بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الشمائل المحمدية إصدار 1995 - الدرس : 01 - أهمية دراسة السيرة وحكمها في الإسلام


1994-10-03

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام ؛ في دروسٍ سابقة تحدَّثنا عن التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وفي عشرين درساً تحدَّثنا عن عشرين تابعياً، حيث عُرضت جوانب من شخصياتهم، ومن مواقفهم، ومن سموِّهم، وقبلها كان الموضوع حول الخلفاء الراشدين، وقبل الخلفاء الراشدين كان الموضوع حول صحابة رسول الله.
 والآن ننتقل إلى نوعٍ جديد من ألوان السيرة النبويَّة، ألا وهي شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم.
 وقبل كل شيء يمكن أن نتناول حياة النبي بحسب التسلسل الزمني، وهذا هو المنهج عند أكثر كُتَّاب السيرة، وهناك منهجٌ آخر، وهو أن نتناول من شخصية النبي جوانبه المتعدِّدة ؛ رحمته، وعلمه، وأخلاقه، وحلمه، وشجاعته، وعفوه، وما إلى ذلك، لذلك نبدأ الدرس الأول من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم، وقبل أن ننتقل إلى شمائله واحدةً واحدة لابدَّ من مقدِّمةٍ دقيقةٍ حول وجوب دراسة سيرة النبي، ودراسة شمائله، وما الدليل على ذلك ؟
 إخواننا الكرام ؛ ما من حركةٍ يتحرَّكها الإنسان إلا ولها حكمٌ شرعي ؛ إما أنها فرض، وإما أنها واجب، وإما أنها سُنَّة، وإما أنها مباحة، أو مكروهة كراهة تنزيهيَّة، أو كراهة تحريميَّة، وإما أنها حرام، فالمؤمن أيَّة حركةٍ يتحرَّكها ينبغي له أن يعرف حكم الشرع فيها، يا ترى قراءة سنة النبي، وسيرته، وحضور هذا المجلس، يا ترى مباح، أم واجب،أم مستحب، أم فرض ؟ وما الحكم الشرعي في معرفة سُنَّةِ النبي ؟
 وإذا قلنا: سنة النبي، فيجب أن تعلموا أن النبي صلى الله عليه وسلَّم له أقوال، وأفعال، وإقرار، فإذا حصل شيء أمامه، وبقي ساكتاً فهذا صحيح، لأن النبي مشرِّع، وسكوت النبي دليل إقراره لما يجري.
 عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَائِهِمْ بَايَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ:

((طَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فِي السُّكْنَى حِينَ اقْتَرَعَتْ الْأَنْصَارُ عَلَى سُكْنَى الْمُهَاجِرِينَ فَاشْتَكَى فَمَرَّضْنَاهُ حَتَّى تُوُفِّيَ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ فِي أَثْوَابِهِ فَدَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ قَالَ وَمَا يُدْرِيكِ قُلْتُ لَا أَدْرِي وَاللَّهِ قَالَ أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ مِنْ اللَّهِ وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ قَالَتْ أُمُّ الْعَلَاءِ فَوَاللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ قَالَتْ وَرَأَيْتُ لِعُثْمَانَ فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ ذَاكِ عَمَلُهُ يَجْرِي لَهُ))

( البخاري)

 إذاً النبي عليه الصلاة والسلام أقواله، وأفعاله، وإقراره سُنَّة، فيا ترى معرفة سنة النبي في أقواله وأفعاله وإقراره، وصفاته، مجموع هذه الأشياء اسمها سُنة النبي عليه الصلاة والسلام، ويا ترى الحكم الشرعي هل من المستحب أن نقرأها، أو أن نستمع إليها، أم أنه واجب، أم أنه فرض ؟ سأبيِّن لكم في هذا الدرس أن معرفة سُنة النبي صلى الله عليه وسلَّم بكل أنواعها من أقوالٍ، وأفعالٍ، وإقرارٍ، وصفات فرض عين.
 الآن إذا قلنا: فرض، فما معنى الفرض ؟ أي يعاقب تاركه، ويثاب فاعله، والفرض له أدلَّة في القرآن الكريم، فما الدليل على أن معرفة سنة النبي فرض ؟ والفرض نوعان كما تعلمون ؛ فرض عين، وفرض كفاية، فلو فرضنا أنّ مؤمنين مسلمين في بلد يفتقرون جميعاً إلى اختصاص معيَّن، وتعلُّم هذا الاختصاص فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكُل، فعلم المواريث فرض كفاية، يكفي الشام خمسة علماء مواريث، وعلم التجويد فرض كفاية ـ والتبحُّر في علم التجويد ـ لكن تلاوة القرآن تلاوةً صحيحة فرض عين، لقوله تعالى:

 

﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً (4)﴾

 

( سورة المزمل )

﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾

( سورة البقرة: من الآية " 121 " )

 لكن التبحُّر في علم التجويد فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط عن الكُل، فالفرض له مرتبتان ؛ فرض كفاية وفرض عين، وستفاجؤون أن معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلَّم بكل أنواعها ؛ أقوال، وأفعال، وإقرار، وصفات فرض عينٍ على كل مسلم، والآن طالبوني بالدليل ؟ يقول الله سبحانه وتعالى:

 

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾

 

( سورة الحجرات: من الآية " 7 " )

 واعلموا أن هذا الذي يدعوكم إلى طاعة الله هو رسول الله، يا ترى إذا قال الإنسان: هذا رسول الله، فهل انتهى العلم ؟ وهذا ليس علماً، هذه إشارة، وهذا تقليد، وثمة فرقٌ كبير بين التقليد وبين العلم، والله عزَّ وجل قال:

 

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

 

( سورة محمد: من الآية " 19 " )

 هل يكفي أن تردِّدها ؟ لا، لا يكفي، وهل يكفي أن تشهد أنه لا إله إلا الله، ولا تعلم فحواها ومضمونها ؟ لا يكفي، إذا قال الله عزَّ وجل:

 

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

 ينبغي أن يكون علمك يقينياً مع الدليل الإجمالي والتفصيلي، وبإمكانك أن تردَّ الشبهات، فما معنى العلم ؟ العالِم يعرف الحقيقة، ويعرف البرهان عليها، ويستطيع أن يردَّ الشبهات التي تُطرح فيها، فهذا العالم، وقياساً على:

 

 

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

 

 يقول الله عزَّ وجل:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾

( سورة الحجرات: من الآية " 7 " )

 علم، والعلم يقتضي البحث، والدرس، والتأمُّل، والأدلَّة، والبراهين، والقدرة على رد الشبهات، وهناك آلاف الشبهات يطرحها أعداء الإسلام على النبي عليه الصلاة والسلام، ومن هذه الشبهات أنه مزواج يحب النساء، فهل عندك القدرة على أن ترد هذه الشبهة عن النبي صلى الله عليه وسلَّم ؟
 لقد تزوَّج السيدة خديجة، وهي أكبر منه بخمسة عشرَ عاماً، وعاش معها ربع قرن، ولم يفكِّر في امرأةٍ أخرى، فلو أنه كان مزواجاً -كما يقولون - أو يحب النساء لاختار من أجمل فتيات قريش، وهو من أرومتها عليه الصلاة والسلام، إذاً قوله تعالى:

 

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾

 

( سورة الحجرات: من الآية " 7 " )

 وهذا دليل أن معرفة رسول الله فرض عين على كل مسلم، فيجب أن يحصل لك العلم، والعلم لا شك، ولا وهم، ولا ظن، ولا تقليد فيه، فعلاقةٌ بين شيئين مقطوعٌ بصحَّتها عليها دليل يطابق الواقع، فإن لم تطابق الواقع فهي الجَهل،و إن لم يكن عليها دليل فهي التقليد، وإن لم يكن مقطوعاً بها فهي الشك، والوهم، والظن، وهذا العلم، فإذاً لابدَّ من معرفة رسول الله معرفةً يقينيَّة، حيث إن كل خليَّةٍ في جسمك تؤمن أن هذا الإنسان رسول الله.
 هناك افتراءات كثيرة كقولهم: هذا الإنسان عبقري، لا ليس عبقرياً، بل هو نبي ورسول، ذكي، لا، هو ذكي ولكن هذا الوصف لا يليق به، يليق به أنه رسول الله يوحى إليه، فالأجانب دائماً يريدون أن يخلعوا عن النبي صفة النبوَّة والرسالة، وأن يصبغوه بصفة الإصلاح ـ مصلح كبير، عبقري، شخصيَّة فذَّة ـ هذا كله لا نقبله، إنه عبدٌ من عباد الله سبق الخلق طُرًّا، وكان في قمة البشريَّة معرفةً، وطاعةً، وإنابةً وإقبالاً، فاصطفاه الله على علم، وجعله سيِّد الخلق، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((إِذَا سَمِعْتُمْ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِي الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ))

( رواه مسلم )

 الآن الدليل الآخر على أن معرفة النبي صلى الله عليه وسلم فرض عين قوله تعالى:

 

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69)﴾

 

( سورة المؤمنون )

