٠3الخطب الإذاعية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطب الإذاعية - الخطبة : 40 - العبادة - جنون البقر.


1996-03-05

الخــطــبـة الأولــى:

الحمد الله رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لك يا رب العبادة، وإليك التوجه، ومنك الخشية، وعليك الاعتماد، لا احتكام إلا إليك، ولا سلطان إلا لشريعتك، ولا اهتداء إلا بهداك.
وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، يا رسول الله نحن في أمس الحاجة إلى هديك الرباني، الذي لا تزيده الأيام إلا رسوخاً وشموخاً، ونحن في أمس الحاجة إلى سنتك المطهرة التي هي المنهج القويم والصراط المستقيم، ونحن في أمسِّ الحاجة إلى أخلاقك العظمى التي لا تزيدها الأيام إلا تألقاً ونضارة، لقد كنت بحق بين الرجال بطلاً وبين الأبطال مثلاً. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين.
عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير.

تعريف العبادة:

أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، موضوع الخطبة اليوم العبادة في الإسلام ؛ حقيقتها، وغايتها، وخصائصها.
العبادة علة وجودنا وسر سعادتنا في الدنيا وثمن جنة ربنا في الآخرة قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) ﴾

( سورة الذاريات )

الطاعة أساس السعادة
إنها غاية الخضوع لأمر الله، وغاية محبته فمن أطاعه ولم يحبه لا يكون عابداً له، ومن أحبه ولم يخضع له لا يكون عابداً له.

 

تعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في المقــال شنيعُ
لو كان حبك صادقاً لأطعتـه إن المحب لمـن يحب مطيـعُ
* * *

في العبادات جانب سلوكي، إنه الطاعة الطوعية والانقياد التام إلى الأمر التكليفي فعلاً وتركاً، وفي العبادة جانب نفسي، هو الحب الغامر للمنعم الذي أنعم، أنعم بنعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والإرشاد.
لا بد لهذه الطاعة الطوعية من معرفة يقينية تسبقها، كما أنه لا بد لهذه الطاعة الطوعية من سعادة حقيقية تفضي إليها، تلك السعادة التي خلق الإنسان من أجلها قال تعالى:

 

 

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (119) ﴾

 

( سورة هود )

أهداف العبادة الكبرى وغاياتها:

اسمه لا تنفعه عبادة من عبده، ولا يضره إعراض من صد عنه، ولا يزيد في ملكه حمد الحامدين، ولا ينقصه جحود الجاحدين، هو الغني ونحن الفقراء إليه، هو الودود الكريم والبر الرحيم، لا يأمرنا إلا بما فيه خيرنا وصلاحنا.
أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، إذا انتقلنا من تعريف العبادة إلى غاياتها العظيمة، وأهدافها النبيلة نجد:

1ـ العبادة غذاء النفس:

أولاً: العبادة غذاء النفس، فكما أن الجسم غذاؤه الطعام والشراب فالنفس التي بين جنبيك غذاؤها العبادة، فليس الإنسان هو الغلاف المادي الذي نحسه ونراه، ولكن حقيقة الإنسان هو ذلك الجوهر النفيس الذي صار به سيد المخلوقات، هذا الجوهر الذي يحيى ويسعد بذكر الله والإقبال عليه، ويهلك ويشقى بالغفلة والبعد عنه، قال تعالى:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) ﴾

( سورة الشمس)

أيها الأخوة الكرام، إن القلب الإنساني دائم الشعور بالحاجة إلى الله، وهو شعور أصيل لا يملأ فراغه شيء في الوجود إلا حسن الصلة برب الوجود، وهذا هو جوهر العبادة.

2ـ العبودية الحقة لله سبيل إلى الحرية الحقيقية:

العبودية الحقة تحرر الإنسان من الذل والخضوع لغير الله
ثانياً: العبودية الحقة لله سبيل إلى الحرية الحقيقية، إن العبودية الخالصة لله جل جلاله هي عين الحرية، وسبيل السيادة الحقيقية، فهي وحدها تعتق القلب من رق المخلوقين، وتحرره من الذل والخضوع لكل ما سوى الله من أنواع الآلة والطواغيت التي تستعبد الناس وتسترقهم أشد ما يكون الاسترقاق والاستعباد، ذلك أن في قلب الإنسان حاجة ذاتية إلى رب، إلى إله، إلى معبود يتعلق به، ويسعى إليه، ويعمل على رضاه، ويلتجئ إليه، ويلوذ بحماه، لأن الإنسان خلق ضعيفاً، ليفتقر في ضعفه فيسعد في افتقاره، ولو خلق قوياً لاستغنى بقوته، فشقي في استغنائه، فإذا لم يكن هذا المعبود هو الله الواحد الأحد تخبط في عبادة آلهة شتى وأرباب أخر مما يرى ومما لا يرى، ممن يعقل ومما لا يعقل، مما هو موجود وما ليس بموجود إلا في الوهم والخيال، يقول أحد العلماء: كل من استكبر عن عبادة الله لا بد أن يعبد غيره، يسترقه ويذله، ولن ينجو القلب من استعباد المخلوقين واسترقاقهم إلا أن يكون الله خالق السماوات والأرض ورب العالمين هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يفرح إلا بما يحبه ويرضاه، ولا يكره إلا ما يبغضه ويحرمه، ولا يوالي إلا من يواليه، ولا يعادي إلا من يعاديه، ولا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، وكلما قوي إخلاصه لله كملت عبوديته له، واستغناؤه عن خلقه، وبكمال عبوديته لله تكمل براءته من الكبر والشرك.

 

3ـ العبادة ابتلاء إلهي:

ثالثاً: من أهداف العبادَة العبادة ابتلاء إلهي، فالحياة الدنيا التي نحياها طالت أو قصرت ليست هي الغاية، ولا إليها المنتهى، إنها حياة دنيا فانية، جعلها الله إعداداً لحياة عليا باقية، وشاءت حكمة الله جل جلاله أن يركب في الإنسان عناصر مزدوجة، بعضها يسمو به، وبعضها يهوي به، ففيه العقل والإرادة، وفيه الغريزة والشهوة، والحظوظ التي منحه الله إياها كالمال، والجمال، والقوة، والذكاء حيادية، يمكن أن يجعلها الإنسان سلماً يرقى بها، ويمكن أن يجعلها دركاتٍ يهوي بها، تسعده أو تشقيه، تكون سبباً لدخوله الجنة أو سبباً لدخوله النار، لقد أودعت فيه، ومنح نعمة العقل والإرادة، ثم رُسِم له منهجٌ من عند خالقه كُلف أن يسير عليه، وأن يطبق تفاصيله، فإما أن يُحَكِّم عقله، ويستعمل إرادته، فيطبق منهج ربه، فيسعد في الدنيا والآخرة، وإما أن يحكم غريزته، ويستجيب لشهوته، فيعرض عن منهج ربه، فيشقى في الدنيا والآخرة، قال تعالى:

 

 

﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً (7) ﴾

 

( سورة الكهف)

وقال:

﴿ إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً (2) ﴾

( سورة الإنسان)

4ـ العبادة حق الله على عباده:

حق الله على عباده أن يعبدوه
رابعاً: العبادة حق الله على عباده، روى البخاري ومسلم عن معاذ بن جبل قال:
(( كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد ؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئاً ))

[رواه البخاري عن معاذ بن جبل ]

وقد ورد في الأثر القدسي:

(( إني والأنسَ والجنَّ في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي ))

[رواه البيهقي والحكيم والترمذي عن أبي الدرداء]

ليس بمستَنكَرٍ أن يكون لله علينا حق عبادته وحده، بل المستنكر أن يكون غير هذا، المستنكر أن نعبد ما دون الله، أو من دون الله فنؤدي الحق لغير أهله، إننا لم نكن شيئاً مذكوراً، خرجنا من ظلمة العدم إلى نور الوجود، ثم كنا نوعاً مكرماً من الخليقة، خُلقنا في أحسن تقويم، وصورنا في أحسن صورة، علمنا البيان، أوتينا العقل والإرادة، سخرت الكائنات لخدمتنا، فالعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم بأعلى أنواع النعم، كنعمة الحياة والرزق والهداية، وأقل القليل من العبادة أكبر من أن يستحقه أي مخلوق كائناً من كان، لذلك لا يستحق العبادة إلا الله، العبادة حق الله على عباده.

