بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 039 - الأخلاق الإسلامية1 - كسب الرزق.


1992-07-20

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، و زدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، أمضينا ثلاثا و أربعين درسا في مدارج السالكين في منازل إياك نعبد و إياك نستعين، وأمضينا سبعة وثلاثين درسا في أسماء الله الحسنى، فيكون المجموع ثمانين درسا، في مدارج السالكين، وفي أسماء الله الحسنى. قبل أن نخوض في هذا الموضوع الدقيق أن الإنسان لا يُحترم دينه، ولا يحترم اتجاهه، ولا تحترم قيمه إلا إذا كان متفوقا في حياته، فإذا كان مهملا كسولا متوانيا متباطئا مهملا، هذه الصفا تدعو الناس لا إلى ازدرائه، بل إلى ازدراء منهجه، وازدراء انتمائه، وازدراء دينه، وازدراء اتجاهاته، فإذ أردت أن ينظر الناس إلى الإسلام نظرة عظيمة كن أنت متفوقا في عملك، و التفوق في العمل كما سنَّ الله عز وجل مجلبة للرزق، و الرزق أحد القوى الثلاث في الحياة، قوة السلطة و قوة العلم و قوة المال، فالنبي عله الصلاة و السلام في سنته المطهرة، ومن خلال فهمه لآيات القرآن الكريم حثّنا على كسب الرزق، والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة جدا، نأخذ بعضها.
أولاَ ربنا جل و علا يقول في القرآن الكريم:

﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)﴾

 

[سورة الملك]

 هذه الآية دقيقة جديدة، كل كلمة فيها موضوع، قال تعالى:

 

﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً﴾

 

 

[سورة الملك]

 طبيعة الأرض، طبيعة الثروة في الأرض، طبيعة خصائص الأرض، ذلول، أرض منبسطة، القشرة ترابية يمكن أن تُفلَح، البذور تنبت أضعافا مضاعفة، المياه مياه أمطار و مياه أنهار و مياه ينابيع، أي هناك وسائل كثيرة جدا، هناك معادن، هناك أشباه المعادن، هناك سوائل، هناك ترب، و هناك عضويات، وهناك نبات و هناك حيوان، وهناك أطيار و هناك أسماك، الأرض مصممة من أجل الإنسان، مهيأة له مذللة إليه، أوضح مثل أن الحيوانات التي خلقها الله عز وجل لنعتمد عليها في معاشنا جعلها مذللة، انظر إلى عقرب صغير إذا رآه الإنسان انخلع قلبُه، أما الجمل الكبير فيقوده الطفل الصغير، انظر إلى الأنعام كيف ذلّلها الله عز وجل، على كمل:

 

﴿هُوَالَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً﴾

 

 

(سورة الملك)

 هذا موضوع للتفكر، لو أن الحديد كان كتلا صماء في أعماق الجبال، كيف نستخرجه، مستحيل، جعله فلزات ربنا جل و علا، لو أن الغابات لها قسوة الصخور، والخشب ليِّن يُقطع، و المياه تسيل، والنبات ينبت، لا أريد أن أستقصي في هذا الدرس عن كلمة " ذلول "لكن كلما تحركت وجدت أن طبيعة الأرض مذللة للإنسان، و لكن إنك لن تجد مئات أطنان القمح مكدّسة في العراء، لا، لا بد من أن نفلح الأرض، و لا بد من أن تسمِّدها، و لا بد من أن تزرعها، ولا بد من أن تسقيها، إذًا:

 

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾

 

 

[سورة الملك]

 المناكب جمع منكب، و المنكب هو الكتف، و الكتف مرتفع، أي لا بد من بذل جهد لكسب الرزق، هذه سنة الله في الأرض، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ (6)﴾

 

[سورة الانشقاق]

 كادح، طبيعة الحياة الدنيا أساسها الأخذ بالأسباب، و طبيعة الجنة أساسها الكلب، في الجنة أي شيء تشتهيه تجده أمامك، ما تشتهيه الأنفس و تلذ الأعين، بمجرد أن تشتهي شيئا، بمجرد أن تريد شيئا تجده أمامك على الخاطر، هذا نظام الجنة، نظام الدار الآخرة لا على أساس الكسب و لا على أساس الأخذ بالأسباب، بل على أساس الطلب فقط، أنت ممكن تطلب أي شيء تجده أمامك، أما نظام الأرض لا بد من بذل الجهد، هكذا شاءت مشيئة الله، لأنك حينما تبذل الجهد تكشف عن معدنك، إما أن ترقى ببذل الجهد فتكون صادقا، مستقيمتا متعففا أمينا، وإما أن تسقط في بذل الجهد فتحتال و تكذب و تغش و تخدع، قبل كل شيء الأرض مذللة، لكنها مذللة بحيث لا تأخذ ما فيها إلا بعلم و عمل، هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾

 

 

[سورة الملك]

 لكن كلمة " فامشوا " تنقلها فجأة إلى آية أخرى، يقول الله عز وجل:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾

 

 

[سورة الجمعة]

 لماذا التوجه إلى المسجد: فاسعوا، و لماذا أخذ أسباب الرزق " فامشوا " ؟ أيهما أسرع السعي أم المشي ؟ السعي، العلماء قالوا: لأن أداء العبادات نتائجها مضمونة، ووقتها محدد و شكلها محدد، فلا بد من أن تسعى، و لا بد من تنطلق بعزيمة شديدة، هذا الذي يمشي إلى المسجد مشيا إلى أن تنتهي الصلاة، إلى أن تنتهي الخطبة، إلى أن ينتهي الدرس، هذا لا يسعى، هذا يمشي، لكن كسب الرزق أنت تقدم أسبابا احتمالية، فإذا أسرعت ربما وقعت في مطب كبير، يجب أن تكون متئدا متمهلا، فالقرآن الكريم كلام خالق الكون، في كسب الرزق " فامشوا" في الذهاب إلى المساجد و أداء العبادات، و أداء الطاعات " فاسعوا " لو أن الإنسان تكون له قبضة في جهة، المبلغ جاهز، و الشخص جاهز، ما عليك إلا أن تذهب إليه، ليس هناك مشكلة، و لا مطاردة، ولا اتخاذ وسائط، و لا يوجد إنكار، إذًا باكر و خذ هذا المبلغ، أما إذا كانت القضية تحتاج إلى تخطيط يجب التريُّث، إذًا:

 

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾

 

 

 

[سورة الملك

 و لكن إياك أن تظن أن سعيك وحده يجلب لك الرزق، هذا شرك، قال تعالى:

 

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾

 

 

[سورة الملك]

 يبدو أن هذا السعي إما أن يكون مشروعا أو غير مشروع، حلالا أو حراما مستحبا أو مكروها، مرضيا عنه أو مسخوطا عليه، من الذي يؤكد هذا المعنى ؟ قوله تعالى:

 

﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)﴾

 

 

[سورة الملك]

سوف تعودون إليه و سوف يحاسبكم، كيف كسبتم هذا الرزق ؟ عن طريق الصدق أم الكذب، النصح أم الغش، الخداع أو الصراحة، عن طريق الكسب المشروع أم الكسب غير المشروع، عن طريق ما أحل الله أم ما حرم الله،

﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)﴾

 

 

[سورة الملك]

 إذًا المعنى الأول الأرض مذللة، والمعنى الثاني يحتاج كسب الرزق فيها إلى جهد، ومن خلال هذا الجهد تمتحن، و يظهر دينك، و أخلاقك و استقامتك و معرفتك بالله عز وجل، أي أكبر مجال الإنسان يظهر على حقيقته في دكانه، إخواننا رواد المساجد كلهم في المساجد جالسون في سكينة ووقار متوضئون، جاهزون لسماع الدرس، إذا أذّن المؤذن يصفون صفا واحدا، هناك تشابه تقريبا، و لكن تفاوت المؤمنين يبدو في أعمالهم، هذا لا يكذب، و هذا يكذب، هذا يحلف يمينا غير صحيح، وهذا ينصح، هذا يصدق، وهذا يترفع عن حرفة لا ترضي الله، هذا يرفض عملا يسخط الله عز وجل، لذلك أكبر مجال لإظهار حقيقة المؤمن و حقيقة ورعه، و حبه لله عز وجل و خوفه من الله، وكماله الإنساني هو عمله، والهِ الذي لا إله إلا هو لا أرى الدين إلا في الأعمال، تجد شخصا يحفظ و يتكلم و يناقش، و يحاور و يأتي إلى المسجد و يصلي، فإذا دققت في عمله التجاري وجدت عمه مبنيا على بعض المعاصي، على بعض المخالفات، يسوِّف، إنما أهلك الصنعة قول غد وبعد غد، له وجهان، يكتم بعض العيوب، ليس هذا هو الدين، يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، ومعنى أطب مطعمك " أي اجعله حلالا، و معنى اجعله حلالا أي كن مستقيما، هذه آية،

 

﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15)﴾

 

 

[سورة الملك]

 أحيانا الإنسان حينما ينقطع رزقه كليا في بلده له أن يسافر، قال تعالى:

 

﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً (66)﴾

 

 

[سورة الإسراء]

