بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 080 - الورع .


1996-03-17

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام: محور الدرس اليوم الورع، لأنه ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، وإن أردت الفرق الشاسع بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المسلمين في عصورهم المتأخرة لقلت لك إنه الورع، ذكرت يوم الجمعة أن سيدنا عمر رضي الله عنه وهو على فراش الموت استأذن السيدة عائشة رضي الله عنها أن يدفن إلى جوار النبي صلى الله عليه وسلم وإلى جوار سيدنا الصديق الحقيقة السيدة عائشة كانت تظن أن هذا المكان المكان المتبقي لها لأنه إلى جانبها زوجها وأبوها، لكنها آثرت الخليفة عمر بن الخطاب في هذا القبر وأذنت له، سيدنا عمر خشي أن تكون قد أذنت له وهو خليفة المسلمين وهو أمير المؤمنين، لذلك أمر أولاده أنه بعد أن يموت تستأذن السيدة عائشة مرة ثانية وقد مات الخليفة وأصبح في عداد أهل الآخرة، فإن أذنت مرة ثانية فادفنوني إلى جنب رسول اله وإلى جنب صاحبه، كانوا من الورع بشكل لا يوصف، والحقيقة الإنسان لا يستطيع أن يقبل على الله وقد وقع في الشبهات

((عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فَمَنِ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ ))

 قبل أيام توفي شيخ الأزهر قرأت عنه كلمات كثيرة تركت في نفسي أثراً له مواقف واضحة جداً في شأن الربا، الفوائد موقف مطابق للشرع تماماً، قرأت عنه الشيء الكثير كل هذا أخذه إلى معه إلى قبره، والإنسان أحياناً تغريه الدنيا فيرضي الآخرين ولا يرضي الله، أما إذا جاء الموت يندم أشد الندم، ويوجد أشخاص ربنا سبحانه وتعالى خشيته ماثلة في أذهانهم يرضونه ولا يعبئون بالآخرين، هذا كله يلقونه عند لقائهم الله عز وجل.
أيها الأخوة الكرام: ورد في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر نموذجاً من الورع، قال:

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرَى رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ عَقَارًا لَهُ فَوَجَدَ الرَّجُلُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ فِي عَقَارِهِ جَرَّةً فِيهَا ذَهَبٌ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي اشْتَرَى الْعَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ مِنِّي إِنَّمَا اشْتَرَيْتُ مِنْكَ الأرْضَ وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الذَّهَبَ، وَقَالَ الَّذِي لَهُ الأرْضُ إِنَّمَا بِعْتُكَ الأرْضَ وَمَا فِيهَا فَتَحَاكَمَا إِلَى رَجُلٍ فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَمَا إِلَيْهِ أَلَكُمَا وَلَدٌ قَالَ أَحَدُهُمَا لِي غُلامٌ، وَقَالَ الآخَرُ لِي جَارِيَةٌ قَالَ: أَنْكِحُوا الْغُلامَ الْجَارِيَةَ وَأَنْفِقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمَا مِنْهُ وَتَصَدَّقَا ))
 إنسان وجد جرة ذهب في عقار اشتراه، قال أنا اشتريت العقار ولم أشتري الذهب، الذي باع العقار قال أنا بعتك العقار ولم أبعك الذهب، وقد قلت لكم قبل أيام كيف أن إنساناً تزوج امرأة ثانية قبل أن تعرف الأولى، الأولى علمت ولم تفاتح زوجها بما فعل، بعد حين توفي الزوج فمن روع الزوجة الأولى أنها أرسلت إلى الزوجة الثانية بنصيبها من الميراث، ففاجأتها الثانية قالت: لقد طلقني قبل أن يموت وليس لي عندكم شيء، إذا كنا كذلك رضي الله عنا وأكرمنا، الإنسان حينما يكون ورعاً يرقى عند الله إلى أعلى الدرجات.