5ـ العبادة طلب للجنة ونجاة من النار:

خامساً: العبادة طلب للجنة ونجاة من النار، لا يضير العابد ولا يقلل من قيمة عبادته أن تكون عبادته طلباً لثوابه، وخوفاً من عقابه، طلباً لجنته، وهرباً من ناره، لقد وصف الله تعالى صفوته من خلقه، وصف الأنبياء والرسل والصديقين والصالحين بأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، ولو لم يكن هذا مطلوباً لما وصف الله الجنة للعباد، وزينها لهم، وأخبرهم عن تفاصيل لا تصل إليها عقولهم منها، ولما وصف لهم النار وخوفهم منها، وأخبرهم عن تفاصيل لا تصل إليه عقولهم منها، والحقيقة أن الجنة ليست اسماً لمجرد الأشجار، والفواكه، والثمار، والطعام، والشراب، والحور العين، والأنهار، والقصور، بل هي اسم لدار النعيم المطلق الكامل، ومن أعظم نعيم الجنة النظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، وقرة العين بالقرب منه وبرضوانه، فأيسر اليسير من رضوانه، والنظر إلى وجهه الكريم أكبر من الجنان وما فيها، قال تعالى:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) ﴾

( سورة القيامة)

وقال:

﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ (72) ﴾

( سورة التوبة)

هذا ما ورد في القرآن الكريم.

6ـ عبادة المؤمن لربه نوع من الأخلاق:

سادساً: عبادة المؤمن لربه نوع من الأخلاق، لأنها من باب الوفاء لله عز وجل والشكر لنعمه، والاعتراف بالجميل والتوقير لمن هو أهل للتوقير والتعظيم، وكلها من مكارم الأخلاق عند الفضلاء من الناس، لذلك نجد القرآن الكريم يعقب على أوصاف المؤمنين القانتين المطيعين بقوله:

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا (177) ﴾

( سورة البقرة)

وقال:

﴿ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) ﴾

( سورة الحجرات)

وقال:

﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) ﴾

( سورة النجم)

أخلاقك عبادة
لأن أعلى مراتب الصدق أن يكون الإنسان صادقاً مع الله، شاكراً لأنعمه، وفياً له بخدمة خلقه، أخلاق المؤمن لون من عبادته لربه، أخلاقه أخلاق ربانية، باعثها الإيمان بالله، وحاديها الرجاء في جنته، وغرضها رضوان الله ومثوبته، فهو يصدق الحديث، ويؤدي الأمانة، ويفي بالعهد، وينجز الوعد، ويغيث اللهفان، ويعين الضعيف، ويرحم الصغير، ويوقر الكبير، ويصبر في البأساء والضراء وحين البأس.

 

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً (9) ﴾

 

( سورة الإنسان)

أخلاق المؤمن عبادة من زاوية أخرى، وهو أن مقياسه في الفضيلة والرذيلة هو أمر الله ونهيه، فالضمير وحده ليس بمعصوم، وكم من أفراد وجماعات رضيت ضمائرهم بقبائح الأعمال، والعقل وحده ليس بمأمون، لأنه محدود بالبيئة والظروف ومتأثر بالأهواء والنزعات، والعرف وحده لا ثبات له ولا عموم، لأنه يتغير من جيل إلى جيل، وفي الجيل الواحد، ومن بلد إلى بلد، وفي البلد الواحد، من إقليم إلى إقليم، لذلك التجأ المؤمن إلى المصدر المعصوم المأمون، الذي لا يضل ولا ينسى، ولا يتأثر ولا يجور، ذلك هو حكم الله، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون.

7ـ العبادة هي السبب الوحيد لمكارم الأخلاق التي لا تنبع من المصالح ولا تتأثر بها:

سابعاً: العبادة هي الأداة الوحيدة لتربية الضمير، أو هي السبب الوحيد لمكارم الأخلاق الأصيلة التي لا تنبع من المصالح ولا تتأثر بها، فالله جل جلاله أهل الخير والحق والجمال، والإنسان من خلال عبادته واتصاله بربه يشتق من مكارم الأخلاق ما يتناسب مع حجم استقامته، وعمله الصالح، وإخلاصه، وصدقه، فأشد البشر اتصالاً بربه أعلاهم خلقاً:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) ﴾

( سورة القلم)

أعلاهم خلقاً ومنزلةً.