 أي الإنسان أحيانا يُقطع رزقه في بلده لعل الله جل و علا يخلق له متنفسا في بلد آخر، لكن أرقى أنواع السفر ؛ أولا أن تسافر في طلب العلم، إخوة كثر من أماكن بعيدة عن دمشق يأتون كل أسبوع، و يركبون السيارت العامة، يمضون ساعات طويلة قبل أن يصلوا، هذا أرقى أنواع السفر، و هناك سفر عظيم جدا، وهو أن تفر بدينك، ليسلم لك دينك، هذا سفر مما يرضي الله عز وجل، وهناك مسلمون كثر من بلاد أوروبا الشرقية قبل خمسين عاما أو أكثر جاءوا فرارا بدينهم، هؤلاء أرضوا الله عز وجل، و لحكمة أرادها الله كل من يهاجر فرارا بدينه يجد في الأرض مراغما و سعة، واللهِ التقيت مع شخص من بلد، وهذا البلد قبل خمسين عاما اضطهد فيه المسلمون اضطهادا شديدا، لدرجة أن الإنسان لا يأمن أن يصلي، فجاء من بلد كان في الأصل مسلما، و لكنه وقع تحت ضغط شديد، قال: واللهِ جئت إلى الشام و لا أملك شر نقير، أقسم لي بالله عنده الآن ثلاثون بيتا، و مئات الدونمات في جنوب دمشق، قلت: سبحان الله، هذا تحقيق قول الله عز وجل:

 

﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾

 

 

[سورة النساء]

 قال: مراغما أي يرغم أنف أعدائه، لا يشمتون به، ترك بلده في سبيل الله فرارا بدينه، واللهُ جل و علا أكرم و أعظم من أن يشمت به الأعداء، يكرمه، أحيانا تشعر أن هناك قوانين نافة في الأرض،لفت نظري مرة أن لسكرات الموت ألاما شديدة، يؤكد هذا قول النبي عليه الصلاة و السلام

 

((عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ تَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ أَوْ عُلْبَةٌ فِيهَا مَاءٌ يَشُكُّ عُمَرُ فَجَعَلَ يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَيَقُولُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى حَتَّى قُبِضَ وَمَالَتْ يَدُهُ ))

 

[رواه البخاري]

 الإنسان ينتقل من الدار الدنيا إلى الدار الآخرة تُنزع روحه كما تُنزع خيوط الحرير إذا علقت على نبات شائك، قال: إلا الشهيد، فالشهيد في الأحاديث الصحيحة لا يشعر بأي ألم عندما يفارق الدنيا، مهما كانت طعنة السيف قاسية، تكفل الله له ألاّ يشعره بأي ألم، و قد سمعت أن بعض من جاهد في سبيل الله مر على لغم فاندلقت أقتابه في الأرض، فصار إخوانه يبكون من أجله، يقول له: مالكم لا أشعر بشيء، أنا في سرور، أنا مقبل على جنة الله عز وجل، هذا من الشيء الثابت أن الذي يموت في سبيل الله لا يشعر بأي ألم، و الذي يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض متسعا و رزقا وفيرا، إذًا من أفضل أنواع السفر أن تسافر في طلب العلم أو فرارا بدينك أو طلبا للرزق إذا سُدت في وجهك سبله في بلدك.
 أنا ذكرت في مناسبة الهجرة أن هناك هجرة في سبيل الشيطان، لما الإنسان يبحث عن المال في سبيل دينه، على حساب دين بناته، و على حساب دين أولاده، على حساب انتمائه لأمته، حينما يهاجر يقوي العدو، حينما ينقل أمواله إلى بلاد الكفر فيضعف بلاد المسلمين، هنا أنواع كثيرة من الهجرة كلها في سبيل الشيطان، نعوذ بالله من هذه الهجرة.
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام،

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ ))

[رواه البخاري]