 

(( عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللَّهِ: إِنِّي لأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي أَوْ فِي بَيْتِي فَأَرْفَعُهَا لآكُلَهَا ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً أَوْ مِنَ الصَّدَقَةِ فَأُلْقِيهَا ))

 ومرة مر معي حديث ولم أعثر عليه الآن قبل أن آتي إليكم إنه مرة انقطع عنه الوحي صلى الله عليه وسلم فقال يا عائشة: لعلها تمرة أكلتها من تمر الصدقات.
الورع قوام الدين الورع، ومرة ثانية ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط، الذين تفوقوا وأقبلوا على الله وانتصروا، والذين رأوا أن الطريق إلى الله سالك فيما بينه وبينهم، هؤلاء الورعون.

 

(((عَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ الْبَأْسُ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ إِلا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ))

 يعني أن تدع ما لا بأس به حذر ما فيه بأس، هناك نقطة دقيقة جداً، أنا أحياناً يوجد مناقشات حول قضايا فقهية أقول لأحد الأخوة الكرام افرض أن هذا الأمر الذي تطلب الفتوى من أجله، وجدت له فتوى ضعيفة، فتوى عند بعض العلماء أما جمهور العلماء ما أقرك على هذه الفتوى أليس الأحوط أن تدعها، الأحوط أن تدع هذا الشيء إن كنت ورعاً لأن الإنسان يرتقي عند الله بورعه، لكن بربكم لو أن إنساناً ترك شيء لله ورعاً أتظنوا أن الله سبحانه وتعالى يحرمه هذا الشيء ؟ لا والله و لابد من الصبر، أقول لا والله لأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا على لسان نبيه، ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه، ولا يوجد أخ من أخوانا الكرام الصادقين وأنا أعلم علم اليقين أن في حياته عشرات الأمثلة ترك شيئاً لله فعوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه، الشيء الذي فيه شبهة لا تتردد عنده كثيراً انتصر على نفسك و اركله بقدمك وقل الله هو الغني.
أحد أخوانا الأطباء يجري عملية لطفل في قلبه، هناك جهة محسنة غطت هذه العملية لكن هذا الأب الورع عنده مكينات فقال لا والله لا أرضى، قال له: لماذا هذه الجهة المحسنة تبرعت وغطت هذه العملية قال: أنا عندي ما أبيعه اجعل هذا المبلغ لم لا يجد ما لا يبيعه، لا يوجد إنسان ورع إلا الله عز وجل يعطيه الدنيا وزيادة.

 

 

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ))

قال تعالى:

 

 

﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً (36)﴾

 

 

( سورة الإسراء )

 ورع العين بغض البصر عن محارم الله، ورع الأذن بصونها عن سماع الغيبة والنميمة والغناء وما إلى ذلك، ورع اللسان أن لا تنطق إلا بالحق، ورع الفكر الدماغ أن لا تفكر إلا فيما يرضي الله، أيام الإنسان يسكت ولكنه يفكر فيما يرضي الناس، ورع الفكر، و ورع العين، و ورع اللسان،

((.... أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى... ))

ماذا يخرج من فمك من كلام لابد من ضبط، الآن ماذا يدخل إلى بطنك من طعام لابد من ضبط.
 أخ كريم له قريب بالسادسة والتسعين أجرى تحليلاً كاملاً لدمه وسوائله فكانت النتيجة أن كل النسب طبيعية، فعلق تعليقاً جميلاً أعجبني قال: والله ما أكلت في حياتي كلها درهماً حراماً، قال يا بني حفظناها بالصغر فحفظها الله علينا بالكبر، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة أنا أقول لكم بربكم هل واحد منكم تورع عن شيء ترك شيء لله، خشية الله، ابتغاء مرضاة الله، وقد حرمه الله ذلك الشيء ؟ لا والله تأتي الدنيا وهي راغمة.

((وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ))

 إذا كانت زينة الدنيا تحملك على التقصير في العبادات، على التقصير في طلب العلم، ما قال أساسيات الدنيا، لابد أن تعمل، طلب الحلال فريضة بعد الفريضة، الكسب الحلال فريضة بعد الفريضة، لكن من ترك زينة الدنيا، أيام الإنسان ينهمك بالزينة، في الأشياء التي ليست أساسية في الحياة، يجب عليك أن توفرها، أما من أراد الآخرة ترك زينة الدنيا

((... فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ ))

(( عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ قَالَ وَمَعْنَى قَوْلِهِ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ يَقُولُ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ أَنْ يُحَاسَبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ وَإِنَّمَا يَخِفُّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنْ حَاسَبَ نَفْسَهُ فِي الدُّنْيَا وَيُرْوَى عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ لا يَكُونُ الْعَبْدُ تَقِيًّا حَتَّى يُحَاسِبَ نَفْسَهُ كَمَا يُحَاسِبُ شَرِيكَهُ مِنْ أَيْنَ مَطْعَمُهُ وَمَلْبَسُهُ ))

 الله عز وجل لما وصف النبي صلى الله عليه وسلم:
 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلورة القلم )

 ولم يقل إنك ذو خلق عظيم، فرق كبير على فيها تمكن، أيام الإنسان يصبر لكن بينه وبين الانفجار شعرة، أيام يتصدق ولكن بينه وبين المنع شعرة، أيام يحلم ولكن بينه وبين الانتقام شعرة، نقول هذا ذو خلق أما المتمكن من خلقه، هو في الأعماق، هو في رأس جبل ماذا يفعل معه موج البحر، فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما مدحه الله، مدحه بحسن الخلق، قال تعالى:

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 

 

( سورة القلم )

 والحقيقة المؤمن المتفوق كالطود الشامخ، انظر إلى سفينة هي كالجبل في البحر، الأمواج لا تنال منها لكن انظر إلى قارب صغير تتلاعب به الأمواج كيف تشاء، فكلما ازداد إيمانك، ازداد رسوخك وعلا شأنك،

((... الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ... ))

 دان نفسه قال بعض العلماء، غير ضبط، حاسب نفسه حساباً عسيراً، ومن حاسب نفسه حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، أنت انظر إلى الدنيا أيام يكون شخص مخيف، من حوله يحاسبون أنفسهم حساباً عسيراً، فإذا حاسبهم ليس له معهم كلام، كل قضية فيها توقيع أخذ موافقة مسبقة، وهذه فيها إيصال، إذا إنسان يخاف على سمعته ويوجد شخص آخر لعله يحاسبه حساباً عسيراً لا يتحرك حركة إلا بوثيقة، اشترى شيء أخذ فاتورة، إن تحرك حركة أخذ موافقة، فإذا حاسبه هذا القوي يقول له سافرت وهذا أمر السفر، أنفقت وهذه الفواتير، الإنسان إذا عامل خالق الكون حاسب نفسه حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، أما هؤلاء الذين يقولون لا تدقق، هذه لا تدقق لا آية ولا حديث، هذه شيطانية، لا دقق، الله عز وجل سوف لا يحاسبنا، كل آيات المغفرة تليها آيات العقاب، قال تعالى:

 

﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)﴾

 

 

( سورة الحجر )

 لسيدنا هذه المقولة التي يقولها الخطباء على المنابر، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، و اعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا.

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا وَأَحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِمًا وَأَقِلَّ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ ))

 يعني أعبد الناس لا في كثرة صلاته، بل في شدة ورعه، كن ورعاً تكن أعبد الناس، يوجد شخص يصلي الصلوات الخمس ويصلي النفل، والضحى ثماني ركعات والأوابين، وقيام الليل شيء رائع جداً، لكن والله الذي لا إله إلا الله إن لم يكن ورعاً لا تنفعه هذه الصلوات الخمس لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

 

((. كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ...))" ورعاً على وزن فعل من صيغ مبالغة اسم الفاعل، وقنع أيضاً على وزن فعل من صيغ مبالغة اسم الفاعل.

 

(( وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا... ))

 علامة لإيمانك أن تحب للناس ما تحب لنفسك، ويوجد رواية أخرى وأن تكره لهم ما تكره لها، إذا إنسان إيمانه قوي يعطي الآخرين ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، أما التعبير العامي الطرية لحلقه واليابسة لغيره، هذا خلاف الدين، بالحقيقة المؤمن يبني حياته على العطاء لا على الأخذ، يبني حياته على الموءاثرة، كان مع النبي سواكان أحدهما معوج والآخر مستقيم أعطى المستقيم لأحد أصحابه وترك لنفسه المعوج، أنت لاحظ إذا اثنين قسموا تفاح أو بيض، الكبيرة إليه، خد أحمر إليه، الصفراء إليه، الصغيرة إلى عند أخيه الفرق لا يقدم ولا يؤخر، ولكن تكشف حقيقة الإنسان أما المؤمن دائماً وأبداً يؤثر أخاه، حياته أساسها الإيثار.