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾

( سورة الحجر)

لذلك ممكن أن يقوم الإنسان فلا يُجعل لعبادته وزنٌ في تقويمه وتقديره، وهذا ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم وتنبأ به حينما قال:

(( يأتي على الناس زمان يقال للرجل فيه ما أظرفه ما أعقله ما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة من إيمان ))

[رواه البخاري عن حذيفة رضي الله عنه ]

صورة تفصيلية للشخصية المؤمنة:

إننا نقرأ القرآن الكريم فنجد صورةً تفصيلية للشخصية المؤمنة:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11)﴾

( سورة المؤمنون )

انظر أيها الأخ الكريم كيف جعل الله أول أوصاف المؤمنين الخشوع في الصلاة، وآخر أوصافهم المحافظة عليها، وصفهم بفعل الزكاة، وهي عبادة مع الفضائل الخلقية الأخرى، إعراضهم عن اللغو، عفتهم، حفظهم للأمانة، رعايتهم للعهد.

خصائص العبادة وشروطها:

أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، بعد أن انتهينا من أهداف العبادة الكبرى وغاياتها ننتقل إلى خصائصها وشروطها.

1ـ لا يُعبد إلا الله وحده:

أولاً: لا يعبد إلا الله وحده، إن توحيد الله وعبادته هي مضمون الرسالات السماوية كلها، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) ﴾

( سورة الأنبياء)

بل إن سر الإسلام على سعة تعاليمه يتجلى في دستوره الخالد، الذي هو القرآن الكريم، وسر هذا الدستور يتركز في فاتحته أم القرآن الكريم، والسبع المثاني، وسر هذه الفاتحة يتلخص في هذه الكريمة:

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) ﴾

( سورة الفاتحة )

العبادة والاستعانة بالله وحده
أي لا نعبد أحداً غيرك، ولا نستعين بكائنٍ سواك، فالعبادة نوع من الخضوع لا يستحقه إلا المنعم، لذلك يعد الشرك هواناً لا يليق بكرامة الإنسان، وأي هوان يصيب الإنسان حينما يعبد ما سخر له، من حجر، ومدر، وشمس، وقمر، وجن، وبشر، كيف يسجد الإنسان لها وهي له مسخرة وفي مصلحته وخدمته مذللة ؟ كيف يسجد لها وقد سجد له الملائكة بأمر الله تحية له واحتفاءً به ؟ وقد سد الإسلام كل ذريعة تفضي إلى الشرك فقد روى أحمد والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم:

 

(( ما شاء الله وشئت فقال عليه الصلاة والسلام: أجعلتني لله نداً قل ما شاء الله وحده))

 

[أحمد والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما ]

وروى الطبراني أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال بعضهم:

(( قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله جل جلاله))

[رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير ابن لهيعة وهو حسن الحديث ]

2ـ لا وسطاء بين الله وخلقه:

ثانياً: لا وسطاء بين الله وخلقه، بالمعاني المستنبطة من الممارسات الخاطئة اعتقاد المسلم في الله يقوم على حقيقتين: أنه تعالى فوق عباده علواً، وقهراً، وسلطاناً، وتصرفاً، لا يشبهه شيء، ولا يحكم عليه شيء، ولا يقع في ملكه إلا ما يريد، وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، والخلق جميعاً عبيد في قبضته، لا يملكون لأنفسهم فضلاً عن غيرهم ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، وهو مع عظمته وعلو شأنه قريب من خلقه، بل هو معهم أينما كانوا، في جلوتهم، وفي خلوتهم، يسمع، ويرى، ويرعى، ويهدي، ويعطي من سأله، ويجيب من دعاه، هو تعالى قريب في علوه، عليٌّ في دنوه، قد جمع الله تعالى بين العظمة والعلو، وبين القرب والدنو في آية واحدة، قال تعالى:

﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2)﴾

( سورة سبأ)

والله أجل وأعلى من أن يكون له وسطاء بينه وبين خلقه، يعلمونه من أمر الناس ما لم يكن يعلم، ويوجهون إرادته إلى ما لم يكن يريد، وهو سبحانه وتعالى أكرم وأجل من أن يدع رحمته وجنته بأيدي أناس يوزعونها بالأسهم والقراريط، فله وحده الخلق والأمر، وله وحده الملك، وله وحده العقوبة والعفو، وهو على كل شيء قدير.

