بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 071 - الإعتكاف .


1994-03-06

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، و زدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، الموضوع اليوم موضوع الاعتكاف، و أنا في طريقي إليكم قفز إلى ذهني مثل يوضِّح حقيقة الاعتكاف، هناك مصابيح كهربائية متنقلة إذا وضعتها في المأخذ مأخذ التيار الكهربائي تُشحن، فإذا وُضعت في المأخذ فترة كافية و شُحنت الشحنة الكافية الآن يتألّق المصباح، إلى أن تضعف قوةُ الشحن فيه فتحتاج مرة ثانية إلى أن تضعه في المأخذ مأخذ التيار الكهربائي ليُشحن من جديد.
 ما رأيت مثلا أدقَّ على موضوع الاعتكاف من هذا المثال، أنت إن لم تُشحن في خلوة فلن تتألق في الحياة، إذا شُحنت هذه الشحنة تضعف مع الأيام فلابد من شحنة من خمس شحنات في اليوم الصلاة، و شحنة أسبوعية هي صلاة الجمعة، و شحنة سنوية صوم رمضان، و شحنة قبل الختام شحنة الحج، فالإنسان لما يعتكف يحكِم الصلة بالله، و تألُّق الإنسان و انطلاقه في الحياة، و انطلاقه في الدعوة، في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، الأعمال الصالحة، و موقفه السليم، ورؤيته الصحيحة، قراره الحكيم، القدرة على التصرف، هذا كله منوط بحجم هذه الشحنة التي تلقاها من الله عز وجل، من هنا كان الاعتكاف، و النبي عليه الصلاة و السلام لولا غار حراء لما كان نبيًّا غار حراء صنعه، كان يتعبد في غار حراء الليالي ذوات العدد، و إذا كان النبي عليه الصلاة و السلام ذهب إلى قمة الجبل مطل على الكعبة الشريفة، وهو حبل النور، و كل من ذهب إلى غار حراء عرف كم هي المشقة التي كان يعانيها النبي ليصل إلى هناك، و كيف أن الإنسان يبقى في هذا المكان أياما عديدة لا أحد معه، الإنسان لو سار في طريق في مدينة في الليل بلا أشخاص يشعر بوحشة، لو سكن في بيت فخم جدا في مصيف و لم يأت بعدُ الجيرانُ يشعر بوحشة، أما أن يجلس في رأس جبل و الطريق وعر جدا، الرجل الشديد الرياضي العتيد لا يستطيع أن يصل إلى غار حراء إلى في أكثر من ساعتين أو ثلاث من المشي الشاق، التعليق كم كان أُنسه بالله قويا حتى غلب على وحشة المكان.
فأيها الأخ الكريم، مؤمن كل وقته مع الناس، كل وقته في بيته و عمله، ومع إخوانه، و في الأسواق، من دون ساعة خلوة مع الله، من دون جلسة مع الله، يذكر الله فيها، يصلي فيها، يقرأ القرآن فيها، يتأمل فيها، يحاسب نفسه، ينظر فيما سيكون، وفيما كان، هذا الاعتكاف من لوازم رمضان، كان عليه الصلاة والسلام يعتكف العشر الأواخر من رمضان، أنا أقول لكم، و أنا واقعي، طبيعة حياتكم الآن الذي عنده وظيفة لا يعتكف، الذي عنده محل تجاري، لكن المفروض على الإنسان في رمضان يخفف أعماله، و المفروض في العشر الأخير يفرِّغ نفسه أشد التفريغ مما سوى الله، أما الميسور الذي ليس مضطرا ليداوم في عمله، لا عمل تجاري، ولا عمل إداري، و يستطيع أن يعتزل الناس في هذا العشر، و لكن هناك رأي معتدل جدا أن الاعتكاف المستمر قد يكون فوق طاقة الإنسان، و لكن لا بد من جلسات اعتكاف متناوبة، جلسات اعتكاف في البيت يمكن أن تعتكف، يمكن أن تعتكف في المسجد، أحيانا يدخل الإنسان المسجد قبل الأذان بربع ساعة، يضيق ذرعا، " لا يؤذن، و لا يصلون، مكتوب ثلث ساعة بعد الأذان، حتى يجتمع الناس، أحيانا يرى هذه الدقائق العشرين كأنها سنة، أنت الآن في مسجد فاعتكف، اذكر الله عز وجل، اقرأ القرآن، أغمض عينيك و توجّه إلى الله عز وجل، الإنسان ما لم يعتكف، الاعتكاف شحن لهذا المصباح، عندي مصباح قبل يومين استعمله فليس فيه ضوء إطلاقا، فشحنته، و هو سبب تذكُّر المثل، و نسيته في المأخذ الكهربائي، تمَّ فيه اثني عشر ساعة، طبعا هو اكتفى، فلما حرّكت مفتاحه ليتألّق المصباح رأيت قوة إضاءة لم أعهدها من قبل، شحِن شحنة كافية، و المؤمن كذلك، كلمت خلا مع الله ذكر الله خاليا شُحن، و يتألّق الآن، و التي تصدق إنسان تكون له مع الله خلوة، وهذه الخلوة لا تبدو جلية واضحة نيِّرة في أثناء النهار، له هيبته، و له نور على وجهه، قراره حكيم , كلامه دقيق، سعيد مطمئن، و له من الله حافظ، موفَّق، والخيرات التي يجنيها المعتكِف لا يعلمها إلا الله، تقول: توفيق، توفيق، هيبة، وقع في مشكلة مما يقع الناسُ فيها إذا أراد أن يحاسبك تجده ارتبك، بماذا شعر ؟ أنت موصول، كانت الشحنة قوية، الشحنة قوية، و النور قوي، انبهر، تفضل، غيرك لم يقل له: تفضل، غيرك بالغ في الإساءة له، فهذا معنى الاعتكاف.
 طبعا الموضوع أنا بحثته سابقا، ونبحث كل سنة في هذا الوقت الاعتكاف، وليس معنى ذلك أنكم لا تعرفونه، بل تعرفونه، و لكنه تذكير، قال تعالى:

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)﴾

[سورة الذاريات]

 أجمع العلماء على أنه مشروع، فقد كان النبي عليه الصلاة و السلام يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوما، معناه لزومُ الشيء وحبسُ النفس عليه خيرا كان أو شرا، قال تعالى

 

﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52)﴾

 

 

[سورة الأنبياء]

 والمقصود به شرعا لزومُ المسجد والإقامة فيه بنية التقرب إلى الله تعالى، أطمئنكم وأنتم الآن في هذا الدرس معتكفون، وأنتم في التراويح معتكفون، وأنتم في صلاة الفجر معتكفون، ما دمت تلزم المسجد بنية التقرُّب إلى الله فأنت معتكف.
 قال: الاعتكاف المستحب ليس له وقت محدَّد، هو يتحقق بالمكث في المسجد مع النية الاعتكاف، طال الوقتُ أو قصُر، ويُثاب ما بقي في المسجد، فإذا خرج منه ثم عاد إليه جدّد النية إن قصد الاعتكاف، لما كنتُ صغيرا أدخل مساجد دمشق، مكتوب على الأعمدة " نويت الاعتكاف في هذا المسجد ما دمت فيه " لو واحد دخل إلى بيت الله ينوي الاعتكاف، أحيانا يكون هناك أمر قاهر، أنا واللهِ تأخرت كنت في مصلحة للمسلمين، و راجحة جدا، أحيانا تكون المواصلات صعبة، هناك أمر قاهر، وكما يقول الناس " اللي في بيت أهله على مهله " أنت في بيت الله، إن بيوتي في الأرض المساجد، و إنّ زوارها هم عمّارها، فطوبى لعبد تطهّر في بيته ثم زارني، و حُقّ على المزور أن يكرم الزائر "
قال: للمعتكف أن يقطع اعتكافه المستحب متى شاء، الاعتكاف الواجب هو النذر، إذا واحد نذر أن يعتكف، هذا صار واجبا، أما الاعتكاف المستحب فليس له قاعدة، كلما دخلت بيت الله عز وجل بنية التقرّب إليه تصلي، تذكر الله، تقرأ القرآن، تتعلم، تصغي إلى درس علم، تعلِّم، أنت معتكف، هذا المسجد متعلق بالآخرة، الجامعة متعلقة بالعلم، ماذا يوجد في الجامعة، فيها مقاعد، سبورة و محاضر و طلاّب، هذه هي الجامعة، أساس بنائها من أجل العلم، و المسجد أساس بنائه من أجل الآخرة، في المسجد تتعرّف إلى الله، و في المسجد تتعرف إلى أمره، و في المسجد تصلي، و في المسجد تذكر الله عز وجل،

((عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ - أي خيمة خاصة له - أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ نَظَرَ فَإِذَا الْأَخْبِيَةُ فَقَالَ آلْبِرَّ تُرِدْنَ فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ ))

[رواه مسلم]

 أحيانا تكون هناك عدوى، أنا في العمرة صليت الفجر في جدة مرتين، في شيء أعجبني، لما انتهت الصلاة، لا يوجد ورد جماعي، يأتيني أخ من الحجاز أثناء الصيف ينتقد الورد الجماعي، قلت له: ماشي الحال، لكن أنا شعرت بعد أن انتهت الصلاة كلهم بقوا في المسجد، يدعون الله سرًّا ت و يذكرونه سرا، بعد ربع ساعة انفض من في المسجد، أدركت أحيانا أن الورد يصير تقليدا جماعيا، يصير الورد مألوفا، أصوات ألِفها، تفقد مضمونها، فأنا واللهِ اقتنعت أن الورد الخاص و الدعاء الخاص و الابتهال ربما كان أفعلَ في نفسي من هذا الذي نقوله جماعة، و قد فقَد مضمونه، و أصبح جزءًا من الصلاة، تنتهي الصلاة تجد الواحد يفكر أشكالا و ألوانا، و يقرأ الورد، فلما يأتي إخواننا من الحجاز يقولون لي: لماذا عندكم الورد بصوت عالي و جماعي ؟ أقول: هكذا نحن ألِفنا هنا في الشام، هذه أعرافنا الدينية، هم رأيهم لا، يجب أن يكون الورد سرا، وعلى انفراد، أنا لما صليت بجدة الفجرين تذوقت وجهة نظرهم، فعلا الإنسان أغمض عينيه ودعا اللهَ من كل قلبه بخشوع، ربما كان أقرب إلى الله عز وجل من شيء يفعلونه، فالنبي قال: آالبرَّ تردن ؟ أم هي عدوى، صارت عدوى، ثم أمر ببنائه فقوض، وأمر بأبنية أزواجه فقوضت، ثم أخّر الاعتكاف إلى العشر الأول من شوال.
في شرح مسلم لهذا الحديث قال:

(( سبب إنكاره عليه الصلاة و السلام أنه خاف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف ))

