بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 068 - الترغيب والترهيب - الصوم عبادة الإخلاص.


1994-02-13

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الترغيب والترهيب في العبادات.

 أيها الأخوة الكرام؛ من أبرز كتب الحديث الشريف كتاب الترغيب والترهيب، فقد وُضِعَ هذا الكتاب على طريقتين:
 1- الترغيب فيما أمر الله.
 2- والترهيب فيما نهى عنه.

الصوم عبادة الإخلاص.

 ففي كتاب الصوم أحاديث صحيحة ترغب في الصوم، وترهب من التقصير في هذه العبادة.

الحديث الأول: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي....

 فالحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري ومسلم حديث قدسي:

((عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ، وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ))

[ رواه البخاري]

 وفي رواية أخرى:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ))

[ رواه البخاري]

 فممكن أن ألخص هذا الكلام بكلمة واحدة:
 الصوم عبادة الإخلاص.
 لأن كل الأوامر والنواهي يمكن أن تفهمها في ضوء مصلحتك، الأمر بالصدق لمصلحتك، الأمر بالأمانة لمصلحتك، غض البصر لراحة قلبك، ما من أمر إلهي إلا وتجد أن مصلحة الإنسان معقودة به، لكن الطعام والشراب مباح، فترك الطعام والشراب قد لا يفهمه الإنسان إلا أنه تعبد لله عز وجل، استجابة لأمره، هذا معنى:

(( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ))

 والصيام جُنّة أي وقاية وحصن، إذا ترك الإنسان المباح، فلا أن يترك المحرم من باب أولى وإلا في تناقض شديد، إنسان ترك الشراب أن يشرب كأس ماء، أن يحتسي طبق من الطعام، هذه أشياء مباحة، فمن ترك المباح واقترف المعاصي وقع في تناقض شديد، فربنا عز وجل أمرنا في رمضان أن ندع المباحات، فلا أن ندع المحرمات والمخالفات والمعاصي من باب أولى، معنى ذلك:

(( وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ))

 فالإنسان يقع بتناقض، فهل معقول أن يصوم ولا يصلي؟ معقول أن يصلي ويطلق بصره في الحرام؟ معقول يكذب ويغضب؟ معقول يطغى؟ مستحيل، هذا معنى والصيام جُنّة.

(( وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ))

 الرفث بالمعنى الدقيق الأبحاث في القول، أي حديث متعلق بالنساء أي نظرة أي حركة، من شأنها أن تنمي هذه الشهوة في النفس هذه محرمة طبعاً تحريماً قطعياً.

(( وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلا يَرْفُثْ، وَلا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ))

 العوام إذا غضب وتجاوز حده يقول لك: لأني صائم، إذا أساء للناس لأنه صائم، خلقه ضيق، لا بالعكس، الصيام يهذب ويرقق المشاعر، الصيام يجعل للإنسان صلة بالله عز وجل.

(( وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ))

 طبعاً الإنسان بعد فترة، بعد ساعات عديدة من النهار تتغير رائحة فم الإنسان لامتناعه عن تناول الطعام والشراب، قال: هذه الرائحة ليست مستحبة هي خلوف فم الصائم، هي أطيب عند الله من ريح المسك.

(( لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا، إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ))

 انظر لمشاعر الصائمين يوم العيد، هذا القيد انتهى، استيقظ صباحاً وقال: هاتوا القهوة، وجد الفطور جاهز، كان في رمضان إذا استيقظ أحياناً يجد أنه بحاجة لبعض الماء، فعندما يصوم الإنسان رمضان، ويأتي العيد ينتهي القيد، يفرح أنه أدى طاعة الله، وانتهى القيد، لكن الذي أفطر رمضان يشعر بالخزي والعار، الآن أفطر مع الناس لكنه اكتسب الإثم.

الخلاصة:

 النقطة الدقيقة: أن الطاعة ينتهي عبئها ويبقى أجرها، والمعصية تزول لذتها وتبقى تبعتها.
 نقطة مهمة جداً: الطاعة عبئها يزول، ومشقتها تزول، تبقى ثمارها اليانعة، والمعصية لذتها تزول وتبقى تبعتها.
 أوضح مثل عندما يكون الإنسان صائم ودخل للمطبخ، في البيت لا يوجد أحد، والبراد فيه ماء بارد، ما الذي يمنعه أن يشرب إلا خوفه من الله؟ معنى هذا الصيام دليل الإيمان، وأنا أؤكد لكم أن غير المؤمن صعب أن يصوم، فالصيام بالنسبة له حمق، لن يصوم هو، لم يحرم نفسه الطعام والشراب؟ فكأن الصيام حدي، من صام فهو على إيمان لا شك، ومن أفطر فهذا دليل أن إيمانه بالله ضعيف جداً، أو يكاد يكون إيمانه غير موجود.

