بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 045 - إحياء علوم الدين3 - مراقبة الله عز وجل.


1992-08-24

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم... مع الدرس الثالث من دروس إحياء علوم الدين، الجزء السادس من إحياء علوم الدين فيه كتبٌ ثلاثة، كتاب المراقبة والمحاسبة، وكتاب التفكُّر، وكتاب تذكُّر الموت، أمضينا درسين الأول في موضوع التفكُّر، والثاني في موضوع تذكُّر الموت، واليوم ننتقل إلى كتاب المراقبة، الحقيقة المراقبة صفة تلازم المؤمن، ولها أثر كبير وخطير في حياته وفي استقامته، وفي فلاحه ونجاحه، كيف لا، وقد قال الله جل جلاله في القرآن الكريم:

﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾

 

( سورة الرعد: من آية "33" )

 تحت المراقبة الشديدة، تحت:

 

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾

 

 

( سورة الفجر )

﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾

 

( سورة الرعد: من آية "33" )

 رفي آية ثانية:

 

﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14)﴾

 

 

( سورة العلق )

 آية ثالثة:

 

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)﴾

 

 

( سورة النساء )

 آية رابعة:

 

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33)﴾

 

 

( سورة المعارج )

 وأما الحديث النبوي الشريف:

 

(( اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ))

 هذه الآيات، وهذا الحديث ننطلق منهما في درس المراقبة:

 

 

﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾

 

 

( سورة الرعد: من آية "33" )

﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14)﴾

 

 

( سورة العلق )

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)﴾

 

(سورة النساء)

﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33)﴾

 

( سورة المعارج )

(( اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ))

 هذه الآيات وهذا الحديث تكفي كي يشعر الإنسان المؤمن أنه تحت المراقبة الشديدة، وإذا كان كذلك استقام على أمر الله جل جلاله.
ابن المبارك قال لرجل: راقب الله تعالى، فسأله عن تفسير ذلك. فقال له: كن أبداً كأنك ترى الله. أي كن دائماً كأنك ترى الله.
 وقال عالم آخر: إذا كان سيدي رقيباً عليّ فلا أبالي بغيره. هذا القول له عندي شأن كبير، مثلاً: أنت لك محل تجاري، يدخل إلى هذا المحل عشرات الأشخاص بل مئات الأشخاص، وكل شخص يسألك عن حاجةٍ، وتبيعه إيّاها، فإذا راقبت الله عز وجل وخشيته ؛ فلم تظلم أحداً من هؤلاء، فالله جل جلاله يكرمك بأن يحفظك من شر خلقه، أي إن خفت منه، لن يخيفك من خلقه، وإن لم تخف منه أخافك من أحقر خلقه، أنت بين خيارين ؛ إما أن تخاف الله، وإما أن تخاف مَن لا يخاف الله، فاختر لنفسك: إما أن تخاف الله، وإما أن يجعلك الله تخاف مَن لا يخافك، إما أن تكون عبداً لله، وإما تكون عبداً لعبدٍ لئيم، لابد من أن تكون تابعاً لجهة، كُن تابعاً لأشرف جهة، كن عبداً لله، ومن كان عبداً لله كان حراً، لا تكن عبد شهوتك، لا تكن عبد بطنك، لا تكن عبد فرجك، لا تكن عبد خميصتك، قال عليه الصلاة والسلام:

 

((تعس عبد الدرهم والدينار، تعس عبد البطن، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الفرج ))

 فكن عبداً لله ولا تكن عبداً لعبدٍ لئيم، خف من الله عندئذٍ لا تخاف أحداً، لأن الله لن يخيفك من أحد، ولكن إن لم تراقبه في سرك، إن لم تراقبه في معاملة عباده، إن ظلمتهم، إن احتلت عليهم، إن غششتهم، إن أسأت عليهم، إن استغليت حاجتهم إليك، فلم تراقب الله فيهم، أخافك الله من أضعف خلقه، وملأ قلبك خوفاً ورعباً، هذا قانون.
 لذلك أنا أعرف إخوة كثيرين، لهم أعمال تجارية، ومضى حين من الوقت كان هناك شدة على الباعة، فأي مخالفة تقتضي السجن، والمبالغ الطائلة، فهؤلاء الذين خافوا الله فيما بينهم وبين الله، ولم يظلموا أحداً من عباده، ورأوا كل العباد عيال الله عز وجل، وكانوا أنفعهم لعيال الله، هؤلاء ربنا جل جلاله يحميهم من كل سوء، لذلك..