3ـ العبادة المقبولة عند الله تعالى تصاحبها النية الصادقة ويسري فيها روح الإخلاص:

ثالثاً: العبادة المقبولة عند الله تعالى ليست هي الشبع الخالي من الروح، إنما تصاحبها النية الصادقة، ويسري فيها روح الإخلاص سريان العصارة في الشجرة النضرة، فتؤتي في النفس أكلها، وتثمر في الخلق والسلوك ثمرتها، روى الطبراني بإسناد صحيح عن أحد الصحابة قال: كان فينا رجل خطب امرأةً يقال لها أم قيس، فأبت أن تتزوجه حتى يهاجر إلى المدينة، فهاجر إلى المدينة وتزوجها، فكنا نسميه مهاجر أم قيس، قال عليه الصلاة والسلام:

(( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[ متفق عليه عن عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ]

قال الحافظ في الفتح: " قد تواتر النقل عند الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث، فليس في أخبار النبي صلى الله عليه وسلم شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدةً من هذا الحديث "، واتفق الشافعي وابن حنبل وأبو داود والترمذي على أنه ثلث الإسلام، وقال الشافعي: "يدخل هذا الحديث في ستين باباً من أبواب العلم".
اللهم إنا نعوذ بك أن نقول قولاً فيه رضاك نلتمس به أحداً سواك.

4ـ لا بد أن تكون عبادة الله بالصورة التي شرعها الله وبالطريقة التي ارتضاها:

رابعاً: لا يكفي أن يقصد المسلم بعبادته وجه الله وحده وألاّ يتجه إلى أحد غيره، بل لا بد أن تكون عبادة الله بالصورة التي شرعها الله وبالطريقة التي ارتضاها، قال تعالى:

﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً (109) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110) ﴾

( سورة الكهف)

يجب إخلاص النية في الأعمال كلها
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "اللهم اجعل عملي كله صالحاً واجعله لوجهك خالصاً ولا تجعل لأحد فيه شيئاً ".
قال الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ليبلوكم أيكم أحسن عملاً، قال: أخلصه وأصوبه، قيل: يا أبا علي ما أخلصه وما أصوبه ؟ قال: " إن العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لا يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لا يقبل "، والخالص ما ابتغي به وجه الله، والصواب ما وافق السنة، وجماع الدين أصلان ؛ ألاّ نعبد إلا الله، وألاّ نعبده إلا بما شرع، فقد ورد في الصحيحين:

 

(( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد، ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))

 

[متفق عليه من حديث عائشة]

الله وحده هو المشرع، والنبي وحده هو المبلغ ونحن المتبعون، وفي الإتباع الخير كله، قال تعالى:

﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) ﴾

( سورة طه)

في أول خطبة خطبها سيدنا الصديق رضي الله عنه قال: " إنما أنا متبع ولست بمبتدع ".

الابتداع في الدين:

أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، إن الابتداع في الدين هو الكوة التي تسلل منها الشيطان إلى عامة المتدينين، أفسد عليهم دينهم وحياتهم، وخرب عليهم عقائدهم وعباداتهم، وفتح عليهم أبواباً من الفساد لم يستطيعوا بعد ذلك إغلاقها، فعن طريق الابتداع زحف الشرك ودخلت الوثنية على أمم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، وعبدوا من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، قائلين: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وعن طريق الابتداع جاء الغلو في الدين، والتنطع فيه، ودخل الحرج، والعنت، والأغلال على أتباعه، واخترع الناس ألواناً شتى من العبادات، كلها عنت وإرهاق، وعن طريق الابتداع حرم الغلاة ما أحل الله من الزينة والطيبات، وأهملوا الدنيا باسم الدين، وخربوا العمران بدعوى الإيمان، وعذبوا الأجساد بدعوى تصفية الأرواح، وعن طريق الابتداع في الدين حدثت التحريفات الهائلة والانحرافات الشنيعة، وقع فيها رجال ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.
أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، إن مجال الابتداع والابتكار ليس هو الدين، الدين توقيف من الله يجب أن يبقى مصوناً منزهاً عن عبث العابثين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
أما مجال الابتداع الحقيقي، والابتكار، والتحديث، والتجديد فهو الدنيا وشؤونها، وما أحوج المسلمين إلى تطوير دنياهم، وتنويع سبل رزقهم، وتنمية دخولهم، واستغلال ثرواتهم التي أودعها الله في أرضهم، وتصنيعها بأيديهم، ما أحوجهم إلى أن يأكلوا مما يزرعون، وأن يلبسوا مما ينسجون، وأن يستخدموا من الآلات ما كان من اختراع عقولهم وصنع أيديهم ليتحرروا من تحكم الآخرين بهم.
مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ببلدة من رعاياه فوجد فيها أن الفعاليات المعيشية ليست بأيدي أبناء هذه البلدة، فوبخهم، وعنفهم، وقال لهم: كيف بكم وقد أصبحتم عبيداً عندهم. لقد أدرك هذا الخليفة الراشد ببعد نظره أن المنتج هو القوي، وأن المستهلك هو الضعيف، وأن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن الضعيف، وقد أمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد ابن مسعود وكانت خشنة من العمل، رفعها أمام أصحابه وقال:

(( إن هذه اليد يحبها الله ورسوله ))

[ ورد في الأثر ]

* * *

الخــطــبـة الثانية:

مخالفة تعليمات الصانع:

مخالفة تعليمات الصانع تقود للهلاك
أيها الأخوة الكرام حضوراً ومستمعين، الجهة الصانعة هي وحدها ينبغي أن تتبع تعليماتها في استعمال الآلة وصيانتها، وفي تحسين مردودها، لأنها الخبيرة بما تصنع، ولا ينبئك مثل خبير، والعبادة في جوهرها انقياد طوعي، واتباعٍ تفصيلي لمنهج الله خالق الناس، ورب الناس، وإله الناس، وهذا المنهج منهج الله عز وجل مرتبط أشد الارتباط بسنن الخلق، وقوانين الكون، فالعلاقة بين الأمر الإلهي ونتائجه، وبين النهي ونتائجه علاقة علمية، أي علاقة سبب بنتيجة، من بنود هذا المنهج أن الله جل جلاله حرم تحريماً مطلقاً تناول لحم الميتة والدم، فلما أُطعِم البقرُ في بلاد أخرى الدماءَ ولحومَ الجيفِ مسحوقةً ومجففة أصيبت بمرض خطير في دماغها اسمه الاعتلال الدماغي الإسفنجي، من أبرز أعراضه عدم التحكم العصبي، والسلوك العدواني، لذلك سمي هذا المرض اختصاراً بجنون البقر، والأخطر من هذا أن هناك احتمالاً كبيراً انطلق من حالات عدة يعكف الباحثون على دراستها بغية التحقق من انتقال المرض من البقر إلى البشر عن طريق تناول اللحوم المصابة، ودهونها، وشحومها، ومسحوق عظامها، ومنتجاتها، وألبانها، وأحشائها، ومخلفاتها، والأعلاف المصنوعة منها، ومواد التجميل المحضرة من دهونها، ومن أبرز أعراض هذا المرض في بني البشر قلق، واكتئاب، وفقدان للذاكرة، وفقْد التناسق العضلي، وفقد التوازن الحركي، والعمى، وفقد النطق، ثم الوفاة بعد عام من ظهور الأعراض.

العوامل المسببة لمرض جنون البقر:

العوامل المسببة للمرض بالغة الصغر لم تعرف حتى الآن، ذات دور حضانة طويل، يمتد إلى عدة سنوات، وليس له مظهر التهابي مناعي، هذه المسببات تتحمل حرارة تصل إلى مئة وعشرين درجة مئوية لمدة ساعة كاملة، هم في تلك البلاد مضطرون لإحراق أحد عشر مليون بقرة قيمتها ثلاث وثلاثون ملياراً من عملتهم.
لقد صممت البقرة لتأكل علفاً نباتياً، فلما أطعموها ما حرم الله تناوله ميتة ودماً أصيبت بالجنون، وما جنون البقر إلا من جنون البشر، حيث خالفوا تعليمات الصانع، قال تعالى ـ دققوا في هذه الآية ـ:

﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (71) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (72) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (73) ﴾

( سورة يس)

إنهم يغيرون خلق الله، والأولى أن يتبعوا العليم الخبير، قال تعالى:

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (41)﴾

( سورة الروم)

اتخذ ـ ولله الحمد ـ بلدنا الطيب احتياطات بالغة لتمنع وصول هذه المشكلة إلينا.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018