بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 091 - أمراض المؤمنين - موعظة لعباد بن عباد الخواص الشامي.


1997-08-03

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون: عثرت وهذا التعبير الدقيق على موعظة بليغة لعالِمٍ جليل اسمه عباد بن عباد الخواص الشامي، وردت هذه الموعظة في مقدمة كتاب في الحديث الشريف هو سنن الدارمي، هذه الموعظة وجدتها تعالج أمراض المسلمين.
أيها الأخوة أنا حينما أتكلم، أتكلم لمن يدخل إلى بيت من بيوت الله، هؤلاء مؤمنون وهؤلاء مسلمون، لا أريد أن أعالج أمراض الكفار و المنحرفين و الفجار و المشركين والعصاة، يعنينا أن نعالج أمراض الذين التزموا بالدين، هؤلاء مع أنهم قد التزموا هناك مشكلات كثيرة يعانون منها، بعضها من صنع أيديهم و بعضها من طبيعة العصر، وجدت هذه الموعظة تنطبق انطباقاً كبيراً على واقع المسلمين اليوم، دائماً يوجد سؤال كبير، لماذا كان أصحاب رسول الله قمماً في كل شيء ؟ و لماذا على قلتهم و على ضعفهم أجرى الله على أيديهم الخير و نحن نعد ألف مليون و زيادة و في أيدينا إمكانات مذهلة و مع ذلك نجد هناك ضعفاً و تمزقاً و شتاتاً ؟ لعل هذه الموعظة تجعلنا نضع أيدينا على أمراض.
يقول عباد بن عباد الخواص الشامي كنيته أبو عتبة:
أما بعد: اعقلوا اعقلوا، أي أن هذا العقل، هذه الجوهرة ثمينة، هذه الأداة التي جعلها الله أداة معرفة لا ينبغي أن تعطل، اعقلوا و العقل نعمة، قال تعالى:

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

( سورة الملك )

 أي أحد أسباب دخول النار أن هؤلاء لم يعقلوا، اعقلوا و العقل نعمة، لكن العقل كيف ينحرف هنا السؤال ؟ هذا أول مرض، قال: فرب ذي عقل قد شغل قلبه بالتعمق عما هو عليه ضرر، ممكن أن نأخذ فرع من فروع الدين و نجعله مشكلة و نتخاصم و نتناحر و كل واحد ينحاز إلى طرف و بعضهم يكفر بعضهم الآخر هذا نقول له مشرك و هذا كافر و هذا منحرف و هذا زنديق، هناك قضايا بالدين فرعية نضخمها و نكبرها و نقيم عليها المشكلات و نضحي من أجلها بالود بين المؤمنين هذه مشكلة المسلمين اليوم، أطراف هؤلاء مع الكتاب و السنة و هؤلاء مع التصوف و هؤلاء مع كذا و هؤلاء مع كذا، كل يدعي أنه على حق كل يدعي أنه الفرقة النازية و ما سواه إلى النار و بئس المصير هذا واقع المسلمين اليوم، اعقلوا والعقل نعمة، لكن فرب ذي عقل قد شُغِل قلبه بالتعمق عما هو عليه ضرر، ينبغي أن تصطفي، ينبغي أن تستخدم العقل فيما خلق له، ينبغي أن يكون العقل في موضوعات مجدية في موضوعات ثمينة، في أصول الدين كيف تنشر الحق، لا كيف تكيد لفلان، كيف تعمم الهدى، كيف تنشر الفضيلة، لا كيف تغيظ فلاناً، لا كيف أحجِّم فلاناً، لا كيف أسفه فلاناً، إذا انشغلنا ببعضنا انتهينا، قال تعالى:

 

﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)﴾

 

 

( سورة الأنفال )