 هذا دليل ثانٍ، فالله عزَّ وجل يحضُّنا بهذه الصيغة، الأولى: واعلموا، فعل أمر، وكل فعل أمرٍ يقتضي الوجوب، أما الدليل الثاني:

 

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾

 هناك حضٌ على معرفة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام.
 والدليل الثالث، يقول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (8)﴾

 

( سورة التغابن )

 فالنور الذي أنزلنا هو القرآن الكريم، إذاً الله عزَّ وجل يأمرنا أن نؤمن به، وأن نؤمن برسوله، وأن نؤمن بكتابه.
 وشيء خطير أقوله لكم: العقل البشري ضمن إمكانيته أن يوصلك إلى الله، وإلى كتابه، وإلى رسوله، بالعقل ؛ أن تؤمن بالله من خلال هذا الكون الذي هو مظهرٌ لأسماء الله الحسنى، أن تؤمن بكتاب الله من خلال إعجازه ؛ الإعجاز العلمي، والبياني، والإخباري، والتشريعي، والتربوي، الإعجاز هو أكبر دليل على أن هذا الكلام كلام الله.
 هناك إعجاز إخباري، وفي القرآن غيب الماضي، وغيب الحاضر، وغيب المستقبل، وإعجاز علمي، و سمَّاه العلماء: (السبق العلمي )، أي إن القرآن أشار إلى حقائق ما كان يعرفها أحدٌ إلى الآن، هذه الحقائق يستحيل على البشر الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلَّم أن يصلوا إليها، فأنت تؤمن بالقرآن من خلال الإعجاز، وتؤمن بالنبي من خلال القرآن، فالذي جاء بهذا القرآن المُعجز هو رسول الله، إذاً عندما قال ربنا:

 

﴿فَآَمِنُوا﴾

 

( سورة التغابن: من الآية " 8 " )

 أي أنتم مؤهَّلون بعقولكم أن تؤمنوا بالله وكتابه ورسوله، وهذا دليل ثالث.
 وعندنا دليل رابع:

 

﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾

 

( سورة هود: من الآية " 120 " )

 فالنبي عليه الصلاة والسلام حينما يقصُّ الله عليه من أنباء الرسل، جميع الرسل دونه، وهو في قمَّتهم، يثبتُ قلبه بأنبائهم، فكيف بقلوبنا إذا تُلِيَت عليها أنباء النبي عليه الصلاة والسلام؟
 الدليل الخامس:

 

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

 

( سورة سبأ: من الآية " 46 " )

 إذاً الله عزَّ وجل يعظنا أن نجتمع، ونتدارس فحوى دعوة النبي.
 الدليل الأول:

 

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾

 

( سورة الحجرات: من الآية " 7 " )

 والدليل الثاني:

 

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾

 

( سورة المؤمنون )

 والدليل الثالث:

 

﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾

 

( سورة التغابن: من الآية " 8 " )

 والدليل الرابع:

 

﴿وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾

 

( سورة هود: من الآية " 120 " )

 هذا أسلوب خبري.
 والدليل الخامس:

 

﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

 

( سورة سبأ: من الآية " 46 " )

 وهذا النبي عليه الصلاة والسلام رعاه الله عزَّ وجل رعايةً مباشرة..

 

﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)﴾

 

( سورة الضحى )

 وتولَّى الله تعليمه، وكل إنسان دخل جامعة، وتخرَّج منها يزهو بها، ويفتخر، ولاسيما إن كانت هذه الجامعة عريقة، ويقول لك: أنا خريج السوربون، فلان معه مثلاً بورد، وكل إنسان يزهو بجامعته التي علَّمته، بل ربَّما يزهو بالأساتذة الكبار الذين علَّموه، فإذا زها كل عالمٍ بأستاذٍ من بني البشر، ألا يحق للنبي عليه الصلاة والسلام أن يزهو بأن الله خالق الأكوان هو الذي علَّمه ؟

 

﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6)﴾

 

( سورة النجم )

 ألا يحق لهذا النبي العظيم أن يزهو أنه أُمِّي ؟ والأميَّة في حقِّه كمال، لأن الله سبحانه وتعالى حجزه عن ثقافات العصر، وجعل علمه خالصاً من الله عزَّ وجل، فإذا تكلَّم لم ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى، وعندما يدرس الإنسان كثيرًا، وتكون له ثقافة واسعة، يتكلَّم أحيانًا كلامًا فينزلق إلى عرض ثقافته، وقد تكون كلماته غير صحيحة، أو لم يتحقَّق منها، أو تفتقر إلى البُرهان، لكنه قرأها وهي طريفة، فالإنسان إذا أراد أن يتكلَّم من ثقافته فإنه يخطئ ويُصيب، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام كلُّ الذي قاله لأمَّته وحيٌ يوحى، ولهذا علماء الأصول قالوا: هناك وحيٌ متلو هو القرآن، ووحيٌ غير متلو هو السُنَّة.