 الحقيقة هذا الحديث يجب أن نقف عنده وقفة متأنية، اختار النبي أشق العمال و أقلها مردودا، أن تذهب إلى الجبل فتحتطب ساعات طويلة، و تعود لتبيع هذا الحمل الذي كلفك ساعات طويلة، وحملته على كتفيك أن تبيعه بدرهم أو درهمين، أشق الأعمال و أقلها مردودا، هذا أفضل للرجل من أن يسأل الناس، أعطوه أو منعوه، الإنسان تنمو رزقه بكسب الرزق، أنا أقول لكم هذا الكلام، واللهِ كلما رأيت أخا كريما له مهنة يتقنها، أو حرفة يتقنها، متفوق في عمله أحس أن هاذ هو المسلم، أولا: رافع رأسه، ثانيا: ليس عالة على أحد، ثالثا: يده هي العليا، رابعا:ينتزع إعجاب الناس، أنا مرة حدثني أخ أن له ابن بعيد عن الدين كله، قال لي: زارني مرة أخ كريم له في دنياه ناجح نجاحا كبيرا، له معمل ناجح، شخص عملي، متفوق، منضبط، أخلاقه عالية ديِّن ورع، فقال لي هذا الصديق: لم يُعجب ابني مئات المؤمنين بل بهذا الإنسان الذي تفوق في عمله، كان معجبا به، و كان سبب هدايته، أنت إن رأيت مسلما ضعيفا كسولا مهملا متوانيا، هيئته رثة متواكلا، تقول: هذا هو الإسلام ‍‍‍‍‍! بمثل هؤلاء انتصر المسلمون و فتحوا العالم ! لا والله، ليس هذا هو النموذج المطلوب، النموذج الذي يرفع الرأس و يملأ العين و يدعو إلى الإعجاب إنسان متفوق في عمله، أقول لكم هذه الكلمة و لها أبعاد خطيرة: إذا كانت متفوقا في عملك يحترم الناس صلاتك، و يحترمون صيامك، يحترمون جامعك، و يحترمون شيخك، يحترمون دينك، أم إذا أهملت عملك و قصّرت فيه، و كنت كسولا متوانيا خنوعا ذليلا و بعدها تصلي، يحتقر الناسُ صلاتك، و بعضهم يحتقر الصلاة كلها من أجلك، يحتقر بعض الناس صيامك، و بعضهم يحتقر الصيام من أجلك، فلذلك موضوع العمل موضوع خطير، فيجب أن تتقن عملك، أقول لك مرة ثانية و ثالثة و رابعة: الذي يعرف الله عز وجل في سن مبكر هذا بإمكانه أن يختار عملا يرضي الله عز وجل، و بإمكانه أن يختار زوجة ترضي الله عز وجل، الذي يعرف الله في وقت مبكر ينمو، فإذا بلغ سن الأربعين بلغ أشده و كان متألقا، و كانت له نهاية مشرقة، من لم تكن بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة، أقول هذا الكلام لإخوتنا الشباب: أتقن عملك، و تفوّق فيه، وعلى الله الباقي، وهذا الكلام ينقلني إلى ملاحظة يسيرة، إذا ابتغيت المال من عملك فقط خسرت عملك، فإذا ابتغيت إتقان عملك ربحت عملك و ربحت المال، مثلا أحيانا تجد طبيبا همه الأول تجميع الثروة، و المرضى كثر، لا يعتني بهم، و لا يتأنى في معالجتهم، يأخذ مبالغ كبيرة، لو جاء يسأله سؤالا آخر مبلغ آخر، هذا الطبيب سرعان ما ينفض الناس عنه، لكن الطبيب الذي يبحث عن مصلحة المريض هذا الذي يغتني، الذي يحرص عن مصلحة المريض، إذا أتقنت عملك أغناك عملك، أما إذا لم تتقنه و حرصت على كسب المال خسرت عملك و خسرت المال، وأنا واللهِ أيها الإخوة أعتز بكل شاب تفوق في دراسته، و تفوق في حرفته، أتقن عمله، كان نشيطا، و باكر إلى عمله، الآن هناك ظاهرة خطيرة جدا ؛ بعض الشباب ينامون حتى الظهر كل يوم، تعود أن يجد الطعام في البيت، أبوه يكفح و يأتيه بالطعام و الشراب، و يشتري له اللباس وهو نائم، يستيقظ ليفند الطعام، ما هذا الأكل، هذا الشاب إذا بقي على هذه الحال لفترة طويلة استمرت معه هذه الحال حتى نهاية حياته، أنا أعرف لي قريب حتى الآن لا يستيقظ إلا مع أذان الظهر، يسهر طوال الليل و يستيقظ مع أذان الظهر، قال عليه الصلاة و السلام،

 

((عَنْ صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا قَالَ وَكَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلًا تَاجِرًا وَكَانَ إِذَا بَعَثَ تِجَارَةً بَعَثَهُمْ أَوَّلَ النَّهَارِ فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ ))

 

[رواه الترمذي]

 نظم وقتك، العمل له وقت، و العبادة لها وقت، إن لله عملا في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملا في النهار لا يقبله في الليل، هناك وقت لعملك، وقت لعبادتك، وقت لطلي العلم، وقت للأعمال الصالحة، وقت لأهلك، وقت لأولادك، إذًا حديث آخر في البخار،

((عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلًا فَيَأْخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ فَيَبِيعَ فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهِ وَجْهَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أُعْطِيَ أَمْ مُنِعَ ))

[رواه البخاري]

