بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 077 - تزكية النفس .


1995-10-29

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام: أحد كتب الإمام الغزالي رحمه الله تعالى عنوانه مكاشفة القلوب المقرب من علام الغيوب، في هذا الكتاب فصل وجدت فيه فائدةً كبيرةً فيما لو تدارسنا مضمونه في هذا الدرس، هذا الفصل في رياضة النفس، ويا أيها الأخوة كلكم يعلم أن كلمة أفلح وردت في القرآن مرات عديدة لا تزيد عن أربع فيما أذكر، أحد هذه الآيات:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾

 

( سورة الأعلى )

 وذكر اسم ربه من زكى نفسه من طهرها، من كملها، من سما بها، من عرفها بربها قد أفلح من تزكى، كيف يتزكى ؟ التزكية طريقها ذكر الله عز وجل، وآية أخرى ونحن مع الكتاب والسنة، قال تعالى:

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)﴾

 

 

( سورة الشعراء )

 إذاً أثمن شيء تلقى الله به قلب سليم، قلب طاهر، قلب مزكى، قلب موصول بالله عز وجل، لذلك هذا الفصل في كتاب الإمام الغزالي يتعلق بالتزكية، هذا الفصل يقول، أولاً اعلم عبد الله أن الله إذا أراد بعبد خيراً بصره بعيوب نفسه، عيوب النفس هي المهلكات، الأمراض الوبيلة، الأمراض المستعصية ينتهي أثرها عند الموت، ولكن أمراض النفس تبدأ عند الموت وإلى أبد الآبدين، فلذلك، المؤمن الصادق يضع يده على جوهر الدين، جوهر الدين أن تزكي نفسك، وجوهر الدين أن تلقى الله بقلب سليم، وجوهر الدين أن تصل إلى الله ولن تصل إلى الله إلا إذا عرفته ثم أطعته، لذلك الدين واسع جداً، لا يمكن إذا قرأت كل يوم خمس مائة صفحة، لو أمضيت كل حياتك في قراءة كتب الدين لا تقرأ واحد بالمليون مما ألف في الدين، ولكن جوهر الدين أن تصل إلى الله، أن تتصل به، أن يكون قلبك سليماً وأن تكون نفسك زكيةً طاهرة، والقرآن الكريم بين أيديكم، قال تعالى:

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14)﴾

 

 

 

( سورة الأعلى )

