بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 046 - الأخلاق الإسلامية4 - الأخلاق الإجتماعية.


1992-08-31

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم... مع الدرس الرابع من دروس الأخلاق الإسلامية، وقد انطلقنا قبل حين، قبل عدة أسابيع من الأخلاق الجماعية التي دعا إليها الإسلام، هناك أخلاقٌ فيما بينك وبين الله، وهناك أخلاقٌ فيما بينك وبين الجماعة، يعني ربنا جل جلاله حينما خلق الإنسان فطره فطرةً جماعية، فإذا استجاب لهذه الفطرة، فقد حقق منهج الله عزَّ وجل، وإن لم يستجب، وعاش في عزلةٍ شديدة، والعزلة أيها الإخوة عن المجتمع الصالح، العزلة عن الجماعة المؤمنة، العزلة عن المجتمع الإسلامي، العزلة عن أهل الإيمان، العزلة عن أهل التقوى، العزلة عن الصالحين، هذه عزلةٌ تسبب أمراضاً نفسيةً وبيلة، يقع في رأسها الأوهام، الشخص المنعزل يعيش في أوهام، إما أنه يمجِّد ذاته، وإما أنه يحتقر ما عند غيره، لأنه لم يتصل به، أهواؤه تملي عليه تضخيم ذاته، وأهواؤه تملي عليه تقليل حجوم الآخرين، يكفي أنه عاش في أوهام لا علاقة لها بالواقع، والعلم كما تعلمون أيها الإخوة هو ما طابق الواقع، المقياس الدقيق للعلم هو ما طابق الواقع.
 فمثلاً كنت مرةً فسرت العلاقة العلمية، العلاقة العلمية هي علاقة قطعيَّةٌ وليست ظنية، تطابق الواقع، عليها دليل، معنى قطعية أي خرج منها الوهم، وخرج منها الظن، وخرج منها الشك، فالوهم أقل شيءٍ، والشك، والظن، فلا ظن، ولا وهم، ولا شك بل قطع.
 تطابق العلاقة مع الواقع، إن لم تطابق فهو الجهل، تعريف الجهل، أكثر الناس يظنوا الجهل خلو الذهن من المعرفة، هذا ليس جهلاً، أما الجهل أن تعتقد اعتقادات لا يؤكدها الواقع، أن تعتقد اعتقادات لا يدعمها الواقع، أن تكون اعتقاداتك، تصوراتك بعيدةً عن الواقع، تعريف الجهل هو ما خالف الواقع، فهذا الضوء الأحمر في المركبة، الذي إذا تألَّق أشار إلى خطرٍ كبير، إلى أن زيت المحرك قد انتهى، فإن لم تقف فوراً، وإن لم تضف للمحرك الزيت المناسب، احترق المحرك، فإذا اعتقد أحدهم أن هذا الضوء الأحمر إذا تألق فمن أجل أن يسلّي السائق في الطريق، زينة، أليس هذا الاعتقاد جهلاً ؟ هذا هو الجهل ؛ أن تعتقد شيئاً خلاف الواقع، وحينما تعتقد شيئاً خلاف الواقع فإنك تقع في الهلاك، هذا المثل البسيط إن توهمت وظننت أن هذه المصابيح التي أمام السائق تتألق بلونٍ أحمر من أجل أن تسلي السائق في الطريق، وهي في الحقيقة إذا تألَّقت باللون الأحمر أشارت إلى خطرٍ كبير. اعتقادك الذي هو خلاف الواقع يسبب هلاك هذه المركبة.
 فالجهل أولاً ما خالف الواقع، والظن والشك والوهم خلاف القطع، فأيَّة علاقةٍ بين شيئين مقطوعٌ بصحتها يؤكدها الواقع عليها دليل، إن تخلَّف الدليل فهو التقليد، وإن تخلف الواقع فهو الجهل، وإن تخلف القطع فهو الظن والوهم والشك، فالعلم لا ظنَّ، ولا شك، ولا وهم، الوهم بالمائة ثلاثين، الشك بالمائة خمسين، الظن بالمائة ثمانين، غلبة الظن بالمائة خمسة وتسعين، لكن القطع شيءٌ فوق كل ذلك، أي حقيقةٌ ثابتة مائة بالمائة، فالإنسان حينما يبتعد عن المجتمع الصالح يعيش في أوهام، عندئذٍ يضخِّم ذاته، عندئذٍ يقلل ما عند الآخرين، عندئذٍ تنشأ بينه وبين المجتمع هوةٌ كبيرة وسحيقة، لذلك من علامات الصحة النفسية أن يكون في الإنسان جانبٌ اجتماعي، في العلاقات الاجتماعية تتأكَّد الصحة النفسية.
 إذاً لو قرأنا كتاب الله عزَّ وجل، وقرأنا حديث النبي عليه الصلاة والسلام لوجدنا أن هناك جانباً كبيراً جداً يؤكِّد الأخلاق الاجتماعية، ولازلنا في الحديث عن الأخلاق الاجتماعية، وقد أمضينا في الدرس الماضي وقتاً طويلاً حول قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (59)﴾