 

 

أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا  فإنا منحنا بالرضا من أحبنا
و لذ بحمـانا و احتـم بجـنابنا  لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
* * *

 هذه قاعدة، في بيعك، في شرائك، في تجارتك، في صناعتك، في زراعتك، فالإنسان أحياناً بالزراعة يستخدم هرمونات ممنوعة، ينمو النبات نمواً كبيراً، ترتفع أسعار منتجاته، ترضي السوق، ولكنها على حساب صحة الناس، فهذا الذي لا يخشى الله فيما بينه وبين الله، ويبتغي ربحاً سريعاً، هذه في الزراعة. في الصناعة، يمكن أن تغش المسلمين وهم لا يدرون، حتى المهن الراقية، التي أصحابها مصدر ثقةٍ عند الناس، يمكن أن يستغل أحدٌ ضعيف النفس هذه الثقة فيجني أرباحاً طائلة من خلال اختصاصه، عندئذٍ لا ينجو من مصيبة مفاجئةٍ قد يكون فيها مظلوماً في هذه الناحية، ولكن في النواحي الأخرى ليس مظلوماً. إذاً، إذا كان سيدي رقيباً عليّ فلا أبالي بغيره.
 وقال ابن عطاء الله السكندري: أفضل الطاعات مراقبة الحق على دوام الأوقات. كما لو أن إنسان سافر لبلد، وهذا البلد فيه شدة بالغة، وصار هناك مَن يتبَعه، وهناك مَن يحصي عليه أنفسه، وحركاته، وسكناته، يشعر أن هناك مراقبة شديدة، المؤمن يشعر بمراقبة الله له، لذلك يخاف الله، يتأدَّب مع الله، ينضبط بشرع الله عز وجل، دقق في هذا الكلام أحد العلماء يقول: إذا جلست للناس فكن واعظاً لنفسك وقلبك، ولا يغرنَّك اجتماعهم عليك. لا تغتر بها، في دروس وفي خطب، يقول لك: عندي عشرين ألف، ثلاثين ألف، درسي خمسة آلاف، عشرة آلاف، ألفين، ألف، خمسمائة، قال: " إذا جلست للناس فكن واعظاً لنفسك وقلبك، ولا يغرنك اجتماعهم عليك، فإنهم يراقبون ظاهرك والله رقيب على باطنك " لا تغتر بهذا، هم يراقبون ظاهرك، والله مطلع على باطنك، على نواياك، لذلك مَن تعلَّم العِلم ليجادل به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فليتجهز إلى النار. دقق في نواياك، تعهد قلبك، لاحظ أحوالك.
القصة المعروفة: أن شيخاً له تلامذة ؛ بعضهم كبار متقدمون في السن، وله تلميذ صغير السن، كان يحبه حباً جماً، فعاتبه التلامذة الكبار فقال: ليذبح لي كل منكم طيراً في مكانٍ لا يراه أحد فيه، وليأتي إلي، فكلهم ذبحوا الطير هذا وراء الحائط، وهذا في غرفة، إلا هذا الشاب قال: والله يا سيدي، لم أجد مكاناً إلا والله يراقبني فيه، قال: هذا هو الذي امتاز عليكم به، شعوره أن الله معه دائماً.
 تروي بعض الكتب أن امرأة العزيز حينما راودت النبي الكريم يوسف عن نفسه، غطَّت وجه صنمٍ كان لها، استحيت منه، فقال لها يوسف عليه السلام: مالكِ، أتستحين من مراقبة جماد ولا أستحي من مراقبة الواحد القهَّار.
رجل سأل الجنيد: بما أستعين على غض البصر ؟ فقال: بعلمك، أن نَظَر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه. أنت تنظر، وفي منظور، وفي ناظر فوقك، نظر الناظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه، بهذه الحقيقة تستعين على غض البصر.
 وقال الجنيد: إنما يتحقق بالمراقبة من يخاف فوت حظه من ربه. وهذه كلمة دقيقة جداً، الحقيقة ما الذي يدفعك إلى طاعة الله ؟ ما الذي يجعلك تلتزم سبيل الاستقامة لا تحيد عنها أبداً؟ ما الذي يجعلك تحرص على الاستقامة ؟ هو أنه حينما اتصلت بالله عز وجل شعرت بهذه السعادة، وذاك القرب، وتلك الطمأنينة، وتلك الراحة، فأنت حفاظاً على راحتك، وعلى طمأنينتك، وعلى سعادتك، وعلى اتصالك بربك، تحافظ على طاعتك له، هذا ما قاله الجنيد، قال: إنما يتحقق بالمراقة مَن يخاف فوت حظه من الله.
 الإنسان له رزق ؛ يأكل ويشرب، وهذا الرزق يستوي فيه المؤمن والكافر، بل يستوي فيه الإنسان وغير الإنسان، لكن الرزق الذي ينالك من الله عز وجل من سكينةٍ، من راحة، من طمأنينة، من جلاء همٍ، من راحة بال، سيهديهم ويصلح بالهم، من شعورٍ بأن الله يحبك، هذا العطاء الذي يذيب القلب، هذا العطاء إذا كنت حريصاً عليه حرصاً شديداً تلتزم سبيل الاستقامة، هذا حظك من الله، لذلك " ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوضه الله خيرٌ منه في دينه ودنياه " معنى في دينه، أن اتصالك بالله يبقى كما هو، شعورك بأنه يحبك هو هو، أما إذا خالفت منهج الله عز وجل، شعرت بأنك مطرودٌ من رحمته، وهذا هو اللعن الذي ذكره الله في القرآن الكريم:

 

 

﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾

 

 

( سورة محمد: من آية " 23 " )

 أي أبعدهم عن حضرته، الإنسان الفاسق في الدنيا ملعون، أي بعيد، وفي الآخرة محجوب..

 

﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)﴾

 

 

( سورة المطففين )

 والله أيها الإخوة... ما من عذابٍ يعذِّب الإنسان بعد أن يصحو من غفلته في الدنيا، " الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا "، بعد أن تصحو من غفلتك في الدنيا، ما من عذابٍ أشد على النفس من أن تحجب عن الله عز وجل، مصداقاً لقول الله عز وجل:

 

﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)﴾

 

 

( سورة المطففين )

 أحد العلماء سئل عن المراقبة، فقال: أولها علم القلب بقرب الرب. إذا علمت أن الله معك، مر معي حديث شريف:

 

(( أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله تعالى معه حيث كان ))

 

( من الدر المنثور: عن " عبادة بن الصامت " )

 أي أعلى درجات الإيمان أن تشعر دائماً أن الله معك، فإذا شعرت أن الله معك انتهى كل شيء، استحييت منه، صار في خجل، في حياء، في طاعة، في ورع، صار في إقبال، في قرب، صار في ذكر.
 يروى أن الله تعالى قال لملائكته: أنتم موكَّلون بالظاهر، وأنا الرقيب على السرائر. الظاهر للملائكة، وللخلق، أما السرائر، لله عز وجل، لذلك يقول العامة: الله رب النوايا. الصافي، البريء، المخلص، الله عز وجل يتولاَّه، لأنه رب النوايا الطيبة.
 أحدهم قال: اجعل مراقبتك لمَن لا تغيب عن نظره إليك، واجعل شكرك لمَن لا تنقطع نعمه عليك، واجعل طاعتك لمَن لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمَن لا تخرج عن ملكه وسلطانه ـ اخضع لمن لا تستطيع أن تخرج عن ملكه وسلطانه، أنت في قبضته ـ واشكر مَن لا تنقطع نعمه عنك مع كل نفس. دققوا أيها الإخوة، إذا الإنسان أفرغ مثانته هذه نعمة لا يعرفها إلا من أصيب بالفشل الكلوي، هذا الذي يضطر أن يغسل دمه كل أسبوع مرتين في المستشفى، وأن ينتظر ثماني ساعات إلى أن يأتي دوره، ومع ذلك عشرين بالمائة من (الأسيد أوريه ) حمض البول، يبقى في الدم وهذه النسبة تسبب له التوتر العصبي، وضيق النفس، وسوء الأخلاء، لأن حمض البول إذا كثر في الدم له مضاعفات خطيرة جداً، فالإنسان إذا أفرغ مثانته وقال: الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأبقى لي ما ينفعني. مع إفراغ المثانة، مع تناول الطعام، مع الاستلقاء، مع النوم، نعمة النوم لا يعرفها إلا من فقدها.
 قال لي شخص: سافرت لبلد غربي وبقيت عشرين يوماً لم أذق طعم النوم، لم أدع طبيباً إلا وسألته، فيقول لي: الوضع جيد، الأجهزة سليمة، لكن هذه حالة قلقة، نفسية متوترة. إذا الإنسان يوم ما نام، ثاني يوم يشعر أنه مختل توازنه، لا يستطيع أن يفكر، إذا واحد يوم ما نام، أثناء الحج كان إقلاع الطائرة الثانية ليلاً، لم نتمكن من أن ننام، إعدادا الحاجات، و أقلعت الساعة السابعة صباحاً، الموعد الساعة الثانية، الإقلاع الساعة السابعة، ونهار مستمر، في المطار.. إلخ، يشعر الإنسان أنه كيانه كله مسدود، لا يقوى على التفكير، فكيف إذا ذهبت نعمة النوم ؟‍ إذا الإنسان شعر أن الله عز وجل تفضل عليه بنعمة الصحة، ونعمة الإيجاد..