 

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا وَأَحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِمًا وَأَقِلَّ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ ))

 أنا ذكرت مرةً أن أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام كانوا في سفر وليس معهم ما يأكلون، فأعطوا رغيفاً فأميرهم ارتأى أن يقسم هذا الرغيف إلى قطع صغيرة وكان الوقت ليلاً كل صحابي تصنع أنه يأكل وكلهم جائعون، لكنه لا يأكل من أجل أن يأكل أخوه، قل هذا في الطعام أما في مشهد للصحابة العقل لا يصدقه، في إحدى المعارك أربعة جرحى من أصحاب رسول الله، والجريح كما تعلمون لو أنك أعطيته كأس ماء لأعطاك ثمنه كل ما يملك في الحياة، الإنسان عندما ينزف دمه يشعر بعطش لا يقاوم، فجاء أحد الأصحاب معه شربة ماء جاء إلى الأول فقال أعطها لأخي لعله أحوج مني، الثاني قال أعطها لأخي، الثالث قال أعطها لأخي الأخير توفي قبل أن يشرب، عاد إلى الثالث فوجده قد مات، عاد إلى الثاني فوجده قد مات، عاد إلى الأول فوجده قد مات، أربعة جرحى ينازعون ما قبل أحدهم أن يشرب ماءً دون أخيه، هكذا ربى النبي أصحابه الكرام، الآن تجد مائة وخمسين حجي على طائرة يتقاتلون على الصعود، والمائة والخمسون لهم مائة وخمسون مقعداً، هل يوجد حجي على الواقف، حجاج بيت الله الحرام بنظام الطيران هل يوجد أحد على الواقف إلى جدة ؟ وكل إنسان له رقم يجلس فيه، هذا الطقم غير ذلك الطقم، هذا طقم ثاني.

 

 

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا...))

 والله مرة في أيام الحج بعد ما مضى على انتهاء الحج أكثر من أسبوعين، تقريباً الحرم المكي لا يوجد أحد لأن الحجاج إما إلى بلادهم أو إلى زيارة الحرم المدني، قليلون جداً حول الكعبة، اخترت وقتاً من أضعف الأوقات قبل العصر بربع ساعة والحر لا يحتمل، يوجد تقريباً عشرون شخص واقفون لتقبيل الحجر الأسود والله لو وقفوا في رتل لقبلوه جميعاً في خمس دقائق أما الازدحام والدفع والضرب أيعقل هذا ؟ هل هم في عبادة ؟ تفقهوا قبل أن تحجوا، أحياناً الحاج يدع فريضةً ليدرك سنةً هذا من ضعف فقه، أين أصحاب رسول الله وهم على فراش الموت، آثروا أخوانهم بشربة ماء،

 

(( قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعًا تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ وَكُنْ قَنِعًا تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا وَأَحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكَ تَكُنْ مُسْلِمًا وَأَقِلَّ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ ))