 عندئذ وهو في أعلى درجات التعقل يصبح ساهياً عن علة وجوده وعن هدفه الكبير وعما خلق له، كم من قضية ثانوية جداً أي بين أن تقول أشهد أن لا إله إلا الله وبين أن تفعل هكذا، مشكلات وخصومات واتهامات، بين أن يكون المنبر ثلاث درجات أو ثمان درجات، يعني أشياء لا تقدم ولا تؤخر، ثانوية جداً في الدين، لعل رقمها في سلم الأولويات مليون، أو مائة ألف، هل طبقت المائة ألف الأولى، هل أحكمتها هل أتقنتها، هل كملتها حتى وصلت إلى هذه، أيعقل أن تقيم مشكلة لموضوع صغير جداً يأتي ترتيبه في المليون، ينبغي أن نفقه سلم الأولويات يعني تصور إنسان يركب سيارة في سفر، المحرك احترق لن تتحرك ولا حركة، وفي حاجة للسيارة ثانوية جداً، أصابها خلل، يندب حظه لهذه الحجة الثانوية و ينسى أن محرك السيارة قد احترق، هذا الذي لا ينتبه لأولويات السيارة ليس حكيماً، هذا مرض، اعقلوا و العقل نعمة لكن من انحرافات العقل أن يسلط على موضوعات صغيرة و يكبرها و يجعل منها قضية و خصومة و تفرقة و تحزبات وتسليط و طعن و تحجيم و اتهام بالشرك و الكفر من أجل قضية ثانوية لا تقدم و لا تؤخر.
مرض ثان: أو رجل شغل قلبه ببدعة ما أنزل الله بها من سلطان، لم ترد عن النبي العدنان، ما فعلها أصحاب رسول الله و هم في أعلى درجة من الورع، أي حينما تظن أنك أورع من رسول الله فقد ابتعدت عن الصواب ابتعاداً كبيراً، ما من شيء يقربنا إلى الله إلا وأمرنا النبي به، و ما من شيء يبعدنا عن الله إلا و نهانا النبي عنه، فحينما تضيف على الإسلام شيئاً أنت تتهمه بالنقص و حينما تحذف منه شيئاً أنت تتهمه بالزيادة و الإسلام كامل
أو رجل شغل ببدعة قلد فيها دينه، رجالاً دون أصحاب رسول الله، أي أيهما أرقى ؟ أنا كنت أقول إذا أراد أحد أن يحاورني، حينما تتوهم أنّ في الأرض إنساناً أكمل من النبي ليس عندي وقت أن أجلس معك إطلاقاً، إذا كنت تزعم أنّ هذا الشيخ، أنّ هذا المرشد أكمل من رسول الله وعمله أبلغ ليس هناك لغة مشتركة بيني وبينك إطلاقاً، النبي معصوم بمفرده، أقواله وأفعاله وأحواله كلها حق من الله تعالى، قال تعالى:

 

﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3)﴾

 

( سورة النجم )

 لا تزد على سنته شيئاً، ولا تنتقص منها شيئاً، لا تحدث تغييرات في الدين، كل محدثة بدعة، وكل بدعة دلالة، وكل دلالة في النار، قال النبي الكريم:

 

((عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ ))

