بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 063 - الإستقامة.


1993-11-14

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً و أرنا الحق حقاً و ارزقنا إتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام:
 الدرس اليوم حول حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح هذا الحديث يعد من أصول الدين، و كلكم يعلم أن في الإسلام استقامة و أن في الإسلام عملاً صالحاً، الحقيقة التي يجب أن تعلمونها أن كل إنسان بإمكانه أن يعمل صالحاً لكن ما كل إنسان بإمكانه أن يستقيم، بمعنى أن الذين يعملون الصالحات كثر لكن الذين يستقيمون على أمر الله قلائل، فالدرس كله و الحديث كله و الشروحات الطويلة كلها ملخصة في مثل، نحن الآن مقدمون على فصل الشتاء و كل منا بحاجة ماسة إلى وقود سائل، و لا بد لهذا الوقود من مستودع، كل إنسان له دخل معين، له إمكانات معينة، قد يملأ من الوقود ربعه أو نصفه أو كله، فهنا تفاوت بين الناس بحسن دخولهم و بحسب إمكاناتهم لكن كل من يملك مستودعاً للوقود لابد من أن يكون هذا المستودع محكماً، في الإحكام لا يوجد حل وسط، أما في التعبئة يوجد حل وسط، إذا شبهنا الاستقامة بإحكام المستودع و شبهنا العمل الصالح بكمية الوقود في هذا المستودع، الكميات متفاوتة كل بحسن إمكاناته المالية إلا أن الإحكام لا يتساهل به إطلاقاً، لو تساهلنا به لما بقي في المستودع شيء.
يقول عليه الصلاة و السلام فيما رواه أبو هريرة:

(( كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ "))

[ البخاري ـ مسلم ـ الترمذي ]

 أي أنت كمسلم عندك قائمة محظورات، قائمة محرمات، في هذه القائمة ليس هناك حل وسط، ليس هناك بين بين، ليس هناك استقامة نسبية، ليس هناك أن تأخذ و أن تدع، و الدليل قال تعالى:

 

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)﴾

 

 

[ سورة هود ]

 فالأمر بالاستقامة موجه إلى النبي عليه الصلاة و السلام و إلى كل المؤمنين بالتبعية من دون تفرقة، دليل آخر: إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين.
 أي بالطب عندنا ممرض، و عندنا ممرض متفوق، عندنا رئيس الممرضين، عندنا طالب طب، عندنا معهد متوسط طب، عندنا طبيب عندنا طبيب متمرن، طبيب يحمل إجازة، طبيب أنهى التدريب طبيب يحمل دراسات عليا، طبيب معه دكتوراه، طبيب معه بورد، طبيب مع البورد يوجد خمسين عاماً خبرة، طبيب هناك عمليات مسجلة باسمه هو الذي ابتدعها، مع كل هذا التفاوت فيمن يعمل بحرفة الطب لو أراد أي من هؤلاء أن يعطي المريض حقنة لابد من تعقيمها لا يوجد خلاف هنا فأمور الاستقامة أ أمور تطبيق الشرع هذه لا يوجد فيها حل وسط، أي هذه الطائرة لا تطير إلا بتوافر شروط كثيرة، قد لا تصدقون جهاز تسخين للأجنحة إذا لم يتوافر لا تطير الطائرة، لأنه كلما ارتفعت في الجو هبطت درجة الحرارة إلى خمسين تحت الصفر على ارتفاع أربعين ألف قدم و الجو فيه بخار ماء، ما الذي يحصل ؟ يتكاثف بخار الماء على شكل جليد على أجنحة الطائرة فيخل توازنها فتقع، إذاً لابد من جهاز تسخين، إذا مالت نحو اليمين لابد من محركات تضخ الوقود نحو اليسار، لو كان نصف الأجنحة فيها وقود و مستودع الوقود أجوف فإذا مالت هكذا كل السائل انتقل إلى هنا تقع الطائرة، لابد من أجهزة ضخ معاكسة، الجو في الطائرة لابد من أن يكون وفق جو الأرض، إذا محقونة ثمانية أمثال فإذا تعطل جهاز حقن الهواء في الطائرة لابد من أن تهبط هبوطاً اضطرارياً و إلا يموت الركاب، لو تعطل جهاز خلط الهواء الساخن مع الهواء البارد لمات الركاب برداً أو احتراقاً، لأن هواء المحرك ثمانمائة، الهواء الخارجي خمسين تحت الصفر، لا أعرف كم جهازاً تحتاجه الطائرة و لكن إذا تعطل جهازاً واحداً لا تطير.
 هذا المثل ليكن بين أيديكم، مادام هناك معصية و تعرفها معصية و تقيم عليها فهناك حجاب بينك و بين الله، لكن تصدقت بمائة ليرة، بثلاث مائة، بخمسمائة، بألف، بألفين، بخمسة آلاف، حسب إمكاناتك، بحسب درجتك، ممكن أن تتصدق بمائة و تنجو من عذاب الله، فالأعمال الصالحة ممكن أن تأتي منها ما استطعت، النوافل، الأعمال الصالحة، أعمال البر، الصدقات، خدمة الضعفاء، هذه الأعمال الصالحة ممكن أن تكون بحسب الطاقة و الاستعداد و الرغبة و التضحية و المرتبة عند الله، أما إذا تساهلنا في الاستقامة فهناك حجاب بيننا و بين الله، هذا محور الدرس يقول عليه الصلاة و السلام:

 

(( مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ ))

 لا يوجد حل وسط، لا يوجد نسبياً، لا يوجد بين بين، بعض الشيء، إلى حد ما، هذه إلى حد ما ليست واردة، الاستقامة حدية و قطعية، و دع في ذهنك هذا المثل الذي ينطبق على الدرس تماماً، مستودع ممكن أن يكون فارغاً فيه عشرة لترات، عشرين لتراً، خمسين لتراً، مائة لتر خمسمائة لتر، ألف لتر، ممكن أما إذا يوجد ثقب واحد هذا الثقب يفرغ كل ما في هذا المستودع.

 

 

((مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ))

 أما هو كل إنسان يتمكن أن يتصدق و لكن ليس كل إنسان يرغب أن يغض بصره، غض البصر يحتاج إلى قوة إرادة، و يحتاج إلى صلح مع الله، يحتاج إلى توبة، أما الإنسان إذا ميسور مالياً يدفع مئات الألوف و له سهرات لا ترضي الله عز وجل، هذا الذي يخلط عملاً صالحاً و آخر سيئاً هؤلاء المخلطون بينهم و بين أن يرضى الله عنهم مسافات طويلة، لهذا ورد في الأثر 

 

(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))

 بهذا الحديث أشياء كثيرة جداً أرجو الله سبحانه و تعالى أن يوفقني إلى توضيحها، قال عليه الصلاة و السلام:

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ فَرَضَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَقَالَ رَجُلٌ فِي كُلِّ عَامٍ: فَسَكَتَ عَنْهُ حَتَّى أَعَادَهُ ثَلاثًا فَقَالَ: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَوْ وَجَبَتْ مَا قُمْتُمْ بِهَا ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالشَّيْءِ فَخُذُوا بِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ))

 فأنزل الله عز وجل:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾

[ سورة المائدة ]

 طبعاً الحديث في قسمه الأخير يقول:

 

((فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ"))

 أي الإنسان عنده وقت إذا ملأ الوقت في فعل ما أُمر و ترك ما نهي عنه فقد أفلح و نجح، أما إذا تساهل في المأمورات و في المنهيات و التفت إلى مسائل جديدة لم تعالج كم قبل و عنده رغبة في معالجتها من باب الترف العلمي، من باب المجادلة، فهذا العمل ليس عملاً مصيباً و لا عملاً يرضي الله عز وجل، أن تدع الأشياء الأساسية الواضحة، الحلال بين و الحرام بين، المأمورات معروفة، و المنهيات معروفة، أن تدع ما اتفق عليه من أمر و نهي و أن تغوص في مسائل افتراضية معظمها لا يقع، و معظمها مستحيل أن يقع، و أن تأخذ، و أن تعطي، و أن تسأل فلاناً و علاناً و تقول: لا، فلان قال غير ذلك، و فلان قال غير ذلك، فتوقع بين الدعاة إلى الله الفتنة و العداوة و البغضاء، و تنقل كلام هذا إلى هذا، هذا السلوك لا يرضي الله عز وجل، هذا السلوك نهانا عنه النبي عليه الصلاة و السلام، ثم عندنا قصة مشهورة جداً عندما الله عز وجل أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة، ما لونها ؟ و ما شكلها ؟ و ما نوعها، و ما هي ؟ بدأت تأتي التضييقات و التفصيلات و كلما أضيف إلى الشيء صفة ضاق الأمر هذه قاعدة معروفة، الصفة قيد، فالإنسان ليكن مع الله طبيعياً أما كل قضية قال لي رجل هل يجوز أن أشتري كنزة أجنبية ؟ قلت له: ماذا في هذا ؟ قال لي: هي صنع الكفار، و الله معك حق إذاً لا يجوز، لا يجوز أن تشتري كنزة أجنبية، هناك أشخاص يتركوا الأساسيات و يضيقوا في التفاصيل، يعطيك حجة إذاً لا بأس حرام، النبي الكريم قال:

 

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اتْرُكُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ))

 فتترك الأشياء الواضحة الأوامر و النواهي و تعمل بمسائل افتراضية لم تقع، و لن تقع، و يستحيل أن تقع، و تسأل فلان و علان، ثم تقول فلان قال غير فلان، هذه الرغبة في الإيقاع بين العلماء، و إثارة الفتنة و نقل كلام فلان إلى فلان، و الأمر أعظم من ذلك، أي أنت انتهيت من تطبيق كل أوامر الدين، لم يعد هناك شيء إطلاقاً، قال ورد في بعض الأحاديث:

 

 

((عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَت))

 

 أحياناً تجد روتيناً معقداً، ما أصل الروتين ؟ إنسان عمل حيلة فأصبح مطلوب من كل إنسان أن يحضر وثيقة براءة ذمة، إنسان له عدة مشكلات عمل حيلة أخرى صرنا نريد براءة ذمة من جميع الموظفين، فكلما صار هناك حيلة تتعقد الأمور، فلما الإنسان يسأل سؤالاً معقداً، و يضع فوقه افتراضات غير معقولة، تأتي التشديدات كما قال عليه الصلاة و السلام:

(( إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ "))

 و كان عليه الصلاة و السلام ينهى عن قيل و قال و كثرة السؤال و إضاعة المال، و إذا الإنسان سلك طريق الإيمان حقاً لا يبقى عنده وقت يسأل فيه عن افتراضات لا تقع، إذا كان وقتك امتلأ بالإيجابيات، بالطاعات، بالأشياء الثابتة، النبي الكريم قال:

 

(( عَنْ عُثْمَانَ رَضِي اللَّهم عَنْهم، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))

 هل تعلمت القرآن ؟ إذاً علِم القرآن، هذا شيء ثابت، قال: و لم يكن النبي عليه الصلاة و السلام يرخص في المسائل إلا للأعراب و نحوهم من الوفود القادمين عليه يتألفهم بذلك، أي الأعراب و الوفود إذا جاءوا النبي عليه الصلاة و السلام طبعاً يسألوا و النبي يجاوب، لكن أصحاب النبي الذين لازموه كانوا في شغل عن هذه المسائل، إنهم في طاعة الله و العمل الصالح و الدعوة إليه، هذا يملأ كل وقتهم.
قال بعض الصحابة:

 

 

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ ))

 شدة هيبة النبي عليه الصلاة و السلام و ملازمتهم له كانت تمنعهم من السؤال أحياناً، لكن هذا الأعرابي يأتي و يسأل هم يستمعون و يجيب النبي عليه الصلاة و السلام، و قد قال ابن عباس رضي الله عنه ما رأيت قوماً أخير من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ما سألوه إلا عن اثنتي عشرة مسألة كلها في القرآن الكريم، قال تعالى:

 

 

﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾

 

 

[ سورة البقرة ]

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ﴾

[ سورة البقرة ]

﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ﴾

 

[ سورة البقرة ]

 إلى آخر الآيات التي سأل عنها أصحاب النبي عليهم رضوان الله لكن أُثر عن أصحاب رسول الله أنهم كانوا يسألونه عن حكم حوادث قبل أن تقع كي يعرفوا كيف يتصرفون إذا وقعت، هذا السؤال ليس منهياً عنه، سألوه أيضاً عن الأمراء في آخر الزمان و عن طاعتهم ماذا نفعل ؟ سأله حذيفة بن اليمان عن الفتن و ماذا يصنع بها ؟ لكن لو حللنا سبب كراهة كثرة السؤال لوجدنا أن هناك تعليلات لطيفة، كان عليه الصلاة و السلام أي أول نقطة أن القرآن الكريم يجيب عن كل سؤال، أحياناً المدرس مهيأ درس دقيق جداً، مفصل، يغطي كل الفروع، فيرفع طالب إصبعه في أول الدرس يسأله سؤالاً، يقول له: هذا السؤال يأتي جوابه بعد حين انتظر، يسأل طالب سؤال ثان: سيأتي جوابه بعد حين، يسأل طالب سؤال ثالث، لو أن الطلاب أنصتوا و استمعوا إلى الدرس كله، أكثر هذه الأسئلة التي طرحوها، الدرس نفسه أجاب عنها، إذاً النهي عن السؤال لأن القرآن الكريم جامع مانع، تام و كامل قال تعالى:

 

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾

 

 

[ سورة المائدة ]

 فحينما يكثر السؤال و الجواب سوف يأتي من خلال كلام الله عز وجل فهذا تضييع للوقت و إخلال للنظام، هذا تعليل من تعليلات كراهية النبي عليه الصلاة و السلام كثرة السؤال و قيل و قال و إضاعة المال، ابن عباس كان يقول: انتظروا فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه.
كان عليه الصلاة و السلام إذا سئل يحيل إلى القرآن الكريم، القرآن كلام الله عز وجل، أي أروع شيء أنك إذا سئلت و عندك آيه كريمة تغطي هذا السؤال انتهى الأمر، أخي أنا رأيت الجن ما قولك ؟الله عز وجل قال:

 

﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾

 

 

[ سورة الأعراف ]

 أخي هناك دواء يطيل العمر ؟ الله عز وجل قال:

 

﴿ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61)﴾

 

 

[ سورة النحل ]