 يقولون أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه له جار مغني، هذا الفقيه العظيم، وكان يزعجه ولا ينيمه الليل وهو يغني طوال الليل، أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وطعان خلس.
ألقي القبض عليه بمخالفة، فذهب بنفسه ليشفع له، طبعاً حينما دخل على المحتسب، مثل مدير شرطة، ما صدق فأخرج كل من في السجن إكراماً له، في طريق العودة هل أضعناك، الجار غالي من ما يكون، أنا مرة لي صديق في أحد أحياء دمشق، مرة طرقت الباب فلان قالوا لا نعرفه، في الطابق الذي فوقهم وهو يسكن من سنتين، السلف الصالح إذا الإنسان تخلف عن صلاة الفجر يأتينه كل أخوانه ضحى ذلك اليوم، الأحياء أسرة واحدة، نحن بالإمكان أن نعيد هذه الأمجاد، بالتعامل الطيب، بالسؤال، بالتفقه، بعيادة المريض، النبي قال أتدرون ما حق الجار، إذا استعان بك أعنته، إذا نصرك نصرته، إذا استقرضك أقرضته، إن مرض عدته، إن مات شيعته، إن أصابه خير هنأته، إن أصابته مصيبةً عزيته، لا تستطل عليه بالبناء فتحجب الريح إلا بإذنه، وإذا اشتريت فاكهةً فأهدي له منها، فإن لم تفعل فأدخلها سراً ولا يخرج ولدك ليغظ ولده ولا تؤذه بقنتار قدرك إلا أن تغرف له منها، هذا حق الجار.
 أنا أذكر إلى سنوات عديدة، كل بيت يقدم للجار طبق من طعامه يتبادلون، تجد على المائدة أطباق عديدة، يقدم طبق ويأخذ طبق لا يوجد خسارة تعادل، ولكن يصبح مودة، إذا الإنسان أحب أن يتزوج حوله خمسين أربعين أخ، هذا قدم له سجادة، هذا قدم له حاجة، خمسة قدموا له براد، وثمانية قدموا له سجادة هذا شيء يورث المحبة والمودة، وهذا المتزوج سوف يرد كل هذه الهدايا بعد حين، ولكن التعاون جيد، أيام يكون تعادل أخذت كما أعطيت ولكن ما الذي تركته المحبة، والصلة، أنا لا أتصور أن إنساناً مؤمناً مسلماً له أخوان أصحاب إلا وهو يعاملهم أرقى معاملة وإلا ما قيمة إسلامه، هل الإسلام معلومات ؟ ليس معلومات، إذا ظننت أن الإسلام ثقافة والعبادات طقوس هذا ليس إسلاماً، الإسلام أخلاق.
روى ابن ماجة أيضاً:

 

(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَلا وَرَعَ كَالْكَفِّ وَلا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ ))

 ما قولك إنسان يبيع بيته ويقبض ثمنه عملة صعبة، ويوجد معه جهاز في جيبه لكشف العملة المزورة، ولا يستخدمه، ثم يفاجأ أن كل المبلغ مزيف، أين عقله وكل إنسان يوجد عنده عقل لا يندم إلا إذا عطل عقله علامة استخدام العقل أن لا تندم، علامة استخدام العقل أن تعيش المستقبل لا أن تعيش الماضي، ضعاف العقول يعيشون الماضي، متوسطوا العقول يعيشون الحاضر، حياته رد فعل، فعل ورد فعل، ألعوبة بين الناس، المجتمعات المتخلفة تبني حياتها على ردود الأفعال الأقوياء يخلقون لها ظروف ومهمتها أن ترد على هذه الأفعال، لردود هم يعرفونها مسبقاً، أما الأمم القوية تعيش المستقبل تخطط لعشرة أعوام قادمة هذا على مستوى الحضارة، أما على مستوى الإيمان بالله واليوم الآخر كلما زاد عقلك، كلما رجح عقلك تعاملت مع المستقبل كيف سألقى الله، كيف سأجيب الله.

 

 

((. لا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَلا وَرَعَ كَالْكَفِّ... ))