 

الحديث الثاني: صوموا تصحوا....

 عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:

(( اذكوا تغنموا، وصوموا تصحوا، وسافروا تستغنوا))

[ رواه الطبراني في الأوسط ورواته ثقات]

 الإنسان أحياناً بِحُكْمِ بشريته يأمر أمر لهدف واحد، أما أن أمر الله عز وجل له أهداف لا تعد ولا تحصى:
 دعك من العبادة، ودعك من تقوية الإرادة، ودعك من التقرب إلى الله، ودعك من شعور الصائم أنه مع الله، ودعك من إقباله على الله، ودعك من تربية روحه، دعك من كل الفوائد التي نجدها في الصيام، الصيام بشكل أو بآخر له أهداف صحية لا يعلمها إلا الله.
 الصيام دورة وقائية وعلاجيه.

 

 الأطباء قالوا:
 الصيام دورة سنوية وقائية وعلاجية.
 وقائية لكثير من الأمراض، ولا سيما تلك الأمراض التي تصيب الشيخوخة، والتي أسبابها الإفراط في إرهاق العضوية.
 طعام دسم يومياً، استمتاع بالحياة، تقصير في الوصايا الصحية.
 جهاز الدوران مرهق، وجهاز الهضم مرهق، جهاز التصفية مرهق.
 لو استمر الإرهاق ينتهي الإنسان، يأتي رمضان:
 أولاً: يخفف العبء عن جهاز الدوران، القلب والأوعية.
 ثانياً: يخفف العبء عن جهاز الهضم.
 ثالثاً: يخفف العبء عن جهاز التصفية.
 كلما أكثر من الطعام الكليتان ترهقان بطرح البولة، فجهاز البول مرتاح، جهاز الهضم مرتاح، جهاز الدوران مرتاح.
 رابعاً: الإنسان لديه مخزون من السكر بالكبد، وعنده مخزون بروتيني بالعضلات، فلما يصوم يتحرك المخزون، عملية تجديد، عملية تجريف.
 أحياناً الإنسان بالإفطار يكون في زوايا بأمعائه فيها طعام متخمر، فلما يصوم عملية تجريف وتنظيف وصيانة.
 أكثر المعامل الراقية تعطل شهر بالسنة بسبب الصيانة، هذه الآلة رأس مال الإنسان، جسمك رأس مالك، فموضوع الصيام خالق الكون مصمم هذا الجسد، أمرك بالصيام، وأدق كلام:
 أنه دورة وقائية لأمراض الشيخوخة التي أسبابها الإفراط في إرهاق العضوية، فهذا الصيام يخفف العبء عن جهاز الدوران، والعبء عن جهاز الهضم، والعبء عن جهاز التصفية، أي الكليتين، ويحرك سكر الكبد، الإنسان بحاجة إلى سكر.

ملاحظة هامة جداً!!

 بالمناسبة إذا شعر الإنسان بصداع في الصيام ليكثر صباحاً من تناول السكريات، لأن نقص السكر يسبب صداع في الرأس، الشيء الآخر يحرك بروتين العضلات، هذه المواد الغذائية المخزنة تحت الجلد هذه تتحرك.
 وشيء آخر: الصيام يعد علاج لأمراض كثيرة، لكن إياك أن تظن أنه علاج لكل الأمراض لا.
 هناك أمراض إذا صام الإنسان تشكل عليه خطر!!!
 لذلك على الإنسان أن يسأل طبيب مسلم حاذق ورع، أمراض القرحة مثلاً، أمراض الكليتين مثلاً، إذا صام الإنسان يسبب له جفاف، الكليتين من أهم ما يقيهما شرب الماء.
 فالمريض ليس له أجر إذا صام! لأنه يلقي بنفسه إلى التهلكة، هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اذكوا تغنموا، وصوموا تصحوا، وسافروا تستغنوا))

