بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الشمائل المحمدية إصدار 1995 - الدرس : 07 - خلقه العظيم - وإنك لعلى خلق عظيم


1994-11-14

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السابع من دروس شمائل النبي صلى الله عليه وسلم، وننتقل اليوم إلى خُلقه العظيم، بعد أن تحدثنا عن كمال عقله، وعن كمال علمه.
 أيها الإخوة الكرام ؛ الأصل في هذا الموضوع قول الله عزَّ وجل في سورة القلم:

﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

( سورة القلم )

 يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مع أصحابه، فرأوا في الطريق إنساناً مجنوناً، فسأل النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه سؤال العارف فقال:

((من هذا ؟ قالوا: مجنون، قال: لا، هذا مبتلى، المجنون من عصى الله))

 أي إن العقل السليم يجب أن يهدي صاحبه إلى معرفة الله، وإلى طاعته، ويمكن أن تمتحن عقلك امتحاناً دقيقاً، فكلما هداك إلى الله كان عقلك أرجح، لذلك ورد في الحديث الشريف:

((أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً))

 هنا نقف أمام مشكلة محيِّرة، قد تجد إنسانًا يحمل أعلى شهادة ؛ بورد مثلاً، متفوقًا في اختصاصه تفوقًا مذهلاً، أحد فلتات العصر في اختصاصه كما يقال ؛ في الآداب، في العلوم، في الفيزياء، في الرياضيات، وتراه لم يعرف ربه، وهو غارقٌ في المعاصي، وقد يشرب الخمر، ولا يصلي، فكيف توفق بين هذه الظاهرة، وبين أن الدين هو العقل، وأنه من لا عقل له لا دين له؟
 هذه المشكلة أشار إليها بعض العلماء إشارة لطيفة، فميَّز بين العقل والذكاء، وقال: "الذكاء يتعلق بالجُزئيات، والعقل يتعلق بالكليات ".
 ما كل ذكيٍ عاقلاً، ولا يسمَّى الإنسان عاقلاً إلا إذا عرف الله، لا يسمى الإنسان عاقلاً إلا إذا أدرك كليَّات الحياة، لماذا أنت في الحياة ؟ لذلك لا تؤخذ بإنسانٍ متفوق في اختصاصه وهو يعصي الله، هذا لا يسمى عاقلاً، بل يسمى ذكياً، والله سبحانه وتعالى لحكمةٍ بالغةٍ أرادها جعل أحطَّ الحيوانات من أذكى الحيوانات، الحيوانات التي تعيش في المجاري هي من أذكى الحيوانات، وهناك دراسات تؤكِّد أنها تتمتع بذكاء يندر مثيله من بين الحيوانات، فالذكاء وحده ليس قيمةً يعتدُّ بها في ميزان المكارم.
 إذاً النبي عليه الصلاة والسلام:

 

﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)﴾

 

( سورة القلم )

﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)﴾

( سورة هود )

 يجب أن تشعر أيها الأخ الكريم بنعمة الله عليك، فإذا تفضَّل الله عليك بمعرفته، وطاعته، إذَا تكوّنتْ لديك فكرة صحيحة عن خالق الكون، وصار عندك فكرة صحيحة عن منهجه، ففي الأعم الأغلب عندئذٍ أنت مستقيم على منهج الله عزَّ وجل، فلا تأكل مالاً حرامًا، ولا تعتدي على أعراض الناس، بل تعرف حدك فتقف عنده، وهذه نعمةٌ عُظمى، بل هذه النعمة المطلقة المُطلقة..

 

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ(7)﴾

 

( سورة الفاتحة )

 المغضوب عليهم هم الذين عرفوا وعصوا، والضالون لم يعرفوا، ولم يطيعوا، والذين أنعم الله عليهم هم الذين عرفوا ربهم، وأطاعوه..

 

﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً (71)﴾

 

( سورة الأحزاب: من آية " 71 " )

 فالبطولة ألاّ يتأثر الإنسانُ بكلام الآخرين..

 

﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103)﴾

 

( سورة يوسف )

 فعامة الناس ؛ تائه، ضال، شارد، جاهل، لا يعلم، فالناس يعظمون أرباب الأموال، يعظِّمون الأغنياء، الأقوياء، يعظمون من أوتوا حظوظاً من الدنيا كبيرة، ولكنهم قد لا يأبهون لمؤمن خشع قلبه، واستنار عقله، وضبط سلوكه.
 طبعاً موطن الثقل، أو موطن الشاهد في هذه الآية:

 

﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)﴾

 

( سورة القلم )

 على صبرك على هؤلاء، وعلى دعوتك إليهم، أجر غير مقطوع.

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 

( سورة القلم )

 اسمحوا لي أيها الإخوة أن أقول لكم: الدين بمجمله خلقٌ حسن، و هناك أحاديث كثيرة صحيحة تزيد عن خمسين حديثًا، تؤكِّد أن أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً، وأن أكمل المسلمين إسلاماً أحسنهم خلقاً، وأن الخلق الحسن ذهب بالخير كله، وأن الخلق الحسن يذيب الخطايا كما تذيب النار الثلج، الخلق الحسن هو الدين.
 السبب أنّ الإنسان أيها الإخوة مخلوقٌ لحياةٍ أبدية، ثمن هذه الحياة الأبدية أن ينهى النفس عن الهوى، والخلق الحسن هو ضبطٌ للهوى..