 فالإنسان أحياناً واجباته الدينية تصبح جزءاً من عاداته يعني ألف أن يأتي إلى المسجد وألف أن يسمع الدرس، وأن يعود إلى البيت، وأن يعمل والأيام تمضي هكذا إلى أن يأتي الأجل، قد يجد أنه ما وصل إلى جوهر الدين رغم عمره المديد، رغم مداومته على ما ألفه في حياته في شؤون الدين، لكن البطولة أن تزكوا هذه النفس وأن يسلم هذا القلب، إذا طهرت النفس وتحلت بالكمال، وإذا سلم القلب من الآفات والعلل اتصل بالله، فإذا اتصل بالله وصل الإنسان إلى جوهر الدين.
 أضرب لكم مثل من حياتنا بالتجارة، يوجد شيء اسمه محل، شراء محل، اختيار الموقع، اختيار المساحة، دفع الثمن، نقل الملكية، تزيين المحل، شراء البضاعة، توزيع البضاعة، بيع البضاعة، قبض الثمن، إجراء حسابات دقيقة، معاملة الزبائن بالحسنى، هذه النشاطات كلها لها مؤدى واحد كلها، لو أن التجارة ألف نشاط أو مائة ألف نشاط مؤداها أن تربح آخر العام فإن لم تربح فلا معنى لكل هذه النشاطات أليس كذلك التجارة عمل أساسه الربح، فإذا الإنسان ما ربح، ما قيمة محله الكبير وتزيين محله الرائع، وما قيمة الحسابات الدقيقة، وما قيمة المستودعات الأنيقة، وما قيمة الإعلانات البراقة، كل النشاطات التجارية إن لم تصل بك إلى ربح لا قيمة لها إطلاقاً، وكل الأعمال الدينية، يوجد نشاطات، عبادات، صلاة، حج، زكاة، بناء مساجد، كل النشاطات الدينية إن لم تصل بك إلى تزكية النفس وإلى سلامة القلب وإلى الاتصال بالله عز وجل لا معنى لها، فلذلك تزكية القلب، ورد في الأثر القدسي أن يا عبدي طهرت منظر الخلق سنين أفلا طهرت منظري ساعة.
 الله عز وجل مطلع على قلب كل واحد، يا ترى يوجد في القلب غل، حقد، حسد، كبر، استعلاء، حب الذات، يا ترى إذا صليت هل ترى أن الطريق إلى الله سالكاً أم يوجد حجب، بالمناسبة يمكن أن تجعل قدرتك على الاتصال به أحد أكبر الأدلة على استقامتك، إذا الإنسان ما استقام يشعر إذا كان صادقاً مع نفسه بحجب بينه وبين الله، أما إذا استقام ليس هناك حجب لمجرد أن يدعو الله عز وجل يشعر أنه مع الله، لمجرد أن يذكره يشعر أنه معه، لمجرد أن يتصل به يشعر أنه معه.
 فلذلك إذا أراد الله بعبد خيراً بصره بعيوب نفسه، الآن من كانت له بصيرة نافذة لم تخفَ عليه عيوبه، الذي تخفى عليه عيوبه هو الأحمق الأحمق تخفى عليه عيوبه، لماذا ينبغي أن نعرف العيوب ؟ ينبغي أن نعرف العيوب كي نتطهر منها، هذا شيء بديهي، الإنسان متى يعالج نفسه من الضغط المرتفع ؟ إذا عرف أنه يحمل ضغط مرتفع، والضغط المرتفع ليس له آثار، أيام عرضاً الإنسان يقيس ضغطه فيكون ثمانية عشر فيرفع يديه ويبادر إلى معالجة الضغط، متى تحرك لمعالجة الضغط ؟ حينما عرف أنه معه ضغط، لذلك لماذا ينبغي أن نتعرف إلى العيوب ؟ من أجل أن نعالجها وأن ننجو منها، لذلك إذا أراد الله بعبد خيراً بصره بعيوب نفسه، فمن كانت بصيرته نافذةً لم تخفَ عليه عيوبه، إذا عرف العيوب أمكن أن يعالجها.
 لكن المشكلة أن أكثر الخلق جاهلون بعيوب أنفسهم، يرى أدق الانحرافات عند الآخرين، يرى أدق التقصيرات، يرى أدق الزلات، وهو واقع في زلة كبيرة وفي خطأ فاحش وفي انحراف خطير وهو لا يدري، لأن الإنسان يتملق نفسه دائماً، الإنسان دائماً يميل إلى تبرء نفسه ويتهم الآخرين، هذه جبلة الإنسان الغافل، دائماً هو مبرأ ويبحث عن عيب طفيف في الآخرين ولا يرى عيب نفسه.