 ممكن الصيام يحل مشكلة ارتفاع الضغط أحياناً، التوتر الشرياني، ممكن أن يحل مشكلة بعض المرضى السكري، ممكن يحل مشكلة بعض مرضى الهضم، التهاب المعدة الحاد، الإقياء العنيد، هذه كلها أمراض ممكن أن تنحل و تتخفف بالصيام.
 على كلا الكلام الدقيق:
 وقاية لكثير من أمراض الشيخوخة، وعلاج لبعض الأمراض، والإنسان مادام لا يشعر بشيء فعليه أن يصوم، إلا إذا كان الصيام يسبب له بعض المتاعب الصحية عليه بطبيب مسلم حاذق يفتي له أيفطر أو أن يبقى صائم.
 ذات مرة سألت طبيب سؤال عرضي: الوفيات هل لها موسم؟
 لو فرضنا سألنا مكتب دفن الموتى هل عندكم موسم للموت مثلاً ؟
 فجاء الجواب في رمضان أحياناً!؟
 لأن بعض الناس جاهلة، يجوز أن يكون عنده أمراض كثيرة غير منتبه لها، فالإنسان صحته رأس ماله، طبعاً الإنسان العادي لا شيء عليه، الصيام وفق طبيعته، لكن في بعض الأمراض يحتاج إلى سؤال، يقولون لك: يا أخي لا تسأل أفضل، لا ليس هذا هو موقف المسلم الصحيح، وقال لي: في الصيف أيضاً تكثر الوفيات، موسم ثاني بأيام الحر، موسم ثاني للوفاة، طبعاً ذكرت هذا الشيء من أجل أن لا يفرط الإنسان بصحته، ليس من الورع أن تصوم وأنت مريض، لأن ربنا عز وجل قال:

﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 185]

الحديث الثالث: لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصوم....

 هذا المعنى الصحي يؤكده حديث آخر: يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن ماجة:
 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ، وَزَكَاةُ الْجَسَدِ الصَّوْمُ، زَادَ مُحْرِزٌ فِي حَدِيثِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصِّيَامُ نِصْفُ الصَّبْرِ))

[ سنن ابن ماجة]

 أحياناً الجسد يزكو ويصح ويقوى بالصوم، بالمناسبة لو الإنسان لم يعرف دقائق حكمة الصوم، لو لم يعرف النواحي الصحية في الصوم، يقطفها كلها، لأن كما قلت لكم دائماً: الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، وأوضح مثل: ممكن أن تستخدم أرقى جهاز الآن كالكمبيوتر الحاسوب، ويقدم لك خدمات غير معقولة، ومع ذلك لا تعرف ماذا يجري بداخله! إذاً ممكن أن تقطف ثمار الشيء من دون أن تعرف دقائق أو تفاصيل عمله.
 وممكن أيضاً الإنسان العادي العامي، الله أمر بالصيام فصام، فمن دون أن يفهم حكمة الصيام، قطف كل ثمار الصيام صحّ فيه جسده، ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( لِكُلِّ شَيْءٍ زَكَاةٌ، وَزَكَاةُ الْجَسَدِ الصَّوْمُ، زَادَ مُحْرِزٌ فِي حَدِيثِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصِّيَامُ نِصْفُ الصَّبْرِ))

[ سنن ابن ماجة]

 فإذا صام الإنسان يعني هذا أنه صابر، لكن لا تعدوا رمضان الشتاء هو الصبر، فهو عادي جداً، أما رمضان الصيف سبعة عشرة ساعة، والحرارة ست وخمسين، طبعاً في الحجاز أو خمس وأربعين في الشام، ثماني وأربعين، والصائم من الصباح عطشان، فالصبر الحقيقي هو الصيام في الصيف، والإنسان يأتي بعمره مرة أو مرتين الصيام في الصيف ! كل ست وثلاثين سنة يأتي الصيام بالصيف مرة، فحتى يقطع السبعين سنة يأتيه مرتين بأيام الصيف الحارة.

 

الحديث الرابع: للصائم عند فطره لدعوة ما ترد....