 أحيانا في إحياء ليلة القدر، كلها مدائح و أناشيد و ذكر جماعي، شيء جميل، لكن أليس لا بد من ساعة خلوة مع الله، أليس لا بد من دمعة تنزل من العين، لا نريد أن الإنسان يشعر بنفسه أنه اتصل بالله عز وجل، إذا كان هناك منشدون و مدائح و صخب و ضجيج، واللهِ أحييناها، هذه صارت ليلة طرب، و ليست ليلة إحياء، أنا لا أريد أن تدخل العادات مع العبادات، وتتداخل الأمور، الإنسان ينسى أنه في ليلة القدر يجب أن يحيي هذه الليلة، فأنا انطلاقا من هذه الحقيقة كنت أنفرد من بين المساجد، أنا أعتكف إلى الساعة الثانية عشر في ليلة القدر، اترك قِسما للأخ الكريم في بيته يتابع صلته بالله عز وجل على انفراد، و قسم " يد الله مع الجماعة "
 أردت من هذا الكلام أنه لا بد للإنسان من خلوة مع الله، و قد يفسد هذه الخلوة، أنا كنت في عمرة مرة، وهي العمرة الأخيرة، كنت أمام مقام النبي عليه الصلاة و السلام، و في حالة متألِّقة جدا، إلى درجة غير معقولة، رأيت أخا من إخوان دمشق، أهلا أستاذ، تفضل، انقطع الحال، كيف الصحة، متى وصلتم، و متى تسافرون، و أين نزلتم، أردت الرجوع إلى حالي فقلت له: أريد أن أصلي ركعتين بالروضة، فقال: أذهب معك أستاذ، لم نستفد شيئا، هذا الشخص قطع عليك الوجهة مع الله عز وجل، أخ كريم غال علي كثيرا، الخلوة أساسها أن تكون وحدك، الإنسان صعب مع شخص بجانبه يتزلف إلى الله عز وجل و يبكي و يشعر بحال، لا بد أن يكون وحده، أو بين ناس لا يعرفونه، حتى يكون إحكام الصلة بالله عز وجل، أنا أردت من هذا الكلام: الورد الجماعي مقبول، والذكر الجماعي مقبول، و إحياء رمضان مقبول، أنا معتدل جدا، لست متطرفا، إلا أنه لا أن تنوِّع، إذا كان لك ذكر جماعي، فليكن لك ذكر خاص، و إذا كان لك إحياء في مسجد، فليكن لك فترة إحياء في البيت، و إذا كان لك دعاء مشترك فليكن لك دعاء خاص، لا يتطرف الإنسان، فلا يرفض شيئا، و لا يدري شيئا.
القصة هذه تفيد، أحيانا بعض العبادات تكون عدوى، بعض العبادات يكون نصيب الإخلاص فيها قليلا، و الشيء الكثير هو العدوى الجماعي.
شروط الاعتكاف ؛ أنم يكون مسلما مميِّزا، طاهرا من الجنابة و الحيض و النفاس، فلا يصح من كافر و لا من صبي غير مميِّز، و لا جنب و لا حائض و لا نفساء.
أركان الاعتكاف ؛ المكث في المسجد بنية التقرُّب إلى الله تعالى، فلو لم يقع المكث في المسجد، أو لم تحدث نيةُ الطاعة لا ينعقد الاعتكاف أبدا.
أنا في خطبة جمعة قبل أسبوعين فيما أذكر في آية قرآنية، قال تعالى:

 

﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾

 

 

[سورة الكهف]

 المعنى الخاص معروف، فقرة من القصة هذه، لكن المعنى العام، أحيانا قد يكون المسجد كهف الإنسان، مكان يلجأ إليه، مكان يستريح فيه، مكان ترتاح نفسه فيه، مكان يستعيد ذاته، و يجد ذاته، فالمسجد أحيانا يكون هو المعتكَف، إذا الإنسان ما مكث في المسجد، أو مكث وما نوى، وإذا نوى و ما مكث في المسجد أو مكث و ما نوى فليس معتكفا، أركانه ركنا ؛ المكوث و النية، و استنبطوا أن الاعتكاف في المسجد حصرا، من قوله تعالى:

 

﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾

 

 

[سورة البقرة]

