بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 040 - إحياء علوم الدين1 - التفكر أفضل العبادات.


1992-07-27

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، و زدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم، في الدرس الماضي بيّنت لكم ثمانين درسا موزعة بين أسماء الله الحسنى و بين مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد و إياك نستعين، ورأيت من المناسب أن ننتقل إلى موضوع جديد، فالموضوعات الجديدة كما تعلمون من شأنه أن تجدد الهمة، و قد بدأت في الدرس الماضي سلسلة من الدروس تحت عنوان " الأخلاق الإسلامية " وأردت أن أعيد الكرة فأجعل درس جامع العثمان درسا في الأخلاق الإسلامية و درسا في إحياء علوم الدين، و الإحياء كما تعلمون كتاب من أعظم الكتب التي تجمع بين أحكام الشريعة وأسرارها، و بين الأبواب المهلِكة و الأبواب المنجية، و لن أسير في الإحياء وفق الترتيب الذي ألِّف به الكتاب، و لكن سأختار لكم فصولا من الإحياء مما تشتد الحاجة إليه، ففي الجزء السادس عُقد في الإحياء باب تحت عنوان " باب التفكر " و لا أكتمكم أن هذا الباب من أخطر أبواب الكتاب، لأنه قبل أن أمضي عن الحديث عن التفكر أبيِّن لكم ؛ إنك إن تفكرت علمت، وإن علمت نشأ في قلبك حال، هذا الحال يدفعك إلى العمل، الفكر أساس المعرفة، و المعرفة أساس الانفعال، و الانفعال أساس السلوك، أي إن صحت فكرتك صح إدراكك، وصح انفعالك و صح عملك، دخلت الجنة، لذلك الذي أعجب له أن هذا الباب العيم الذي يحتمل - إن لم أبالغ - ثلث القرآن، باب التفكر في خلق السماوات، كيف أن الدعوات إلى الله عز وجل أهملته، مع أنه فريضة، التفكر فريضة من أرقى الفرائض، لأن هذه الفريضة ترقى بها، الذكر يطمئن قلبك بذكر الله، لكن الفكر يزيدك علما، فلذلك استعرضت أبواب علوم الدين فلم أجد بابا نحن في أمس الحاجة إليه من باب التفكر، و لم أبالغ إذا قلت لبكم: إن أعظم جهاز أودعه الله في الإنسان هو الفكر، بل إن الفكر - كما يقولون عجز عن إدراك ذاته، لا يزال الدماغ سرا من أسرار الإنسان، طبيعة التفكر لا تزال مجهولة، طبيعة المحاكمة، طبيعة التصور، طبيعة التذكر، هذه كلها مجاهيل، لكن قد اهتدينا إلى أن هذه النقطة نقطة التذكر، هنا الذاكرة، هنا الإدراك، هنا المركز السمعي، المركز البصري، مركز المحاكمة، أما كيف تجري المحاكمة، واللهِ مرة قرأت مقالة في مجلة علمية عن الدماغ، تزيد هذه المقالة عن ثمانين صفحة، واللهِ شعرت بوجع في رأسي، لأن أسرار الدماغ فوق طاقة الدماغ، فربنا عز وجل أودع في الإنسان هذا الفكر، و إن شئت سمه عقلا، على كل حال الخلاف لفظي لا قيمة له، أودع فينا هذا الفكر ليكون أداة معرفة الله، أوضح مثل، أضرب لكم قبل أن أمضي في الحديث عن الفكر، لو فرضنا عندنا شمعة على الطاولة وإلى جانبها عود ثقاب، و الغرفة مظلمة، و هناك على الطاولة قطع من الأحجار، و قطعة من الألماس، ثمن هذه القطعة مئات الألوف، بل ملايين، انتبه ماذا سيحصل، إنك إن أمسكت عود الثقاب وأشعلت هذه الشمعة تنور المكان، فرأيت الألماس فرأيت الألماس فرحت فرحا عظيما، فتحركت نحوه فالتقطته، فسعدت به، هذا الترتيب الطبيعي، قال: التفكر يحتاج إلى تذكر، والتفكر يوصل إلى العلم، و العلم يوصل إلى الحال، أي انفعال، و الانفعال يولد العمل، و العمل ثمن الجنة، البداية التفكر، لذلك هذا مثل مشوق، تمهيد، لكن الموضوع يسير على النحو التالي، أولا: فضيلة التفكر، من خلال الكتاب و السنة، و أقوال الصحابة و التابعين، الشيء لا يصدق أن أصحاب النبي عليهم رضوان الله و التابعين و تابعي التابعين، كانت هذه العبادة عبادة التفكر ملء سمعهم و أبصارهم، ملء جوانحهم، الآية الكريمة قال تعالى:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[سورة آل عمران]

 هذا فعل مضارع يفيد الخبر، لكن الخبر يأتي في القرآن في معرض الإنشاء و الأمر، فإذا قال الله عز وجل:

 

﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾

 

[سورة الفرقان]

 أي إياكم أن تزنوا، نفي الشيء أبلغ من النهي عنه، إذا نهيت عن الشيء فكأنك تضع في ذهن المنهي تصور فعله، لكن إذا نفيته فالنفي أبلغ، ربنا عز وجل قال:

 

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾

 

[سورة البقرة]

 ما قال: يا أيها الوالدات أرضعن أولادكن، من شأن الوالدات إرضاع أولادهن، فهذا خبر جرى مجرى الإنشاء، مجرى الأمر، و لا يزنون، هذا وصف جرى مجرى النهي، قال تعالى:

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 

 

[سورة آل عمران]

 أي المؤمنون من شأنهم التفكر في خلق السماوات و الأرض، لازمة من لوازمهم، خصيصة من خصائصهم، سمة من سماتهم.

 

((عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن قوما تفكروا في الله عز وجل فقال عليه الصلاة و السلام " تفكروا في خلق الله، و لا تتفكروا في الله، فإنكم لن تقدروا قدره))

 إذًا التفكر في ذات الله ممنوع و حرام و مهلك، و التفكر في مخلوقات الله فريضة من أرقى الفرائض، اطلعت على كتاب من كتب كلية الشريعة لجامعة دمشق للسنة الأولى عن النظم الإسلامية، النظام الإسلامي، ففي باب العبادات فوجئت، فريضة التفكر جاءت عند المؤلف قبل فريضة الصلاة، أساس الدين هو التفكر.
 وعن النبي صلى الله عليه و سلم أنه خرج على قوم ذات يوم وهو يتفكرون، فقال: مالكم لا تتكلمون ؟...." هذا اسمه في البلاغة تجاهل العارف، أحيانا يستخدم النبي هذا الأسلوب، دخل على أصحابه مرة في المسجد فرآهم قد تحلقوا حول رجل، فقال: من هذا ؟..." وهو يعرفه معرفة يقينية، قالوا: هذا نسابة، قال: و ما نسّابة ؟ قالوا: يعرف أنساب العرب، قال: ذلك علم لا ينفع من تعلمه، و لا يضر من جهل به...." أي مضيعة للوقت، كان يدعو و يقول: اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا، و زدنا علما، و كان يتعوذ و يقول كما في
حديث زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ لَا أَقُولُ لَكُمْ إِلَّا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ

 

(( كَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا ))

(رواه مسلم)

 قال: مالكم لا تتكلمون ؟ فقالوا: نتفكر في خلق الله عز وجل

(( فقال عليه الصلاة و السلام: فكذلك فافعلوا، تفكروا في خلقه و لا تتفكروا فيه ))

طبعا هذا نهي قطعي، لأن الله جل و علا لا تدركه الأبصار، فإذا تجاوزت حدك فتفكرت في ذات الله فإن في هذا الطريق هلاكا، و أي هلاك.
 بالمناسبة ؛ ما دام العقل لا يستطيع أن يخوض في ذات الله والعقل لا يستطيع أن يدرك كنه الله عز وجل، لكن الله تفضل علينا في قرآنه الكريم فأخبرنا عن ذاته بحيث أن ما عجز عقلك بإدراكه بذاته جاءك خبرا صادقا من الله عز وجل، قال تعالى:

﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾

[سورة الرعد]

 قال تعالى "

 

﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)﴾

 

[سورة الإخلاص]

 إلى آخر ذلك.
هذا حديث ذكرته مرة في خطبة، أحد أصحاب النبي اسمه عطاء انطلق إلى السيدة عائشة رضي الله عنها، و الله عز وجل يقول:

 

﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾

 

[سورة الأحزاب]

 فقال هذا الصحابي الجليل: و بيننا و بينها حجاب، تطبيقا لقول الله عز وجل، أخبرينها بأعجب شيء رأيته من رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قال: فبكت، و قالت: كل أمره كان عجبا، أتاني في ليلة و قال لي: يا عائشة ذريني أتعبد ربي، أي اسمحي لي، و لك الحق أن أجلس معك، أي أتسمحين لي، أتأذنين لي يا عائشة، ذريني أتعبد ربي، أو أتعبدْ ربي، جاب الطلب، فقام إلى قربة فتوضأ منها، ثم قام يصلي، فبكى حتى بل لحيته، ثم سجد حتى بلّ الأرض، ثم اضطجع على جنبه حتى أتى بلال يؤذنه بصلاة الصبح، اضطجاع تفكر، فقال: يا رسول الله ما يبكيك و قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك و ما تأخر، فقال: ويحك يا بلال و ما يمنعني أن أبكي و قد أنزل الله تعالى عليّ في هذه الليلة:

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 

 

[سورة آل عمران]