 الإمام الغزالي يرى أنه من أراد أن يعرف عيوبه عليه بأربع طرق، أولاً المؤمن له مرجع، هذه كلمة دقيقة جداً، من هو الذي لا مرجع له الكافر، دابة فلتانة، المؤمن له مرجع، انظر إلى دائرة مديرها ممتاز الموظف قبل أن يتصرف يسأل ويستأذن، يطلب الموافقة، لا يوجد مكان ما فيه مرجعية، المدرسة لها مدير، والمستشفى لها مدير، الجامعة لها رئيس جامعة، الوزارة لها وزير، لا يوجد تجمع منظم إلا وله مرجع، المسلمون هكذا بلا مرجع، كل شيء خطر في باله يفعله هكذا، حق باطل، يجوز لا يجوز، متفق مع الشرع لا يتفق مع الشرع، الدليل قوي، ضعيف، الإنسان الذي لا مرجع له ضائع، أولاً تحتاج أنت إلى مرجع ترجع إليه، تحتاج إلى كتاب تستقي منه هو كتاب الله، تحتاج إلى إنسان فهم كلام الله أعلى فهم ليبين لك مضمونه تحتاج إلى السنة، تحتاج إلى أشخاص طبقوا هذا الشرع فقطفوا ثماره، تحتاج إلى سيرة، أنت بحاجة إلى مرجع أولى هذه المراجع كتاب الله، ثانيها سنة رسول الله، ثالثها سير أصحاب رسول الله، الذي له مرجع دائماً يفعل موازنة، يا ترى عملي صحيح، ما فعل هذا رسول الله، ما فعل هذا رسول الله، مثلاً وإن كان مثل صارخ ونادر، رجل شك بأخلاق ابنته، فعمل تحليل، يعني موظف المخبر وقع من يده التحليل فوقع وانكسر، وخاف من الطبيب فكتب النتيجة إيجابية أي يوجد حمل الأب جاء مساءً وطلب النتيجة فقال له مبروك يوجد حمل، فذهب وذبح ابنته، وابنته بريئة، النبي لما بلغه حديث الأفك ماذا فعل ؟ هل ذبح السيدة عائشة، يجب أن يكون لك مرجع، ماذا فعل النبي ؟ بكل قضية بمرض، بصحة، بسفر، بفقر، بغنى، بقوة، الله عز وجل جعل النبي مرجعاً لنا، جعله قدوةً لنا، فأول شيء أيها الأخوة لفت نظري أنا أن أحياناً أخ ليس له مرجع، هذا ضائع، هل أنت عندك إمكانية أن تتخذ قراراً صحيحاً ؟ أنت أحطت بالفقه كله، هل تعلم أحكام الفقه تماماً هل تعرف سيرة النبي تماماً، الذي ليس له مرجع يعود إليه هذا إنسان ضائع، لذلك الصحابة الكرام مرجعهم النبي، ونحن مرجعنا النبي عليه الصلاة والسلام، طبعاً إذا قلت فلان عالم وأنا أميل إلى أن أقول طالب علم دائماً، لماذا أقول أنني طالب علم ؟ ورد في الأثر أنه يظل المرء عالماً ما طلب العلم فإذا ظن أنه قد علم فقد جهل، لذلك أليق كلمة تقولها لأكبر عالم طالب علم، الإنسان إذا له أخ أسبق منه في طريق الإيمان وجعله مرجع هذه نعمة كبرى، اسأل، بالمناسبة لا تستطيع أن تسأل إنساناً مختصاً إلا أن يكون معك تعويض السؤال ما يقابل السؤال؟ الأتعاب، تدخل إلى مكتب محامي الأتعاب، إلى عيادة الطبيب الأجرة إلى مكتب المهندس الثمن، إلا إذا دخلت إلى بيت من بيوت الله وسألت هؤلاء المؤمنين الصادقين بلا مقابل، فالإنسان بالسؤال يستعير خبرات متراكمة، يستعير علم، يستعير فقه، يستعر فهم لكتاب الله، يستعير تجارب، يستعير نصائح، مفتاح العلم السؤال، أول شيء المؤمن له مرجع يرجع إليه، يسأل ما حكم الشرع في هذا الموضوع أطلق أو لا أطلق، ماذا أفعل ؟ لذلك الطريق الأول سأؤخره قليلاً.
 قال: أن يطلب صديقاً صدوقاً بصيراً متديناً فينصبه رقيباً على نفسه ليلاحظ أحواله وأفعاله، لا يوجد إنسان ما له صاحب لكن ذكاء الإنسان وتوفيقه في اختيار الصاحب، المؤمن الموفق يختار أصحاب أعلى منه في العلم وفي الدين، دائماً يقتبس منهم، والآن نحن مشكلتنا أن المداهنة حلت محل النصيحة ترى الناس يمدحون بعضهم مديح بغير حساب، في الحفلات، باللقاءات، كل واحد قطب الدين، وكل واحد أعلم علماء المسلمين، وكل واحد يعني أجرى الله على يده الفتح العظيم التناصح أفضل ألف مرة من المداهنة، فلذلك ماذا يقول سيدنا عمر ؟ يقول: رحم الله امرأً أهدى إلي عيوبي، يجب أن توطن نفسك أن تصغي إلى النصيحة، وتوطن نفسك أن تنصح، من أسدى نصيحة فله أجر ومن أصغى إلى نصيحة تهدى إليه فله أجر، وطن نفسك أن تنصح وتقبل نصيحة، أو تنصح وتستنصح، وطن نفسك أن لا تجامل، وطن نفسك أن لا تداهن، وطن نفسك أن هذا الأخ له حق عليك.