 أي سؤال تسأله إذا أنت القرآن كله قرأته و استوعبته معظم ما فيه و بذهنك أكثر أحكامه فأي سؤال عندك له جواب قطعي، فمن السنة أن تحيل السائل إلى القرآن الكريم لأنه كلام الله عز وجل، لكن النهي بسبب أن السائل أحياناً تنصرف همته عند سماع الأمر و النهي إلى افتراض أمور لا تقع، و قل أن تقع، و قد يستحيل أن تقع، هذا إذاً ترك ما أُمر به و التفت لشيء بعيد عن اهتمامه، عندنا قاعدة الإنسان مكلف و مضمون له شيء، الله جل جلاله ضمن للإنسان رزقه، و أمره بمعرفته و طاعته، فأكبر غلط يرتكبه الناس أن الشيء الذي ضُمن لهم يجهلون في تحصيله، و أن الشيء الذي أُمروا به يتوانون عنه، أمرت بالسعي فلم تسعَ، ضمن لك الرزق فاهتممت من أجله و أمضيت الوقت كله في طلب الكسب، رجل سأل ابن عمر عند استلام الحجر قال له: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه و يقبله، رجل سأل ابن عمر عن استلام الحجر الأسود و قال له: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه و يقبله، فقال الرجل: أرأيت إن غيبت عنه، أرأيت إن زوحمت، فقال له ابن عمر: اجعل أرأيت لليمن، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمه و يقبله، أي أرأيت لو أن كذا، لو أن كذا لو أن كذا، هذه افتراضات غير معقولة و لن تقع و قلما تقع و يبدو أنها لا تقع أبداً، فتنصب عليها الأسئلة، قال: روي عن علي كرم الله وجهه أنه ذكر فتناً تكون في آخر الزمان، فقال له أحدهم: متى ذلك ؟ قال: إذا تفقه لغير الدين، وتعلم لغير العمل، والتمست الدنيا لعمل الآخرة.
وهذه من أشراط الساعة، الفقه صار مستقل عن الدين، هو ليس مستقيم ولكن يتبجح بمعرفة أحكام الفقه، يطلب العلم لغير العلم لا للعمل ليقال عنه عالم لكن بينه وبين العلم مراحل فسيحة جداً.
 قال لي شخص: دخل إنسان على غرفة مدرسين وعنده من الكبر والعنجهية، والاستعلاء الشيء الكثير، ألقى درساً في التواضع رائع جداً، الآيات والأحاديث والقصص، هو يحفظ كل ما قيل في التواضع أما حينما دخل على غرفة المدرسين كان من الكبر والاستعلاء والعنجهية بحيث لا يعقل أن يكون هذا الذي يتكلم هو نفسه الذي يتكبر، يأتي على الناس زمان يتفقه لغير الدين، يطلب العلم للعلم ليتباهى به بين الناس، وتعلم لغير العمل، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

 

((إذا قل أمنائكم، وكثرت أمرائكم، وقل فقهائكم، وكثر قرائكم وتفقه لغير الدين، والتمست الدنيا لعمل الآخرة فانتظروا الساعة))

هذه من أشراط الساعة، سيدنا ابن عمر كان يقول: لا تسألوا عما لم يكن فإني سمعت عمر رضي الله عنه لعن السائل عما لم يكن.
 أيام يقول لك إذا جفت الأنهار ماذا نفعل ؟ عندما تجف نحل هذا الموضوع، يرون قصة مشهورة جداً أن شخص توفي أخوه وترك له خمسة أولاد فصار يبكي، له شيخ قال له: مالك يا بني ؟ قال: أخي توفي وله خمسة أولاد لا أملك أن أعينهم، قال له: ما عندك شيء قال له: عندي ما يكفيني سنة تقريباً، قال له: بعد سنة ابكي.
ترى شخص متشائم يفترض مستقبل مظلم، إذا قلت له هذا الشيء سوف ينحل يقول لك ولا بخمس سنوات، يميل إلى التشاؤم، هذا أيضاً منهي عنه.
عن السلط ابن راشد قال: سألت طاووساً عن شيءٍ فانتهرني قال: أكان ذلك قلت نعم، قال: اله، إنما أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله فيذهب بكم هاهنا وهاهنا.
 إذا الإنسان تشاؤم وافترض البلاء وقع والبلاء لم يقع بعد، كم من إشاعةٍ راجت ولم تقع، كم من شيء خاف منه الناس ولم يأتي، هذا الذي يتصور المستقبل كتلة من المصائب هذا إنسان سوداوي المزاج وهذا منهي عنه وكأنه لا يعرف الله عز وجل، يوجد شيء آخر النبي عليه الصلاة والسلام فيما يتعلق بالسؤال والجواب، والمسائل وشرح الموضوعات، قال:

 

 

((عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الْغُلُوطَاتِ))

 

[ أحمد ]