 منهج، إنّ هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، إذا أردنا أن نأتي بقضايا صغيرة وأن نكبرها وأن نجعلها قضية كبيرة وأن نصمِّت الناس في ضوئها تمزق الإسلام، وتمزق المسلمون، وضعفوا، الشيء المؤلم إخواننا، وأنا لا أتكلم من هواء، من حين لآخر ألتقي بأناس أتوا من الغرب من أمريكا، أوروبة، الشيء الذي يتفطر له القلب أنّ مشكلات المسلمين في شرقهم نقلوها إلى غربهم، هذا المسجد للجماعة الفلانية لا يدخله هؤلاء، هؤلاء لا يصلوا وراء هؤلاء، وكم من معركة نشبت في بعض المساجد فجاء المسؤولون وأغلقوا المسجد، ما رأيت مسلماً يؤثر مصلحة المسلمين العامة على انتمائه الشخصي، نحن نريد انتماء إلى مجموع المسلمين، نريد مسلم له رؤية بعيدة، قال هذا المرض الثاني رجل شغل قلبه ببدعة قلّد فيها دينه رجالاً دون أصحاب رسول الله، أو اكتفى برأيه، جعل من رأيه ديناً، والآراء متفاوتة إذاً هناك عشرات الأديان كل يقول أنا رأيي كذا، يأخذ من الدين ما يعجبه ويدع ما لا يعجبه، أصبح عندنا أديان، اتجاهات، أنماط، والآن نلاحظ أنّ كل جماعة تعتني بشيء وتهمل شيء، الذي تعتني به تزهو به والذي تهمله تسكت عنه، هؤلاء يعتنون بشيء آخر، ليس هذا هو الدين الصحيح، الدين الصحيح أن تأخذ المنهج كله، بكل تفاصيله، دون أن تزيد عليه، دون أن تنتقص منه، اتبع لا تبتدع، اتبع لا ترتفع الورع لا يتسع، هذا الذي اتخذ رأيه ديناً يرى الهدى فيما هو فيه، ويرى الضلال فيما هو ليس فيه، أكثر الناس هذا من جماعتنا إذاً على حق، هذا ليس من جماعتنا إذاً على باطل، معقول هذا الكلام ! قد يزعم أنه أخذها من كتاب الله وهو يدعو إلى فراق كتاب الله، قال تعالى:

 

 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159)﴾

 

( سورة الأنعام )

 أصحاب النبي كانوا حملة القرآن، يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه وكانوا منه على منار كوضح الطريق، فكان القرآن إمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله إماماً لأصحابه، وكان أصحابه أئمة لمن بعدهم، رجالٌ معروفون منسوبون في البلدان، متفقون في الرد على أصحاب الأهواء، مع ما كان بينهم من الاختلاف، عندنا كما قال عليه الصلاة والسلام

 

((عَنْ عَبْدِاللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ مِنْ بَعْدِهِمْ قَوْمٌ تَسْبِقُ شَهَادَتُهُمْ أَيْمَانَهُمْ وَأَيْمَانُهُمْ شَهَادَتَهُمْ ))

 لا ينبغي أن تفهم الإسلام فهماً مغايراً لفهم أصحاب رسول الله، لا ينبغي أن تبتدع عبادة ما فعلها أصحاب رسول الله، لا ينبغي أن تسلك مسلكاً ما فعله التابعون، لا ينبغي أن تبتدع ذكراً ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وإلا ضاع الإسلام وضاع الدين، وكلما أحدث الشيطان لهم بدعة انتقلوا إلى غيرها، أي ممكن حفل زفاف مختلط النساء فيه كاسيات عاريات ويأتي شيخ معمم ليحضر هذا الحفل ويبارك هذا العقد وجود هذا الشيخ المعمم إقرار لهذا الفسق والفجور، هكذا التقاليد، هكذا العادات، اختلف الوضع، دائماً هناك سؤال كبير هل تخلى الله عنا ؟ والله شيء مؤلم، لا أعتقد في تاريخ المسلمين مرت فترة عصيبة أعداؤنا على قلتهم يتحدوننا، نحن على كثرتنا لا نملك من أمرنا شيئاً، هذا وضع مؤلم جداً، فلذلك يجب أن نعلم حقيقة الأمر، أي حينما يهون أمر الله علينا، نهون على الله، معقول مسبح مختلط تسبح فيه النساء مع الرجال وصاحب هذا المسبح يقيم حفلاً بذكرى مولد رسول الله ويدعو أناساً كثيرين وتلقى الكلمات ويُشاد بصاحب الدعوة، هذا إسلام ! إلى هنا وصلنا ! هذه البدع في علاقاتنا، في احتفالاتنا، الآن كم بيت من المسلمين يجب أن يدخل العريس ويجلس إلى جانب العروس أمام جمع غفير من النساء الكاسيات العاريات، هذا يفعله معظم المسلمين، وإن لم يفعل العريس يقام عليه النكير، بقي الإسلام عبادات، انفصل عن الحياة، قد لا تجد الإسلام في حوانيت المسلمين لا في بيعهم ولا شرائهم، ولا في نزهاتهم أساساً، ولا في احتفالاتهم، ولا في أفراحهم ولا في أتراحهم، تقليد للأجانب قال الرسول الكريم:

 

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ وَبَاعًا فَبَاعًا حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ، قَالُوا: وَمَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَهْلُ الْكِتَابِ ؟ قَالَ: فَمَنْ ))

 أي معقول إنسان يهودي جالس أمام مكتب بفرنسا يرسم أزياء النساء كل سنة هناك نمط جديد، ونساء المسلمين يلهثون وراء هذه الموديلات، هل هذا الشيء معقول ؟ أهؤلاء ينصرهم الله عز وجل على أعدائهم، إنسان فاسق ماجن فاجر هو الذي يصمم لنا لباس نسائنا؟ هذا شيء واقع أم لا ؟ هذه الطرقات أمامكم، لم يبق من المرأة شيء لم يره الرجال، كما خلقها الله، قد يخفى اللون فقط، أما حجم أعضائها كما هو، نساء المسلمين هؤلاء أين آباءهم ؟ أين إخوتهم ؟ ماذا يفعل هؤلاء أعود وأقول حينما يهون أمر الله علينا نهون على الله، وحينما نُعِزّ أمر الله يعزنا الله، وحينما نبتغي العزة عن غير طريق هذا الدين العظيم يذلنا الله عز وجل، قال ذُكِر عن سيدنا عمر أنّه قال لزياد: هل تدري ما يهدم الإسلام ؟ قال: ماذا يهدم الإسلام ؟ قال: زلة عالِم، وجدال منافق، وأئمة مضلون، فيهم الغيبة والنميمة والمشي بين الناس بوجهين ولسانين الآن صاحب هذه الموعظة وضع يده على مرض خطير، يقول: صاحب الوجهين واللسانين هو في وجهين ولسانين في نار جهنم، يلقاك صاحب الغيبة يعرف من أنت ومن خصومك، فيغتاب عندك من يرى أنك تحب غيبته ترتاح، ثم يذهب إلى صاحبك الذي اغتابه عندك فيأتيه عنك بمثله، يتحدث عنك كما تحدث لك عنه، فإذا هو قد أصاب عند كل واحد منكما حاجته، تقرب إليك بغيبة فلان وتقرب لفلان بغيبتك فلا تعرف ما فعل هذا، موضوع الغيبة أنا أقول لبعض الناس قال له أحدهم: لقد اغتبتني، فأجابه إجابة رائعة قال له: ومن أنت حتى أغتابك، أنت أقل من ذلك، لو أني مغتاب أحداً لاغتبت أمي وأبي لأنهم أولى بحسناتي منك، لأن المغتاب يوم القيامة ستؤخذ حسناته لمن اغتابه وسيطرح من اغتابه سيئاته عليه، وهذا مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم:

 

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ، قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لاَ دِرْهَمَ لَهُ وَلاَ مَتَاعَ، قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاَةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُقْضَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