 ثم قال عليه الصلاة و السلام: ويل - أي هلاك - لمن قرأها و لم يتفكر فيها، أي ويل لمن قرأ هذه الآية و لم ينفذ مضمونها فيتفكر في خلق السماوات و الأرض، لأن حجم خشيتك بحجم تفكرك، أنا كنت أضرب أمثلة موضِّحة، أنت الآن في الخدمة الإلزامية، جاءك أمر من عريف، سبعة واحدة، هذا الأمر له وزن، إذا من سبعين يصير أثقل، ومن ثمانية أو ثمانيتين، أو نجمة على الكتف أثقل، كلما كثرت النجوم، صار بعد ذلك سيفان، و صار هناك شيء أحمر، و بعد ذلك صار الصدر مملوءا بالأوسمة، كلما كثرت الرتب صار الأمر مخيفا، هذا مثل طبعا، و كذلك الإنسان كلما عرف عظمة الله عز وجل عرف قيمة أمره، لهذا النبي عليه الصلاة و السلام ثلاث عشرة سنة في مكة المكرمة يعرِّف الناسَ بالله عز وجل، فحينما عرّفهم بالله عز وجل عرّفهم بأمره و بشرعه، قال

(( ويل لمن قرأها و لم يتفكر فيها..." قيل للأوزاعي: ما غاية التفكر فيهن ؟ قال: يقرأهن و يعقلهن ))

 بالمناسبة أيها الإخوة، كلما قرأت في القرآن الكريم أية كونية اعلم أنَها موضوع للتفكر، ليست هذه الآية هي التفكر، موضوع للتفكر، هذه عنوانات لموضوعات التفكر، مثلا ؛ لما أنت تفتح صنبور الماء في بيتك، و تملأ كأس الماء لتشربه، خطر ببالك أن لو أن الله عز وجل كلّفك أن تخزِّن الماء عندك، تحتاج إلى مساحة بقدر مساحة بيتك بالضبط، الذي بيته مائتا متر لا بد له من مائتي متر أخرى ماء يستهلكه طوال العام، أما ربنا عز وجل جعل خزانا نبع الفيجة يتمدد من دمشق و إلى مشارف حمص، ومن أسفل جبال لبنان إلى سيف البادية، ادخلوا إلى بناء عين الفيجة في الطابق الثالث تجدوا المصور الجيولوجي لحوض الفيجة، والله قال:

 

﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)﴾

 

[سورة الحجر]

 موضوع تفكر هذا،

 

﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)﴾

 

[سورة الحجر]

 من خزن هذا الماء ؟ الآن إذا أرادوا أن يضعوا مستودعات للماء أكمل مستودع ما اقترب من تصميم الله عز وجل، تحت الأرض بأربعمائة متر، في حبل قاسيون أربعمائة متر، حيث الظلام الدامس، من خزن هذا الماء، تشرب ماء زلالا، فكلمة:

 

﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)﴾

 

[سورة الحجر]

 هذا موضوع للتفكر، و كيف أن هذا النبع يقدم كل ثانية ستة عشر متر مكعب، و في أيام الثوران خمسا و ثلاثين متر مكعب، و في أيام الشح متر، أو متر و ستين:

 

﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)﴾

 

[سورة الحجر]

 فكلما قرأت آية في القرآن الكريم اجعلها موضوعا للتفكر، و كلما ازداد علمك بالله ازدادت خشيتك، و كلما ازدادت خشيتك عظم حالك، حال الخشية، وكلما عظم حالك اندفعت إلى الحركة، و العلم الصالح، فذكر مثل بسيط، كبيرة و شمعة، أشعلت الشمعة فأضاءت لك الغرفة فرأيت ألماسا غالي الثمن، ففرحت و أقبلت عليه، و كذلك التفكر، إذا تفكرت، التفكير يضيء لك الحقائق، يكشف لك الحقائق، إن كشف لك الحقائق تاقت نفسك إليها، إن تاقت نفسك عليها أقبلن عليها، ففعلتها فسعدت في الدنيا و الآخرة.
 أحد التابعين قال: ركبت إلى أم ذر، هذه غير أبي ذر، بعد موت أبي ذر، فسألتها عن عبادة أبي ذر فقالت: كان نهاره ألمع في ناحية البيت يتفكر " وعن الحسن - وهناك من يروي هذا الكلام عن رسول الله، هو للإمام الحسن " تفكر ساعة خير من قيام ليلة " و عن الفضيل: الفكر مرآة، تريك حسناتك و سيئاتك " وقيل لإبراهيم: إنك تطيل الفكر، فقال: الفكر مخ العقل " و كذان سفيان بن عيينة يقول هذا البيت:

 