 الشيء اللطيف أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول فيما رواه البيهقي:

 

(( حَدَّثَنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ))

[ سنن ابن ماجة]

 ما قولكم؟ فالإنسان إذا أُطلق مدفع الإفطار أو سمع الأذان وأخذ التمرات ليأكلها وشرب كأس الماء، عليه أن يدعو الله عز وجل، لأن في هذه الساعة له دعوة ما ترد، اسأل الله خير الدنيا والآخرة، من الأدعية الجامعة المانعة:
 اللهم اهدني واهدي بي.
 ادعوا الله أن يهديك أولاً، وأن يجعلك هادياً للناس ثانياً.
 اللهم ارزقني طيباً، واستعملني صالحاً، اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعفوا عني يا كريم، اللهم آتي نفسي تقواها وزكها، أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها، اللهم اغفر ذنبي، اقبل توبتي، واغفر ذلتي، وأقل عثرتي، وتولى أمري.
 على الإنسان أن يحفظ أدعية كثيرة، أن الدعاء نصف العبادة، بل هو العبادة كلها، هذه أيضاً نصيحة من رسول الله، لك عند الله دعوة ساعة الإفطار لا ترد.
 بعض الأحاديث ورد: أن الصائم عند الإفطار، والمعتمر والحاج حينما يرى الكعبة له دعوة لا ترد، فحينما تقع عينك على الكعبة بادئ ذي بدء قف وادعوا الله عز وجل! وفي حديث آخر، وقد رواه الإمام أحمد في مسنده:

 

((حَدَّثَنَا أَبُو الْمُدِلَّةِ مَوْلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ... ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمُ الإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ وَعِزَّتِي لأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ))

 

[ مسند الإمام أحمد]

 فالصائم حينما يفطر له دعوة لا ترد، إذا الإنسان سأل الله خير الدنيا:
 اللهم ارزق بناتي شباباً طاهرين.
 والله الصهر الممتاز هذا من نعم الله الكبرى، أن الصهر مثل ابنك، مخلص وفي رحيم محسن لابنتك، اطلب من الله صهر ديّن، من خير الدنيا الرزق الحلال، اطلب من الله أن يوسع في رزقك، الله عز وجل عنده خزائن كل شيء.

الحديث الخامس: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له....

 يقول عليه الصلاة والسلام في رواية للنسائي:

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))

 

[ سنن النسائي]

 وفي رواية أخرى:

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))

 

[ صحيح البخاري]

 معنى إيماناً: لولا أنه مؤمن، لأن الله أمر بهذا الأمر، وأنه سيحاسبه عنه، وأن المشقة التي يتحملها الصائم هي في سبيل الله، هذا معنى إيماناً واحتساباً، قال:

 

(( مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))

[ رواه البخاري ومسلم]

 معنى هذا الصيام والقيام متلازمان، فهذا الذي يفرق بين القيام والصيام، صار لديه عرج، الله عز وجل فرض الصيام، والنبي عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى، وقد أُمرنا أن نأخذ منه:

﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾

[ سورة الحشر الآية: 7]

 قال: سنا لنا قيامه، فمن صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له، ومن قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له.
 وهناك نقطة تكلمت بها يوم الجمعة في الخطبة:
 الإنسان إذا كان بعيداً عن الكبائر، يوجد هفوات وذلات وكلمة غير مناسبة ونظرة لم تقصدها وموقف لم يعجبك، قال:

(( الصَّلَوَاتِ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ))

[ رواه مسلم]

 الإنسان تصفية حساب، من رمضان إلى رمضان، إذا الإنسان صام هذا الشهر صياماً لم يفسق لم يرفث لم يغتب لم ينظر إلى الحرام، ضبط دخله، ضبط إنفاقه، ضبط بيته، اتجه إلى الله عز وجل لكليته، اصطلح مع الله صلحاً تاماً، أقام الإسلام في بيته وفي عمله، وصام وقام، أغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى يغفر له ذنوب العام كله، كأن الأول من شوال فتح مع الله صفحة جديدة! ليس معنى هذا أن يسودها، كلما فتحنا صفحة نملئها ذنوب، لا، هذا سلوك فيه استهزاء بالله عز وجل، لكن إذا الإنسان عنده تقصيرات، عنده مشاعر أن عنده خطأ، صيام رمضان صياماً صحيحاً، يغفر له ما كان من قبل.
والشيء نفسه بالصلاة، الصلوات الخمس، أي الصلاة إلى الصلاة، الفجر صليته في جماعة، انطلقت إلى عملك، أثناء العمل قلت كلمة غير مناسبة، أذّن الظهر انطلقت إلى الصلاة بخشوع، صلاة الظهر تكفر ما كان بين الفجر والظهر، العصر ما بين الظهر والعصر، المغرب والعشاء إلى آخره.
فالصلوات الخمس، ولا جمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر.
 إخواننا الكرام؛ يشعرون بهذا الشعور يقول لك: الجمعة انغسلنا، يكون أثناء الأسبوع سبت أحد اثنين، انشحن شحنة روحية، علمية روحية، أربعاء خميس، تجده ضعفت همته، صلواته أصبحت شكلية، مال للدنيا أكثر، يأتي يوم الجمعة يشحن هذه الشحنة الجديدة، ويشعر أنه انطلق انطلاقة جديدة، هذا الشعور قائم، الصلوات الخمس، الصلاة إلى الصلاة، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن طبعاً إذا اجتنبت الكبائر.