 

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)﴾

 

( سورة العلق )

﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)﴾

( سورة الأعلى )

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾

( سورة النساء )

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾

( سورة فصلت: من الآية " 6 " )

 انظر إلى هذه الآيات كلِّها، فإنّ الله عزَّ وجل تولَّى رعايته، والعناية به، وتعليمه بشكلٍ مباشر، وهذا جانب من جوانب شخصية النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يقول عليه الصلاة والسلام:

((إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ))

( من صحيح البخاري عن أبي هريرة )

 أي له من الله خاصيَّةٌ ليست لبني البشر، وهذا أول وجه، وعندنا خمس أدلَّة من الكتاب والسُنَّة، كلها تؤكِّد أن معرفة سنة النبي صلى الله عليه وسلَّم فرض عينٍ على كل مسلم.
 وعندنا دليل من نوع آخر، وهو قاعدة أصوليَّة: ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، الوضوء فرض، والوضوء ليس صلاةً، ولكن لأن الصلاة لا تتم إلا به، والصلاة فرض، فالوضوء فرض، هذه قاعدة: ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
 والآن يقول الله عزَّ وجل:

 

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

 

( سورة الحشر: من الآية " 7 " )

 فالأدلَّة الأولى أدلَّة مباشرة..

 

﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾

 

( سورة التغابن: من آية " 8 " )

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾

( سورة الحجرات: من آية " 7 " )

 الأدلَّة الأولى أدلَّة غير مباشرة، إذا قال الله عزَّ وجل:

 

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

 

( سورة الحشر: من الآية " 7 " )

 كيف، نأتمر وكيف ننتهي إن لم نقف على أقوال النبي وأوامره ؟ وحينما قال الله عزَّ وجل:

 

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

 

( سورة الأحزاب: من آية " 12 " )

 كيف يكون النبي أسوةً حسنة إن لم نعرف هذه السيرة ؟ إذاً فنحن الآن مأمورون بشكلٍ غير مباشر بمعرفة أقواله، وأفعاله كي نطبِّق قوله تعالى:

 

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

 

( سورة الحشر: من الآية " 7 " )

 وكي نطبِّق قوله تعالى:

 

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

 

( سورة الأحزاب: من الآية " 12 " )

 والآن بشكلٍ أوضح قال تعالى:

 

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

 

( سورة آل عمران: من آية " 13 " )

 أي إن الله جعل علامة حبِّه اتباع نبيِّه، لأنه كَثُرَ مُدَّعو محبَّته، فطُولِبوا بالدليل..

 

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

 أما كل الدعاوى التي تقول: إن فلانًا يحب الله، ولا يتبع سنة النبي، فهذه دعوى باطلة زائفة، وهذا نوعٌ من الدجل، بل إن الله سبحانه وتعالى يقول:

 

 

﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)﴾

 

( سورة الأعراف )

 فربَط الهدى باتباعه، وربط محبَّته باتباعه، فاتباعه علامة الهدى، واتباعه علامة محبة الله عزَّ وجل.
 وأصحاب النبي عليهم رضوان الله أقبلوا على النبي إقبالاً عجيباً، وتعلَّقوا بمحبَّته تعلُّقاً شديداً، بل إنهم كانوا حريصين حرصاً لا حدود له على تقليده في كل أفعاله، لذلك قالوا: " عادات السادات سادات العادات " أي أن أرقى عادة أن تقلِّد نبياً أو رسولاً، وعاداته، وأحواله، أطواره، في بيته، ومع إخوانه، وحتى العادات، لأنّ عادات السادات سادات العادات، فكيف بعادات سيِّد السادات النبي عليه الصلاة والسلام ؟
 أيها الإخوة ؛ الوجه الأول هناك أمرٌ مباشر لمعرفة النبي، وهناك أمرٌ مباشر لاتباع النبي، واتباع النبي يقتضي معرفة سنته، ويقتضي معرفة سيرته.
 وعندنا أمر ثالث، وقد يبدو لكم غريباً، أما فهو مألوف عندكم..