إذا المرء كانت له فكرة  ففي كل شيء له عبرة

 أي هذا الفكر يجب أن يستيقظ، أنظمة التعليم أحيانا تشحن الفكر بالمعلومات من دون أن تدرِّبه على العمل، تجد الفكر، مرة أعتقد الإمام الغزالي قيل له: فلان حفظ كتاب الأم للشافعي، فتبسم و قال: زادت نسخة، والنبي الكريم يقول: كونوا للعلم وعاة، و لا تكونوا له رعاة...." الإنسان يحفظ يحفظ، هذا إنسان عبارة عن كتاب، عبارة عن قرطاس، عبارة عن مسجلة، أما حينما يفكر يبدع، فالإنسان هذه عبادة من أرقى العبادات، إن شربت كأس الماء، أحيانا الطعام وحده مجال واسع للتفكر، قال تعالى:

 

 

﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾

 

[سورة عبس]

 أحيانا إذا تناولت شيئا من لحم الخروف، الخروف مصمم كالإنسان تماما، درس عملي كل يوم، امسك الفقرات، كيف هي متراكبة، و في داخلها النخاع الشوكي، و كيف يتفرع هذا النخاع، هذا تجده في لحم الخروف، فربنا عز وجل قال:

 

﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20)﴾

 

[سورة الذاريات]

 قال: من كان منطقه ذكرا، و صمته فكرا، و نظرة عبرة، فإنه على شاكلة الأنبياء، والإمام الحسن يقول: من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، ومن لم يكن سكوته تفكرا فهم سهو، ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو " لغو و سهو ولهو، من لم يكن كلامه حكمة فهو لغو، قال تعالى:

 

﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)﴾

 

[سورة المؤمنون]

 ومن لم يكن سكوته تفكرا فهم سهو ومن لم يكن نظره اعتبارا فهو لهو " بعضهم قال في تفسير قوله تعالى:

 

﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾

 

(سورة الأعراف)

 قال بعض المفسرين: أمنعهم من التفكر، قال تعالى:

 

﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾

 

(سورة الأعراف)

 أحد التابعين يقول: ما طالت فكرة امرئ قط إلا علم، و ما علِم امرؤ قط إلا عمل، تفكر، علم، عمل، وقال عمر بن عبد العزيز: الفكرة في نعم الله عز وجل من أفضل العبادة " قال بشر: لو تفكر الناس في عظمة الله ما عصوا اله عز وجل " لاحظتم العلاقة، إذا المعصية أساسها عد الخشية، و عدم الخشية أساسها عدم العلم، علم خشية طاعة، جهل عدم خشية معصية.
 أبو شريح كان يمشي، إذ جلس فتقنع بكسائه، وقعد يبكي، قيل له: ما يبكيك ؟ قال: تفكرت في ذهابي عمري وقلة عملي و اقتراب أجلي " أنا أعجب شيء يلفت نظري إنسان في الخمسينات أو الستينات لا يصلي، يلعب الطاولة، يبحلق في النساء، مراهق في هذا السن، هذا ما تفكر في نهاية حياته كيف يلقى الله عز وجل، الإنسان إذا بلغ الأربعين بلغ أشده، و الأربعين إنذار من الله عز وجل، و الشيب إنذار، و ضعف البصر إنذار، عبدي كبت سنك و انحنى ظهرك، و ضعف بصرك و شاب شعرك، فاستح مني فأنا أستحي منك.
أبو سليمان الداراني يقول

(( عوِّدوا أعينكم البكاء و قلوبكم التفكر " قال: الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة ))

 لطاقة الفكرية، معظم الناس هكذا، الطاقة الفكرية منصرفة لجمع المال، أول من يفتح عينيه، عندنا قبضة اليوم، و هذه البضاعة لم تشحن، وفلان فقس، لا حول إلا بالله، أول ما فتح عينيه، ما قال: لا إله إلا الله، قبل أن يقول: سبحان الله و بحمده، قبل أن يقول كما قال النبي: كان إذا استيقظ يقول:

 

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 

[سورة آل عمران]

 لذلك اتخذوها قاعدة يرد عليك عند الاستيقاظ فهذا دليل ما أنت فيه منغمس، فإذا الإنسان أول فاق الصلاة، و القرآن و الآية الفلانية، مجلس علم الفلاني، و العمل الصالح، والله هنيئا له، أما إذا أول ما فاق على الدنيا فهذه مشكلة، هناك مفاجآت، والحديث لا يشبع منه، بادروا بالأعمال الصالحات، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا، لو واحد يعيش، و جسمه تام صحيح قوي غني، و متمتع بكل ملاذ الحياة، يا ترى إلى متى، هنا السؤال، إلى متى، إلى الأبد، لا والله، عاش مائة وثلاثين سنة، وبعد ذلك ؟ أنا كان عندي درس ألقيته تحت عنوان " ثم ماذا؟" صار معك ألف ألف مليون، ثم ماذا ؟ و ما تركت مكانا زرته في العالم، ثم ماذا ؟ فقال النبي الكريم،

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

(رواه الترمذ)