 على كل سأذكركم بما حدث يوم الجمعة، طرفة، منذ ربع قرن وأنا أخطب على المنبر وما قاطعني أحد مرة في خطبتي إلا الأسبوع الماضي، رأيت شاباً يتجه من باب المسجد إلى أول المنبر ويصعد إلي ويعطيني ورقة، طبعاً أنا حينما رأيت إنسان يمشي، يتخطى الرقاب ليصل إلي، ما الذي حدث ؟ تصورت لعلي ذكرت حديثاً وقلت: قال الله تعالى، هذا شيء كبير جداً، لعلي أخطأت خطأً فاحشاً في الخطبة ممكن، لعل حرباً نشبت بين اليهود وبين العرب فينبغي أن أحمس الناس ممكن، لعل عالماً كبيراً توفي ينبغي أن نصلي عليه صلاة الغائب يجوز، غير معقول، مشى هذا الأخ ووصل إلي وصعد إلي وأعطاني هذه الورقة، نظرت إليها فإذا مكتوب عليها سيارة داسيا رقمها كذا بثلاثة دواليب تقف أمام سيارة يرجى من صاحبها أن يزيحها، نظرت إليه سبحان الله، والله نسيت أن أدعو الدعاء، خواطر كثيرة جداً جاءتني إلى أن وصل إلي، ثم فوجئت أنّ سيارة داسيا رقمها كذا، هذا الذي أرسل بالورقة أليس مسلماً ؟ ألا يصلي الجمعة، ما الذي حدث ؟ أرأيتم إلى تفاهة الناس أيها الأخوة.
 قال له: اغتبتني، فأجابه: ومن أنت حتى أغتابك، من أنت، أنت أقل من ذلك، لو كنت مغتاباً أحداً لاغتبت أمي وأبي لأنهما أولى منك بحسناتي، إذاً أيها الأخوة ما قيمة الإسلام إذا وجدت الغيبة والنميمة والحقد والبغضاء والتحاسد والبغي، وكل إنسان يتمنى أن يحطم الآخر كل إنسان يتمنى أن يقف على أنقاض الآخر، هذا هو الدين، عندئذ أصبح الدين ثقافة، كتب وما أكثر الكتب، ما أكثر الأشرطة والمحاضرات، ما أكثر الندوات، حسناً هناك سؤال كبير جداً نحن مليار ومائتين مليون تخلى الله عنا أيعقل أن يتخلى الله عنا ! طبعاً إذا عصيناه تخلى الله عنا، لأنه كما قال تعالى:

 

 

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59)﴾

 

 

(سورة مريم )

