

[رواه البخاري ومسلم44]

الخطبة الثانية:

خطبة حجة الوداع مبادئ ودروس:

 لقد خطب النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع خطبة جامعة مانعة تضمنت مبادئ إنسانية سيقت في كلمات سهلة سائغة، كيف لا وقد أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، فلقد استوعبت هذه الخطبة جملة من الحقائق التي يحتاجها العالم الشارد المعذب ليرشد ويسعد، قال تعالى:

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

( سورة طه )

 إن الله جل وعلا ربى محمداً صلى الله عليه وسلم ليُربي به العرب، وربى العرب بمحمد صلى الله عليه وسلم ليُربي بهم الناس أجمعين، قال تعالى:

 

﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ﴾

 

( سورة الحج )

 فمن المبادئ التي انطوت عليها خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع:

 

1 ـ الإنسانية متساوية القيمة:

 الإنسانية متساوية القيمة في أي إهاب تبرز، على أية حالة تكون وفوق أي مستوى تتربع،

(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

[ أحمد عن أبي نضرة ]

2 ـ حرمة الدماء والأموال والأعراض:

 النفس الإنسانية ما لم تكن مؤمنة بربها مؤمنة بوعده ووعيده مؤمنة بأنه يعلم سرَّها وجهرها، لأن النفس الإنسانية تدور حول أثرتها، ولا تُبالي بشيء في سبيل غايتها، فربما بنت مجدها على أنقاض الآخرين، وبنت غناها على فقرهم، وبنت غزها على ذلهم، بل ربما بنت حياتها على موتهم، لذلك قال الرسول الكريم في حجة الوداع:

(( أيها الناس إن دماءكم وأموالكم، وأعراضكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، إنما المؤمنون إخوة، لا يحل لامرئ مالُ أخيه إلا عن طيب نفس منه، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد ))

[ الحاكم والبيهقي ]

3 ـ المال قوام الحياة:

 والمال قوام الحياة، وينبغي أن يكون مُتداولاً بين كل الناس، وأنه إذا ولد المالُ المال من دون جهد حقيقي يسهم في عمارة الأرض وإغناء الحياة، تجمَّع في أيدٍ قليلة، وحُرمت منه الكثرة الكثيرة، عندها تضطرب الحياة، ويظهر الحقد، ويُلجأ إلى العنف، ولا يلد العنف إلا العنف، والربا يسهم بشكل أو بآخر في هذه النتائج المأساوية التي تعود على المجتمع البشري بالويلات، لهذا قال المصطفى صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع:

(( أَلَا وَإِنَّ كُلَّ رِبًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ غَيْرَ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ - أي أسقطه - ))

[ مسلم عن جابر ]

4 ـ النساء شقائق الرجال:

 النساء شقائق الرجال، ولأن المرأة مساوية للرجل تماماً من حيث إنها مكلفة كالرجل بالعقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق، ومساوية له من حيث استحقاقُها الثواب والعقاب، وأنها مساوية له تماماً في التشريف والتكريم، لهذا قال صلى الله عليه وسلم في خطبة حجة الوداع:

(( اتقوا الله بالنساء واستوصوا بهن خيراً، ألا هل بلغت ؟ اللهم فاشهد...))

5 ـ وصايا عامة:

 ثم يُتابع خطبته فيقول:

(( لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ ))

[ البخاري عن ابن عباس ]

(( أيها الناس إن الشيطان قد يئس أن يُعبد في أرضكم هذه، ولكنه رضي أن يُطاع فيما سوى ذلك مما تحقرونـه من أعمالكم، فاحذروه على دينكم، وقد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به فلـن تضلوا أبداً، أمراً بيناً: كتاب الله وسنة نبيه، وإنكم ستسألون عني فما أنتم قائلون ؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت، وأديت، ونصحت فجعل يُشير بإصبعه المسبحة إلى السماء ثم إلى الناس وهو يقول: اللهم اشهد، اللهم اشهد ))

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018