 هناك مفاجأة، لابد منها، طبعا هذا لمن المفاجأة ؟ لمن غفل عن الله عز وجل، لمن انكب عن الدنيا، لمن جعل القرآن وراء ظهره، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، حدثني أخ الأسبوع الماضي قال: واللهِ زيد من الناس قال لي: والله يملك بضع المئات من الملايين، قال لي: واللهِ الآن لا يملك ثمن رغيف خبز، كما أن الله عز وجل إذا أعطى أدهش، إذا سلب أدهش، هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا هناك واحد لم تعجبه المعيشة في هذا البلد جمع و طرح وقسم وضرب، قال: ثمن معملي، و ثمن محلي بالحريقة وحق مزرعتي و سيارتي و بيتي، فوجده مبلغا ضخما، أذهب إلى أوروبا وأضعه في البنك فآخذ في السنة كذا مليون، أعيش ملِك بلا شغل وبلا تموين وبلا جمارك و بلا مالية، عدّد متاعب التجارة، وهكذا فعل، و الإنسان موجود، ذهب - أعتقد إلى السويد - غلطة، توهّه الله فيها المال و المبلغ ضخم حتى يضعه في البنك لا بد له من إقامة ولابد له من وثيقة، ثاني يوم وضعه على اسم واحد مؤقتا، ثم قال له: ليس لك عندي شيء، إنسان فجأة من كل شيء إلى لا شيء، ليس لك عندي شيء، و النبي عليه الصلاة و السلام قال: فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، كان مستقيما على الغنى ترك الاستقامة، أراد النواهي و النوادي الليلية، وأراد غير هذه الزوجة، وجد هذه الزوجة قديمة، فأحب واحدة " سبور "

 

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوْ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوْ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))

 

(رواه الترمذي)

 فقال: الفكر في الدنيا حجاب عن الآخرة " محجوب، و الفكر في الآخرة يورث الحكمة و يحيا القلب به " إذا فكرت في الآخرة، في ساعة اللقاء مع الله عز وجل تدخل على الجامع، و على الصلاة، على القرآن، و على الصدقات، وعلى إعانة الضعفاء، وعلى البكاء، على التذكر، واللهِ يا إخوان هناك كلمات لا أشبع منها، أنا أقول لكم كلمة دائما: من.......بالهم والهمة " يقول الجنيد رحمه الله تعالى أشرف المجالس و أعلاها الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد، والتنسم بنسيم المعرفة، و الشرب من كأس المحبة من بحر الوداد، و النظر بحسن الظن بالله عز وجل، ثم قال: يا لها من مجالس ما أجلها، ومن شراب ما ألذه، طوبى لمن رُزقه"
 يا أيها الإخوة ؛ هؤلاء الذين استقاموا على أمر الله وأقبلوا عليه و أحبوه، و ذابوا في حبه، واللهِ في قلوبهم سعادة او وزِّعت على أهل بلد لكفتهم، واللهِ أصحاب الملايين يفتقرون إلى بصيص من سعادتهم، حتى أن أبا يزيد البسطامي يقول: لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليه بالسيوف "، تتعرف إلى الله و تشقى، اسمع الدعاء كل يوم في الفجر: سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت " الإمام الشافعي يقول: استعينوا على الكلام بالصمت، وعلىالاستنباط بالفكر
"، وقال: صحة النظر في الأمور نجاة من الغرور ".
هذه الأقوال كلها لأصحاب النبي، و التابعين، من كبار العلماء في شأن الفكر، أنا كنت أقول لإخواننا الكرام، الإنسان صباحا هذه ساعة الفجر لا تعدلها ساعة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ

(( لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا ))

(رواه البخاري)

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَلَّى الْغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ ))

(رواه الترمذي)

 إذا الإنسان صلى الفجر و قرأ خمس صفحات من القرآن، و ذكر الله ربع ساعة، و تفكر في آية من آيات الله، افتح القرآن الكريم و تأخذ موضوعا:

 

﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22)﴾

 

[سورة الحجر]