 

﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 24 " )

 هذا كلام خطير، لأنك مكلَّف أن تحب الله ورسوله أكثر من آبائك، وأبنائك، وزوجتك، وعشيرتك، والأموال، والبيوت، والتجارة، والمساكن، ولكننا نريد أن نكون واقعيين، فكيف تحب النبي أكثر من أهلك، وأولادك، وأهل بيتك، وآبائك، وأبنائك، وتجارتك، ومن دخلك الكبير، ومن بيتك الواسع، كيف تحب النبي أكثر من كل ذلك ؟
 لذلك فالحقيقة لن تحب النبي أكثر من هذه الأشياء إلا إذا عرفته، أما إذا لم تعرفه فلن تحبه، وإذا أحببته باللسان، فالمعوَّل على ما في القلوب، وما يقوله اللسان لا قيمة له إطلاقاً، لذلك ربنا عزَّ وجل في أكثر الأحيان يقول:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمُ﴾

 عقب آيات الدعاء، أي إنه سميعٌ لأقوالكم، ولكنَّه عليمٌ بما تنطوي عليه القلوب، إذاً ما دام الله عزَّ وجل يأمرنا أن نحب النبي أكثر من آبائنا فكيف ذلك ؟
 هذه المرأة الأنصاريَّة تبدو غريبة، فقد بحثت عن أبيها عقب معركة أُحُد، فإذا هو مقتول، ورأت ابنها مقتولاً، وأخاها مقتولاً، وزوجها مقتولاً، وتقول: " ما فعل رسول الله ؟ "، إلى أن وصلت إليه وأمسكت بطرف ثوبه وقالت:

 

(( يا رسول كل مصيبةٍ بعدك جلَل))

(تاريخ الطبري(2/74)، والسيرة النبوية لابن هشام(4/50) عن سعد بن أبي وقاص)

 أي هيِّنة.
 هذا الوضع يبدو لكم نادراً، وهذا هو الأصل في الإيمان ؛ أن تحب الله ورسوله أكثر من آبائك، وأبنائك، وزوجتك، وعشيرتك، وتجارتك، ومسكنك، وأموالك كلها، لكن كيف تحب النبي أكثر من هذه كلها ؟ لابدَّ من معرفته.
 لو سألنا علماء النفس هذا السؤال: الإنسان من يحب ؟ من الذي يحبه ؟ لقالوا: الإنسان يحب الكمال والجمال والنوال.
 أي إن الإنسان الأخلاقي محبوب، فالعفو محبوب، والكريم محبوب، والعدل محبوب، والإنسان يحب مكارم الأخلاق، وإنْ لم يكن له علاقةٌ مباشرة مع هذا الإنسان الكامل، فلو سمعت عن رجلٍ في أعلى درجات القوة، واستفزَّه إنسان، وعفا عنه، سوف تعجب من هذا الخُلُق ؟ فالإنسان يحب الكمال، ويحب الجمال، ويجب النوال، ولو أنّ إنسانًا دميمًا أعطاك ثمن بيت، وقال لك: اسكن في هذا البيت، يمكن أنك لن ترى أجمل منه، بل تحبه حباً لا حدود له، فما دام الإنسان يحب الكمال، ويحب الجمال، ويحب النوال فالنبي عليه الصلاة والسلام كمالٌ، على جمال، على نوال.

 

و َأحْسَنُ مِنْكَ لم تَرَ قَطُّ عَيْني  وَ أجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النّسَاءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّأَ مِنْ كُلّ عَيْــبٍ  كَأنّكَ قَدْ خُلِقْتَ كمَا تَشـاءُ
* * *

 وهو بهيُّ الطلعة، يتلألأ وجهه نوراً، لكن ماذا فعل مع أمته ؟ أدخلهم في سعادةٍ لا تنتهي، أي إن خيره عمَّ الخلائق، وجعله الله رحمةً مهداة، ونعمةً مسجاة، وأرسله للعالمين قاطبةً، فالنبي عليه الصلاة والسلام يجمع في شخصيَّته بين الكمال، والجمال، والنوال، فلذلك من أجل أن تحبَّه كما أمرك الله عزَّ وجل يجب أن تتعرَّف إلى كماله، وإلى أخلاقه، وشمائله، ويجب أن تكتشف مقدار الخير العميم الذي أصابك منه.
 فالآن أنت مسلم، أي إن عقيدتك صحيحة، فهذا النبي الكريم عرَّفك بالله، وبالمنهج، وبالطريق الموصلة إلى الله عزَّ وجل، وبمكارم الأخلاق، فكان قدوة لك بالعفو، والرحمة، والصبر، والشجاعة، وبالبذل، والسخاء، فإذا كنتَ على شيء من الكمال، وعندك عقيدة صحيحة، وتصوُّر صحيح، ومنهج قويم، وشعور بالرضا، هذا كله من فضل النبي عليه الصلاة والسلام..