أنا أذكر مرة أخ من أخ من أخوانا تولى عمل في الدعوة إلى الله وأنا اقترحته، وصار خطأ فمن حوله غضبوا منه وأرادوا أن ينحى عن هذا العمل، استقدمته ونصحته والتزم، وانتهى الأمر، القضية تنحل بنصيحة، المؤمن عنده غيرة على المسلمين، أنا مرة دخلت إلى محل تجاري رأيت إنسانة تعاون المدير وغير لائق لأن المدير معروف أن له اتجاهه الديني وهذه لا تليق فنصحته، فقال لي: دخل علي عشرات بل بضع عشرات من الناس الصالحين ولم ينصحوني بهذا الموضوع، انصح بلبق، بأصول، بحكمة، على انفراد، ولكن وطن نفسك أن تهدي للناس عيوبهم، ووطن نفسك أن يهدوك عيوبك.
 سيدنا عمر وما أدراكم ما عمر، عملاق الإسلام سأل سيدنا سلمان قال ما الذي بلغك عني مما تكرهه ؟ كأنه شيء لا يصدق، سيدنا عمر خليفة المسلمين الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر مني كالسمع والبصر، عمر الذي قال عنه النبي لو كان نبي بعدي لكان عمر، عمر نفسه يسأل سيدنا سلمان قال له: يا سلمان ما الذي بلغك عني مما تكره، هل لك ملاحظة ؟ الإنسان عندما يطلب النصيحة لا يصغر، بل يكبر، لما يطلب رأي أخوانه الصالحين، المخلصين، لا يصغر ويكبر، يعلو عند الله وعند الناس، فاستعفف وخجل، فألح عليه قال: بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدةٍ واحدة، يعني خمس ست أصناف ومن ثم رز بحليب، وبعد ذلك حلويات، وفواكه، شاي أخضر وشاي أحمر وقبلها عصير، يقول لك لا يوجد شغل.
 قال: بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدةٍ واحدة، وأن لك حلتين، حلة بالنهار وحلة بالليل، طبعاً ما قال هذا الكلام إلا بعد أن ألح عليه فقال: هل بلغك غير هذا ؟ قال: لا، قال: أما هذا فقد كفيتهما، هذا الكلام ليس له أصل، يعني اطمئن هل يوجد شيء ثاني، انظر إلى هذا الموقف المتواضع، الموقف المخلص.
سيدنا عمر عملاق الإسلام الذي قال عنه النبي: لو كان نبي بعدي لكان عمر، سأل سيدنا حذيفة وقال له: أنت صاحب سر رسول الله، سيدنا النبي أعطى سيدنا حذيفة أسماء المنافقين، وما أعطاها لغير حذيفة، فسيدنا عمر جاء إلى عند سيدنا حذيفة وقال: يا حذيفة هل ترى علي شيئاً من آثار المنافقين، بربك خليفة المسلمين كان، ما هذا التواضع ؟
سمعت أنا رجل ألقى درس وذكر حديث موضوع لا أصل له، جاء إنسان بكل لطف وكل أدب وقال له: يا سيدي إن هذا الحديث ليس له أصل، فقال له: ما دام شيخك قد قاله فهو صواب، وانتهى الأمر ولم يقبل النصيحة.
طبعاً سيدنا حذيفة خجل وارتبك، فقال له: لا والله ليس منهم، سيدنا عمر سأل، طبعاً الآن أحدكم يقول هناك قضية ثانية ليس لها حل ألم يبشره النبي بالجنة، وكلام النبي حق وهو مبشر، لكن من شدة خوفه من الله نسي أنه مبشر، ومن شدة حرصه على استقامته، ومن شدة رغبته بالكمال نسي.
أخوانا الكرام: يقول الإمام الغزالي: كل من كان أوفر عقلاً وأعلى منصباً كان أقل إعجاباً بنفسه وأعظم اتهاماً لنفسه، وكل إنسان والمشكلة أن الأصدقاء الآن يألفون أو يؤثرون المداهنة على المناصحة، النبي قال:

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الدِّينُ النَّصِيحَةُ ثَلاثَ مِرَارٍ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلأئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))

 الدين في التعريف الجامع المانع النصيحة، لكن العلاقات الإنسانية، الاجتماعية إذا تدهورت تحل المداهنة محل المناصحة، عوض عن المناصحة المداهنة، يعني مديح كاذب، المناصحة أحياناً هي الموقف الكامل لكن إذا الإنسان ضعيف إيمانه إما أن يذكر فيك عيوباً ليست فيك حسداً أو أن يطلب ودك خوفاً أو طمعاً، إذا لم يكن له مصلحة معك بدافع الحسد يذكر عيوباً ليست فيك، وإذا كان له مصلحة معك ويطمع فيما عندك يداهنك، وهذا من ضعف العلاقات الاجتماعية، يعني إذا كان هناك تنبيه للأخطاء فيه مبالغة وفيه أخطاء ليست موجودة بدافع الحسد، وإذا في مديح فالمديح كاذب بدافع الخوف إما أن يكون مديح كاذب أو أن تكون نصيحة قاسية والحالتان مرضيتان.
 قال داود الطائي اعتزل الناس قيل له لما لا تخالط الناس ؟ قال: وما أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي، فإذا الإنسان سمع من أخوه نصيحة يتقبلها بنفس رضية، يتقبلها بصدر واسع، يتقبلها بعقل مفتوح، يوجد عقل مغلق، ويوجد صدر ضيق، ويوجد نفس قاسية، النصيحة يجب أن تقبل بعقل مفتوح وبصدر واسع وبنفس طيبة عندئذٍ المنصوح له أجر في قبولها والناصح له أجر في إبدائها، والدين النصيحة، نحن في التناصح نرقى وبالمداهنة نسقط، يعني سوف أحضر مثل صارخ، إذا كنت جالس في بستان مع صديق لك وتحت ثوبك يوجد عقرب مخيف قال لك: انتبه يوجد عقرب، بماذا تشعر اتجاه هذا الصديق بالحقد، بالكراهية، أم تشعر بمنتهى الشكر والامتنان إذا كان عقرب لدغ إنسان وأخذ مضاد لقاح وبعد يومين ثلاث شفي من هذه اللدغة وأنت تشكره أعمق الشكر، إذا الإنسان نبهك لعيب أخطر من العقرب وأخطر من الأفعى وأخطر من السم الناقع، ألا تشكره، هكذا يقول الإمام الغزالي: الأخلاق السيئة حيات وعقارب لداغة فلو نبهنا منبه على أن تحت ثوبنا عقرباً لتقبلنا منه نصيحته وفرحنا به واشتغلنا لإزالة العقرب وإبعادها وقتلها، أما إذا إنسان نصحك في أمور دينك في أمور آخرتك، باستقامتك، ببيتك، بأخطاء تجري في البيت، بتفلت في أولادك، إذا إنسان نصح أخ وما قبل نصيحته فهذا إنسان غير موفق، إنسان بعيد عن مستوى الإيمان لذلك السلوك المزعج جداً بين الناس إذا رجل نصح الثاني فوراً الثاني يفكر ماذا له عيوب الذي نصحه، لا يخطر في باله أبداً أن يقبل النصيحة ولا يصدق هذا الكلام يخطر في باله أن يرد عليه بكشف عيوبه، وهذا سلوك شيطاني، لو كان للناصح عيوب الآن جمدها، الآن نصحك بشي واقعي ملموس اقبل نصيحته، وبعد حين في وقت آخر نبهه إلى أخطائه.
 هذا كله من ضعف الإيمان، أول طريق يراه الإمام الغزالي أن تختار من المؤمنين مؤمناً صدوقاً، مخلصاً، أن تجعله مرجعاً لك، أن تستحلفه بالله ألي عيب غفلت عنه أرشدني إليه، استحلفه بالله لا تجاملني، أنا أقول لكم كلمة: الذي يمدحك لا يرقى بك، أما الذي ينتقضك يُنهضك، أنت بحاجة لا لمن يمدحك بحاجة إلى من ينصحك، الناصح يرفعك وغير الناصح الذي يمدحك يجعلك في مكانك دون أن تتقدم.