 موضوع الأمطار، طبقات الأرض، النفوذة و الكتيمة و المستودعات، و بعد ذلك تفجر الينابيع، و الماء كان مالحا فصار عذبا زلالا، الماء كان مقطّرا صار ماء معدنيا، المملكة السعودية عندها محطات تحلية، تقدم ماء مقطرا لا يصلح للشرب أبدا، لابد من خلطه بمياه الآبار، لأن المياه المفيدة فيها معادن منحلة، يقول: هذه مياه معدنية، لتر و نصف ثمنه كذا ليرة، كالسيوم مغنيزيوم وكبريت و فوسفور، من جعل هذه المعادن تحل في الماء ؟ من صمم الماء، كأس الماء أيها الإخوة تتعرف إلى الله به، هذا التفكر، فالإنسان ابنه أمامه كان نقطة ماء، يكلمه و يمزح معه و يضحك، وينشد نشيدا، و يقرأ له سورة يس، حدثني أحد إخواننا قال لي: بعثت ابني إلى مدرسة حضانة، ولكن يبدو أن اتجاهها إسلامي، فثاني يوم استيقظوا مبكرين، لم يصلوا إلى وضع الأكل، أعطوه سندويش، وقال له: كلها في الطريق، قال، يا بابا قال عليه الصلاة و السلام: الأكل في الطريق دناءة.." لماذا آكلها في الطريق، واللهِ شيء جميل، هذا كان نقطة ماء، كان من ماء مهين لا تُرى بالعين، ثم صار طفلا يتكلم، و يبتسم، طيب فكر و دماغ و مشاعر و أحاسيس وقلب و أوعية و دسامات و رئتين و عظام و عضلات و بنكرياس وطحال و كظر، ما هذا الإنسان، فيه آلاف الأجهزة و الآلاف الأنسجة.
 الآن، الإمام الغزالي، سبحان الله علم واحد، درسنا نحن في الجامعة في مادة المنطق أنه عندنا المنطق الصوري، خذ مثلا، كل إنسان فان، هذا مثل شهير، سقراط إنسان سقراط فان، عندك معلومتنا إذا تفاعلتا أعطتك معلومة ثالثة جديدة، هذا التفكر، التفكر أن تتذكر حقيقتين من تفاعل هاتين الحقيقتين تأخذ حقيقة ثالثة، فالغزالي يقول: إن هناك طريقان؛ طريق التفكر و طريق التقليد، واحد لك ثقة فيه قال لك يا ابني، والآخرة أفضل و الآخرة باقية، آثر الآخرة، هذا السلوك الآن لا يصلح، سلوك التقليد، وبالمناسبة التقليد في الدين لا يُقبل، لو قبلنا بالتقليد لصار كل إنسان تكلم بالباطل فقلّدته فأنت صرتَ غير مؤاخذ، لا يقبل في العقيدة إلا التحقيق، لهذا قال الله عز وجل:

 

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

 

[سورة محمد]

 لا يقبل إلا التحقيق، و التقليد مرفوض، قال: و الطريق الثاني، لو أنك عرفت أن الأبقى أولى بالإيثار، واحد قال لك: تأخذ هذه السيارة سعة واحدة، وهذه الدراجة على طول، صفنت، ساعة تمضي كلمح البصر، أما هذه الدراجة ثمنها ثمانية آلاف على طول، ماش الحال، طبعا التفكير السليم أن تقبل أنت بطلب الأطول و الأبقى، يقول لك واحد: تأخذ هذه السيارة ساعة موديل 92، زرقاء جديدة، أو تأخذ هذه السيارة كذلك 92 و لكن على طول، تفكر شيئا، تقول له: دعني أفكر ! أعوذ بالله، الاثنتان نفس الموديل، واحدة ساعة واحدة على طول، مرحلة ثالثة ؛ لو قال لك: تأخذ هذه الدراجة ساعة أم هذه السيارة التي ثمنها ثلاثة عشر مليون على طول ؟ يا ليتك تفكر، هكذا قال الله:

 

﴿وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾

 

[سورة الضحى]

 ماذا قال سحرة فرعون:

 

﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)﴾

 

[سورة طه]

وليس فقط أطول، بل خير و أبقى، بربكم هذا الذي يختار الدنيا فقط كم سنة بعد الأربعين، ما تستطيع أن تتنعم قبل الأربعين سنة، يكون لك بيت لوحدك، إذا كنت تسكن مع أهلك كل حركة أنت مراقب فيها، مشكلة الأم و مشكلة الزوجة، بيت لوحدك و دخل معقول و مركبة ترفعك عن الأرض، لا بد لك من أربعين سنة، ماذا بقي من العمر ؟ مضت الثلثان و بقي الثلث، والثلث الله أعلم ماذا يحصل له من علل في جسمه، مليون علة في جسمه، تنشأ له مشاكل مع أولاده ومع زوجته، يطلق لا يطلق، ما تعرف، هذه واللهِ مغامرة، الآخرة أفضل، لذلك قال الإمام الغزالي: إذا عرفت أن الأبقى أولى بالإيثار - هذه حقيقة - الحقيقة الثانية الآخرة أبقى، هاتان معلومتان، التفكر أن أقول: يجب أن أوثر الآخرة، فالتفكر هو تولد حقيقة من حقيقتين، تسمى في المنطق مقدمة أولى ومقدمة ثانية و نتيجة، كل إنسان فان، سقراط إنسان، سقراط فان،مقدمة أولى، مقدمة ثانية، نتيجة، لذلك فرّق العلماء بين التفكر و التذكر، التذكر استحضار حقيقة سابقة، إذا الواحد ذكر الله هل يزداد به علما ؟ لا، ولكن يزداد قربا، الذكر،

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾

[سورة الرعد]