 

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾

 

( سورة الليل )

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)﴾

( سورة النازعات )

 الشجاعة معاكسة لميل حب السلامة، السخاء معاكس لميل حب المال، أداء العبادات يتناقض مع راحة الجسم، فلو أردت أن تعدد تكاليف الدين لوجدت أن الدين كله عملية ضبط للنزوات والأهواء، فكلما كان ضبطك أشد كان مقامك أعلى عند الله عزَّ وجل.
 فحقيقة الدين تتوافق مع الفطرة، ولكنها تتناقض مع الطبع، الجسم يحب الراحة، والتكليف أن تصلي، الجسم يحب أن يقبض ذوات الخمسمائة من الليرات، والتكليف أن تدفع، الجسم يحب أن يتسلَّى، ويلهو بأحاديث الناس وقصصهم، والتكليف أن تسكت، الجسم يحب أن ينظر إلى المحرَّمات، والتكليف أن تغض البصر.
 فالخلُق الحسنُ ضبط للنزوات، ضبط للشهوات، ضبط للأهواء، فإذا أردت أن تلخص الدين كله، فالدين خلُق حسَن، والإنسان الذي لا دينَ له يأكل ما يريد، يتكلم ما يشاء، يذهب إلى حيث يشاء، يعطي نفسه كل أهوائها، الدين إنسان منضبط، وغير الدين إنسان متفلت.
 قلت يومًا في خطبة جمعة: الناس رجلان ؛ موصول منضبط محسن، ومقطوع متفلت مسيء، ولن تجد إنساناً ثالثاً، على الرغم من أن هناك تقسيمات كثيرة كثيرة كثيرة، يقول لك: الشمال والجنوب، والشرق والغرب، والعنصر الآري والعنصر السامي، والسود والبيض والملونون، والدول المتخلفة، والنامية، والمتقدمة، والشعوب ذات البنية الخاصة، وصنفوا الشعوب تصنيفات عديدة، فهناك أغنياء وفقراء، وأقوياء وضعفاء، ومثقفون وغير مثقفين، كل هذه التقسيمات تنتهي يوم القيامة إلى فريقين ؛ إنسان أول:

 

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾

 

( سورة الليل )

 وإنسانٌ آخر:

 

﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)﴾

 

( سورة الليل )

 إنسانٌ أول:

 

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)﴾

 

( سورة النازعات )

 وإنسان آخر:

((وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ))

(رواه الترمذي)

 إنّها عملية فرز في صنفين، قلت هذا مفصلاً في درسٍ سابق: إنّ الناس مؤمن وكافر، مشرك وموحِّد، منضبط ومتفلت، محسن ومسيء، مستقيم ومنحرف، مخلص وخائن، مقسط وظالم.

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 

( سورة القلم )

 أي إنّ وصف ربنا عزَّ وجل جامع مانع، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن أعظم الخطباء على الإطلاق ؟ نعم ؟ أما إنّه كان أعظم المحدثين ؟ فنَعَمْ، ما كان أعظم العلماء ؟ نعم، وأعظم القادة، وأعظم المتكلمين، لكن الله حينما وصفه فبماذا وصفه؟:

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 

( سورة القلم )

 وصفه الوصف الذي يرفعه، فإذا أوتي شخصٌ مقدرة كلامية، أو ذاكرة قوية، أو محاكمة جيدة، قد يتفوق، ولكنه لا يرقى عند الله إلا بخلقه العظيم، ولو تتبعت ما في السنة النبوية الشريفة لوجدت أن الخير كله في الخُلُق العظيم.
 وقد ذكرت لكم كثيراً أن هذه الآية:

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 

( سورة القلم )

 (على) تفيد الاستعلاء والتمكُّن، أي إنّ النبي عليه الصلاة والسلام متمكن من خلقه العظيم، لكن بعض الذين أحياناً يتخلَّقون بأخلاق جيِّدة فبعدَ بعد صراع، وبعد انتصار على أمرٍ صغير، يقول لك: عانيت معاناة شديدة، ثم انتصرت على نفسي، أما النبي عليه الصلاة والسلام فخُلُقُه العظيم يعني أنه متمكن.
 هذا وصف عام..

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 

( سورة القلم )

 وبعد، فما هو إذًا هذا الخلُق ؟
 إذا دخلنا في التفاصيل، ما هو هذا الخلق ؟ فعَنِ الْحَسَنِ قَالَ سُئِلَتْ عَائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ:

((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ))

(رواه مسلم، وأحمد، واللفظ له)

 فالقضية سهلة، وأرجو الله سبحانه وتعالى إذا قرأنا القرآن أن نقيس أنفسنا بآياته دائماً، فمثلاً أين أنتَ من قوله تعالى:

 

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2)﴾

 

( سورة الأنفال )

 أين أنت من هذه الآية ؟

 

﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾

 

( سورة البقرة )

 أين أنت من هذه الآية ؟

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5)﴾

 

( سورة المؤمنون )

 ثمّ أين أنت من هذه الآية ؟

 

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً (63) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً(64)﴾

 

( سورة الفرقان )

 هذا الذي أرجوه من الله عزَّ وجل، إذا قرأت القرآن أن تسأل هذا السؤال الدائم: أين أنا من معاني هذه الآية ؟ أنا مع من ؟

 

﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾

 

( سورة البقرة: من آية " 222 " )

 هل أنت من التوابين ؟

 

﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)﴾

 

( سورة التوبة )

 إن الله يحب الصادقين، إذا قرأت القرآن دائماً اسأل نفسك: أين أنت من هذه الآيات ؟ النبي صلى الله عليه وسلم كما قالت السيدة عائشة

((كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ))

(رواه مسلم، وأحمد، واللفظ له)

 يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه.
 فمثلاً أنت زوج، متى تغضب في البيت ؟ إذا لم يكن الأكل جاهزاً، أما إذا كان خروج ابنتك لا يرضي الله عزَّ وجل فأنت متساهل، والتساهل شديد، ففي أمور خروج بناتك، وأمور إقامة الحدود، وأمور إقامة الشرع تتساهل، ولكنْ في موضوع الطعام والشراب تغضب، الأكمل أن تغضب إذا انتهكت حرمةٌ من حرمات الله عزَّ وجل، لذلك يغضب لغضبه ويرضى لرضاه، وما الذي يغضبك كفي عملك ؟ إنْ لم يدفع لك إنسانٌ تغضب !! فهذه علاقة غير صحيحة، وكذلك قد يكون لديك علاقة ربوية ولا تغضب لها ‍‍! متى يكون خلقُك القرآن ؟ إذا غضبت لغضب القرآن، و رضيت لرضاه.
 ومرةً ثانية، إذا قرأت القرآن فاسأل نفسك هذا السؤال دائماً: أين أنا من هذه الآية ؟ أنا مع من ؟

 

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾

 

( سورة الشورى )

 أنت مع من ؟

 

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾

 

( سورة النحل )

 أنت مع من ؟ كلما قرأت آيةً صنِّف نفسك مع إحدى فقراتها.
 وروى ابن أبي شيبة عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت:

((كان أحسن الناس خلقاً، كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، لم يكن فاحشاً ولا متفحِّشاً، ولا صخَّاباً في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ثم قالت: اقرأ:

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1)﴾
 إلى عشر آيات، فقرأ السائل، فقالت: هكذا كان خلق رسول الله))

 كأن درسنا اليوم اقرأ القرآن، ودائماً وازن بين أخلاقك والوصف القرآني للمؤمنين، فإذا تطابقا فهذه نعمة الله العظمى، إذا كان الفارق بسيطًا فحاوِلْ أن تقلِّل من هذا الفارق، إلى أن تطابق أخلاقك مع وصف القرآن الكريم لأخلاق المؤمنين.
 وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:

((ما كان أحدٌ أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال: لبيك ))

 فلذلك أنزل الله تعالى:

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 لبيك، تواضعٌ مع الناس لا تصده أبراج عاجية، ولا تمنعه حواجز شكلية، ما دعاه أحدٌ من الناس أو من أصحابه أو من أهل بيته إلا قال: لبيك، فلذلك أنزل الله تعالى:

 

 

﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾

 أحياناً يدعوك فقير فيجب أن تلبي، ويدعوك إنسان ضعيف الشأن في المجتمع فيجب أن تلبي، فكلما كنت متواضعًا مع الناس ؛ مع فقرائهم، مع مساكينهم، مع الطبقة الدنيا من المجتمع، تألَف وتؤْلَف، تعطي وتأخذ، فأنت على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 عن عمر رضي الله عنه أن رجلاً نادى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، وفي كل مرةٍ يردُّ عليه النبي ويقول: " لبيك لبيك "، أحياناً الإنسان يُقرع جرسُ بيتِه، فينتظر قليلاً، يتجاهله صاحب البيت، يتوضأ، لكنه عليه الصلاة والسلام نودِيَ، ثلاث مرات، وفي كل مرة يقول له: " لبيك لبيك، لبيك لبيك، لبيك لبيك ".
 إخواننا الكرام ؛ دققوا في هذه الفكرة: إذا سمح الله عزَّ وجل لك أن تكون في خدمة عباده، فيجب أن تقوم بهذا العمل على أتمِّ وجه، وإذا طلب الإنسان من الله عزَّ وجل أن يكون باباً له، فعليه أن يكون مع الناس بأعلى درجات التواضع والخدمة، لأنه كما قال بعض الصالحين: " يا رب، لا يطيب الليل إلا بمنجاتك، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك ".
 أي إنّ أساس الدين أنّ هذا الخالق العظيم خلقك، ولم تكن شيئاً مذكوراً، فأنعم عليك بنعمة الإيجاد، ثم أنعم عليك بنعمة الإمداد، وأخيرًا عليك بنعمة الهدى والرشاد، وأنت لا تملك إلا أن تخدم عباده اعترافاً بهذا الفضل، فأساس الدين خدمة الخلق تقرباً للحق، ولا تميز بين عبدٍ وعبد، كلهم عبادٌ لله عزَّ وجل، ولا سيما أنك إذا خدمت غير المسلمين، ورأوا من كمالك، ومن رحمتك، ومن اهتمامك، ربما جلبتَهم إلى هذا الدين، وإذا أسأت إليهم نفَّرتهم عن هذا الدين.
 وروى البخاري عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:

 

((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ))

 أما أحسن الناس وجهاً ليس المقصود به الجمال المادي، المقصود أن الإنسان إذا صفت سريرته ظهر هذا الصفاء في وجهه، تنظر إلى وجهه فترتاح له، قد يكون ملوَّنًا، لكنك تشعر أنّ فيه صفاء، تشعر أنّ فيه روحانية، وفيه تألق، فيه نور، لا أقصد أبداً جمال الصورة المادية، أقصد أنك إذا نظرت إلى مؤمن رأيت في وجهه نوراً، رأيت في وجهه صفاءً، رأيت في وجهه تألُّقاً، هذا التألق وذاك الصفاء وهذا النور انعكاس لصفاء نفسه، ونورانيَّة قلبه، وكمال خلقه، هذا معنى كونِ النبي عليه الصلاة والسلام أحسنَ الناس وجهاً، وأحسنهم خلقًا، ويضاف إلى ذلك أن وجه النبي عليه الصلاة والسلام كان كالبدر، كان من أجمل الوجوه، إضافة إلى النورانية، وإلى التألُّق والصفاء، كان من أجمل الوجوه خَلْقًا.