الحديث السادس: من أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله....

 أخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله قال:

(( لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر جعل له ثلاث عتبات، فلما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم العتبة الأولى قال: آمين، ثم صعد العتبة الثانية فقال: آمين، حتى إذا صعد العتبة الثالثة قال: آمين. فقال المسلمون: يا رسول الله رأيناك تقول آمين آمين آمين ولا نرى أحدا؟! فقال: إن جبريل صعد قبلي العتبة الأولى فقال: يا محمد. فقلت لبيك وسعديك. فقال: من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له فأبعده الله، قل آمين. فقلت: آمين. فلنا صعد العتبة الثانية قال: يا محمد قلت: لبيك وسعديك. قال: من أدرك شهر رمضان وصام نهاره وقام ليله ثم مات ولم يغفر فدخل النار فأبعده الله، فقل آمين. فقلت: آمين. فلما صعد العتبة الثالثة قال: يا محمد. قلت: لبيك وسعديك. قال: من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات ولم يغفر له فدخل فأبعده الله، قل آمين. فقلت: آمين))

[ أخرجه البيهقي]

 أي خاب وخسر، رغم أنف عبد أدرك رمضان فلم يغفر له، إن لم يغفر له فمتى؟ مشكلة كبيرة أن تقول: أنا أفعل هذا بعد رمضان، هذا الشهر المناسب، فالشهر الذي قبل الامتحان إذا لم تدرس فيه، متى تدرس بعد الامتحان؟ هذا أنسب شهر، أفضل شهر، طبعاً وقال: ثم أتاني فقال لي: يا محمد من أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار، فأبعده الله فقلت: آمين، قال: ومن ذكرت عنده فلم يصلي عليك، فأبعده الله، فقلت: آمين.
 رواية أخرى في الحديث معروفة. وجدت الكلمات في الحديث:

(( عن سلمان قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك فيه ليلة خير من ألف شهر جعل الله تعالى صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا، من تقرب فيه بخصلة من الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، من فطر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء، قلنا: يا رسول الله ليس كلنا يجد ما يفطر الصائم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعطي الله تعالى هذا الثواب من فطر صائما على مذقة لبن أو تمرة أو شربة ماء، ومن أشبع صائما سقاه الله تعالى من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار فاستكثروا فيه من أربع خصال: خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غنى بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم شهادة أن لا إله إلا الله وتستغفرونه، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله تعالى الجنة وتتعوذون به من النار))

[ كنز العمال للمتقي الهندي]

(( عن سلمان رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم))

 في أصحاب الأعمال أحياناً يكلفون الموظفين فوق طاقتهم، الموظف ليس له غير العمل، وإذا تشاجر معلمه معه فهذه مشكلة، لكن هذا شهر الرحمة، شهر الشفقة، شهر العبادة، خفف عنه شيء، أحياناً في بعض المصالح يقول للعامل: تناول الفطور ثم أكمل عملك حتى منتصف الليل! يأتي للبيت ثاني يوم الساعة التاسعة للمغرب، أيضاً هذا اسمه إرهاق، ومن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار. قال:

 

(( واستكثروا فيه من أربع خصال خصلتين ترضون بهما ربكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما، فأما الخصلتان اللتان ترضون بها ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه، وأما الخصلتان اللتان لا غناء بكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار، ومن سقى صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة))

هذه خطة للنبي عليه الصلاة والسلام، روى هذه الخطة ابن خزيمة في صحيحه، وقال: صح الخبر، ورواه من طريق البيهقي، ورواه بن حبان في الثواب باختصار عنهما.

 

الحديث السابع: إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار....