 

( سورة النساء )

 لذلك الشرع الحكيم أراد أن تكون الجماعة منظمة، فكل ثلاثةٍ لهم أمير.. " إن كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم ".. لهذا قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع أميري فقد أطاعني، ومن يعصي أميري فقد عصاني ))

 

( من الجامع لأحكام القرآن: عن " أبي هريرة " )

 معنى ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام حقيقته تشفُّ عن الحق، والداعية الصادق يجب أن يشف بأمانةٍ بالغة عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، لأن النبي يشف عن الحقيقة الكبرى، إذاً طاعته عَين طاعة الله، ومعصيته عين معصية الله، وإذا كان الداعية الصادق يشف عن حقيقة النبي بسنته الفعلية، والقولية، والإقرارية، فهذا الداعية أيضاً طاعته عين طاعة رسول الله، إذا جاءك بالدليل طبعاً: يا بني هذه القضية حكمها كذا وكذا لقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح كذا وكذا. أنت عندئذٍ تطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما هذا الداعية، أو هذا المرشد، أو هذا الإمام، إلا ناقلٌ أمين لسنة النبي عليه الصلاة والسلام.
لكن في نقطة دقيقة جداً، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس، قال:

 

(( من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحدٌ يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتتةً جاهلية ))

 فأحياناً نقول لفتاةٍ فرضاً: بقاؤك في بيت أبيك أفضل من أن تعيشي وحدكِ. في بالبيت مشكلة، الأب قاسي قليلاً لكن الخيرات التي تجنيها الفتاة من إقامتها في بيت أبيها، أفضل بكثير من أن تبقى مشردة في الطرقات، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام ـ أقولها دائماً ـ معصومٌ بمفرده، وأمته معصومة بمجموعها، فلا يستطيع أحدٌ على وجه الأرض كائناً من كان مهما علا قدره أن يدعي العصمة، إذاً مادام أحدٌ في العالم الإسلامي بعد النبي عليه الصلاة والسلام ليس معصوماً، إذاً أنت كلما رأيت شيئاً تكرهه من إنسان قل: هذا من عدم اتباعه للنبي، وكلما رأيت شيئاً تحبه في الإنسان قل: هذا من اتباعه للنبي، النبي كماله مطلق، لماذا ؟ لأن تولى الله جل جلاله أن يكون النبي مشرعاً، وألا ينطق إلا عن وحيٍ يوحى لا عن هوىً، وقد تولى الله عصمته، وتكميله، وتأديبه، وجعله قدوةً لنا، معصوماً في أقواله، وأفعاله، وتصرفاته، وإقراراته، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يُتَّبَع بلا توقُّف لأن معه كتاب الله، ومعه وحيٌ، وأمرنا كلام الله عزَّ وجل أن نتبعه..

 

 

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾

 

 

( سورة الحشر: من آية " 7 " )

 لكن ما سوى النبي ليس معصوماً، فلذلك الإنسان حينما يعتقد العصمة بغير النبي يقع في مغامرةٍ ومقامرة، أما إذا اعتقد أن النبي وحده معصوم، وأن أمته بمجموعها معصومة، فالشيء الذي تكرهه من زيدٍ فهو من عدم عصمته، الشيء الذي تكرهه من عُبَيدٍ فهو من عدم اتباعه، والشيء الذي تحبه بزيد فمن اتباعه، والذي تعشقه في عُبيد من متابعته للنبي عليه الصلاة والسلام، هذه العقيدة المتوازنة تعمل صحة نفسية، تتعامل مع الناس تعامل صحي، تعامل مبني على الواقع، هكذا الواقع، لذلك كل بني آدم خطَّاء، والحقيقة الإنسان لو فرضنا ما أخطأ لاحتجنا من الدقة والحرص على أن يبقى مستقيماً استقامةً تامةً الشيء الكثير، عندئذٍ وقع في ذنبٍ خطير وهو لا يدري وهو العجب، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر ـ ما هو الذي أكبر من الذنب ؟ ـ العجب ))

 

(م أحاديث الإحياء: عن " أنس " )

 لذلك حينما لا تخطئ إطلاقاً، وتعتقد أنك فوق الناس، وقعت في ذنبٍ أقبح من الذنب الذي تخافه وهو العجب، فلذلك العبودية لله تقتضي أن تعتقد أنك ضعيف، لكنك إذا كنت مع الله فأنت القوي، أن تعتقد أنك جاهل، لكن الله إذا أمدك بالعلم فأنت العالم، أن تعتقد أنك مقصر، لكن الله إذا أخذ بيدك فأنت المتفوق، هذا معنى قول العارف بالله:

 