 أي والله أيها الأخوة لا أتمنى على الله إلا هذا الشيء لشدة أهميته، أن يكون في أي مكان من العالَم مجموعة من الناس مهما قلّ عددهم يطبقون هذا الدين تطبيقاً صحيحاً يكون حجة على من سواهم، شبعنا كلاماً، مجرد خطب رنانة، محاضرات رائعة، لغة فصيحة، علم غزير، أدلة قوية، حجج ناصعة، إفحام، طلاقة لسان، شخصية قوية نريد مجتمعاً مسلماً، نريد صدق، نريد أمانة، نريد حب، أن يحب بعضكم بعضاً، نريد أن يلتمس أحدكم لأخيه عذراً، نريد أن يحب المسلم لأخيه ما يحب لنفسه، وأن يكره له ما يكره لنفسه، الحق مهما تكن دائرته صغيرة إذا كان صحيحاً يتوسع، أما الباطل مهما تكن دائرته كبيرة يتقلص، يقول صاحب هذه الموعظة البليغة: أما في القوم من رشيد ولا مصلح يقمع هذا عن مكيدته ويرده عن عرض أخيه المسلم، يوجد الآن ظاهرة خطيرة جداً إذا التقى المسلمون مديحاً منقطع النظير، كله سيدي وسيدي وبارك الله بكم، إذا غاب عنه صار صاحب بدعة وصار لا يفهم، ما يقال في حضرة الناس شيء رائع جداً وما يقال في غيبتهم شيء قذر جداً هذه تسمى ازدواجية، الشخص الذي تستح أن تواجهه بخطأه ينبغي أن لا تذكر خطأه في غيبته، إن كنت شجاعاً فاذكر خطأه في وجهه وإلا فاسكت، أما هذا الموقف المتلون كالحرباء الموقف الازدواجي هذا الذي أفسد علاقة المسلمين، أنا أتحدث عن المسلمين، قلت لكم كثيراً هناك من يقول لي: أستاذ حدثنا عن أمراض المجتمع، أقول هؤلاء الذين أتحدث عنهم ليسوا أمامي، الذين أمامي ملتزمون، مؤمنون، مستقيمون، موضوع الخمر والرقص والحفلات والاختلاط، أنا إن تكلمت في هذا المسجد عن هؤلاء، هؤلاء لا يسمعونني، أنا أمامي أناس مستقيمون، فما معنى أن أعالج أمراضاً ليست عند هؤلاء المستمعين، أنا أعالج أمراض المؤمنين رواد المساجد الملتزمين، الذين يصلون ويصومون ويحجون ويزكون ولهم أعمال طيبة وصالحة ولهم أذكار ولهم قربات إلى الله، هؤلاء يعانون من مشكلات التحاسد، التباغض، الغيبة، الازدواجية، البدع، أو أن ينشغل عقله بأشياء ثانوية جداً يمضي فيها عمره، أنت لاحظ المختص بالتفسير يحتقر كل العلماء، يقول لك: أهم شيء التفسير، والمتفوق بالحديث لا يعبأ بكل العلماء الآخرين، والمتفوق في العقيدة يرى أنّ هذا أهم علم، لا يوجد هناك إنصاف، كل إنسان يتمحور حول ذاته، كل إنسان يعدّ نفسه محور العالَم، وأن ما سواه فاتته فرص النجاح، هناك نقطة دقيقة جداً مهما ضاقت رقعة الحق سوف تتسع، ومهما اتسعت رقعة الباطل سوف تنحسر، فنحن يهمنا ولو مجتمع صغير أن تعيش الإسلام كله، من لم يكن مطبقاً لعلمه يسقط علمه، لأنه إن لم يكن هو مطبقاً لعلمه ما قيمة هذا العلم ؟ في بعض النصائح في هذه الموعظة وهي طويلة آخذ منها مقتطفات، يقول: إذا كنتم حملة الكتاب في السنة فإن الكتاب لا ينطق حتى يُنطق به أي حقيقة الإيمان إن استقرت في قلوبكم، لا بد أن تعبر عن ذاتها بذاتها، على شكل حركة نحو الآخرين أما أن لا تنطق لا بآية ولا بحديث ولا بحكمة ولا يهمك إنسان ضال ولا يهمك نصح إنسان، فأنت لست بمؤمن، لو أن في قلبك إيمان لنطقت به، قال: إذا كنتم حملة الكتاب والسنة فإن الكتاب لا ينطق حتى يُنطق به وإن السنة لا تعمل حتى يُعمل بها، قال: فمتى يتعلم الجاهل إذا سكت العالم، إذا العالم جامل يدخل إلى بيوت كثيرة، يرى المنكرات يرى التفلت يرى أجهزة اللهو، ترى مديح وثناء، والله أيها الإخوة، في بعض عقود القِران قام رجل ألقى كلمة، من أهل العلم أثنى على الأسرتين المتصاهرتين، وذكر عن تقوى الأسرتين وعن ورعها، والله الحاضرون يعلمون عن مخازي هاتين الأسرتين الشيء الذي لا يوصف، عن الإسراف وعن التبذير وعن التفلت وعن شرب الخمر، أنت لا تعرف شيئاً عن هاتين الأسرتين، كليشات جاهزة الأسرتين الكريمتين المتصاهرتين الى آخره الذين يحضرون، أقرباءهم يعرفون كل شيء، سقطت أنت وحدك هم معروفون، لابد أن يصان العلم لا تمدح إلا بعلم، سيدنا الصديق لما زكى سيدنا عمر ولاه بعده خليفة قال بعضهم: يا خليفة رسول الله لقد وليت علينا شديداً قال: والله لو سألني الله عز وجل من وليت عليهم يا أبا بكر، أقول لربي وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به فإن بدل وغير فلا علم لي بالغيب، انظر إلى هذا التحفظ فإن بدل وغيّر فلا علم لي بالغيب، هذا كلام دقيق لا تنطق إلا بالحق لا تزكي على الله أحداً، العلم شيء عظيم جداً لا تجعل العلم في الأوحال، اجعل هذا العلم في السماء، بم نلت هذا المقام قيل للإمام الحسن البصري قال: باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي، يجب أن تستغني عن دنيا الناس، العالِم إن لم ينكر ما ظهر و لم يأمر بما ترك ماذا بقي من علمه، ماذا قال الله عن العلماء قال تعالى:

 

﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (187)﴾

 

( سورة آل عمران )