وأحسن منك لم تر قط عيني  وأكمل منك لم تلد النساءُ
خلقت مبرَّأً من كل عيبٍ...  كأنك قد خلقت كما تشاءُ
* * *

 بالمناسبة في حياة كل واحدٍ منا ثلاث شخصيات ؛ شخصيةٌ يكونها هو، وشخصيةٌ يكره أن يكونها، شخصيةٌ يتمنَّى أن يكونها، قل لي ما الشخصية التي تتمنى أن تكونها أَقُلْ لك من أنت ؟ أحياناً إنسان ينظر إلى تاجر كبير، مكاتب فخمة، سيارات، أجهزة، صفقات كبيرة، عنده موظفون كُثُر، أحلامه تنصب على هذا النموذج، وقد يكون الإنسان في جامعة، وفي وظيفة متواضعة يرى أستاذًا ذا كرسي مثلاً، يداوم ساعتين أو نحوهما، له مكتب فخم، والطلاب حوله، وله مؤلفات، فهذا هو الشخصية التي يتمنى أن يكونها هذا الشخص مثلها.
 أما المؤمن وأقول لكم هذا الكلام بدقة بالغة، المؤمن لا يتمنى إلا أن يكون على أثر هذا النبي العظيم، وإذا دخل بيته وعمل عملاً، فليتساءل: يا ترى هل كان النبي يفعل هذا ؟ إذا عَامَلَ أخًا، يا ترى أهكذا علمنا النبي ؟ دائماً يقيس سلوكه بسلوك النبي، لأن الشخصية الأولى التي يتمنى أن يكونها المؤمن أن يكون على منهج النبي عليه الصلاة والسلام.
 قال الرواة: " فهو عليه الصلاة والسلام أجمل خلق الله خَلْقاً وأكملهم خلُقاً، بل هو فيّاض المكارم والكمالات ".
 في مسند أحمد وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ))

(أحمد)

 وفي رواية أخرى:

((إنما بعثت معلماً، إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))

 هذا حديث خطير، وهذه اللام لام التعليل، أي أن علة بعثته صلى الله عليه وسلم، غرس القيم الخُلقية في المجتمع البشري، معنى ذلك أنّ العلم في الإسلام وسيلة وليس غاية، فإذا انحرف الإنسان ظن أن العلم وحده هو كل شيء، فيحقق، يمحص، يدرُس، يحفظ، يؤلِّف إلى أن يغدو أحد أقطاب زمانه، لكن ليس لديه أيّ استقامة في سلوكه، أو ليس لديه أيّ عمل صالح، وليس عنده قلب متألق بحبِّ الله عزَّ وجل، فلم يعرف جوهر الدين، وأنّ جوهر الدين الخلقُ العظيم، لأنه ثمن جنة الله عزَّ وجل إلى أبد الآبدين.
 وروى الإمام مالك في الموطأ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ حُسْنَ الْأَخْلَاقِ))

 الإمام أحمد في مسنده:

((إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ))

 لكنَّ رواية الإمام مالك في الموطأ:

((بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))

 قال الإمام الجنيد: " إنما كان خلقه عظيماً لأنه لم يكن له همةٌ سوى الله تعالى "، تحليل دقيق، إذا كانت للإنسان مطامح دنيوية، مآرب دنيوية، يتخلق بأخلاق تتناسب مع هذه المطامح، ويقول لك: دبَّرت نفسي، ألف قلبة ولا غلبة، إذا كانت مطامح الإنسان دنيوية، يتخلق بأخلاق تناسب هذه المطامح، أما إذا كان الإنسان ليس له همةٌ إلا الله سبحانه، فهذا هو الهمُّ العظيم، وهذا التوجُّه الكبير له خلقٌ يناسبه، أمّا الشخص المادي فلا تهمه سمعته، بل يهمه أن يحصِّل أكبر مبلغ ممكن بأقل جهد ممكن.
 إنّ الإنسان الذي همُّه الله، همه تقريب الناس من الله، همه الدعوة إلى الله، همه تحبيب الناس بهذا الدين، تجد أخلاقه تتناسب مع هذا الهم، يتواضع لهذا الهدف الكبير، يتطامن لهذا الهدف السامي، يرحم الناس لهذا الهدف، يعفو عنهم لهذا الهدف، يعطيهم لهذا الهدف، يبذل من وقته وجهده وماله لهذا الهدف، صار البذل، والعطاء، والكرم، والرحمة، والتساهل، والعفو، والحلم، أخلاقَ مَن كان همُّه الله.
 من كان همُّه الربحَ تجده حريصًا، يحاسب، يتشدد، الذي همه الدعوة إلى الله عزَّ وجل يتخلق بأخلاق تتناسب مع هذا الهم العظيم مِن دون أنْ يشعر، لذلك فالإمام الجنيد قال: " إنما كان خلقه عظيماً لأنه لم يكن له همٌ سوى الله تعالى ".
 في قول آخر: "إنّ النبي عليه الصلاة والسلام جمع مكارم الأخلاق التي جاءت بها الأنبياء قبله "، كل المكارم الأخلاقية التي جاء بها الأنبياء قبله جمعها النبي صلى الله عليه وسلم وزاد عليها.
 والله سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

 

( سورة آل عمران: من آية " 159 " )

 الآيات القرآنية أحياناً لها وجوه عديدة، فحينما أودع الله في قلب النبي هذه الرحمة، من نتائج هذه الرحمة اللين مع عباد الله، الرحمة تساوي اللين، والقسوة تساوي الغلظة، الرحمة أساسها الاتصال بالله، اتصال، رحمة، لين، انقطاع، قسوة، فظاظة، وهذه الآية قانون:

 

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾

 بسبب الرحمة التي في قلبك لنت لهم، هذه الآية لنا نحن المؤمنين، كلما حصلت على مزيد رحمة من الله عزَّ وجل لانَ قلبك للناس، فترحمهم، وتعفو عنهم، وتأخذ بيدهم،و تتجاوز عن أخطائهم، وتتمنى لهم السعادة، بسبب هذه الرحمة التي استقرَّت في قلبك عن طريق الاتصال بالله عزَّ وجل لنتَ لهم، ولو لم تكن في قلبك هذه الرحمة لكنت قاسياً معهم، فإذا كنت قاسياً معهم نفروا منك، انفضوا عنك، آية دقيقة ؛ اتصال، رحمة، جذب، انقطاع، قسوة، نفور، إذا أردت أن يجتمع الناس حولك فارحمهم، تواضع لهم، تجاوز عن سيِّئاتهم، خذ بيدهم، أعطهم، ابذل لهم من وقتك، من جهدك، من علمك، إذا أردت أن ينفض الناس من حولك كن قاسياً معهم، هذه الآية قانون:

 

 

﴿فَبِمَا﴾

 الباء سببية، بسبب الرحمة التي استقرت في قلبك لنت لهم، ولو لم تستقر هذه الرحمة في قلبك لقسوت عليهم، فإذا قسوت عليهم لكنت..

 

 

﴿كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

 هذا معنى أوّل، أمّا المعنى الثاني: فأنت على أنك نبيٍ، وعلى أنك مرسل، وعلى أنت معصوم، وعلى أنك يوحى إليك، وعلى أنك مؤيدٌ بالمعجزات، مع كل هذه الميزات..

 

 

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

 فإذا لم يكن الإنسان معصوماً، ولا يوحى إليه، وليس مؤيداً بالمعجزات، ولا هو نبي ولا هو رسول، وكان فظًّا وغليظًا مع الناس، فهذا الذي جمع كل هذه الصفات، لكن ينفضّ الناس مِن حوله، وينبذونه.

 

 

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

 لو لم تكن للإنسان أيّة ميزة، وكان فظًّا وغليظًا، فهذا ما أنزل الله به من سلطان.
 لكن كان عليه الصلاة والسلام، ليِّن الجانب، سهل الخلق، حسن المعاشرة مع الأهل والأصحاب وسائر الناس، يعطي جليسه حظاً كبيراً من الانبساط والملاطفة وحسن المقابلة.
 روى الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كَانَ إِذَا وَصَفَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

((... أَجْوَدُ النَّاسِ كَفَّا وَأَشْرَحُهُمْ صَدْرًا وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً وَأَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ وَمَنْ خَالَطَهُ مَعْرِفَةً أَحَبَّهُ...))

 أيها الإخوة ؛ أرجوكم ألاَّ تظنوا أن هذا وصفٌ للنبي فقط، بل هذا هدف لنا جميعاً، فإذا قرأت أن النبي كان أصدق الناس لهجةً، يجب عليك ألاّ تكذب أبداً، لا تقل: عندي أولاد، وأنا مضطر، هكذا مصلحتي، فالله هو الرزاق، لا تصغر نفسك، فالصادق كبير موَقَّر، وأكبر مطبٍّ يقع فيه المسلمون كلما قرأ عن صفات رسول الله يقول: هذا نبي، من قال لك: إنك لست مأموراً أن تكون على شاكلته ؟ " إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين ".
 ما هو جهاد النفس والهوى ؟ التوفيق المستمر دائماً بين أخلاقك، وأخلاق النبي، هذا جهاد النفس والهوى، فكان أجود الناس صدراً، وأصدقهم لهجةً، وألينهم عريكةً، وأكرمهم عشرةً.
 وروى البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:

((لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَكَانَ يَقُولُ إِنَّ مِنْ خِيَارِكُمْ أَحْسَنَكُمْ أَخْلَاقًا))

((يا داود ذكِّر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جُبِلتْ على حب من أحسن إليه))

 لا تقدر كداعية أنْ تستقطب الناس، وأنْ تجمع الناس إلا بالخلق الحسن، لا بالعلم، العلم ضروري، وشرط لازم لكنه غير كافٍ، ومتى يصغي الناس إليك ؟ إذا أُعجِبوا بأخلاقك، عندئذٍ يصغون إليك، فأنت قبل أن تلقي العلم على الناس و تعلِّمهم عليك أن تكون ذا خلقٍ حسن، فأحياناً الإنسان تكون أخلاقه غير مكتملة، فينصح والدَه مثلاً، فوالدُه يقسو عليه، أما لو أنّ الأب رأى ابنه في كمال، ومع هذا الكمال قدّم نصيحة أديبة لأَصبحت مقبولة، لا تقدر أن تؤثر بالآخرين إلا بالخلق الحسن، ولا تستطيع أن تجعل الناس يصغون إلى كلامك إلا إذا أحسنت إليهم.
 قالوا: ومن لطفه صلى الله عليه وسلم أنه ما كان يقابل أحداً بما يكره، هناك أناس تجد عندهم شدّة في مواجهة الناس على أخطائهم، يقول مثلاً: أنت كاذب، فهذه ثقيلة، أما لو قلت: كأن ليس هناك دقة في وصفك، فهذه كذلك ككلمة كذَّاب، ولكنها ألطف، أو تقول: أنا أظن الأمر خلاف ذلك، ويغلب على ظني أن الأمر خلاف ذلك، معناها كذاب، لكنها ملطفة كثيراً، فالإنسان أحياناً كلما ارتقت نفسه ينتقي أجمل العبارات، والله عزَّ وجل قال:

 

﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ(34)﴾

 

( سورة فصلت )

 كلمة " أحسن " اسم تفضيل، وأنتَ أيها المسلم عليك أنْ تتنقي أجمل العبارات، ومن لطفه صلى الله عليه وسلم أنه لم يكن يقابل أحدًا بما يكره.
 عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

((لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّابًا وَلَا فَحَّاشًا وَلَا لَعَّانًا كَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتِبَةِ مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ))

(رواه البخاري)

 فالسلف الصالح كانوا يقولون عند معاتبتهم شخصًا: اللهم ارضَ عليه، فلان أغضبني، سامَحَه الله، تجد كلمات أحياناً من امرأة أمية، لكن ليس عندها كلمة قاسية، حتى لو أنها عتبت على ابنها، حتى لو أنها غضبت عليه: الله يسامحه، الله يبعث له الهناء، واللهِ الكلام اللطيف جميل، " ماله تربت جبينه"، اللهم صلِّ عليه، والحقيقة أن الإنسان بالكلام الطيب تلين له القلوب، والفرقُ بين الذي يحسن والذي يسيء الكلمةُ الطيبة، النبي قال:

((الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ))

( البخاري: عن " أبي هريرة " )

 يمكن ألاّ تشعر بهذه القيمة أمام أندادك، أحياناً يكون صاحب محل عنده صانعون، مدير مؤسسة عنده موظفون، مدير مدرسة عنده مدرسون، مدير مستشفى عنده ممرضون مثلاً، لا تعرف قيمة الكلمة الطيبة إلا القمّة، أحياناً مدير مستشفى رأى ممرضًا أو آذنًا: كيف الصحة يا بني، إن شاء الله أنت مرتاح ؟ يظل شهرًا ذائبة نفسُه، لم يكلفك شيئًا، شعر أنك أب له، فالكلمة الطيبة من معلم لتلميذ، من طبيب إلى مريض، من مدير إلى موظف، من أب إلى ابن، أحياناً يكون عندك خادم، أو بجوارك إنسان ضعيف، الكلمة الطيبة لكلٍّ منهما صدقة.
 ذات مرة كنتُ قد ذكرت لكم عن قريب لي كان في العربية السعودية يعمل في التدريس، قال لي: عندنا فراشون - أي خَدَم، وبلُغَتِنا أذَنة، هؤلاء يأتون من دول بعيدة، وراتبهم أحدهم خمسمئة ريال بالشهر، ويعملون أشق الأعمال، هذا الفراش ليس تابعاً للمدرسة، بل هو تابع لشركة تنظيفات، وهناك شركات للتنظيف عندها موظفون يأتون من بلاد آسيا الجنوبية الشرقية -فهؤلاء الذين ينظفون المدرسة، لهوانهم على مَن في المدرسة من مدرِّسين، ومن طلاب لا يسلِّمون عليهم أبداً، كأنهم ليسوا من بني البشر، فأحدهم كان ينظِّف غرفة المدرسين، وزميل مدرس، صب كأس الشاي ليشربها، فقرع جرس الدرس، يبدو أن هناك دقة بالغة، فما أحبَّ أن يتأخر، فقال للفراش: تفضل، وليس هذا مبادرة منه، لكن قرع الجرس، وكان قد صبَّ كأس الشاي، هذا الذي أخذ كأس الشاي وشربها، هذا العمل فعل في نفسه فعل السحر، أنّ المدرِّسَ ضيَّفه كأس شاي.
 ففي اليوم التالي قال له: ما الذي حملك على أن تفعل هذا ؟ قال له: أنا مسلم، وأنت أخ في الإنسانية، وأنا عندي درس، ثم جرى بينهما صار حوار، فهذا الفراش تبيَّن أنّه يحمل ماجستير في الكيمياء، أحضروه إلى البيت، وأتوا له بقاموس دائرة معارف باللغة الأجنبية فقرأ فيه بطلاقة، سألوه أدقَّ الأسئلة، فكان كلامه صحيحًا، وتحاوروا معه، وبعد خمسة أو ست جلسات أسلم، وأسلم من معه ممن حوله.
 كأس شاي تقدِّمه لإنسان بتواضع وبأدب فتغيِّر منهج إنسان !! فمَا أبْعدَ المسلم عن مستوى رسالته، هذه القصة أرويها لأن الكلمة الطيبة صدقة، كما قال عليه الصلاة و السلام.
 حدثني أخ من إخواننا، واللهِ لا أرويها فخراً، قال لي: اشتريتُ بيتًا بمدينة دوما، ولنا جار كلما شعَر أنّي بالبيت أنقل الأغراض يُحضر لنا إبريقًا من الشاي، مرتين، وقد أعانه في نقل الأغراض، قال له: والله أنا شاكر لك، لكن لا يوجد معرفة سابقة، فقال له: أنا أذهب إلى المسجد، وأنت معنا فيه، وقد كان لا ينتبه إليه، قال له: كيف جئت إلى المسجد ؟ فقال: واللهِ جرَّني شخصٌ جرًّا، والأستاذ سلَّم عليّ باحترام فأحببتُه، هذا سلام باهتمام فقط، فقلت: يا رب سلام باهتمام فقط ربط إنسانًا بمسجد ؟! وأنا لا أذكر القصة، إلا أنّه قال لي: هذا جارنا، فقلت له: أهلاً وسهلاً، الله يعطيك العافية، عينك عليه، لم يكلفني غير الكلمات، لكن اهتمامك بالأشخاص مردودُه كبير، فالكلمة الطيبة صدقة، والسلام بحرارة تكسب بهما صديقًا مؤمنًا، فإذًا لا تضنَّ بابتسامة، ولا بسلام حار، ولا بمصافحة، لا بسؤال عن الصحة، لا بتعزية، لا بمواساة، بعيادة مريض، كلها تنمي العلاقات، وتجعل المسلمين كتلة واحدة، أخوك مرض يجب أن تزوره، تزوج يجب أن تهديه هدية ولو كانت بسيطة، بعشرين ليرة، لا أقول هدية ثمينة، لكن لها اعتبارها، فيها معنى المودة، تهادوا تحابُّوا، ممكن أن تقدِّم له شيئًا لا يذكر، هذه إمكانيتُك، ليس لك عنده، ولكنها عربون مودة.
 على ذكر الكلمة الطيبة صدقة، إذا دخلت البيت، فقل: السلام عليكم، كان الصحابة إذا سار اثنان منهم معًا، وفرّقت بينهما شجرة بعد أن يلتقيا مرة ثانية، يقول أحدُهما للآخر: السلام عليكم، نكون مع بعضنا ثم ندخل إلى السيارة، السلام عليكم، واللهِ شيء جميل، فمتى دخل بيتَه فليقل: السلام عليكم، جلس فليقل: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم ليسِّلم، يقول الشيطان لمَن معه: ليس لكم هنا مبيت، وإنْ سمَّى صاحبُ البيت قال الشيطانُ: ليس لكم عشاء، فإنْ لم يسلم قال: أدركتم المبيت، فإنْ لم يسمِّ قال الشيطانُ:  أدركتم العشاء، فكل الليل خلافات و مشاجرات، أما لو قال: السلام عليكم لذهب الشيطان مهزومًا مخذولاً، فالكلمة الطيبة صدقة، كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس لطفاً.
 روى أبو نعيم في الدلائل عن أنسٍ رضي الله عن قال:

((كان عليه الصلاة والسلام أشد الناس لطفاً، والله ما كان يمتنع في غداةٍ من عبدٍ ولا أمةٍ تأتيه بالماء، فيغسل وجهه بالماء وذراعيه، وما سأله سائلٌ قط إلا أصغى إليه، فلا ينصرف حتى يكون هو الذي ينصرف عنه، وما تناول أحدٌ يده قط، إلا ناوله إياها، فلا ينزع صلى الله عليه وسلم يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزعها منه))

 كان إذا صافح لا يسحب يدَه حتى يسحب الذي صافحه يدَه، وإذا ويُقبِل على محدِّثُه حتى ينصرف عنه محدِّثُه، هذه خلقه عليه الصلاة و السلام.

***

 ننتقل إلى انبساطه صلى الله عليه وسلم مع الأهل وذوي القُربى، فروى مسلم في صحيحه عن سعدٍ بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه أنه قال:

(( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كريم العشرة مع زوجاته وسائر أهله، يلاطفهنّ ويمازحهنّ، ويعاملهنّ بالود والإحسان))

 الإنسان العظيم خارج بيته عظيم، أما في بيته فواحد من أهل بيته، كان إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً، فإذا كان الإنسان روحُه مرِحة مع أهل بيته، ومع أولاده، فهذه علامة نجاحه في زواجه، أهلك أقرب الناس إليك، ما الذي يمنعك أن تكون مرحًا معهم ؟  اسمع من طُرفهم في مدرستهم، أنت حِّدثهم عن طرفًة لطيفة، كن لطيفًا، داعبهم، لاعبهم، تكلم معهم كلامًا طيبًا، كان عليه الصلاة والسلام كريم العشرة مع زوجاته وسائر أهله، يلاطفهن ويمازحهن، ويعاملهن بالود والإحسان.
 عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ))

 

 عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ))

( رواه الترمذي )

 وعن عباسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((خيركم خََيركم للنساء))

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا))

( رواه الترمذي )

 يبدو من خلال هذه الأحاديث التي تؤكِّد أن علامةَ الخُلق الحسن الخلُقُ الحسن في البيت، والسبب أن الإنسان خارج البيت مراقَب، من زملائه، ممن دونه، من مرؤوسيه، من عامة الناس، والإنسان بحكم فطرته حريص على سمعته، فحرصه على سمعته، وعلى انتزاع تقدير الآخرين يدفعه لملاحظة نفسه و سلوكه، قلت لكم في درس سابق: إن الإنسان بحاجةٍ ماسة إلى التقدير، بأنْ يقدِّره الآخرون، هذه حاجة اجتماعية عند الإنسان. فلهذه الحاجة الاجتماعية، ولتقدير الآخرين تجده خارج البيت لطيفًا، فيعتذر إنْ أخطأ، يحاول أنْ يعمل عملاً جيدًا، لكن أين المكان الذي ليس فيه رقابة ؟ البيت، ففي البيت لا رقيبَ إلا الله عزَّ وجل، لذلك قال عليه الصلاة والسلامِ:

((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ))

( من سنن الترمذي: عن " عائشة " )

 وقال: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا))

(الترمذي)

 واللهِ ؛ الذي أرجوه لكم أن تكون بيوتكم جنة، يكون بيته صغيرًا لكنه جنة، الأكل خشن لكنه في الجنة، ليس هناك فخامة لكن يشعر أنّه في الجنة، فالجنة لا تأتي من الأثاث الفخم، ولا من الأقواس، ولا من الثريات، ولا من البراد المليء بالحاجات، لا، فالجنة مودة بينك وبين زوجتك، مودة، حب، رحمة، احترام متبادل، مشاعر مشتركة، هذه هي الجنة، فمِنَ الممكن أن يكون لك بيت متواضع، صغير، أثاثه بسيط، والأكل خشن، ولكن المودة موجودة بين الزوجين، والله عزَّ وجل يقول:

 

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

 

( سورة الروم: من آية " 21 " )

 هذا تصميم الله عزَّ وجل، هذا المخطط الإلهي، هذا الأصل في الزواج المودة والرحمة، فأعجز إنسان من عجز أن يكون سعيداً في بيته، هناك ظروف صعبة خارج البيت، هناك قُوى لا تملكها، قد تكون موظفًا، ولك رئيس صعب في الوظيفة، إنْ أحسنتَ لم يقبل، وإن أسأتَ لم يغفر، إن رأى خيراً كتَمَه، وإن رأى شراً أذاعه، سيئ، أما بيتك فهو مملكتك، فالإنسان إذا لم يكن مرتاحاً خارج البيت فلا أقلَّ من أن يكون داخل البيت مرتاحًا، لأنه لو توافرت السعادة داخل البيت، لامتصَّتْ كلَّ المتاعب خارجه، أما في الداخل فجحيم، وفي الخارج جحيم، والله إنها لحياةٌ لا تطاق، أنا أدعو إخواننا الكرام بقدر الإمكان، وبحسب السُّنة أنْ يجعل بيته جنة، بالتسامح مرة، وبالعطف مرة، وبالنصيحة مرة، وبالخدمة مرة.
 وروى ابن سعدٍ عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت: كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيته ؟ تكلمي لنا عنه ضمن بيته، ففي الخارج معروف هو رسول الله، ولكننا نريد أخلاقه في وسط البيت ؟ قالت:

((كان ألين الناس بساماً ضحاكاً لم يُر ماداً رجليه بين أصحابه وذلك لعظيم أدبه وكمال وقاره))

 عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

((خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ - أي صغيرة - لَمْ أَحْمِلْ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ - فالمعنى أي أنها كانت جلد وعظم - فَقَالَ لِلنَّاسِ تَقَدَّمُوا فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ لِي تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ فَسَكَتَ عَنِّي حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ ـ سمنت قليلاً -وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ لِلنَّاسِ تَقَدَّمُوا فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَجَعَلَ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ هَذِهِ بِتِلْكَ * أي تعادلا، "هذه بتلك))

(رواه أحمد)

 هذه لها معنى كبير، نزل إلى مستواها وكانت جارية، هذا النبي العظيم، سيد الخلق، حبيب الحق، جاءه القرآن، حمل عبء الرسالة، فلا أحدَ أعظم منه في العالَم، أعظم شخص أنيطت به أكبر رسالة، ومع ذلك عنده زوجة صغيرة جارية، قال: تعالَيْ أسابقك، فما الذي يمنعك أنْ تكون مرحًا في البيت، لطيفًا، صاحبَ دعابة، صاحبَ نكتة، بسَّامًا، ضحَّاكًا، تتساهل ؟ هذا ممَّا يجعلك أسعد الناس، وهكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام.
 وكان عليه الصلاة والسلام يعين أهله في الأمور البيتية، وهذه أيضاً نحن مقصرون فيها، كان يعين أهله في الأمور البيتية، لكنْ بعض الناس يرى إذا أراد أنْ يحقِّق رجولته فيجب ألاّ يتحرك أيَّة حركة في البيت، بينما النبي على عظمته كان يعين أهله في الأمور بيته.
 وروى البخاري عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ:

((مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ))

 وفي هذا تنبيه للأمة أن يسيروا على هذا الكمال، ولا يكونوا من جبابرة الرجال، خاصةً مع الأهل والعيال.
 وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء خيراً في مناسباتٍ متعددة، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ))

 أنا والله أشعر أيها الإخوة إذا كان الإنسان مع أهله - ولا زلنا بصدد معالجة موضوع الأهل - يعيش في مودة، في حب، فالله يرزقك، والله يفرح بهذين العبدين، لأن الشغب، والشقاق والخصومات تفكِّك الحياة الزوجية و، تصرف الإنسان عن صلاته، وإنْ صلاّها صلاَّها متوتِّرَ النفس، ودائماً في حالة هياج وغضب، لذلك قال:

((اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ))

 وفي سنن الترمذي وابن ماجة حَدَّثَنَا عَنْ عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَّرَ، وَوَعَظَ فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ قِصَّةً فَقَالَ:

((أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا))

 فالنبي يوصيك بهن، فإذا كنتَ تحبُّ شخصًا كثيرا، فقدْ يكون في دائرة عملك مديرٌ مهم، وعندك موظف دونك، وقال لك: هذا عينك عليه، هذا وصيتي عندك، واللهِ تعتنِي به عناية بالغة، فكرامةً لعينِ المدير تكرم مرج عيون، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أوصاك بالنساء، هذه امرأة ضعيفة، قد تكون مزعجة، لكنك أنت أعلى منها، أنت أوسع منها، بطولتك ليست مع امرأة متفوقة في الكمال، بطولتك مع امرأة مزعجة، وباحتوائك وامتصاصك لانفعالاتها وحركاتها الهوجاء تعبِّر عن كمالك.
 وإن شاء الله نتابع حديث الشمائل النبوية، فهذا الموضوع مهمٌّ، والنبي عليه الصلاة والسلام مهمَّتُه الكبرى في كونُه القدوةَ لنا، وهذا الوضع الكامل، دائماً نحن نوازن بين واقعنا وبين هذا النبي العظيم، بهذا الخلق الكريم، ونحاول أنْ نقلد، نحاول أنْ نتقدم، ونحاول أنْ نوفِّق سلوكنا مع سلوك النبي عليه الصلاة والسلام.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018