أخ سابق في الإيمان متفوق عليك مخلص في كلامه غيور عليك، اجعله مرجعاً لك واستحلفه بالله أن ينصحك وأن لا يجاملك، وأن لا يوفر كلماً صادقةً يسديها إليك، قال يوجد طريق ثاني: أن يستفيد الإنسان من أقوال أعدائه به، طبعاً العدو لا يجاملك إطلاقاً والعدو يتمنى أن تكون منحرفاً، على كلٍ هناك أشخاصاً ما وفقوا يتهمون أعداءهم بالكذب دائماً من دون تفكير، هو طبعاً عدو لدود لكن هذا العدو اللدود ليس مستعداً إطلاقاً أن يجاملك، هو يبحث عن عيوبك وعن أخطائك فإن وجد عيباً أو خطأً نشره بين الناس، هذا عدو لا شك ولكن أنت كإنسان ذكي عاقل كلام العدو لا ترفضه، لا تلقه وراء ظهرك، استفد منه لعل هذا العدو أصاب في هذه الملاحظة فاستفد منها لذلك قال بعض الحكماء: عداتي جمع عدو لهم حق علي ومنةٌ فلا أذهب عني الله الأعادي.
 له دور إيجابي لا تنتبه له، إذا رجل فرضاً جالس في جليسة ويوجد إنسان خصم له ومن اختصاصه وأحب أن يتكلم طبعاً يجب أن يكون دقيق جداً لأنه يوجد من يكذبه فوراً، يتكلم كلام دقيق مدروس مع أدلة وبراهين، الذي جعلك أن تتكلم كلام مضبوط وتنتبه إلى الأرقام والأدلة من ؟ الخصم فهو له فضل عليك بشكل سلبي، فلما الإنسان يصغي إلى النصيحة أو يصغي للمعارضة يرقى فإذا رفضها يسقط، الطريق الثاني أن تستفيد من أقوال أعدائك فيك، هو فعلاً عدو ولا يتمنى لك الخير ويكبر أخطاءك، لكن لا دخان بلا نار، وهذه الفكرة دقيقة جداً وخطيرة جداً إياك أن تصدق أن شيئاً يأتي من لا شيء، شيء من لا شيء لا يكون فلو أن عدوك لا سمح الله انتقضك انتقاض جارح وبالغ، لكن هذا الانتقاض له أصل لا دخان بلا نار، فمن علامات التوفيق أن تستفيد من أقوال أعدائك فيك.
 والإنسان كلما أصغى إلى نصيحة، أو كلما تفحص تهمةً أو فريةً أو إفكاً، تفحص، يعني أحياناً الإنسان يكون بريء إلى أقصى درجة، يعني أخ من أخوانا قال لي: رجل درس نساء نصح كثيراً ما انتصح ثم ظهرت مشكلة كبيرة جداً اتهم تهمة هو منها بريء قولاً واحداً لكن لأنه وضع نفسه موضع التهمة، فإذا لامه الناس لا شيء عليهم لذلك الإنسان حتى أعداءه كلامهم يجب أن يصغى إليه لأنه لا يوجد دخان بلا نار، لو في مبالغة، لو في حقد خذ مضمون كلامهم وتفحصه، هو الإنسان الساذج دائماً يتهم خصومه أنهم كاذبون وكلامهم لا أصل له، هذا موقفاً غبياً وليس موقفاً ذكياً، ونحن في طريق تزكية النفس، طبعاً الإنسان دائماً يكذب عدوه ويحمل أقواله على الحسد إلا أن كلام عدوك له معنى وله أصل، وله منطلق ولا دخان بلا نار والسعيد من استفاد من أقوال أعدائه فيه.
 يوجد عندنا طريق ثالث لمعرفة عيوب النفس، قل: أن تخالط الناس إن رأيت منهم شيئاً لم يعجبك إياك أن تفعله، إن رأيتهم ذموا إنساناً على فعل ناقص إياك أن تفعله، أنت ممكن أن تعلم النقص مما يجري حولك وهذا هو السعيد الذي يتعظ بغيره بينما الشقي لا يتعظ إلا بنفسه.
 لذلك قيل لأحد الأنبياء من أدبك، قال: ما أدبني أحد رأيت جهل الجاهل شيئاً قبيحاً فاجتنبته.
أيام الإنسان يكون متلبس بشيء، يوجد عندنا مشكلة أنه لا يشعر به، إذا رآه أمامه مثلاً إذا رجل ضرب بقسوة وهو غاضب لا ينتبه لما يفعل أما إذا أنت رأيت إنسان يضرب طفلاً بقسوةٍ بالغة تستخشن عمله، وتستهجنه، وتستقبحه، وتلومه أنت الآن مراقب أدركت حجم العمل لأنك طرف آخر أما إذا كنت طرف في هذا الموضوع قد لا تنتبه لما تفعل فلذلك التأمل والاطلاع يكشف لك العيوب على حقيقتها فينبغي أن تستفيد من الخُلطة مع الناس.
يقول الله عز وجل:

 

 

 

 

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)﴾

( سورة النازعات )

 كل شيء تدعوك نفسك إليه هذا يسقطك ولا يرفعك، دائماً خالف النفس وأهواءها، مخالفة الهوى أحد أسباب تزكية النفس، قال النبي عليه الصلاة والسلام: المؤمن بين خمس شدائد، مؤمن يحسده، ومنافق يبغضه، وكافر يقاتله، وشيطان يضله، ونفس تنازعه.
يوجد عنده خمس شدائد المؤمن هناك منافق يبغضه، وكافر يقاتله، وهناك مؤمن آخر ضعيف الإيمان يحسده، وهناك نفس ترديه وشيطان يغويه، وهذه شدائد المؤمن.
يروى في الأثر أن الله عز وجل قال: يا داود حذّر وأنذر أصحابك كل الشهوات فإن القلوب المتعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة، يقول أحد العلماء: ما عالجت شيئاً أشد علي مني من نفسي مرةً لي ومرةً علي، ويوجد أحد الأشخاص يقول قول رائع: يا نفس لا في الدنيا مع أبناء الملوك تتنعمين ولا في طلب الآخرة مع العباد تجتهدين، كأني بك بين الجنة والنار تحبسين يا نفس ألا تستحيين.
يعني أحياناً أنت ليس من أهل الدنيا الغارقين بالملذات والشهوات، ولا يسألون، وليس مع المتفوقين من أهل الإيمان ضائع بينهما، ليس محسوب مع هؤلاء، عندك بقية خوف من الله، عندك إيمان ولا تستطيع أن تكون مع المؤمنين المجتهدين، ضعف لابد من التفوق، إما مع هؤلاء وإما مع هؤلاء، بين هؤلاء وبين هؤلاء وضع صعب جداً أنت محسوب مع المؤمنين إذا لم تكن استقامتك جيدة واتصالك بالله شديد، وإذا ليس لك ذكر وجلسة مع الله، المشكلة كبيرة جداً لأنك لن تتنعم نعيم المؤمنين ولم تنغمس في الدنيا انغماس الفاجرين، لا هذه ولا تلك، الأولى أن تكون مع هؤلاء المؤمنين.
 قال بعضهم: أعداء الإنسان ثلاثة، دنياه، وشيطانه، ونفسه، فاحترس من الدنيا في الزهد فيها، ومن الشيطان بمخالفته، ومن النفس بترك الشهوات، وقال بعضهم من استولت عليه النفس صار أسيراً في حب شهواتها، محصوراً في سجن أهوائها، مقهوراً مغلولاً زمامه في يدها تجره حيث شاءت فتمنع قلبه من الفوائد.
 قال العلماء أجمعوا على أن النعيم لا يدرك إلا بترك النعيم، نعيم الآخرة لا يدرك إلا بترك نعيم الدنيا، قال: يروى أن امرأة العزيز قالت ليوسف عليه السلام بعد أن ملك خزائن الأرض وقعدت له على رابية الطريق في يوم موكبه وكان يركب معه خلق كثير، قالت: سبحان من جعل الملوك عبيداً بالمعصية هي كانت امرأة العزيز، وهي كانت ملكة وجعل العبيد، وكان يوسف عبداً، وجعل العبيد ملوكاً بطاعتهم له، إن الحرص والشهوة صيرا الملوك عبيداً وذلك جزاء المفسدين، وإن الصبر والتقوى صيرا العبيد ملوك، سيدنا يوسف قال عن نفسه في القرآن الكريم:

 

﴿قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90)﴾

 

( سورة يوسف )

 فإذا الإنسان صبر عن الشهوات، وعلى الطاعات، وعلى قضاء الله وقدره، هذا الصبر له ثمن عند الله كثير، لكن دائماً الأجر مؤجل الشيء السريع يفقد الاختيار، قال الجنيد مرة: أرقت ليلةً فقمت إلى وردي، يعني إذا الأخوان الكرام ألزموا أنفسهم أن يكون لهم مع الله جلسة أوراد ولو ربع ساعة، يعني إذا قرأ أستغفر الله مائة مرة، النبي عليه الصلاة والسلام كان يقول إني أستغفر الله في اليوم مائة مرة، وهذا شيء بالصحاح وارد، وقال النبي الكريم:

 

(( عن عَمِّ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ أَفْضَلُ الذِّكْرِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ))

 وإذا قال لا إله إلا الله مائة مرة، وأي لقاء مع الله لا يبدأ ولا يختم بالصلاة على النبي فهو أبتر، وإذا قال اللهم صلي على محمد مائة مرة ربع، مائة، بمائة، بمائة، يكفيهم ربع ساعة، أردت أن تزيد سبحان الله والحمد لله ولا الله أكبر مائة مرة، كثير خمسة وعشرين، أردت أن تزيد سبحان الله وبحمده، أردت أن تزيد حسبي الله ونعم الوكيل، أردت أن تزيد لا حول ولا قوة إلا بالله، أردت أن تذكر اسم الله المفرد لا يوجد مانع، واذكر اسم ربك بالقرآن واردة، يعني إذا الإنسان نصف ساعة ذكر الله وربع ساعة قرأ القرآن وربع ساعة تفكر بالأكوان يعني مائة وثماني وستين ساعة في الأسبوع، سبع ساعات من مائة وثماني وستين ساعة تستكثرها على أن تكون مع الله، يا موسى أتحب أن أكون جليسك قال كيف ذلك يا رب وأنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أني جليس من ذكرني وحيث التمسني عبدي وجدني، لك أن تجعل هذا اللقاء صباحاً بعد الفجر، لك أن تجعله بين المغرب والعشاء لك أن تجعله قبل أن تنام، أي وقت لابد من لقاء مع الله، هذا اللقاء يعطيك يسمونه قوة اندفاع، يعطيك طمأنينة، يعطيك ثقة بأن الله يحبك يعطيك مناعة مقاومة، يعطيك سعادة، لذلك أحد كبار العلماء يقول: لولا هذه الأوراد لهلكت.
 سيدنا رسول الله كان في غار حراء يتعبد الله الليالي ذوات العدد، أنت اعمل غار حراء يومي، كل يوم ساعة غار حراء، إما أنها بعد الصلاة الفجر أو بين المغرب والعشاء أو قبل أن تنام، هذا من تزكية النفس ويوجد أخوان كثر نصحتهم بهذا وطبقوا هذا ورأوا فرقاً كبيراً جداً، أنت الآن جالس مع الله، جالس تنتظر رحمة الله، جالس تنتظر نفحة من نفحات اله، جالس تنتظر أن يلقي الله في قلبك نوراً.
قال الجنيد مرة: أرقت ليلةً فقمت إلى وردي فلم أجد حلاوةً، أيام الإنسان بالورد يبكي، وأنا لا أعتقد أنه يوجد شيء في الأرض أسعد من أن تنهمر دموعك من خشية الله، هذا بكاء المؤمنين الكبار، أن تبكي عيناك من خشية الله، من محبتك لله، يجوز أول يوم ثاني يوم لا تجد شيء لكن عندما الله عز وجل يراك مصراً وملحاً.
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومدمن القرع بالأبواب أن يلجا
الله عز وجل بعد أن يراك ملحاً يتجلى عليك، فقمت إلى وردي فلم أجد حلاوةً فأردت أن أنام فلم أقدر، فجلست فلم أطق الجلوس، أيام يقول لك قلقت، لا يستطيع أن ينام، ولا يستطيع أن يقوم
 فخرجت فإذا رجل ملتف في عباءة مطروح على الطريق، فلما أحس بي قال يا أبا القاسم إلي الساعة، فقلت يا سيدي من غير موعد ـ تأخرت علي من غير موعد ـ قال بلى سألت الله عز وجل أن يحرك لي قلبك، فقلت قد فعل، الورد لم يجد به حلاوة، أراد أن ينام ما استطاع جلس ما استطاع، ذكر لم يشعر بحلاوة، فخرج من البيت، قال: من غير موعد، قال: بلى سألت الله عز وجل أن يحرك لي قلبك، قلت قد فعل فما حاجتك ؟ فقال هذا الرجل: يا جنيد متى يصير داء النفس دواها فقلت: إذا خالفت النفس هواها.
هو الداء الهوى، هل يمكن أن يكون الداء نفسه دواء ؟ نعم، الهوى نفسه إذا خالفته صار دواء، لذلك الإنسان دائماً الشيء الذي تميل النفس إليه يبتعد عنه يرقى، فأقبل على نفسه وقال: اسمعي فقد أجبتك بهذا سبع مراتٍ فأبيت إلا أن تسمعيه من الجنيد هذا الشخص الذي بالطريق وها قد سمعته، ثم انصرف وما عرفته.
 سأل رجل سيدنا عمر بن عبد العزيز: متى أتكلم ؟ قال: إذا اشتهيت الصمت، أيام شخص أخطأ وأنت تمون عليه ولك مكانة عنده أنت أميل أن لا تفاتحه بشيء، اشتهيت الصمت تكلم، قال متى أصمت ؟ قال: إذا اشتهيت الكلام، رأيت نفسك تتكلم والناس كلها مسرورة وأنت كبرت جداً أمامهم ويثنون على علمك، ورأيت نفسك لا يوجد من هو أفضل منك وقعت في الحجاب وأنت لا تدري، إذا اشتهيت الكلام فاسكت، وإن اشتهيت السكوت فتكلم، يعني متى يكون داءها دواءها، قال إذا خالفت هواها.
سيدنا علي يقول: من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات في الدنيا، يعين أردت من هذا الدرس أن الإنسان عليه أن يزكي نفسه، أولاً بأن يكون له مرجعٌ يثق بعلمه واستقامته وإخلاصه وورعه يسأله عن كل قضية، وكل إنسان بلا مرجع إنسان ضائع، وعليه أن يستفيد من أقوال أعدائه فيه لا أن يتهمهم بالكذب كلياً لأنه لا دخان بلا نار، وعليه أيضاً أن يستفيد من معاشرته للناس، فالشيء الذي يكره من الناس ينبغي أن لا يفعله هو، بهذه الطرق تزكو نفسه، مع أوراده، ومع إقبالها، ومع استقامتها، لذلك شعار هذا الدرس قوله تعالى:

 

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾

 

 

( سورة الشمس )

 شعار هذا الدرس قوله تعال:

 

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)﴾

 

( ورة الشعراء )

 والإنسان الذي نفسه زكية طاهرة، الطريق إلى الله سالك بأي لحظة العلماء السابقين لهم أمثلة لطيفة وقت ما كان يوجد كهرباء كان يوجد كازات، قال: المؤمن المستقيم فتيل مقصوصة والجرص مجلس، والمستودع ملآن، والبلورة ممسوحة وينقصه عود ثقاب، المستقيم سهل أن يتصل بالله عز وجل، لمجرد أن يجلس يقرأ القرآن اقشعر جلده، ذكر الله اقشعر جلده، استغفر شعر بسرور، لأنه لا يوجد عنده عقبات، جاهزيته عالية، لذلك الإنسان كما تكلمنا على التجارة أول الدرس إذا يوجد لها ألف نشاط مؤداها شيء واحد أن تربح فإن لم تربح فلا كانت كل هذه التجارة، والدين كله بكل نشاطاته مؤداه أن يكون قلبك سليماً ونفسك زكيةً وأن تصل إلى الله وأن تسعد به عن طريق معرفته والاستقامة على أمره وذكره فإن لم تفعل هذا فهذه الأعمال لا جدوى منها.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018