 لئلا تتسرعوا هناك حالات خاصة يجب أن تسال الناس، قد تأتيك جائحة، قد تفقد مالك كله فجأة، قد تضطر إلى عمل جراحي لابنك، هذا الإنسان مستثنى من هذا الحديث، ليس هذا، إياكم أن تظنوا هذا، أنا أقول: إنسان يسأل الناس ليستكسب، لا يعمل و يسأل، أما أحيانا يكون أخ كريم كله عزة و كله كرامة، لكن ابنه مريض و يحتاج عملا جراحيا، يجب أن يسأل إخوانه، إخوانه يقدمون له المعونة وهو يشعرون أنهم قد تفضل عليهم حينما قبل منهم، هذا المؤمن، إذا سألك أخوك شيئا و أنت معك، وأخوك في حاجة، واللهِ هذا الشعور صحيح، تشعر أن أخاك تفضل عليك حينما تقبل مساعدتك، إياكم أن تظنوا حينما أتابع هذه الأحاديث أن الذي تصيبة جائحة، أو أن الذي يحتاج إلى عمل جراحي، أو أن الذي تهدّمت بيته مثلا مضطر إلى زواج، هذه حالات مشروع فيها أن تسأل، و لا سيما في هذه الأيام، لكن نحن نقول عن إنسان يرفض العمل و يتخذ السؤال مهنة له، هذا إلى يمقته الله عز وجل
 ما قولكم أن يكون الأنبياء الكرام يعملون بأيديهم لكسب أرزاقهم، أنبياء، نحن أحيانا إنسان عادي جدا، لا بد أن أتفرغ، لماذا التفرغ، أبو حنيفة النعمان ملأ الدنيا علما و كان تاجرا، سيدنا الصديق كان خليفة المسلمين و كان بزازا، سيدنا أبو عبيدة بن الجراح أمين هذه الأمة كان قصّابا، سيدنا زكريا النبي العظيم كان نجارا، ما هذا التفرغ ؟

((قال عليه الصلاة و السلام عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ))

[رواه البخاري]

 هذا الحديث رواه أبو هريرة، و قد جاء في صحيح البخاري، مَن داود ؟ داود ملِك عظيم و نبي كريم، و مع ذلك كان لا يأكل إلا من عمل يده، و لستم عن حديث النبي عليه الصلاة و السلام حينما أمسك بيد عبد الله بن مسعود و كانت خشنة من عمل شاق، فقال عليه الصلاة و السلام و أمسك يده و رفع أمام أصحابه و قال:

 

((إن هذه اليد يحبها الله و رسوله......))

 مرة وجدت إنسانا نؤوما، كل وقته نائم، قلت له: واللهِ أنا خلال ثلاثين عاما في التدريس الدرس الأول يبدأ الساعة السابعة، من الساعة السابعة أبدا في العمل، لأن الإنسان ينمو بالعمل، أن ألحُّ عليكم لأني أحب أن يكون إخواننا متفوقين، أنا حدّثني أخ طبيب متفوق جدا في عمله تعامل مع خصوم ألداء للدين، لأنه متفوق في عمله احترموا صلاته و احترموا صيامه و احترموا دينه، واحترموا المنهل الذي يشرب منه، والإنسان لا يخضع إلا إذا رأى المؤمن شخصية فذة، إذا وجد المؤمن أجدب مهملا هيئته رثة متواكلا سخيفا يتعلق بالسفاسف، مثل هذه الشخصية لا تجلب للدين أنصارا، تجلب له أعداء، أما التفوق في العمل هو الذي يرفعك،فمرة ثانية أيها الإخوة: إذا كان النبي الكريم ذمّ الطلب، الطلب الذي أساسه الكسل و دناءة النفس، و استغناؤه عن العمل بالتسول، أما هناك حالات يجب أن تسأل أخاك المؤمن، وأخوك المؤمن أقول: واللهِ أقول عن كل إخوته، حينما تشعر أن هذا الأخ الكريم بحاجة إليك، وبإمكانك أن تساعده أنت في الجنة، أخي الله أكرمني و تفضل عليّ و قدر على يدي الخير إليه، هذا شعور المؤمن.

 

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ دَاوُدَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ لَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ))

 

[رواه البخاري]

 هذا حديث ثان، الأنبياء، بقية الأنبياء، سيدنا زكرياء كان نجارا، و سيدنا النبي، قال عليه الصلاة والسلام،

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ وَأَنْتَ فَقَالَ نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ ))

 

[رواه البخاري]

 أنت أحيانا تكون مسافرا انظر إلى الراعي، من أشق الأعمال، مع مائتين أو ثلاثمائة غنمة في هذه الجبال، في أيام البرد، وفي أيام الحر، سكون رهيب، جبال وعرة، غنمات شاردة

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ وَأَنْتَ فَقَالَ نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ ))

 

[رواه البخاري]

 أي على دريهمات، سيد الخلق، وحبيب الحق رعى الغنم و باع واشترى في مكة، و كان شريكا مضاربا للسيدة خديجة، رعى الغنم و باع و اشترى و كان شريكا مضاربا للسيدة خديجة، إذا أنت لم تعمل لم تعرف قيمة المال، ولا قيمة كسبه، ولا الأخطار التي تنتظر العمل، إذا واحد ليس له عمل، و يأتيه المال بلا تعب، المال لا قيمة له، يعيش في برج عاج بعيد عن حقيقة الحياة، وعن صعوبة العيش.
و قد روى الترمذي و النسائي و ابن ماجة عن عائشة قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ ))