 في حديث آخر:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ))

[ صحيح مسلم]

 ذات مرة هذا الحديث شرحته، قلت:
 أن الإنسان لو تساءل في نفسه لما لا يغلق الله أبواب النار طوال العام؟
 ولما لا يصفد الله الشياطين طوال العام؟
 الحقيقة الحديث يشير بمعنى آخر: عندما يصطلح الإنسان مع الله وينطلق إلى بيوت الله، ويعرض عن كل معصية، دور المعاصي تغلق من تلقاء ذاتها، فهذا إغلاق حكمي، إذا تاب الإنسان، إذا فتح في مكان ما مقهى أو نادي ليلي أو مكان فيه معاصي ولم يرتاده أحد فسيغلق هذا المكان، فالله عز وجل، يشير النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث إلى أن ينبغي للمؤمن أن ينطلق إلى طاعة الله، وأن تكون هذه الانطلاقة عامةK يوجد كلمة دقيقة، عندما قال ربنا عز وجل:

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾

[ سورة النور الآية: 31]

 ماذا نستفيد من كلمة جميعاً ؟

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾

 نستفيد منها أن ثمار غض البصر لا نعرفها على حقيقتها إلا إذا كان غض البصر مطبقاً في جميع المسلمين، تعرفوا قيمة هذا الغض، لو أن النساء كلهن تحجبن، والرجال كلهم غضوا أبصارهم، لعاش الشباب والرجال في راحة نفسية وفي صفاء لا يعرفه إلا من ذاقه، لكن حينما الأكثرية ينطلقون سافرات كاسيات عاريات، والأقلية يغضون أبصارهم عندئذ لا نعرف معنى حجم هذه الطاعة، طبعاً عندئذ يعاني الشاب من تفلت الفتيات، وربما وجد صعوبة في غض البصر، طبعاً الشاب ضعيف الإيمان، هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾

 مرة مثلتها بمثل: إذا كان لك خمسين صديق، وأنت وحدك لديك هاتف، هل هذا الهاتف له قيمة؟ لا ليس له قيمة أبداً، لكن لا قيمة له إذاً، إذا كان عند كل صديق هاتف، لا تعرف قيمة الهاتف ليكون منتشر بين الناس جميعاً، أما فلان ليس لديه، وفلان ليس لديه، ولو كان لديك أنت هاتف لا تستفيد شيء، فأحياناً لا نعرف حجم الطاعة إلا إذا طبقها جميع المسلمين، إذا طبقها قلة لهم أجر كبير، لكن تبقى فتنة، تبقى في مشكلة، هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

 هنا أيضاً المعنى نفسه مطروق، إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين، لاحظنا برأس السنة كثير من الجوامع أحيت هذه الليلة! وبيوت كثيرة جداً لا تعد ولا تحصى، أحيت هذه الليلة بذكر الله وطاعته، ولم نلاحظ أي مجون في الطرقات كما تشعرون، هذه بادرة طيبة، إذا التزمت الناس كلها هذه الأماكن التي لا ترضي الله ليس لها عمل، تغلق أبوابها، فأنت إذا استقمت ودعوت أخوك للاستقامة، أنت باستقامتك وتوبتك تغلق هذه الأماكن، وأنت حكماً تصفد هذه الشياطين تصفيداً.

الحديث السابع: من صامه وقامه احتسابا خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه....

 هناك بشارة أخرى:

((حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شَيْبَانَ قَالَ: لَقِيتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قُلْتُ: حَدِّثْنِي عَنْ شَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنْ أَبِيكَ، سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَ

[ مسند الإمام أحمد]

 لكن أرجو أيها الأخوة، أن تنتبهوا لهذا المعنى الدقيق الخطير:
 حيث ما وردت كلمة خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه، إن في أحاديث الحج، أو في أحاديث الصيام، هذه الذنوب التي يخرج منها كيوم ولدته أمه هي الذنوب فقط المحصورة بينه وبين الله عز وجل! أما حقوق العباد هذه لا تسقط احفظوها جيداً لا تسقط إلا بإحدى حالتين:
بالأداء أو المسامحة.
 عليك دين لفلان أنا سأصوم رمضان حتى يغفر الله لي هذه مماطلة، لا عليك حقوق لوالدتك لأخيك، حقوق لشريكك، حقوق لأولادك، هذه الحقوق لا تسقط لا بالحج ولا برمضان، ولا بأي عبادة، هذه لا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة.
 حتى الإنسان لا يتعلق بأوهام، ويتفاجأ يوم القيامة أنه حجّ فليس عليه ذنوب، لم يذهب منهم ولا ذنب، لو حججت خمسين حجة! الذنوب التي بينك وبين الله تسقط، وبالصيام كذلك، ما كان بينك وبين الله يسقط، لكن ما كان بينك وبين العباد لا يسقط، لأن حقوق العباد مبنية على المشاححة، وحقوق الله عز وجل مبنية على المسامحة، فلا تتورط وتقول: أنك ستصوم رمضان والله يغفر لي، غداً أحج ألقي بكل ذنوبي، لا هذا مفهوم عامي ساذج، الشيطان يرسخه في نفوس العوام.