 لكن هذا ليس دليلا قطعيا، بل دليل ظني.
يستحب للمعتكف أن يكثر من نواف العبادات، و أن يشغل نفسه بالصلاة و تلاوة القرآن، و التسبيح و التحميد و التهليل والتكبير و الاستغفار و الصلاة على النبي صلى الله عليه و سلم و الدعاء.
 قال: ومما يدخل في مستحبات الاعتكاف دراسة العلم و استذكار كتب التفسير و الحديث، و قراءة سير الأنبياء و الصالحين، درس العثمان الذي هو في السيرة مع الاعتكاف، ماذا نفعل فيه، نلقي فيه ماذا فعل سيدنا عمر من المآثر، مسلم مثل أعلى، دخل في الاعتكاف، حتى لو درس كتاب فقه فهو معتكف.
 ويستحب له أن يتخذ خباء في صحن المسجد اقتداءً بالنبي عليه الصلاة و السلام، الآن الغرف الملحقة بالمسجد هي للاعتكاف، إذا كان في الصحن العام هذا داخل هذا خارج، السلام عليكم، هذا يصلي، هذا يقرأ القرآن، أحيانا يكون فيه حديث، نحن نريد خلوة، إذًا الخباء في صحن المسجد، أو إذا كان هناك غرفة ملحقة بالمسجد، أو زاوية نائية من زوايا الحرم مثلا، هذا المكان المناسب للاعتكاف.
 قال: يكره للمعتكِف أن يشغل نفسه بما لا يعنيه من قول أو عمل، مرة ألقيت خطبة فيها توفيق إلهي، نزلت، أخ كريم تأمل في هذه الزخرفة، وجد النجمة سداسية، و كبرت عليه القضية، قلت: أنما واللهِ لم أنتبه لها، وأنا في هذا المسجد من عشرين سنة، وهي نجمة سداسية، و البناء بُني قبل أن تنشأ هذه النجمة بمئات السنين، هذا المكان مكان إقبال على الله عز وجل، هناك إنسان يرى السجاد، كيف تُنجد، و هل هل محكَمة، و يرى الثريات، و يرى السقف، يشغل نفسه يكل شيء إلا ما من أجله دخل المسجد، فالنبي قوله،

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ))

 

(رواه الترمذي)

 يكره له الإمساك عن الكلام، ظنا منه أنّ في هذا قربة إلى الله عز وجل،

(( عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ وَلَا يَقْعُدَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ))

[رواه البخاري]

(( قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ وَلَا صُمَاتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ ))

[رواه أبو داود]

 هذا صيام الكلام منهي عنه في الإسلام، أحيانا الإنسان بكلمة ينقذ بها إنسان، أحيانا بكلمة يدل بها على الله عز وجل، أحيانا بكلمة يحلُّ مشكلة، أحيانا بكلمة يصلح ذات البين، كلام المؤمن عمل صالح.
قال:

(( يباح للمعتكِف خروجُه من معتكَفه لتوديع أهله، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ فَانْقَلَبْتُ - أي عدت إلى البيت - فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي - أي ليمشي معي إلى البيت - وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ فَقَالَا سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا سُوءًا أَوْ قَالَ شَيْئًا ))

[رواه البخاري]