[رواه الترمذي]

 أنت حتى صار ابنك شابا، و فتح محلا و اشتغل، أنت مت مليون موتة، كله تعب، فهذا ابنك من كسبك، فإذا أكلت من كسبه فكأنما أكلت من كسبك، يقول عليه الصلاة و السلام:

 

((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ ))

 

[رواه الترمذي]

 في حديث آخر،

((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ ))

[رواه النسائي]

 لكن هناك حديث ثالث ورد في الجامع الصغير

(( أطيب كسب الرجل ولده ))

(الجامع الصغير)

 أي أعظم كسب يكسبه الإنسان أن يرزقه الله ولدًا صالحا يعبد الله من بعده، وينفع الناس من بعده، يعلم الناس الخير، إذا الإنسان له ولد صالح ورع مستقيم، شيء عظيم جدا، و إذا كان له ابن عالم داعية أعظم، هذا هو الذي قاله النبي عليه الصلاة و السلام ؛

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ ))

 

[رواه مسلم]

 أريد منكم، أو أريد أن ألفت النظر إلى شيء دقيق جدا، الرزق له وجهان،وجه كسبي، ووجه تفضلي، أنت مأمور، تشتغل، تفتح محلا، تتوظف و تتقن صنعة، تتقن مهنة، مأمور، هذا الوجه الكسبي، لكن هذا وحده لا يكفي، يحتاج إلى عامل آخر وهو أن يتفضل الله عليك فيوفقك، فيزيل من أماك العقبات، أحيانا نقول: هذه السنة هناك مطر كثير، صقيع واحد دمّر آلاف الزراعات المحمية، عاصفة هوجاء اقتلعت آلاف البيوت، كثرة الأمطار تعفنت البذور فماتت، مرة واحدة جاءت في غير وقتها أتلفت محاصيل القمح، الأمور بالتوفيق، لا بالكسب، فالرزق له وجه كسبي ووجه تفضلي، فالمؤمن عليه أن يأخذ بالأسباب، لكن حينما يعتقد أن هذه الأسباب كافية لتحصيل الرزق وقع في الشرك وهو لا يدري، فلذلك الوجه الكسبي ما يمارسه الإنسان من أعمال، من أجل كسب رزقه، يفتح محلا، يختار الموقع المناسب، و البضاعة المناسبة، يجتهد بالشراء، لا يكون رأس ماله غاليا، تكون البضاعة جيدة، يستقصي، عليه أن يأخذ بالأسباب، أما هناك أشخاص يجذبها و يشتري بسرعة، السوق لا بيع فيه، الخطأ خطأك، اشتريت بضاعة سيئة و غالية، طبعا لا تباع، المؤمن كيِّس فطن حذر، قبل أن تشتري ادرس السوق كله، أبتِ بكل أنواع المساطر، خذ الأسعار ناقش، فاصل، إلى أن تشتري أحسن بضاعة بأقل سعر، الآن بيعك صار سهلا، رأس مالك معروف و محدود، و هامش من ربح معقول، و معاملة طيبة، طبعا تربح، هناك أسباب، أما هناك توكل أو تواكل، شراء سريع، الله قال:

 

﴿فَامْشُوا﴾

 

 

[سورة الملك]

 و ما قال: فاسعوا في مناكبها، قال لك:

﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾

 

[سورة الجمعة]

 اركض إلى الصلاة، أما الشراء و البيع و التجارة فتروَّى، وابحث ووازن.
 أكثر الإخوة الكرام الذين يعانون من كساد أكثرهم بسبب خطئهم في الشراء، فأنت عليك أن تسأل، و اختر المكان المناسب، و الأسعار المناسبة و طريقة التعامل المناسبة، واحد يريد أن يشتري بالدَّين، قال له البائع: تقبِّل يدي ؟ قال له: ما هذا الكلام ؟ قال: هذا الشرط، لماذا ؟ قال: ذلك أقبِّل رجلك لأنك تأخذ حق هذه البضاعة، اجتهد أن تبيع نقدا، فهو أكثر راحة لك، و إذا بعت بدَّين فلواحد موثوق أكابر شخصية معتبرة، وإلا يصير شحاذا عنده، أنا قصدي هذا الجانب الكسبي، تكون كيسا فطنا حذرا، تهتم بالشراء و المبيع، موقع المحل، طريقة المعاملة، هناك أشخاص لا يبيعون رأسا، جاءه زبون يسأل عنه، قد يكون نصَّاب، قال له: اشحن لي، ماذا أشحن لك، انظر من هذا الشخص، له سمعة، ليس له سمعة، يدفع أو لا يدفع، هذا هو لجانب الكسبي، لكن الجانب التفضلي هو أن الرزق بتقدير الله عز وجل، لولا أن الله ييسر الأسباب لم تُرزق، لولا أن الله جل و علا يحول بينك و بين العقبات لا ترزق، ييسر لك الأسباب و يزيل من أمامك الموانع، لذلك:

 

﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾

 

 

[سورة هود]

 يعبر التجار عن هذا الكلام يقولون: " مع الله لا يوجد ذكي " بقدر ما كنت ذكيا يمكن أن تخسر كل رأس مالك بصفقة واحدة.
الآن الآية الكريمة، قال تعالى:

 

﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)﴾

 

 

[سورة الجمعة]

 هذا كسب الرزق، أما الآية الثانية:

 

﴿الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾

 

 

[سورة العنكبوت]

 أول وجه كسبي و الثاني تفضلي من الله عز وجل.
 الآن الأحاديث التي وردت في ذم المسألة، جاء في أحاديث صحيحة متعددة عن النبي صلى الله عليه و سلم،

((عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ ))

[رواه البخاري]

 هناك أغنياء مهذبون جدا متواضعون يعطي الفقير بهذه الطريقة، انحل الإشكال ؟ لا لم ينحل، النبي عليه الصلاة و السلام فيما رواه البخاري و مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال وهو على المنبر وذكر الصدقة و التعفف

((عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ وَالْمَسْأَلَةَ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى فَالْيَدُ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى هِيَ السَّائِلَةُ ))

[رواه البخاري]

 و مرة ثانية المقصود بالسفلى و السائلة التي تسأل تعنتا و استكسار و تكسل وتؤثر القعود و ليس الذي يكون مضطرا، فالمضطر يجب أن يسال، وإن لم يسأل فهو آثم، قد يكون أخوك يساعدك.
وروى البخاري و مسلم

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ))

(رواه البخاري)

 حديث خطير جدا، قد تملك ألوف الملايين، لا أقول مئات، وأنت فقير، ما دمت حريصا على الدرهم و الدينار و تشتهي أن يزداد مالك و تأخذ حقوق الآخرين الضعاف، أو تسلبهم حاجاتهم الأساسية، أحيانا أنت تأكل لقمة تأخذها من أفواه الناس، كيف، بالاحتكار، أحيانا تأتي ببضاعة غذائية جيدة و تخزِّنها، تُفتقد من الأسواق فيرتفع سعرها كثيرا، عندئذ تبيعها، أنت أخذت من كل إنسان جزءا من دخله كان ممكنا أن يشتري به أشياء أخرى، فالمحتكر ملعون، و المحتكر خاطئ، إذًا من هو الغني ؟ هو المتعفف، من هو الفقير ؟ هو الذي يطمع فيما عند الناس،

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ ))

 

[رواه البخاري]

 في حديث آخر رواه الإمام البخاري ومسلم

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ وَقَالَ إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الْأُذُنِ فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ثُمَّ بِمُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ))

[رواه البخاري]

 كلما سأل ذهبت قطعة من لحم وجهه، إلى أن يفقد كل لحم وجهه، من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه..." في حديث دقيق جدا،

(( عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ الْمَسْأَلَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ ))

(رواه الترمذي)

 أي يخدش بها وجهه، لماذا السلطان ؟ لأنه ولي أمر المسلمين، و بيده مقاليد الأمور، فيجب أن تسأله، و الحاجة لا بد من استيرادها، هذا المنع لا بد أن يلغى، هذا لا علاقة له بالسؤال،إلا أن يسأل سلطانا، أو في أمر لا بد منه، هذا لا علاقة له بالسؤال، أما من دون أمر ضروري، أو من دون قضية متعلقة بأولي الأمر،

 

((عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ الْمَسْأَلَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ ))

 

(رواه الترمذي)

(( وعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أَوْ غِنًى عَاجِلٍ ))

[رواه أبوداود]

 عوَّد نفسك إذا أصابتك مشكلة لا أن تضعها على أكتاف الناس و تشكو همّك للناس، ضعها في باب الله عز وجل، صلِّ قيام الليل، و اسأل الله عز وجل أن يكشفها عنك، اجعل همك عند الله لا عند الناس، حديث دقيق

 

((عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ أَوْ غِنًى عَاجِلٍ ))

 

[رواه أبوداود]

 لكنه من شكا إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، ومن شكا إلى كافر فكأنما اشتكى على الله.
وروى أبو داود بإسناد صحيح

((عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ وَكَانَ ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَكْفُلُ لِي أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ فَقَالَ ثَوْبَانُ أَنَا فَكَانَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا))

[رواه أبوداود]