 

الخاتمة:


 وإن شاء الله تعالى في درس آخر نأخذ الأحاديث التي تتعلق في الترهيب، على كل هناك أحاديث كثيرة جداً عن الصيام، وأنا اخترت الأحاديث غير المتكررة، وذات المعاني الدقيقة.
 فأولاً:
  يمكن أن يغفر لك كل ذنب إذا صمت رمضان متعلق بالله عز وجل.
 والشيء الثاني:
  أبواب النيران تغلق، والشياطين تصفد بطاعتك لله فقط، هذا المعنى الثاني.
 المعنى الثالث:
 رمضان فرصة سنوية وحيدة للمغفرة، وللانطلاق لله عز وجل، وإذا اجتنبت الكبائر، فرمضان إلى رمضان يكفر مابين رمضانين، وصيام رمضان يقابله قيام رمضان، صيام رمضان فرضه الله عز وجل، وقيام رمضان سنه النبي، والتراويح سنّة مؤكدة، والله عز وجل أكرمنا في رمضان نستمع من إيمامنا إلى القرآن كله في رمضان، فإذا حرص الإنسان على أداء الصلوات الفجر والتراويح هنا في هذا المسجد فهو يستمع إلى كتاب الله كله، وإذا كان ورع في نهار رمضان ورع جداً، وتناول طعام معتدل، تصبح الصلاة عنده قطعة من الجنة، والله تمضي ساعة دون أن نشعر إلا وكأنها خمس دقائق! لكن الشرط إذا كان هناك مخالفات أثناء النهار في حجاب أثناء الصلاة، تصبح الصلاة مملة، إذا في مخالفات في حجاب، وإذا كان مستقيم لكن أكثر من الطعام أيضاً سيجلس، لأن الوقفة طويلة عليه، فالإنسان المفروض نصيحتين أساسيتين: الورع إلى مستوى الوسوسة لا مانع من ذلك برمضان، تشعر وأنت واقف في التراويح أن الله ينظر إليك، وأن الله راض عنك، وأنك ملتزم، وأنك جاهدت نفسك وهواك، فالدقة التامة في وقت الجوارح في نهار رمضان، والطعام المعتدل عند الإفطار، من أجل أن تكون صلاة التراويح جنة ترقى بها إلى الله.
 أحد العلماء قال: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الله! جنة الدنيا الإقبال على الله عز وجل.
 والإمام الغزالي يقول: أفضل حالة لقراءة القرآن أن تقرئه واقفاً في صلاة وأنت في المسجد، وهذه متوفرة في صلاة التراويح، نحن نقرأ في الفجر ست صفحات، وبالعشاء صفحتين أصبح عددهم ثمانية، الجزء عشرين صفحة، بقي أثنى عشر صفحة، فتقرأ هذه الصفحات بعشرين ركعة بشكل مريح جداً، ساعة ساعة وخمس دقائق، أنت تقرأ جزء، تستمع إلى جزء، وإن شاء الله الدرس ربع ساعة واكثر لا نزيد، ساعة وربع كل ليلة مع الله عز وجل، من قام رمضان، صمته في النهار فقمه في الليل.
 والحديث الآخر:
 أن زكاة الجسد الصوم، الصيام صحة، لو لم تعلم دقائق هذه الصحة، دورة صيانة للجسد، صيانة ووقاية وعلاج، علمت أم لم تعلم، لأن خالق الكون أمر بهذا الصيام.
 وأول موضوع طرحناه:

(( كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ))

 الصوم عبادة الإخلاص، هذه أبرز الأحاديث التي وردت في الترغيب والترهيب في باب الصوم، أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها جميعاً.
 والحمد لله رب العالمين
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى اللهم على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018