 

﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً (1)﴾

 

 

( سورة الإنسان )

 نعمة الإمداد ؛ بالهواء، بالماء، بالأجهزة، بالأعصاب، بالشرايين، بالقلب، بالرئتين، بالزوجة، بالأولاد، بالمأوى، بالدخل، بالحرفة.. إلخ، نعمة الإرشاد ؛ دلك عليك، أرشدك إليه، ساقك إلى بابه، دلك على أحبابه، نوَّر قلبك بنوره، وسَّع عقلك بكتابه، أليست هذه نعم لا تعد ولا تحصى ؟ يا إخوان، المؤمن دائماً ممتن من الله عز وجل، إن سألته عن أحواله يقول لك، وكل خلية تنطق بهذه الكلمة: الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله على نعمة العقل، ونعمة الهدى، ونعمة الصحة، ونعمة الاستقرار، ونعمة السمعة الطيبة، ونعمة راحة البال، هذه كلها نِعَم..

 

﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾

 

 

( سورة إبراهيم: من آية " 7 " )

 " ولا يغيِّر الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "، ليطمئن أحدكم، القلق أيها الإخوة دمر النفوس، كتاب ألف في أمريكا اسمه ( دع القلق وابدأ الحياة ) ألفه ( دييل كارينجي ) طبع من هذا الكتاب خمسة ملايين نسخة، ماذا يعني هذا الرقم ؟ يعني أن القلق مرض العصر، توقع المصيبة مصيبة أكبر منها، أنت من خوف الفقر في فقر، وأنت من خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها، ونعمة الأمن هي نعمةٌ خالصةٌ لمَن ؟ للمؤمن، والدليل:

 

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾

 

 

(سورة الأنعام )

 لو أن الله قال: أولئك الأمن لهم. ماذا يعني: أولئك لهم الأمن، بين الأمن لهم ؟ حصر، الأمن لهم ولغيرهم، أما أولئك لهم الأمن وحدهم.

 

﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾

 

 

( سورة الأنعام )

 أيها الإخوة... قول الله عز وجل:

 

﴿أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4)﴾

 

 

( سورة قريش )

 نَم، ولست خائفاً، إذا واحد ارتكب جريمة وتوارى عن الأنظار، قد تأتيه حالة من شدة الخوف، والكوابيس، والآلام النفسية يذهب ليسلم نفسه ويستريح، لذلك:

 

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾

 

 

( سورة النحل )

 الذي ينام مساءً مطمئن، لا لأنه قوي، لا، بل إلى رحمة الله، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقي الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس، أن تشعر بالغنى الحقيقي، فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، قال لي أحدهم قبل يومين، قرأ كلمة أو سمعها من إنسان أعجبتني: واحد سألك آخر من أفقر الناس ؟ مَن هو الفقير ؟ قال له: الفقير الذي لا مال له، هذا الفقير، صحيح، قال من أفقر منه ؟ قال: الذي لا يملك إلا المال، غني فقط،ولكنه جاهل، هذا أفقر من الفقير، الفقير من ليس له مال، لكن الأفقر منه مَن لا يملك إلا المال، يملك أموال طائلة، ولكن لا يملك شيئاً آخر ؛ لا علم، ولا حكمة، ولا رحمة في قلبه، ولا فهم، ولا عقيدة صحيحة، ولا استقامة، ولا فهم لكلام الله، هذا أفقر من الفقير، لهذا سيدان علي قال: " الغنى ولفقر بعد العرض على الله " لا يسمى الفقير فقيراً إلا بعد الموت، ولا يسمى الغني غنياً إلا بعد الموت، لأن الغنى هنا عرضي، " الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل ".
 إذاً: اجعل مراقبتك لمَن لا تغيب عن نظره مرة، واجعل شكرك لمَن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل طاعتك لمَن لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه أبداً.
لذلك قال أحد الصالحين، قرأ حديثاً لرسول الله، استغنى به عن أربعمائة ألف حديث، حديث واحد، رواه الشبلي، قال:

 

(( اعمل لدنياك بقدر بقاءك فيها. كم سنة ؟ واعمل لآخرتك بقدر مقامك فيها، واعمل لله بقدر حاجتك إليه، واتق النار بقدر صبرك عليها ))

 الله عز وجل، إذا قلت لفلان: ما أعدله ‍‍!! هذه الصيغة ما نوعها ؟ ما أكرمه !! صيغة تعجب، ما أكرمه !! ما أعظمه !! في صيغة أخرى نظامية، صياغة أساسية: ما أكرمه، وأكرم به !! ما أعدله، وأعدل به !! ما معنى:

 

 

﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾

 

 

( سورة مريم: من آية " 38 " )

 الآن:

 

﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)﴾

 

 

(سورة البقرة )

 ويوم القيامة:

 

﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾

 

 

 

( سورة مريم: من آية " 38 " )

 ما أشد سمعهم الآن، ما أشد إدراكهم..

 

﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)﴾

 

 

( سورة ق)

 صيغة: ما أفعله !! صيغة تعجب، ربنا عز وجل قال:

 

﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175)﴾

 

 

( سورة البقرة )

 يعني كيف الإنسان يعصي الله وعقله برأسه ؟ أتحتمل النار ؟! أتحتمل لسعها ؟! أتحتمل وهجها ؟! أتحتمل حرها ؟! أحياناً ترتفع درجات الحرارة فوق معدَّلها، الناس يضجون، ويقولون: شيء لا يطاق، لم أنم للساعة الثالثة، نمت على الأسطوح. لا يتحمل، الله عز وجل أحياناً يذيقنا بعض الحر، لا نحتمل، فكيف بحر النار ؟! اعمل لله بقدر حاجتك إليه، اتق النار بقدر صبرك عليها، أعمل للدنيا بقدر بقائك فيها، اعمل للآخر بقدر مقامك فيها.
قال أحد العلماء: لم يتزيَّن القلب بشيء أفضل ولا أشرف من علم العبد بأن الله يشاهده. فأحمل شعور ينتاب القلب هو أن تشعر أن الله يراقبك، أن الله معك، لذلك ورد في بعض الأحاديث القدسية:
 " أن يا عبدي حسنت منظر الخلق سنين ـ الذي يدهن بيته، لماذا يدهنه ؟ في واحد ساكن بطابق من أبنية دمشق، فيبدو أن المدخل صار طلاؤه قديم، مزعوج من مدخل البناية، يقول لك: مدخل لا يليق، فجمع سكان البناية، أول جلسة، وثاني جلسة، وثالث جلسة، وأقنعهم أن يساهموا جميعاً في طلاء المدخل وتزيينه، ووضع أزهار وأصص، ولوحات على مدخل البناية، وإضاءة، وباب يفتح بطريق آلي، بدأ يعمل، ويعمل، ويعمل، وكان دعواه: لو صار عندنا لازمة بالبناية فو الله شيء مزري، يأتي الناس المعزين لهكذا مدخل، ولهكذا باب، وهكذا حوائط، فإلى أن انتهى البناء من الطلاء، والتزيينات، والتركيبات، والترتيبات، والأجهزة الكهربائية في فتح وإغلاق الأبواب، ما مضى يوم أو يومان على انتهاء الورشات من أعمالها، حتى وافته المنية، فكان كل هذا من أجله، فالإنسان ضعيف، اعمل لدنياك بقدر بقائك فيها.
 قال سئل بعضهم: ما معنى قوله تعالى:

 

﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)﴾

 

 

( سورة البينة )