 ثمن الجنة ألاّ تسأل الناس شيئا، سيدنا الصديق خليفة المسلمين يركب ناقته، و حوله أصحابه، فنزل من على ناقته ليلتقط زمام الناقة، فعجب أصحابه، قالوا: يا خليفة رسول الله نكفيك ذلك، قال: سمعت حبيبي يقول: لا تسألوا الناس شيئا..." نزل من على ناقته، لذلك النبي عليه الصلاة و السلام قال

(( عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ وَكَانَ ثَوْبَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَكْفُلُ لِي أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ فَقَالَ ثَوْبَانُ أَنَا فَكَانَ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا ))

[رواه أبوداود]

 عوِّد نفسك، إذا بإمكانك أن تخدم نفسك فاخدم نفسك، و لو كنت أعظم الناس، النبي الكريم مع أصحابه قال: و علي جمع جمع الحطب...، قالوا: نكفيك، قال: أعلم ذلك، و لكن الله يكره أن يرى عبده متميزا على أقرانه......" هذه واحدة، الثانية في معركة قال: كل ثلاثة على راحلة، وأنا و علي و أبو لبابة على راحلة، ركب النبي، فلما جاء دوره في المشي، توسل أصحابه إليه أن يبقى راكبا، قال: ما أنتما بأقوى مني على السير، و لا أنا بأغنى منكما عن الأجر...." هكذا علّمنا النبي، عوِّد نفسك تخدم نفسك، فهو أرقى بكثير، إياك أن تتلقى خدمات الناس، أقد حياتك على خدمتهم لا على تلقي الخدمات.

 

(( وروى مسلم حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ يَحْيَى أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ هَارُونَ بْنِ رِيَابٍ حَدَّثَنِي كِنَانَةُ بْنُ نُعَيْمٍ الْعَدَوِيُّ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ مُخَارِقٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ تَحَمَّلْتُ حَمَالَةً - أي أصابتني جائحة - فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْأَلُهُ فِيهَا فَقَالَ أَقِمْ حَتَّى تَأْتِيَنَا الصَّدَقَةُ فَنَأْمُرَ لَكَ بِهَا قَالَ ثُمَّ قَالَ - دققوا في هذا الحديث - يَا قَبِيصَةُ إِنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ إِلَّا لِأَحَدِ ثَلَاثَةٍ رَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً - قتل إنسانا خطأ - أحيانا يكون هناك حادث دهس فرضا، كلفوه بمائة ألف دية، ليس معه، موظف، لا بد له أن يسأل - فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَهَا ثُمَّ يُمْسِكُ - وليس دائما، مرة واحدة - وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ جَائِحَةٌ اجْتَاحَتْ مَالَهُ - احترق محصوله، خسر، احترق محله التجاري، احترقت سيارته التي يعمل عليها - فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ وَرَجُلٌ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ حَتَّى يَقُومَ ثَلَاثَةٌ مِنْ ذَوِي الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ لَقَدْ أَصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ أَوْ قَالَ سِدَادًا مِنْ عَيْشٍ فَمَا سِوَاهُنَّ مِنْ الْمَسْأَلَةِ يَا قَبِيصَةُ سُحْتًا - أي حرام - يَأْكُلُهَا صَاحِبُهَا سُحْتًا ))

 

[رواه مسلم]

 ثلاث حالات.
آخر حديث ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ

((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ ))

[رواه مسلم]

 وجدها شغلا مريحا من دون جهد، لا توجب دواما و لا بيعا و لا شراء و لا تحمل أعباء، واللهِ حدّثني شخص، قال لي: دخلت امرأة محلا تجاريا تتكفف، أعطاها ألأفين، لأنه على العيد، أيام جبر، رآها في بنك، فقال له أحد أصدقائه: حسابها سبعمائة ألف هذه المرأة، الذين يكسبون المال عن طريق التسول هؤلاء لا قيمة لهم عند الله أبدا، بل هم آثمون،

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ سَأَلَ النَّاسَ أَمْوَالَهُمْ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ ))

(رواه مسلم)

 إذًا محور الدرس علوُّ الهمة من الإيمان، ومن علو الهمة أن تنشط في طلب الرزق، فقد يُعجب الناس بدينك و بإسلامك، وبصلاتك و قيمك من خلال إتقان عملك، و إتقان عملك يغنيك عن سؤال الناس، و قد بينت لكم كيف أن أصعب الأعمال على الإطلاق جمع الحطب و أقلها مردودا أهون من أن تسال الناس، ما فتح عبد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر، و جرِّبوا، كل إنسان سال من فضل الله، الله عز وجل ييسر له عملا، يأخذ أجره عزيزا، هذا شيء قطعي، اطلب ما عند الله، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير، شرف المؤمن قيامه بالليل، و عزه استغناؤه عن الناس.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018