 يوجد قصة رويتها لكم قديماً شاب في ريعان الشباب افتتح مكتبة في أحد أحياء دمشق يبدو يوجد ثانوية بنات، فتاة متفلتة غير مهذبة، ألانت له القول وكأنها دعته إلى الفاحشة فأغلق المحل وتبعها وهو في الطريق وراءها وكان قد حج بيت الله الحرام، فجرى صراع بينه وبين نفسه إلى أين أنت ذاهب يا فتى ؟ تصور أنه إذا اقترف الفاحشة ضاعت عليه حجته، فكف راجعاً، غلب خوفه من الله على شهوته، هذا الشاب أنا قبل عشر سنوات كان حياً يرزق طبعاً صار كبيراً في السن، هذه القصة قديمة جداً، يقسم بالله العظيم في اليوم التالي وقف على دكانه أحد وجهاء الحي وسأله السؤال التالي: يا بني أنت متزوج، قال: لا، قال: أرسل أمك عندي بنت تناسبك، سبق إلى ذهنه أن هذه الفتاة فيها عيب، فعرضها أبوها عليه فوجئت أمه بأنها من أرقى مستوى صلاحاً في دينها وكمالاً في خلقها، جاءه بعد يومين، قال له: كيف وجدت أمك الفتاة يا بني، قال له: جيدة جداً، ولكنني لا أملك شيئاً، فقال له: هذا ليس شأنك، وكان أبوها من تجار الزيت الكبار، باع محله وجعله معه شريك في هذه التجارة ولعشر سنوات أعرفه حياً يرزق وهو من كبار أغنياء الشام، ماذا فعل ؟ الكف قال معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين، لا ورع كالكف، الإنسان وإذا نفسه حدثته بالنهاية ما فعل شيء هو عند الله من المقبولين أما إذا نفسه لم تحدثه أرقى، أما لو أن نفسه ضعفت ثم تغلب عليها هذا شيء جيد، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( لا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَلا وَرَعَ كَالْكَفِّ وَلا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ ))

 رجل يرتدي أجمل ثياب وتكلم بكلام بذيء قال له إما أن تتكلم مثل لباسك أو البس مثل كلامك، يوجد إنسان يقول نحن من بيت فلان نحن من أرقى عوائل المدينة، خير إن شاء الله، النبي قال: أنا جد كل تقي ولو كان عبداً حبشياً، وقال أيضاً: سلمان منا أهل البيت، نعم العبد صهيب

 

 

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ وَأَهْلِ الْجَنَّةِ أَمَّا أَهْلُ الْجَنَّةِ فَكُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ أَشْعَثَ ذِي طِمْرَيْنِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبَرَّهُ وَأَمَّا أَهْلُ النَّارِ فَكُلُّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ جَمَّاعٍ مَنَّاعٍ ذِي تَبَعٍ ))

هذا هو ميزان الإسلام.
لا تقل أصلي وفصلي أبداً إنما أصل الفتى ما قد حصل
 لا تفتخر افتخاراً جاهلياً الافتخار بالآباء افتخار جاهلي، الافتخار بالشكل ليس لك به جهد، وليس لك حق أن تنتقض إنسان شكله أقل مما يجب، هذا كأنه انتقاد لشكل الله عز وجل، إنسان الله خلقه بقوام معين، بطول معين، بلون معين، بشعر معين، بعاهة معينة، فكلما كنت أديباً مع الله احترمت هذا الإنسان، أما لو أخطأ أنت علاقتك مع الناس بالشرع، ألم يقل أحد التابعين، كان قصير القامة، أسمر اللون، غائر العينين، ناتئ الوجنتين، أحنف الرجل، مائل الذقن، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو أخذ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيد قومه، قال: إذا غضب غضب لغضبه مائة ألف سيف لا يسألونه لما غضب، وكان إذا علم أن الماء يفسد مروءته ما شربه.
الإنسان قيمته بعلمه وعمله، إذا كنت جاهلياً تقيمه بماله، المال بيد الله عز وجل، يوجد فقر القدر، وفقر الكسل، لا تقيمه بماله ولا بشكله ولا إذا معه عاهة هذا ليس له علاقة، قيمه بعلمه وعمله، تقييم إسلامي وتقييم جاهلي، لا أخفيكم أنه واحد ممن كان مع النبي عليه الصلاة والسلام، الصحابة غير معصومين بساعة غضب قال لسيدنا بلال: يا ابن السوداء، فالنبي غضب غضباً ما غضبه من قبل، قال له: إنك امرئً فيك جاهلية.
سيدنا بلال أساساً ما أدري تصدقون أن سيدنا عمر عملاق الإسلام خليفة المسلمين، يخرج من المدينة إلى ظاهرها لاستقبال بلالٍ، الآن رئيس دولة يخرج إلى مدخل مدينة لاستقبال مواطن عادي ؟ هذا شيء غير مألوف بالأمور العامة، سيدنا عمر بن الخطاب خرج إلى ظاهر المدينة لاستقبال بلال، سيدنا الصديق وضع يده تحت إبطه وقال: هذا أخي حقاً هذا هو الإسلام، لذلك أنا أقول لكم حقاً أيها الأخوة لا يضاف إلى كلمة مؤمن ولا كلمة، لأن أية كلمة تضيفها إلى مؤمن هذه إضافة جاهلية، المؤمن الإيمان صبغه بصبغة الكمال، تحبه غنياً، تحبه فقيراً، تحبه محدود الدخل، تحبه كبير الدخل، تحبه وسيم الطلعة، تحبه ذميم الهيئة تحبه مدنياً، تحبه ريفياً، تحبه من أرقى الأسر، تحبه من أقل الطبقات الاجتماعية شاناً، المؤمن مؤمن، هذا الإيمان غير هذا لا يوجد عندنا.