 قال: معناه لمن راقب ربه. متى رضي الله عنك ؟ رضي الله عنك حينما استقمت على أمره، فلما استقمت على أمره، وأكرمك بما أكرمك به، رضيت عن الله، رضي الله عنك ؛ راقبته، فاستقمت على أمره، فرضي عنك، وبعد أن رضي عنك، رضيت عنه أنت، رضي الله عنهم ورضوا عنه.
 سئل أحد العلماء: بمَ ينال العبد الجنة ؟ قال بخمس ؛ استقامةٌ ليس فيها روغان، أحياناً الإنسان يجر المال إلى جانبه، ويستخدم القيم الدينية، يشعر بالحاسة السادسة، إذا القضية تنحل بالقضاء يقول: أنا أريد القضاء، نحن ببلد وفي قضاء، وإن شعر أن القانون ليس معه، لكن أحكام الشريعة تنصره، تجده يقول: أنا أريد شرع الله، أنا أريد الشرع، يكون عارف أن الشرع بجانبه، فإذا علم أن القانون إلى جانبه احتكم إلى القانون، وإذا علم أن الشرع إلى جانبه احتكم إلى الشرع، هذا اسمه روغان، هذا اسمه ختل، هذا اسمه تلبيس، تدليس، سئل أحد العلماء: بمَ ينال العبد الجنة ؟ قال: بخمس، استقامةٍ ليس فيها روغان... قال لي شخص: دخل لبائع غرف نوم، فالغرفة فيها سريران قال له: لو أردت سريراً واحداً قال له نخصم لك ألفين ليرة، غرفة ثمنها مائة ألف نخصم لك ألفين ليرة، غبت عنه شهر وقلت له: شاف غرفة سرير واحد، لو أريد سرير: اثني عشر ألف، لماذا تلغي سرير انحسب ألفين، وتريد تضيف سرير صار اثني عشر ألف، هذا روغان، ختل، المستقيم دائماً يرفع رأسه، عزيز عند الله وعند الناس...
 قال: استقامة ليس فيها روغان، واجتهاد ليس معه سهو... مجتهد دؤوب، أحياناً الإنسان يقبل على الدين بفورة، هذه مشكلة، هذه الفورة الله أعلم، شهر، شهرين، ثلاثة، ثم تجده همد، أنت تعامل الله عز وجل، لابد من الثبات يقول العوام: الثبات نبات، مَن لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة، الثبات يعمل تراكم، تراكم، تراكم علم، تراكم فهم، تراكم فضل، تراكم إقبال، تراكم استنارة، مع التراكم، مع الاستمرار، مع الثبات، لذلك الإنسان أحياناً يرتدي ثيابه ويخرج من بيته، كم مرة خروج ؟ في مليار خروج، خرج يدفع الكهرباء، خرج يداوم بوظيفته، خرج يشتري لحمة، خرج يزور صديق، خرج ضايق خلقه يتنزه بالطرقات، خرج، خرج..إلخ، أشرف خروج تخرجه من بيتك إذا توجهت إلى طلب العلم، " إن طالب العلم تضع له الملائكة أجنحتها رضا بما يصنع ".
لذلك:... واجتهاد ليس معه سهو، ومراقبة لله تعالى في السر والعلانية، وانتظار الموت بالتأهب له، ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسب، بهذه الخصال الخمس تستحق الجنة.
 قال بعض الشعراء:

 

إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل  خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل سـاعةً ول ا أن مـا تخـفـيه عـنه يـغـيـب
ألم ترى أن اليوم أسرع ذاهب  وأن غـداً لـناظـره قـريـب !!
* * *

 لذلك.. " مَن لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيء من عمله ".
 اسمعوا أيها الإخوة هذا الكلام الخطير، قال: إذا كنت عصيت الله خالياً، واحد عصى الله خالياً، في البيت وحده، وفتحت نافذة من نوافذ الجيران، فإذا امرأةٌ خلف النافذة، فنظرت إليها، وملأت عينيك منها، وأنت في البيت وحدك، ولا أحد يطلع عليك، قال: إذا عصيت الله خالياً ظننت أنه يراك إذا عصيته، وظننت أنه يراك لقد اجترأت على أمرٍ عظيم، ولئن كنت تظن أنه لا يراك فقد كفرت. أي إذا الإنسان عصى الله خالياً إما أنك اجترأت، وإما أنك كفرت، يعني إذا اعتقدت أنه لا يراك فهذا كفر، كفر بكلام الله..