 يعني سؤال معقد جداً كيف ما أجبته يغلطك، يوجد أشخاص عندهم ولع بمسائل معقدة، مسائل نادرة، مسائل غريبة، نحن في النحو أيضاً يوجد عندنا أشياء غريبة، إن هندُ، ما إن هند، إن حرف مشبه بالفعل، إن هندَ، اسمها، إن هندُ المليحة الحسناءَ، هل تأتي صفة تابعة مرفوعة وصفة الثانية منصوبة، كيف إن هندُ المليحة الحسناءَ وهي من أضمرت لخل وفاءَ، هذه أسمها أغلوطة بيت ملغم، تطرحه في المجلس لا يعرفوا أن يعربوه، تسخر من هذا ومن هذا، وتمتحن فلان، وعملية عرض عضلات ليس إلا، هذه إنَ ليس حرف مشبه بالفعل هذه ونون توكيد ثقيلة، لأن فعل وئا، أي وعا، مضارعه يأي أمره اِ، مثل وقى، يقي، قِ، وفى يفي فِ، فِ لوحدها حرف أمر قِ حرف أمر، وئا وعد هذا ماضي، يئي يعد.
 إنَ، يعني عديني، إنَ فعل أمر مضاف له نون توكيد ثقيلة، إنَ هند يعني عديني يا هند، المليحة هذه صفة تبعت حركة يا هند منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب، المليحة صفة تبعت محل النداء مبني على الضم في محل نصب، وئي مفعول مطلق، عديني وعدا، هذا بيت ملغم، يوجد في النحو، وفي الفقه، أحكام الطلاق، بالمواريث مسائل كثيرة جداً من هذا القبيل، عملية عرض عضلات امتحان الناس، فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الأغلوطات.
 يقول لرجل هل يجوز لصحابي أن يصلي بلا وضوء ؟ أعوذ بالله، يقول له يوجد حديث صحيح ما هذا الكلام، قال: والله إني أصلي بغير وضوء سيدنا علي، فكان يصلي على النبي بدون وضوء، وأفر من رحمة الله، معقول المطر رحمة الله، مطر قوي ركض على البيت، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء، أعوذ بالله طبعاً له زوجة وأولاد والله ليس له زوجة وأولاد في السماء هذه أغلوطات، يعني العلم إذا كان أغلوطات هذا ليس علم هذه تسلية هذه أحاجي، فالنبي الكريم نهى عن الأغلوطات، العلم الشيء الواضح البسيط، الآيات الواضحة الأحاديث أما الأشياء المشكلة في النصوص، الطلاق المواريث، الأحكام الفقهية، مات عن زوج وزوجة، هذه أغلوطة الإنسان ممكن، مرة قال رجل لأخر أنت جد فاسد، أعوذ بالله هذا تعبير بالمواريث، جد فاسد يعني لا يرث، ويوجد تعبير ألطف جد غير ثابت.
النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن الأغلوطات هذه ليست هي العلم الإمام الأوزاعي فسر هذه الأغلوطات بأنها اشتداد المسائل، المسائل العويصة، أحد النحات قال: أموت وفي قلبي شيء من حتى، حصلت محاورة من أحد الخلفاء وما نجح بالمحاورة فسقط من نظر الخليفة الذي ناقشه عالم بالنحو، وقالوا: حتى حتحتت قلوب العلماء يقول لك: أكلت السمكة حتى رأسَها ورأسُها ورأسِها، يا ترى ما إعراب أكلت السمكة حتى رأسَها، أكلت السمكة حتى رأسُها، أكلت السمكة حتى رأسِها، تأتي حتى بمعنى إلى، أكلت السمكة إلى رأسها أكلت السمكة حتى رأسُها تأتي حرف ابتداء، لكل شيء آفة من جنسه انتهى الكلام حتى الحديد صطى عليه المبرد، هذه حتى حرف ابتداء وإذا قلنا أكلت السمكة حتى رأسَها يعني أكلت السمكة ورأسها، تأتي حتى حرف عطف وحرف ابتداء وحرف جر.
قال الأوزاعي: هي شداد المسائل، وقال عيسى ابن يونس هي ما لا يحتاج إليه، يعني قضايا لا نحتاج إليها، قال بعضهم شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل يغلطون بها العباد، يعني إذا كان العلم عندك موضوع مسائل وأحراجات وأغلوطات، وأسئلة عويصة وكلمات ملغزة، ومفردات صعبة وميتة، هذه تسلية، العلم كما قال عليه الصلاة والسلام: تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا ضال.
 الإمام الأوزاعي يقول: إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط، العلم له بركة عظيمة إذا الإنسان تعلم كتاب الله وعلمه، والناس استفادوا وطبقوا كلام الله عز وجل، واستقاموا على أمر الله وسعدوا في بيوتهم، وسعدوا في أعمالهم وأقبلوا على ربهم هذه بركة العلم، أما الأغلوطات ليس فيها بركة ينشأ منها حقد، عملية إحراج، عملية تسفيه، عملية انتصار، الإمام الأوزاعي يقول إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط.
 ويقول الأوزاعي: إني رأيت هؤلاء أقل الناس علماً، هؤلاء الذين يعجبون بالأغلوطات قال هم أقل الناس علماً، الإمام مالك يقول: كان يعيب كثرة الكلام وكثرة الفتية، مثلاً فأرةٌ انطلقت ووقعت في بئر ما حكم ماء البئر، يوجد مسألتين، هل تبعتها هرة فخافت فبالت قبل أن تقع هذه ملاحظة، يوجد مسائل في الفقه عجيبة جداً والله أيام الإنسان يستحي أن يلفظها، كلها افتراضيات لا تقع، رجل ارتكب الفاحشة بنصف عضوه، هل هذا معقول كلام غير معقول، فهذه الأغلوطات كما قلت لكم نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام، قال تعالى:

 

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً (85)﴾

 

[ سورة الإسراء ]

 

 هذا الموضوع ارتاح منه، يوجد تعليق لطيف جداً هنا، أنا أعتقد المؤمن لا يكمل إيمانه إلا إذا شعر أن هناك أشياء فوق إمكاناته أن يفهمها لأن الله عز وجل قال: وما أوتيتم من العلم.

﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

[ سورة البقرة ]

 وقال سيدنا الصديق: العجز عن الإدراك إدراك. أنا القول مثلته بمثل رجل سألك وأنت على شاطئ البحر المتوسط: هذا البحر كم لتي فقلت له: ثمانية وثلاثين مليار وسبعة مائة وخمسة وثلاثين أليس هذا الكلام جهل ؟ العلم لا أدري، إذا كنت فعلاً تعلم تقول لا أدري، فقالوا عين العلم في حق الله هو عين الجهل وعين الجهل هو عين العلم، إذا قلت أعلم فأنت لا تعلم، إذا قلت لا أعلم فأنت تعلم.
 إذا وصل إلى ذات الله عز وجل، إلى أسماءه، إلى أشياء فوق طاقتنا، الماضي السحيق، المستقبل البعيد، ما غيبا عنا هذا نكتفي به بما ذكر الله، يوجد أشخاص عندهم ولع هذا الأعمى لماذا أعمى ؟ وكيف الله سوف يحاسبه وما ذنبه، الجواب بسيط جداً لا تستطيع أن تدرك عدالة الله ولا أن ترى حكمته إلا بحالة واحدة وهي أن يكون لك علم كعلمه، فإن لم يكن لك علم كعلمه هناك طريق قصير جداً لمعرفة عدالته أن تصدقه إذا أخبرك، قال تعالى:

 

﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)﴾

 

 

[ سورة النساء ]

﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (124)﴾

[ سورة الإسراء ]

﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ(47) ﴾

 

[ سورة الأنبياء ]

﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً (49)﴾

 

[ سورة الكهف ]

 خمسين ستين آية بألفاظ مؤكدة وأساليب متنوعة تبين لك أن الله لا يظلم ألا تكفي هذه، إذا أنت ما صدقت الله عز وجل فإيمانك فيه خلل كبير، هل ثبت عندك أن هذا الكون له إله عظيم ؟ له خالق حكيم هذا الإله الخالق المربي المسير موجود وكامل وواحد، هذا الشيء عقلك يكفي أن تصل إليه، هل ثبت عندك أن هذا الكتاب كتاب الله عز وجل ؟ هل ثبت أن الذي جاء به النبي من سنة مطهرة هو رسول الله الله، والقرآن، والنبي، يمكن أن تتيقن بعقلك من كل الحقائق المتعلقة بها، بعد ذلك القرآن أخبرك عن أي شيء يعجز عقلك عن إدراكه، فأنت تركت كل هؤلاء، وقلت لماذا وقع زلزال في هذه المنطقة بالذات، الله تارك الكفار يسرحون ويمرحون وهؤلاء المسلمون فوق مصائبهم أيضاً زلزال، وفوق مصائبهم أيضاً حرب أهليه وفيضانات، هذا اعتراض فلذلك أسلك في معرفة الله طريق معرفة الله من خلال آياته الكونية فإذا عرفت عظمته تقول كمال الخلق يدل على كمال التصرف.
كان الإمام أحمد إذا سؤل عن مثل هذه المسائل المحدثة المتولدة التي لا تقع يقول: دعونا من هذه المسائل المحدثة.
 خرج ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سؤل عن الراسخين في العلم فقال: من برت يمينه، وصدق لسانه، واستقام قلبه، ومن عف بطنه وعف فرجه، وذلك من الراسخين في العلم، هذا الكلام يدعوني إلى كلمة الأسلاك الآن يحتاج إلى تبصير، نحن عقدناه كثيراً، يحتاج إلى عقلنة، يحتاج إلى تطبيق، كل التألق في التطبيق يجب أن نعيش الإسلام لا أن نتحدث عن الإسلام، يوجد لفتة بسيطة رائعة جداً ربنا عز وجل ما قال لقد أفلح من تعلم كيف يذكي نفسه،

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)﴾

 

 

[ سورة الشمس ]

 هناك من يحدثك عن طريقة تزكية النفس وهو لا يزكيها، والفلاح ليس في طريقة تزكيتها بل الفلاح في تزكيتها فعلاً،

 

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾

 

[ سورة الشمس ]

 أحد العلماء قال: الراسخون في العلم هم المتواضعون لله عز وجل والمتذللون لله في مرضاته لا يتعاظمون على من فوقهم ولا يحقرون من دونهم، كثير الإنسان أيام يحاول أن يتعاظم على من فوقه وهو يكون علمه محدود والتقى مع إنسان مشهود له بالفضل يجب أن يحرجه، يجب أن يتعالى عليه، يجب أن يظهر له أنه أفهم منه، هذه حالة مرضية، هذا يحتاج إلى معالجة نفسية هذا الذي يتعالى على من فوقه ويحتقر من دونه هذا ما دونك يحتاج إلى رعاية إلى تواضع إلى أن تأخذ بيده، فإذا تعاليت على من فوقك واحتقرت من دونك فلست من الراسخين بالعلم.
 الإمام أحمد قيل له من نسأل بعدك ؟ قال: عبد الوهاب الورّاق، قيل له إنه ليس له اتساع في العلم، قال: إنه رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق، إذا أنت كنت صالح الله عز وجل يقودك إلى الصلاح و يهديك سواء السبيل و يعينك على أداء مهمتك.
هناك نقطة مهمة جداً واردة و هي:

 

(( عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ ))

 

[ الدارمي ]