 فالعالِم إذا رأى منكراً فلم ينكره ورأى واجباً متروكاً فلم يأمر به ، ماذا بقي من مهمته، قال صاحب هذه الموعظة: اتقوا الله فإنكم في زمان رق فيه الورع، وقل فيه الخشوع وحمل العلم مفسدوه، فأحبوا أن يعرفوا بحمله، أهم شيء الشهادات هذه الدال التي تدل على الدكتور قبل الاسم ضرورية جداً هناك رجل رحمه الله تسلم منصباً رفيعاً فأخذ هذه الشهادة، فقال له: سيدي فلان يحمل هذه الشهادة، فقال له: هذه مثل شهادتي، صارت الشهادة مؤلَفات، مظاهر، صار في الدين دنيا صارفي الدين مناصب، تنافس، مكاسب، صار الدين حرفة، كأية حرفة أخرى، لا كهنوت في الإسلام، سيدنا الصديق حمل على كتفه أثواب القماش ليبيعها وهو خليفة المسلمين كان تاجر قماش، حمل على كتفه أثواباً ليبيعها حتى يأكل طعامه حلالاً وكان يحلب شياه جيرانه فلما صار خليفة المسلمين ظن الجيران أنه لن يفعل هذا بعد أن تسلم هذا المنصب، فلما طُرق الباب صبيحة يوم تسلّم منصبه قالت الأم لابنتها: افتحي الباب يا ابنتي، فلما فتحت الباب قالت: من الطارق ؟ قالت: جاء يا أمي حالب الشاة، أي جاء سيدنا الصدِّيق ليحلب شياه جيرانه وهو خليفة المسلمين هذه سنة النبي طبقوها، الذي عاش مع أصحابه كواحد منهم، وعلي جمع الحطب، يكفيك ذلك قال أعلم أنكم تكفوني ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه هذه هي السنة لذلك أي عالم يتفوق وينجح إذا تابع سنة النبي، ويلام ويذم إذا خالف سنة النبي، تنجح بقدر اتباعك، وتخفق بقدر مخالفتك لما العلماء قصروا كرهوا أن يعرفوا بتركه، فابتدعوا بدعاً لتغطي انحرافه فتسمع عن فتاوى الربا حلال، الربا ربا الذي وصفه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه أشد من الزنى، هناك من يقول في بعض البلاد الإسلامية بأنه حلال، ولا شيء عليك ضع أموالك في المصرف وخذ فائدة عليها ولا شيء عليك، وضع هذا المال بمثابة أمانة عند هؤلاء والفائدة جائزة لك وانتهى الأمر، آخر نقطة في هذه الموعظة الخطأ الكبير أن يكون الخطأ في المنهج، بتعبير مجسد الخطأ في الميزان، الخطأ في الوزن لا يتكرر، ولا قيمة له أما الخطأ في الميزان لا يصلح إطلاقاً، فأخطر شيء أن يكون منهجك خطأ، تفكيرك خطأ، منهج التلقي خطأ، تقييمك للأمور خطأ، هذا الشيء خطير جداً العبرة أن يكون تلقيك للأمور صحيحاً، فالخطأ في الميزان لا يصحح، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، فما دامت الأخطاء في الوزن فالقضية سهلة جداً، أما إن كانت في الميزان فالقضية خطيرة جداً، راجع موازينك يا ترى ميزانك الكتاب والسنة، أم أشخاص ليسوا معصومين، كل شيء قالوه هو صح هذه مشكلة خطيرة، هناك إنسان ميزانه الكتاب والسنة لا يقبل إلا بالدليل، ولا يدع إلا بالدليل، هناك أشخاص يقول فلان كل شيء قاله صحيح، من دون مناقشة، من دون دليل، من دون تفكير، هذا منهج وهذا منهج، المنهج الأول الكتاب والسنة صحيح، منهج سليم ولا يوجد فيه انتكاسات ولا مفاجآت، المنهج الثاني خطير وأساسه الشخص، والشخص أحياناً قد لا يكون معصوماً، لا أحد معصوم إلا النبي عليه الصلاة والسلام، لأجل ذلك نراجع المنهج، منهج التلقي.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018