 

 

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾

 

( سورة النور: من الآية " 21 " )

﴿وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (113)﴾

( سورة النساء )

 إذاً أنت الآن مكلَّف أن تعرفه، ومكلَّف أن تتبعه، فينبغي أن تعرفه، لأنّ المحبَّة تحتاج إلى معرفة.
 وهنا أمرٌ رابع، هؤلاء الذين لم يشاهدوا النبي، ولم يلتقوا معه، ولم يُتَح لهم أن يروه رأي العين، هؤلاء الذين سمعوا به، كيف يمكن أن يأخذوا الحد الأدنى من معرفته ؟ إذا قرؤوا سيرته، وأوصافه، وشمائله فكأنك تراه بعينك، فصارت معرفة سيرة النبي هي البديل من أن تراه بعينيك، أو أن تلتقي به.
 هذه أيها الإخوة، بعض الأدلَّة التي يمكن أن تكون أدلَّةً قطعيَّةً تدفعنا إلى معرفة النبي، وفي الأخير دليل عملي، يقول الله عزَّ وجل يخاطب النبي:

 

﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

 

( سورة التوبة: من الآية " 103 " )

 وفي آية أخرى:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56)﴾

 

( سورة الأحزاب )

 فهاتان الآيتان تشيران إلى أنك إذا اتصلت بالنبي بأي نوعٍ من الاتصال ؛ بأنْ ذكرته، أو زُرت قبره، أو قرأت سُنَّته، أو قرأت شمائله، أو تصوُّرته، فأي نوعٍ من أنواع الاتصال يعود عليك بالسكينة والسرور..

 

﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

 

( سورة التوبة: من الآية " 103 " )

 فإذا ذكرته أفاض عليك من أنواره، وأفاض عليك من تجليَّاته..

 

﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾

 

 وقال تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً (56)﴾

( سورة الأحزاب )

 فاجتمع عندنا خمسة وجوه لمعرفة شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم، فرض عين، أي إنك إذا أتيت إلى مسجدٍ كي تتعرَّف إلى النبي فأنت ما زدت عن أن فعلت الفرض، ونحن يوجد عندنا خطأ كبير هو أن معظم المسلمين يتوهَّمون أن الفرائض هي فقط الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، غير أنّ كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، وأنت أمام مئة ألف أمر في القرآن الكريم، فإذا كنت مؤمناً حقاً، قال لك:

 

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾

 

( سورة الحجرات: من الآية " 7 " )

 هذا دليل.

 

﴿فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

 

( سورة التغابن: من الآية " 8 " )

 ودليل ثانٍ.

 

﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ﴾

 

( سورة المؤمنون: من الآية " 69 " )

  ودليل ثالث.

 

﴿أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾

 

( سورة سبأ: من آية " 46 " )

طبعاً اسمحوا لنا لنصف درس فقط أن نتحدَّث عن شكل النبي ؛ عن لونه، عن وجهه، عن طوله، إنه شيء لطيف، ولأن العلماء قالوا: إذا رأيت النبي في الرؤيا الصالحة، ولم يكن على هذه الصفات فهذا ليس النبي، ومن شرط أن تكون رؤيتك للنبي رؤيةً حقيقيَّةً له أن تراه وفق الصفات التي وردت في السيرة، أمَّا أن يشاهد النبي أسمر طويلاً طولاً بائنًا، فهذا ليس النبي، إنه يتوهَّم ذلك، إذاً لابدَّ من معرفة شكل النبي عليه الصلاة والسلام.
 عَنِ الْبَرَاءِ يَقُولُ:

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ))

( رواه البخاري)

 وعنه رضي الله عنه:

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مَرْبُوعًا بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ ـ كتفه بعيد ما بين المنكبين، أي عريض المنكبين ـ عَظِيمَ الْجُمَّةِ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))

( رواه مسلم عن البراء )

 وعن عليٍ رضي الله عنه أنه قال:

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلا بِالْقَصِيرِ ضَخْمُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ شَثْنُ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ مُشْرَبٌ وَجْهُهُ حُمْرَةً طَوِيلُ الْمَسْرُبَةِ ضَخْمُ الْكَرَادِيسِ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ مِثْلَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))

(رواه الإمام أحمد)