 أما إذا أردت أن تزداد علما يجب أن تتجه نحو التفكر، التذكر يطمئن، أما التفكر فيزيدك علما، التذكر استحضار حقائق سابقة، تذكرها، فيها فائدة منها، لذلك صباحا ذكر و تفكر، ذكر انحضار الأشياء القديمة فتمكِّنها، أما التفكر فهو إحداث شيء جديد، أنت بالتذكر تطمئن، و بالتفكر ترقى.
 عندنا ملاحظة ؛ التفكر عملية فكرية يحتاج إلى مواد أولية، لو فرضنا إنسانا قرأ موضوعا عن الطيور، هذا الموضوع ليس تفكرا، و قراءة هذا الموضوع ليس تفكر، و لكنه مواد أولية للتفكر، قرأت كتابا عن جسم الإنسان ؛ عن قلبه و عن رئتيه و عن معدته وعن أمعائه ,عن دماغه و عن عضلاته وعن.." هذه معلومات مواد أولية، مواد خام، تحتاج إلى تصنيع، التفكر في الله هو القفزة نحو الأعلى، ليس هناك تناقض بين أن تقرأ موضوعا علميا و تأخذ منه حقائق تتأمّل فيها إلى أن تصل إلى حكم من خلال التفكر، ليس هناك تناقض أبدا، فالتفكر بلا بضاعة لا يقدم شيئا، بضاعة بلا تفكر لا تقدِّم شيئا، الأجانب بضاعة بلا تفكر، لهم حقائق دقيقة عن الكون، لهم مؤلفات تذهب بالعقول، تجد ثماني صفحات مراجع حول موضوع علمي، بضاعة مواد أولية غير مصنعة، وهناك أماكن فيها آلات و لكن لا توجد مراد أولية، الأكمل أن تملك معلومات دقيقة عن الكون، و من خلال هذه المعلومات تقفز بها لمعرفة الله عز وجل.
 أجمل فقرة في الموضوع، قال: - اسمعوا بدقة - ثمرة الفكر هي العلوم، و الأحوال و الأعمال " الثمرة الخاصة إذا حصل العلم في القلب تغير حال القلب، أوضح مثل ؛ وإن كان مثلا سلبيا و ليس إيجابيا، واحد قاعد مرتاح في بستان، نظر فإذا هو بحية - أعوذ بالله - صورة هذه الأفعى انطبعت على الشبكية، الشبكية نقلتها إلى الدماغ، هنا إحساس، في الدماغ إدراك، لما أدرك شعر أن جسمه تنمّل، قفز، هذا دوركايم عالم نفس يقول: علاقة الإنسان بالمحيط الخارجي وفق قانون ؛ ثلاثة كلمات ؛ إدراك و انفعال وسلوك، إذا كان إدراكك أن هذه أفعى بشكل جيد، لو فرضنا أن طفلا عمره سنة و كان في حصيدة مع أهله، يمر الثعبان على جنبه يمحلس عليه و لا يقفز، و لا يقشعر جسمه و لا يخاف ولا يصيح، لأنه لا يوجد إدراك، إدراك صحيح انفعال صحيح، يقشعر جسمك و ينمل و حية جنبك ثم تتم القعود، كذاب، لو أنك أدركت أن هذه أفعى وأن لدغتها، قاتلة يمكن أن تقفز و تصيح، أو تقتلها، هذا قانون " إدراك، انفعال، سلوك " هذا كلام الغزالي، العالم الفلاني الكلام نفسه، ما قاله دوركايم قاله الغزالي قبله بألف عام، التفكر" إذا حصل العلم في القلب تغير حال القلب، وإذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح " بربكم هذا الكلام ألا يطابق ذاك الكلام ؟ مائة في المائة" إذا حصل العلم في القلب تغير حال القلب، وإذا تغير حال القلب تغيرت أعمال الجوارح " فالعمل تابع للحال، و الحال تابع للعلم، و العلم تابع للتفكر، و التفكر تابع للتذكر، تذكر تفكر علم حال عمل، جنة بعد ذلك،، تذكر تفكر علم حال عمل، جنة، لذلك قالوا: التفكر خير من الذكر، الذكر لا زيادة فيه، أما التفكر ففيه زيادة.
 آخر مثل في الدرس ذكرته في أول الدرس، طاولة عليها شمعة وكبريت، وفي غرفة مظلمة، وإنسان على وشك الموت جوعا - سأضيفها إضافة - فمسك الكبريت و أشعله وأشعل الشمعة، فأضاءت له الطاولة، فإذا على الطاولة مثلا خمسمائة ليرة، هو على وشك الموت جوعا، حينما تفاعل الكبريت مع الشمعة حصل العلم، العلم نور أضاء له هذه الخمسمائة ليرة، فتبسم وفرح و ضحك، كان على وشك الموت جوعا، فأخذها و انطلق و اشترى طعاما و شرابا، مثل بسيط، و لكن التفكر يؤدي إلى العلم، و العلم إلى الحال، و الحال إلى العمل و العمل إلى الجنة، فلذلك ربما كان التفكر الطريق إلى الله عز وجل، وهذا معنى قوله تعالى:

 

﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾

 

(سورة الجاثية)

 السعيد مكن أُلهم تطبيق هذا الأمر الإلهي، التفكر من أجل العبادات، والتفكر يمكن أن يكون طوال النهار، إذا الواحد متعلق بالله عز وجل.
 مرة قرأت في كتاب، أن في الدماغ جهاز بالغ التعقيد، هذا الجهاز يحسب تفاضل وصول الصوت من الأذنين إلى الدماغ، من هنا إلى هنا كم سنتيمتر تقريبا ؟ خمسة عشر، الصوت ينتقل في الثانية ثلاثمائة ثلاثون مترا، الضوء ثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية، لهذا السر تجد البرق تراه قبل الرعد، إذا واحد رأى نحّات حجر، من بُعد خمسين مترا، بعد أن يضرب يسمع الصوت، بعد الضربة تسمع الصوت، فالصوت ينتقل ثلاثمائة و ثلاثين مترا في الثانية، أما الضوء فثلاثمائة ألف كيلومتر في الثانية، لذلك قال تعالى:

 

﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾

 

[سورة السجدة]

 قدّم البصر لأنه أسرع، أما في ثانية عشر آية قال:

 

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾

 

(سورة المؤمنون)

 لأن تشكل السمع يبدأ في بطن الأم، أم البصر فلا يبدأ إلا بعد الولادة، الإحساس بالضوء بعد الولادة، أما إدراك الأصوات فالجنين في بطن أمه يسمع الأصوات، ليس هذا القصد، فهناك جهاز في الدماغ يحسب لك تفاضل وصول الصوت من كل أذن إلى الدماغ، والحقيقة لو كان الصوت من هنا دخل إلى هذه الأذن قبل هذه بواحد على ألف و ستمائة و خمس وعشرين جزء من الثانية، لو أطلقنا طلقة خلبية على يمين الإنسان، فالصوت يبدأ من الأذن اليسرى، يصل الصوت قبل اليمين بواحد على ألف و ستمائة و خمس وعشرين جزء من الثانية، قال: هناك جهاز في الدماغ يحسب تفاضل وصول الصوتين، فينبئ الإنسان بجهة الصوت، الدليل امش في الطريق، نصف الطريق واسمع صوت سيارة تأتي على اليمين، لماذا على اليمين، لأن السيارة أتت على اليسار، لو كان من اليسار تأتي على اليمين، دون أن تلتفت تعرف مصدر الصوت، من خلا هذه الجهاز، مرة كنت أقود مركبتي عائدا من سفر كان هناك أمامي قطيع غنم فأطلقت البوق فذهبوا على اليسار، ليس فقط نحن، كذلك الغنم له الجهاز نفسه، دون أن يلتفتوا سمعوا البوق أخذوا على اليسار، معنى ذلك أن عندهم جهاز، فالتفكر يمكن أن تتفكر طول النهار، لما أنت هذا الفكر يقبل على إدراك الحقائق هذه العبادة، أنت مع الله دائما، مع عظمته، ومع رحمته، و مع علمه، مع قدرته و مع غناه.
 فيا أيها الإخوة هذه عبادة أغفلها معظم الدعاة، أغفلتها معظم الحلقات الدينية، كأنها ليست موجودة، مع أن ثلث القرآن يتحدث عنها، بالتفكر ترقى، التفكر يزيد حجم معرفتك بالله، ومه المعرفة خشية، ومع الخشية استقامة وتطبيق، لذلك قال سيدنا بلال: لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت "
آخر آية في الموضوع، قال تعالى:

 

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

 

[سورة فاطر]

 إنما أداة قصر، أي العلماء وحدهم، و لا أحد سواهم يخشون الله، وحدهم، لذلك طريق العلم هو العلم، مرة أحد العلماء الأجلاء توفي رحمه الله، قاد ابنه إلى مدرسة لتعليم العلم الشرعي، وقال له في الطريق: يا بني واللهِ لو علمتُ أن كسح القمامة يوصلك إلى الله لجعلتك كناسا، و لكنني أعلم علم اليقين أنم العلم وحده يوصل إلى الله " إياك أن تظن أن هناك طريقا آخر غير العلم، العلم وحده و لا شيء سواه يوصل إلى الله، تتعلم، تستنير و تنفعل، وتعمل أعمالا صالحة تدخل الجنة، أول حركة العلم، والعلم أساسه التفكر، و تفكر ساعة خير من عبادة سبعين عاما،

 

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3)﴾

 

[سورة القدر]

 الألف شهر يساوون ثمانين سنة، أي إذا تفكرت في الكون و قدّرت الله حق قدره، تسبق من عبد الله ثمانين عاما، تفكر ساعة خير من أن تعبد الله ثمانين عاما.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018