 

 

(( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَائِشَةُ إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الأعْمَالِ فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا ))

 أحياناً نظرة ليست أديبة، أحياناً ابتسامة سخرية، أحياناً مط الشفتين، لي العنق، تصعير الخد، لم يتكلم ولا كلمة ولكنه صعر خده، دخل إلى بيت فكشر، كيف يسعك هذا البيت ؟ هذا اسمه سلوك حشري، الإنسان كلما تواضع يرقى، كلما استعلى يسقط، قال لي البارحة شخص طرفة أنه دخل إلى مطار باستعلاء غير معقول بكبر، وعنجهية وغطرسة فالموظف اغتاظ منه كثيراً فمتاعه كله أرسله إلى مدينة عكس سفره بعد أن ابتعد ابتسم، فقال له لماذا تبتسم، لأنه لا يعلم ماذا سيكون بعد حين، أيام شخص صغير يزعج جداً، أقل الناس شأناً يسببون للكبار مشكلات كثيرة، هو موظف عادي لماذا الكبر ؟ هو ذهب إلى أمريكا وضع المتاع إلى طوكيو، سوف يبعث فاكسات وينتظر يومين ثلاث.

 

 

((... يَا عَائِشَةُ إِيَّاكِ وَمُحَقَّرَاتِ الأعْمَالِ فَإِنَّ لَهَا مِنَ اللَّهِ طَالِبًا " بالمناسبة أيها الأخوة النبي عليه الصلاة والسلام قال: " عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ))

 لكن ماذا بقي محقرات الأعمال ولكن رضي فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم، أنا قلت لكم دائماً الخط العريض من المسلمين لا أحد يشرب الخمر، من معظم المسلمين، ولا يوجد قتل ولا زنا، ولكن يوجد غيبة أحياناً، نميمة، نظرة غير صحيحة، هل معقول إنسان يحجب عن الله بأشياء قليلة ؟ إذا الإنسان ارتكب الكبائر محجوب طبعاً لأسباب وجيهة، أما إنسان يحجب لأسباب تافهة ليس معقول، الشيطان حينما يئس أن يعبد غير الله في بلاد المؤمنين رضي مما يحقره المسلمون من أعمالهم.
هذا الحديث دقيق وخطير:

 

 

(( عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لأعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لا نَعْلَمُ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

يعني المعلن رائع وإذا خلا مع نفسه لا يتقي الله، هذا معنى القول المأثور من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله، قصة نختم بها الدرس:

 

 

(( عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي جَيْشٍ إِلَى الْعِرَاقِ فَلَمَّا قَفَلا مَرَّا عَلَى أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ وَهُوَ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ فَرَحَّبَ بِهِمَا وَسَهَّلَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَقْدِرُ لَكُمَا عَلَى أَمْرٍ أَنْفَعُكُمَا بِهِ لَفَعَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: بَلَى هَاهُنَا مَالٌ مِنْ مَالِ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأُسْلِفُكُمَاهُ فَتَبْتَاعَانِ بِهِ مَتَاعًا مِنْ مَتَاعِ الْعِرَاقِ ثُمَّ تَبِيعَانِهِ بِالْمَدِينَةِ فَتُؤَدِّيَانِ رَأْسَ الْمَالِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَكُمَا فَقَالا...))

 شيء جميل مبلغ من المال معد إلى إرساله إلى المدينة.