 مرة كنت في محل تجاري، و هناك بائع صاحب جاء ليزور صاحب هذا المحل ليبيعه من بضاعته، وهناك مكتب داخلي، و مكان للبيع خارجي، بيع أقمشة، ورأيت صاحب المحل يستقبل امرأة، و يرحب بها أشد الترحيب، نظرت إلى وجه الضيف، و الضيف من أهل الصلاح، رجل طالب علم، رأيت وجهه انتقع، ما أعجبه سلوك هذا البائع مع هذه المرأة، رحّب بها، أهلا و سهلا، اشتقنا لكم، مثلا، لم نعد نراكم، أنا أعرف أن البائع صالح كذلك، فغلب على يقيني أنها أخته، قلت له: لعلها أخته، قال لي: معقول، فلما ذهبت و جاء صاحب المحل، قلت له: من هذه التي كنت تكلمها ؟ قال: أختي، فانطلقت أساريره، الإنسان لا بد له أن يبيِّن، تقول لها: أهلا و سهلا، و مشتاقون لك، و لم نعد نراك، أطلت الغياب علينا، هذا الكلام لا يقال لزبونة، يقال لقريبة، فالبائع انزعج، هذا التاجر طالب علم، و يعرف أن البائع صالح، ما هذا الكلام، تغيّر لونه، أنا أدركت أن الاثنين معهما الحق، مرة قيل إن جحا صار قاضيا، فجاءه اثنان ؛ تكلم الأول فقال له: واللهِ معك الحق، و لما تكلم الخصم قال له: و اللهِ أنت كذلك معك الحق، ما هذا الحكم ؟ زوجته من ورائه سمعته من وراء الستار، ما هذا الحكم ؟ فقال لها: والله أنتِ كذلك معك الحق، فأنا رأيت أن هذا معه الحق، و هذا معه الحق، من هذه ؟ هذه أختي، مثلما ظننت أنا.
 مرة ؛ و القصة أحكيها لأنني تأثرت بها، زرت أخًا مرة، توضأت عنده، و قدّم لي منشفة عليها اسم فندق شهير في الشام، أنا تضايقت كثيرا، معقول الإنسان يأخذ شيئا من فندق ليس له، ليس معقولا، بقي هذا الشيء في نفسي واللهِ سنة، خجلت أن أطلب منه التفسير، أخ مؤمن ملتزم في مسجد يعطيك منشفة عليها اسم فندق مشهور كثيرا، من أين أتيت بها ؟ بعد سنة كان عندنا أخ يعمل في فندق بالمصاعد، تكلم عرضا فقال لي: الفندق الفلاني كل سنة يوزع المناشف على الموظفين، كل سنة هناك مناشف جديدة، ما يفعلون بهذه المناشف، تعطى للموظفين، لو كنت في محل الأخ الذي قدّم لي منشفة عليها اسم الفندق لا بد أن يبيِّن لي أن هذه المنشفة هدية الفندق، فالبيان يطرد الشيطان، هذه زوجتي، واللهِ يا إخوان ينسحب عليها مليون سلوك، بيِّن، أعطاك مبلغا تأخذ له أغراضا، ما حدث مع الحساب، طلعنا خلاص، وأنت أمين، بيِّن له أسعار المواد، جمعا يكن، أعطاك ثلاثة آلاف، هذه ألف و ثلاثمائة، و هذه ألف و سبعمائة، بيِّن له، أما هناك كلمات، الإنسان بريء، لا يكفي أن يكون بريئا، يجب أن يزيل الشكَّ من الناس، أن يزيل الشك كلَّه، انظر إلى النبي ماذا علَّمنا، قال: هذه زوجتي، هذه محاسبة ضرورية، هكذا من دون محاسبة، من دون تفسير، من دون تبيين، من دون تعيين، ليس مسجلا، و لا كاتب عقد، ضع في جيبه، أمين، لكنه قد تأتي بالمشكلة، نسي مثلا، باع بيعة و نسي أن يسجِّلها.
 قال: يجوز في الاعتكاف ترجيل الشعر و حلق الرأس و تقليم الأظافر و تنظيف البدن من الشعث و الدرن، و لبس أحسن الثياب و التطيُّب بالطيب، هذا كله مسموح في الاعتكاف، و له أن يخرج لحاجة لا بد منها، قضاء الحاجة، أو الطعام، في معنى الحاجة قضاء الحاجة، في معنى الحاجة الطعام و الشراب، وفرضا كان نائما في المسجد واحتلم، ألا يجب عليه الاغتسال ؟ الحاجة إذًا الاغتسال، الاغتسال و تناول الطعام و الشراب وقضاء الحاجة، هذا الخروج المسموح به في الاعتكاف.
 والمعتكف له أن يأكل و يشرب في المسجد، لكن أكلات خفيفة، هناك أكلات لها مرق، فتسيل، أكلات خفيفة التي لا تؤذي المسجد، هناك أكلات لها رائحة كريهة، هذه ممنوعة، و له أن يأكل و يشرب في المسجد و ينام فيه، في المدينة، و في مطاعم المدينة، مرة تناولت فطور طعام ليس فيه ثوم أبدا، أنت عند رسول الله لماذا الثوم ؟ قال واحد: فيه، قال: لا، لست متأكدا فيه أو ليس فيه، ممنوع توزيع هذه، و لكن أعجبني ذلك، مطعم في المدينة، أي رائحة كريهة، واحد أكل ثوما عند رسول الله، ليست واردة إطلاقا، و أكثر شيء فيها أذى في التراويح، لك أن تأكل الثوم إحدى عشر شهرا، و يمكن أن تأكل الثوم في وقت لا تذهب فيه إلى المسجد، لكن المسجد، و صلاة التراويح طويلة، كل دقيقتين تخرج هذه الغازات، واللهِ مشكلة، مشكلة كبيرة، لا يوجد أنعم من المؤمن، و لا يوجد ألطف منه، ظلُّه خفيف، مهفّف، رائحته عطرة.
قال: يبطل الاعتكاف الخروج من المسجد لغير حاجة عمدا و إن قلَّ، الخروج من المسجد لغير حاجة عمدا وإن قلَّ، فوّت المكث في المسجد فبطل الاعتكاف، طبعا ذهاب بجنون أو سكر، و الحيض و النفاس، لفوات شرط التمييز و الطهارة من الحيض و النفاس، طبعا الوطء في المسجد، معقول الوطء في المسجد، أنت معتكف في المسجد، الشرع سمح لك أن تأكل و تشرب و تقضي حاجة، لكن ممنوع قضاء حاجة الجسد المعروفة مع الزوجة بالبيت و أنت معتكف، وهذا معنى قوله تعالى:

 

﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾

 

 

[سورة البقرة]

 هناك ناس يفهمونها بسذاجة، معقول في المسجد، أي أنت معتكف في المسجد دخلت إلى البيت لقضاء الحاجة، ممنوع أن تقضي تلك الحاجة، هذه تتنافى مع الاعتكاف.
الإنسان من نذر أن يعتكف يوما أو أياما ثم شرع فيه و أفسده وجب عليه قضاؤه متى قدر عليه باتفاق الأئمة، إذا الإنسان بدأ بعبادة و لو نفلا، وأفسدها أصبح عليه أن يعيدها وجوبا، لا جوازا.
قال: من نذر أن يعتكف في المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى وجب عليه الوفاء بنذره في هذه المساجد، لقول النبي عليه الصلاة و السلام،

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَسْجِدِ الْأَقْصَى ))

 

[رواه البخاري]

 أما إذا نذر المرء أن يعتكف في غير هذه المساجد فلا يجب عليه أن يعتكف في واحد منها بالذات، لأنها كلها سواء في القربة إلى الله، لا يوجد إلى هذه الثلاثة ؛ المسجد النبوي والحرام والأقصى، ما سواها كلها سواء عند الله عز وجل، لقول النبي عليه الصلاة و السلام،

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ))

[رواه مسلم]

 معنى ذلك أن الصلاة هناك بألف، و عند النبي بمائة، ألف ضعف ثوابه، إلا أنه من نذر أن يعتكف في المسجد النبوي جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام، الإنسان لا بد أن يكون متعلِّما، أنا في العمرة الأخيرة أثناء الطواف واحد بجانبي كان يقول وهو يطوف بالكعبة: أشهد أنك بلغت الرسالة و أدّيت الأمانة و نصحت الأمة و كشفت الغمة، ماذا يقرأ هذا ؟ هذا دعاء يقال عند قبر النبي عليه الصلاة و السلام، لأن معه دفتر، و الظاهر أنه أخذ دفترا محلّ دفتر فلم يعرف ما يفعل، فالإنسان لا بد له أن يتفقًّه.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018