 الإنسان حينما يستقيم على أمر الله فهو عالم عند الله، من باب الأمثلة لو تصورنا رجل يحتل أعلى منصب ديني في البلد، في بلاد مثل مصر يوجد مناصب دينية كثيرة كشيخ الأزهر، أي أعلى منصب، لو أن إنساناً يحتل أعلى منصب وهو في مكتبه الفخم له مائة و خمسين مؤلفاً و يحمل ثلاثة دكتوراه، و على بابه أذن أُمي لا يقرأ و لا يكتب، جاءت صحفية لتسأل هذا الشيخ الجليل عن موضوع ما، فهذا الأذن غض بصره عنها خوفاً من الله عز و جل و الثاني تأمل فيها، و أدار عينه في محاسنها، أيهما هو العالم ؟

 

((كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ ))

 لكن لاشك أنه من وصل إلى هذه المرتبة لا يفعل ذلك أنا مثل افتراضي قد تكلمت، شيء لا يقع، الإنسان كلما ازداد علمه يزداد ورعه، و يزداد خوفه من الله عز وجل، و النبي الكريم أشدكم خشية لله أنا كلما ازداد علمك ازداد ورعك، و لكن افتراضاً لو أنه هذا الذي يحمل كل هذه الشهادات و له كل هذه المؤلفات و أدار عينيه في محاسن هذه المرأة و هذا الأذن الذي لا يقرأ و لا يكتب غض بصره عنها خوفاً من الله عز وجل، هذا الأذن الحاجب هو عند الله هو العالم و ذاك هو الجاهل لذلك قالوا:

 

 

((كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ ))

 أحياناً أسمع أخ كريم يقول لي: أنا لست دارساً، أقول له أنعم و أكرم أنت تأتي إلى بيت من بيوت الله و تجلس في مجلس علم، صار لك عندنا عشر سنوات، كل أسبوع ثلاثة دروس و الخطبة أربعة و الفجر ثلاثة و في الكويتي درس ثان، كلهم تحضرهم أنت من عشر سنوات تقريباً، من خمس سنوات، هذا أيضاً علم و هو علم جيد، و مستقيم، و سمتك حسن، و تخشى الله عز وجل، فنحن لماذا فهمنا أنه يجب أن يكون معك شهادة، حينما تطلب العلم و تطبق العلم فأنت عالم، و الدليل:

 

 

((عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلاً أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ))

 

[ الدارمي ]

 فالإنسان فقط عندما يعصي الله عز وجل جاهل، مدموغ بالجهل و لو كان معه أعلى شهادة، فالإنسان يجب أن يكون أقوى من أي شيء خارج عنه، لم يصح له أن يأخذ شهادات، باب الجنة مفتوح، باب الآخرة مفتوح، باب الطاعة مفتوح، الذي أخذ شهادة لا يوجد مانع أفضل لكن لم يصح له أن يأخذ شهادات، الباب منفتح على مصراعيه الله عز وجل:

 

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ ))

 

[ البخاري ـ الترمذي ـ ابن ماجة ـ أحمد ـ مالك ]

 على كل الحديث الشريف مداره، هذا الكلام خطير جداً، واحد مخلط له أعمال صالحة، له إنفاقه، له خدماته للناس لكن حظوظ نفسه يأخذها و لو لم تكن في طاعة الله، هذا الذي يأخذ حظوظ نفسه المادية من باب لا يرضي الله و له أعمال طيبة ثانية هذا خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، محور الدرس هو أن المنهيات ليس فيها أنصاف حلول:

 

((.. إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْت))

 الأعمال الصالحة بقدر وسعك، بقدر إمكانياتك، بقدر مالك، بقدر عزمك، بقدر إيمانك، لكن أنت في سلامة، أما إذا وصلت إلى درجة أنك تفعل هذا و هذا، هذا مما لا يرضي الله عز وجل، لا تنسى أيها الأخ الكريم الآية واضحة جداً:

 

 

﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112﴾

 

[ سورة هود ]

 إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، في الاستقامة ليس هناك حل وسط، و تذكر لي مثل المستودع ممكن أن تملأ منه بعضه أو نصفه، أو أربعة أخماسه، أو كله، و لكن ليس هناك إمكان أبداً أن يكون هناك خلل أو يوجد ثقب، فالاستقامة تمثل إحكام المستودع، و العمل الصالح يمثل الوقود الذي فيه، الاستقامة حدية ليس فيها حل وسط، العمل الصالح نسبي، قدر ما تستطيع، الله عز وجل هناك آيات كثيرة تؤكد هذا المعنى، هناك بعض النصوص المؤكدة لذلك قال: رد دانق من حرام ـ و الدانق سدس الدرهم، عشرين قرشاً سوري ـ أفضل من مائة ألف تنفق في سبيل الله، فالمال الحرام حجاب.
 قول آخر لبعض السلف: ترك دانق مما يكرهه الله عز وجل أحب إلى الله من خمس مائة حجة، قال ذكر الله باللسان حسن، و أفضل منه أن يذكر العبد الله عند المعصية فيجتنبها، هذه أبلغ، يقول ابن المبارك: لئن أرد درهماً من شبهة أحب إلي من أن أتصدق بمائة ألف و مائة ألف حتى بلغ ست مائة ألف، أي درهم واحد أرده من شبهة قال سيدنا عمر بن عبد العزيز ليست التقوى قيام الليل و صيام النهار و التخليط فيما بين ذلك، و لكن التقوى أداء ما افترض الله عليك و ترك ما حرم الله عليك، أساس التقوى الاستقامة، قال أحدهم: وددت أني لا أصلي غير الصلوات الخمس، و أ، أؤدي الزكاة و لا أتصدق بعدها بدرهم واحد، و أن أصوم رمضان فلا أصوم بعده يوماً أبداً، و أ، أحج حجة الإسلام ثم لا أحج بعدها أبداً، ثم أعمد إلى فضل قوتي فأجعله فيما بيني و بين ما حرم الله، الخمس صلوات، و رمضان فقط، حجة واحدة فقط، وأداء الزكاة فقط، لا صدقة و لا صيام نفل لا حج نفل و لا صلوات نفل و أن أستقيم على أمر الله، قال حاصل هذا الكلام كله أن الاستقامة أفضل من الإكثار من نوافل الطاعات، فإن الاستقامة فرض و ذاك نفل، قال هناك من يوجد كثير ممن يجتهد في فعل الطاعات و لا يقوى على ترك المحرمات، أي له أعمال في الطاعات كثيرة لكن لا يستطيع غض بصره، لا يستطيع لأن يدع الاختلاط، لا يستطيع أن يدع رؤية ما لا يرضي الله عز وجل، أما هو ينفق و يدفع مالاً كثيراً، قال هناك كثير من يجتهد في فعل الطاعات و لا يقوى على ترك المحرمات.
سيدنا عمر سئل عن قوم يشتهون المعصية و لا يعملون بها، قال أولئك قوم امتحن الله قلوبهم للتقوى، لهم مغفرة و أجر عظيم، قال: ورد في بعض الأحاديث، يقول الله عز وجل:

 

((أيها الشاب التارك لشهوته، المتبذل في شبابه من أجلي، أنت عندي كبعض ملائكتي ))

 أي شاب في مقتبل الحياة، مستقيم على أمر الله قال له: أنت عندي كبعض ملائكتي.
 أردت أن أبقى في محور الدرس، محور الدرس يجب أن تهتموا بطاعة الله عز وجل، باستقامتكم على أمره، و بعدها أي عمل صالح هو خير كثير، لكن دون أن تستقيموا الأعمال الصالحة لا تعينكم على الاتصال بالله عز وجل، لذلك الاستقامة أرضية و العمل الصالح فوقه، الاستقامة تمهيد الطريق و العمل الصالح حركة على الطريق، إذا وجد عقبات أنت واقف، إذا كان العمل الصالح شبهناه بحركة على طريق فكل معصية عقبة كؤود تمنعك من الحركة، هذا كلام أيها الأخوة مؤداه كل واحد فيما بينه و بين نفسه في علاقاته الشخصية، في علاقاته الأسرية، في مهنته، في حرفته، في بيعه، في نزهاته، في معاصيه، دع المعاصي فأنت أعبد الناس، إذا تركت المعاصي الآن كل شيء يسجل لك، العمل مهما قل لك عند الله به أجر كبير، أما إذا كثر العمل و قلت الاستقامة لا تشعر أنك قريب من الله عز وجل، أحياناً أخ يقول لي لست مسروراً، أعمالي الصالحة كثيرة و لكن لا يوجد صلة بالله، أي المستودع مثقوب كلما ملأه يسرب، هناك ثقب بالقعر و هناك أناس لا يوجد عندهم قعر أبداً فكلما كبرت المعصية الثقب يتسع، حدثني أخ من حوالي عام ألف و تسع مائة و ثلاث و سبعين أنه أصبح هناك أزمة وقود كبيرة جداً، قال لي بقيت شهراً حتى تمكنت أن أحضر سيارة كبيرة تضع لي بهذا المستودع ألف لتر، و كان هناك ازدحام و أزمات، و قال لي الحمد لله لي صاحب تمكن أن يؤمن لي سيارة ففرحت فرحاً لا يتصوره إنسان، أنه عبئنا ألف لتر يكفونا عام، و دفع المال و كل شيء انتهى، جاء فوجد المستودع فارغ، نسيوا الصنبور مفتوح بالمرحاض، نزل جميعه، ممكن، و هذا إحباط العمل، كله معصية ثابت عليها، هي حجاب، أعماله الصالحة كلها مجمدة، لا يستفيد منها.
سنعيد الحديث قبل أن ننهي الدرس يقول عليه الصلاة و السلام هذا الحديث رواه البخاري و مسلم:

 

 

(( مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ))

 ما نهيتكم عنه فاجتنبوه أي لا يوجد مناقشة، حل وسط لا يوجد كن حكيم نفسك حتى تنطلق إلى الله من أجل أن تشعر بطعم الصلاة، وطعم الزكاة، وطعم الصيام، طعم الحج، وطعم القرب من الله استقم على أمره، الأعمال الصالحة لا تسجل أو لا تجدي في الاتصال بالله عز وجل إلا بعد أن تستقيم على أمره، أما إذا استقمت نور على نور خير على خير، والعمل الصالح يرفعه.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018