 وروى البيهقي وغيره أن رسول صلى الله عليه وسلَّم ليلة هاجر من مكة إلى المدينة، هو وأبو بكرٍ وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر، ودليلهم عبد الله بن أُرَيْقِط الليثي، فمروا بخيمة أم معبد ـ عاتكة بنت خالد الخزاعيَّة ـ وكانت أم معبد امرأةً برزةً، أي جليلةً مسنَّة، جلدةً ـ أي قويَّة ـ تحتبي وتجلس بفناء الخيمة، فتطعم وتسقي من يمر بها، فسألوها: هل عندها لحمٌ أو لبن يشترونه منها ؟ فلم يجدوا عندها شيئاً من ذلك، وقالت: " والله لو كان عندنا شيءٌ ما أعوزناكم القِرى ـ أي ما أحوجناكم ـبل كنا نضيفكم ـ لو عندنا ما بعناكم، بل كنا نضيِّفكم ـ وإن القوم مرملون مسنتون ـ أي أصابتهم سنةٌ جدباء ـ "، فنظر النبي عليه الصلاة والسلام فإذا شاةٌ في كِسر خيمتها ـ أي في جانب خيمتها ـ فقال: " ما هذه الشاة يا أم معبد؟ ". قالت: " شاةٌ خلَّفها الجهد عن الغنم " أي إنها هزيلة ضعيفة، فقال عليه الصلاة والسلام: " فهل بها من لبن ؟ "، فقالت: " هي أجهد ـأي أضعف ـ من ذلك ". فقال: " أتأذنين أن أحلبها؟". النبي بالهجرة كانوا جائعين، فقالت: " إن كان بها حلبٌ فاحلبها ". وفي رواية قالت: " نعم بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلباً فاحلبها".

 

( من مجمع الزوائد: عن " حبيش بن خالد " )

 فدعا النبي صلى الله عليه وسلَّم بالشاة ـ أي طلبها ـ فمسحها، وذكر اسم الله، ومسح ضرعها، وفي روايةٍ مسح ظهرها، وذكر اسم الله، ودعا بإناءٍ لها يُربِض الرهطَ، أي يشبع الجماعة.
 فهذه الشاة الضعيفة الهزيلة درَّت، فحلب فيها ثجًّا، أي كميَّةً سائلةً غزيرةً، حتى ملأه ـ ملأ هذا الوعاء ـ فسقى أم معبد، بمن بدأ النبي ؟ بصاحبة الشاة، فسقى أم معبد، وسقى أصحابه فشربوا عللاً بعد نهلٍ، أول شربة والثانية، معنى هذا أنهم جائعون، حتى إذا رووا شرب صلى الله عليه وسلَّم آخرهم، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

((سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا))

(مسلم، والترمذي)

 ثم حلب صلَّى الله عليه وسلم ثانيًا عوداً على بَدْءٍ فغادره، أي تركه عندها، وفي روايةٍ قال لها: " ارفعي هذا لأبي معبد إذا جاءكِ "، فما هذا الفهم ؟!! أسقاها أولاً، وترك لزوجها ثانياً، وسقى أصحابه، وشرب آخرهم.
 قال: ثم ارتحلوا، فما لبثت إلا قليلاً حتى جاء زوجها أبو معبد، يسوق أعنزاً عجافاً يتساوكن هُزْلى، فلما رأى اللبن عجب وقال: "من أين هذا اللبن يا أم معبد ولا حلوب في البيت، والشاء عاذب ؟ ـ أي ما ذهبت إلى المرعى ـ ". فقالت: " لا والله إلا أنه مرَّ بنا رجل مبارك، كان من حديثه كذا وكذا "، وفي روايةٍ: " كيت وكيت". فقال: " صِفِيِه يا أم معبد "، قالت:" رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، حسن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه ثَجْلَة ـ الثجلة كبر البطن ـ ولم تزرِ به صعلة ـ أي صغر الرأس ـ قسيمٌ وسيم ـ أي يجمع من كل حسنٍ قسماً، وهو وسيم أي جميل ـ في عينيه دعجٌ ـ الدعج هو شدة سواد حدقة العين ـ وفي أشفاره وطفٌ ـ أي كثرة شعر الحاجبين والعينين ـ وفي صوته صحلٌ ـ أي بحَّةٌ محبَّبة، في بحَّة بالصوت جميلة جداً ـ أحور ـ أي شدة بياض العين وسوادها ـ أكحل ـ سوادٌ في أجفان العين خلقةً، كأنهم مكحَّلين ـ أزجُّ ـ أي دقيق طرف الحاجبين، حواجبه دقيقة ـ أقرن ـ أي متصلة ـ في عنقه سطعٌ ـ أي ارتفاع عنقه طويلة، وهذه صفة بالإنسان محبَّبة ـ وفي لحيته كثاثة ـ شعره كثيف ـ إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلَّم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، كلامه فصلٌ لا نزرٌ ولا هدرٌ، كأن منطقه خرزات نظمٍ ينحدِرن، أبهى الناس وأجملهم من بعيد، وأحسنهم من قريب، ربعةٌ لا تشنأه عينٌ من طولٍ، ولا تقتحمه عينٌ من قصرٍ ـ لا هكذا ولا هكذا أي أنه معتدل ـ فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قداً، له رفقاء يحفُّون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا لأمره، محفودٌ محشودٌ لا عابثٌ ولا مفنِّد ".
 قال أبو معبد: " هذا والله صاحب قريش الذي تطلب - في أثناء الهجرة - ولو صادفته لالتمست أن أصحبه، ولأجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلاً "، ثم هاجرت مع زوجها إلى النبي، وأسلما.
 روى الإمام مسلم والترمذي عَنْ الْجُرَيْرِيِّ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ قُلْتُ لَهُ:

((أَرَأَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ نَعَمْ كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحَ الْوَجْهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا مَاتَ أَبُو الطُّفَيْلِ سَنَةَ مِائَةٍ وَكَانَ آخِرَ مَنْ مَاتَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))

 وفي رواية عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ:

((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ رَجُلٌ رَآهُ غَيْرِي قَالَ فَقُلْتُ لَهُ فَكَيْفَ رَأَيْتَهُ قَالَ كَانَ أَبْيَضَ مَلِيحًا مُقَصَّدًا))

(مسلم)

 أي مكتمل ومعتدل في كل أوصافه، قصد، مقصَّداً.
 وكان صلَّى الله عليه وسلَّم أحسن الناس وجهاً، وأنورهم محيَّا، اجتمعت كلمة الصحابة الذين وصفوه على أنه كان منير الوجه مشرق المُحَيَّا، فمن الصحابة من ضرب المثل لبهاء نوره، مثَّله بالشمس فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ:

((مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ كَأَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي فِي جَبْهَتِهِ وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَسْرَعَ فِي مِشْيَتِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّمَا الْأَرْضُ تُطْوَى لَهُ إِنَّا لَنُجْهِدُ أَنْفُسَنَا وَإِنَّهُ لَغَيْرُ مُكْتَرِثٍ))

(أحمد)

 وقال الإمام الغزالي: " يقولون هو كما وصفه صاحبه أبو بكر: أمينٌ، مصطفى للخير، يدعو كضوء البدر زايله الظلام ".
عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ قُلْتُ لِلرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ: صِفِي لَنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ:

((يَا بُنَيَّ لَوْ رَأَيْتَهُ رَأَيْتَ الشَّمْسَ طَالِعَةً))

(رواه الدارمي)

 وقال بعض أصحاب رسول الله: " كان فخماً مفخَّماً يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ".
 على كلٍ فهو كما قال حسَّان بن ثابت:

 

و َأحْسَنُ مِنْكَ لم تَرَ قَطُّ عَيْني  وَ أجْمَلُ مِنْكَ لَمْ تَلِدِ النّسَاءُ
خُلِقْتَ مُبَرَّأَ مِنْ كُلّ عَيْــبٍ  كَأنّكَ قَدْ خُلِقْتَ كمَا تَشـاءُ
***

 إخواننا الكرام علَّمنا النبي اللهمَّ صلِّ عليه، أنك إذا وقفت أمام مرآة ورأيت وجهًا أولاً: سليم من العيوب، عينان، أذنان، أنف، فم، وجه، فكان النبي يقول كما في حديث ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ:

 

((اللَّهُمَّ أَحْسَنْتَ خَلْقِي فَأَحْسِنْ خُلُقِي))

( أحمد)

 وقال بعض الشعراء:

 

جمال الوجه مع قبح النفوس  كقنديلٍ على قبر المجوسِ
* * *

 أي إن الإنسان إذا كان جميل الصورة، من أجمل ما يكون، فعليه أن يتبع هذا الجمال بجمال الخُلُق، فإذا اجتمع جمال الخُلُق مع الخلق فهذا شيء رائع، والنبي عليه الصلاة والسلام كان من أجمل الناس، ومن أكثرهم وضاءةً، وإشراقاً، وتلألؤاً، ونوراً، وكانت أخلاقه في قمم الأخلاق.
 ولا نريد أن نطيل عليكم في موضوع الأوصاف الظاهريَّة للنبي عليه الصلاة والسلام، والله عزَّ وجل خلقه بالكمال المطلق، لكن الذي يعنينا أن نتبع سُنَّته.
 وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى نصل إلى الحديث عن شمائله واحدةً واحِدةً بشكلٍ تفصيلي، والله سبحانه وتعالى الموفِّق.

 

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018