 

 

((... وَدِدْنَا ذَلِكَ فَفَعَلَ وَكَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا الْمَالَ فَلَمَّا قَدِمَا بَاعَا فَأُرْبِحَا فَلَمَّا دَفَعَا ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ، قَالَ: أَكُلُّ الْجَيْشِ أَسْلَفَهُ مِثْلَ مَا أَسْلَفَكُمَا، قَالا لا، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ابْنَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَأَسْلَفَكُمَا أَدِّيَا الْمَالَ وَرِبْحَهُ، فَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ فَسَكَتَ وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ هَذَا لَوْ نَقَصَ هَذَا الْمَالُ أَوْ هَلَكَ لَضَمِنَّاهُ... ))

 هنا مناقشة فقهية

 

((... فَقَالَ عُمَرُ: أَدِّيَاهُ فَسَكَتَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَاجَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَاءِ عُمَرَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَوْ جَعَلْتَهُ قِرَاضًا فَقَالَ: عُمَرُ قَدْ جَعَلْتُهُ قِرَاضًا، فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ الْمَالِ وَنِصْفَ رِبْحِهِ وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نِصْفَ رِبْحِ الْمَالِ ))

 المال ليس مالكما، هذا المال مال بيت مال المسلمين فربح فرضاً هل المائة ألف ربحوا ألفاً هذه الألف بين صاحب الجهد و صاحب المال، فأديا رأس المال مع نصف الربح.

 

((... فَأَخَذَ عُمَرُ رَأْسَ الْمَالِ وَنِصْفَ رِبْحِهِ وَأَخَذَ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نِصْفَ رِبْحِ الْمَالِ ))

يوجد قصة مشابهة تعرفونها، لما رأى سيدنا عمر إبل، قال: لمن هذه الإبل، قالوا: هي لابنك عبد الله، فقال: ائتوني به، فلما جاء رآه غاضباً، قال: لمن هذه، قال: هي لي اشتريتها بمالي وبعثت بها إلى المرعى لتسمن فماذا فعلت ؟ قال: يقول الناس ارعوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، اسقوا هذه الإبل فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك يا ابن أمير المؤمنين، طبعاً باستهزاءً، أنت تعرف لماذا سمنت هذه الإبل لأنك ابني، قال له بع هذه الإبل وخذ رأس مالك ورد الباقي لبيت مال المسلمين، هذا هو الورع.

 

 

(( عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ))

كلمة جبان في الفتيا مدح أم ذم ؟ مدح، كن جبان في الفتية لا تستعجل قل لا أدري، قل دع هذه المسألة أسبوع حتى أتأمل فيها، في الفتية لا تكن سريعاً في الإجابة.

 

 

(( عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ تَعِيرُ فِي هَذِهِ مَرَّةً وَفِي هَذِهِ مَرَّةً لَا تَدْرِي أَيَّهَا تَتْبَعُ ))

 لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، لأنه لا يوجد ورع، لا يقطف ثمار المؤمنين وليس يعد مع الكفار، مشكلة المنافق لا يقبله المؤمنون ولا يقبله الكفار لأنه ما أعلن كفره، أعلن إسلامه، قال تعالى:

 

 

﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (143)﴾

 

 

( سورة النساء )

 والإنسان بالدين لا يوجد حل وسط، أنا أضرب مثل أنت مهندس وتقيم بناء لإنسان، قلت لصاحب البناء نحتاج ثمانية طن من الحديد، وخمسة طن إسمنت، إذا قلت له لا يوجد معي مال كافي، يكفي اثنين طن، ويكفي أربعة طن، هل يقبل معك المهندس، هل يوجد فيها حل وسط هذه، هذا علم أقل من ذلك يقع البناء، الدين لا يوجد فيه حل وسط، الدين نظام كامل، يجب أن تأخذه كله، أما إذا تريد أن تقلل من الالتزام
تجد نفسك كما قال النبي لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، ليس محسوباً مع الكفار لأنه مسلم ولا يقطف ثمار الإسلام لأنه ليس مستقيم استقامة كاملة لذلك يجب على الإنسان يحدد هويته أنا مؤمن ورب الكعبة، والمؤمن له خصائص وخصائصه الالتزام

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018