 

 

﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16)﴾

 

 

(سورة الحجرات )

﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16)﴾

 

( سورة ق )

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾

 

( سورة الأنفال )

 إذا توهَّمت أن الله لا يراك فقد كفرت، وإن علمت أنه يراك وقد عصيته فقد اجترأت، فالذي يعصي الله خالياً إما أن قد اجترأ، وإما أنه قد كفر.
 قال: عليك بالمراقبة مما لا تخفى عليه خافية، وعليك بالرجاء مما يملك الوفاء، وعليك بالحذر ممن يملك العقوبة. فالمنافق ينظر، فإذا لا يوجد أحد يلغي طاعة، إذا ما في أحد ينظر، يطلق بصره، دائماً يشعر بمراقبة الناس له، قال: إن المنافق ينظر، فإذا لم يرَ أحد دخل مدخل السوء، وإنما يراقب الناس ولا يراقب الله عز وجل. وهذه القصة أرويها كثيراً جداً، وأحياناً من الطرائف أنني أقرأ قصةً وأرويها كثيراً، وأنسى من أين قرأتها، فأنا أقرأ هذه القصة من سنوات، ولكنني لا أدري أين هي، هنا الآن وجدتها، قال:
خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مكة، فعرَّسنا في بعض الطريق ـ معنى عرسنا أي جلسنا نستريح ـ فانحدر عليه راع من الجبل، فقال له:
ـ يا راع بعني شاة من هذا الغنم.
ـ فقال: إني مملوك.
ـ فقال: قل لسيدك أكلها الذئب.
ـ فقال: أين الله ؟ الله موجود.
قال: فبكى عمر، ثم غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه وأعتقه وقال: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو أن تعتقك في الآخرة. هذه الكلمة: ولكن أين الله ؟
 هذا هو الدين كله، إن قلت لي: يا أستاذ لخِّص لنا الدين كله. أقول لك: أن تراقب الله. لذلك التعامل مع المؤمن شيء مريح، مرة لزمني أطلي الدار، فأرسلت الأهل لبيت أهلهم، وأنا بعملي، وأخ كريم من إخواننا المؤمنين يطلي، البيت كل شيء فيه، لم أغلق شيء، فالجيران انتبهوا سألوني ؟! قلت لهم: هذا مؤمن، ما معنى مؤمن ؟ أي ثقتي به كثقتي بنفسي، هذا المؤمن، أي لا يمكن أن يأخذ قشة، هذا المؤمن، هذا الحد الأدنى وليس الأعلى، هذا الحد الأدنى، فبين تقعد مع الدهان وتراقبه، كم سطل دهان أحضرت، وإذا خرج من البيت تنظر ماذا أخذ معه، في واحد ذبح بطيخة وجورها ووضع فيها الدهان، معه بطيخة وأخذ فيها الدهانات، لا ترتاح، إذا أنت عندك أخ مؤمن وأحب أن يشتغل ببيتك، شيء مريح جداً لأنه يراقب الله، لا يكذب، لا يغش، ما في حاجة ما اشتراها، لا يرفع السعر عليك، ويقول: هذا غشيم، لبسناه، لا يقدر، فإذا أنت تعاملت مع إخوانك المؤمن تشعر براحة كبيرة، نائم على ريش نعام، كلام التجار مرتاح، وإذا واحد غير مؤمن، فكأنك في معركة، خائف من كل حركة من حركاته.
 قال لي واحد: أردت أن أحفر بئر بأرض، أحرنا حفار أبيار وليس حفار قبور، أحضرنا حفار مع الآلة والسيارة، حفر، حفر، حفر، ثم قال له: والله طلعوا ستة وثمانين متر، الحمد، كل متر له مبلغ باهظ، قال لي: أراد تركيب القمصان للبئر، قال له: احضر لي ستة وثمانين متر قمصان، فسأله: متى التركيب ؟ قال: بنصف الليل، هذا أنسب وقت من أجل الرطوبة، وغيرها، قال له: أنا سوف أنام اليوم عندك، فهو بيته بالشام وعنده مزرعة، لما اضطر ينام عنده، هذا الحفار حافر خمسين متر فقط، ويريد أن يأخذ ثمن ستة وثلاثين متر، ويأخذ بسيارة الستة وثمانين المتر حديد القمصان ليبيعهم، يريد أن يغشه مرتين ؛ مرة بأجر الحفر، ومرة بأجر القمصان، فلما رآه قاعد ما توقعها، فقال له: والله يظهر القسم السفلي أضيق قليلاً، اذهب وأحضر لي ستة وثلاثين متر قمصان أضيق. فقال لي: والله ما فهمت عليه، وجبت ثاني يوم، فأدخل هؤلاء بهؤلاء، هذا لا يراقب الله.
 تشعر أنك إذا عاملت شخص ما فيه دين، يريد أن يذبحك ذبح، يريد أن يقدم لك أقل شيء بأغلى سعر، تعامل مع المؤمن تجده صادق فيجب أن تربحه هذا المؤمن. يا أخواننا، فأن تقول: هذا أخونا بالجامع ولا تربحه، هذه قلة مروءة، فمن أين يعيش إذاً ؟ يجب أن تربحه، تربحه ربح معتدل ولكن هو لا يغشك، ولن يكذب عليك، ولن يضرَّك.
 فلذلك... عليك بالمراقبة ممن لا تخفى عليه خافية. أصحاب المصالح المؤمنون ما فيه يكذب، أحد إخواننا كان يلف محركات، فقبل التوبة، أو قبل الصلح مع الله وأحب هذه العبارة، قبل الصلح مع الله أحياناً يأتيه محرك، هذا المحرك ما فيه شيء، هو توهم أنه محروق، مقطوع فيه شريط، أفتحه أجده مقطوع، ألحمه بالكاوي خمسة دقائق، بعد جمعة يأتي أعمله صرعة: شغل، اشتغل، كان رايح فحم، يأخذ خمسة آلاف، لكن بعد الصلح مع الله تأتي هكذا محركات، أقول له: خمسة وعشرين ليرة، فيقول الزبون له: قلت لي خمسة آلاف، فيقول له: ظهر أن لا شيء فيه. هذا المثل البسيط، لا يقدر، ما عنده إمكانية يتكلم بخلاف الواقع، هذا المؤمن، فهذا البدوي الراعي، لما قال له: أين الله ؟ والله هذا الأعرابي أيها الإخوة وضع يده على جوهر الدين، وهذا هو الدين كله أن تراقب الله، تراقبه فأنت مؤمن.
 أيها الإخوة الأكارم... السعيد منا مَن راقب الله عز وجل، هذا الدرس يضعنا جميعاً أمام مسؤوليَّاتنا، اجهد أن تشعر أن الله معك، وأن تراقبه في كل مكان، وفي كل زمان، في خلوته وفي جلوته، منفرداً ومجتمعاً، في بلد إقامتك وفي سفرك، في أحوالك كلها، فإذا راقبته أول ثمرة من ثمار المراقبة: الاستقامة، والاستقامة عين الكرامة، أول ثمرة من ثمار المراقبة أنك تستقيم على أمر الله، وإذا استقمت على أمر الله فقد حققت الهدف من وجودك، لأن الله عز وجل قال:

 

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾

 

 

( سورة الذاريات )

 والعبادة خضوع لله عز وجل وحب له، فلذلك مَن لم يكن مستقيماً على أمر الله فهذه علامة أن مراقبته لله ضعيفة، إذا شعر أن الله في السماء ونحن في الأرض، وأن الله لا يعلم، أو أن الله يعلم ولكن لن يحاسب، أو أن الله يعلم ويحاسب ولكن ماذا أفعل، غلبتني نفسي ؟ يعلم ويحاسب وغلبتني نفسي، أو يعلم ولا يحاسب، أو لا يعلم، هذه كلها أمراض خطيرة تقتضي المعالجة والانتباه، فالحال نفسي، المراقبة له مظهر مادي، المظهر المادي الاستقامة، في مراقبة من الداخل إذاً في استقامة من الخارج، الاستقامة ضعيفة، المراقبة ضعيفة، وكأن مؤشر الاستقامة مع مؤشر المراقبة متلازمان، فكلما ازدادت مراقبتك لله عز وجل ازدادت استقامتك، وإذا استقمت على أمر الله فقد أفلحت في الدنيا والآخرة، وفزت في الدنيا والآخرة، ونجحت في الدنيا والآخرة، وتفوقت في الدنيا والآخرة، وهذا الذي خلقنا من أجله، وفي درس قادم نتابع موضوعات إحياء علوم الدين، والله الموفق.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018