وما لي سوى فقري إليك وسـيلةٌ  فبالافتقارِ إليـك فـقـري أدفعُ
وما لي سوى قرعي لبابـك حيلةٌ  فـإذا رددت فأي بـابٍ أقـرع؟
* * *

 مثل من الأمثلة: الإنسان حيال النساء في الطريق، إذا اعتقد أنه مُحَصَّن، لا يتأثَّر، شهوته تحت قدمه، آخذٌ بقياد نفسه، هذه العقيدة تورثه كِبراً، هذا الكبر يقتضي التأديب، وكيف يكون التأديب ؟ عن طريق تضعيف مقاومته، فجأةً تضعف مقاومته، تزل قدمه، يقع في شر عمله، ينكسر، فيبكي، إنك حينما أعجبت بنفسك لابدَّ من أن تعالج بتضعيف مقاومتك، لذلك الله عزَّ وجل قال:

 

 

﴿وَاصْبِرْ﴾

 

 

( سورة النحل: من آية " 127 " )

 ما معنى (واصبر) ؟ اصبر على ماذا ؟ المطلق على إطلاقه، العلماء عندما تحدثوا عن الصبر قالوا: هناك صبرٌ على الطاعة، وهناك صبرٌ عن المعصية، وهناك صبرٌ على أمر الله التكويني، جعل الله أحدهم عقيماً نقول له: اصبر، ابتلاه بزوجة سيئة نقول له: اصبر، والدنيا خضرةٌ نضرة الفتن فيها مستعرة، نقول له: اصبر عن الشهوة، واصبر على الطاعة، واصبر على أمر الله التكويني، اسمعوا، أكملوا الآية:

 

﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾

 

( سورة النحل: من آية " 127 " )

 إلا بالله، فالصبر من نِعَم الله عزَّ وجل، لهذا كان سيدنا عمر رضي الله عنه إذا أصابته مصيبة قال: " الحمد لله ثلاثاً ـ يا رب لك الحمد ثلاث مرات ـ الحمد لله إذا لم تكن في ديني ـ يا رب لك الحمد ليست في ديني، بالمال، بالمحل التجاري، بتلك الوكالة، بهذه الصفقة، بجرحٍ بسيط يلتئم، لكن بالدين ؛ ترك الصلاة !! هذه مصيبة المصائب ـ والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها " سيدنا عمر يعلم أن الصبر بيد الله..

﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾

 فإذا أنت انطلقت من كتاب الله أنه أنا أصبر عن الشهوة، أصبر عن المعصية، لكن بالله، تبقى في عبودية، في تواضع، في إنابة إلى الله، في نعومة، أما حينما تستقيم وتعتد باستقامتك، وترى أنك من طينةٍ أخرى غير هؤلاء الناس، أنت فوقهم، بهذا يكون الإنسان وقع في ذنبٍ أصعب من الذنب الذي يخافه وهو العجب لهذا:

 

(( لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر العجب العجب ))

 

( من أحاديث الإحياء: عن " أنس " )

 الموقف الكامل موقف سيدنا يوسف:

 

﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)﴾

 

 

( سورة يوسف )

 هذا كلام نبي، فأنت إذا انطلقت، الآن الواحد عندما يطلع من بيته أدعية النبي رائعة جداً، من الدعاء المأثور إذا خرجت من البيت أن تقول: " اللهم إني أعوذ بك من أن أضل أو أضل، أو أذل أو أذَل، أو أجهل أو يجهل علي " ممكن الواحد يجهل، ممكن أن يُجْهَل عليه، يغذى تغذية سيئة ويصدقها، فإذا هو كالطفل الصغير، أعوذ بك من أن أضل أو أضل، أو أذل أو أذَل، أو أجهل أو يُجْهَل علي. أي يجب أن تعرف ماذا يعني مقام العبودية لله عزَّ وجل، مقام العبودية لله أن تكون مفتقراً إلى الله حتى في طاعتك لله.
 الشيء الثاني من التوجيهات الإسلامية المتعلقة بالأخلاق الجماعية: لزوم الجماعة، الملاحظ أنت لك أن تتحقق من هذا، حينما تجد إنسان كامل، أخلاقي، ملتزم، صادق، أمين، وقَّاف عند كتاب الله، ابحث ودقق تجد أن لهذا الإنسان مشرباً دينياً، لهذا الإنسان جماعةٌ ينتمي إليها، لهذا الإنسان موردٌ يشرب منه، لهذا الإنسان مصدرٌ ثقافي إسلامي ينهل منه، لهذا الإنسان إخوانٌ يقوون عزيمته، قلما تجد إنساناً ملتزماً في أعلى درجات الصدق، والأمانة، والشهامة، والورع، والتقوى وهو يعيش وحيداً بلا مؤمنين يستمد منهم ويقوون عزيمته، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أمر بلزوم الجماعة، في أمر أبلغ ؛ الله جل جلاله أمرك بلزوم الجماعة، فقال جل جلاله:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119)﴾

 

( سورة التوبة )

 وفي آياتٍ تعطي المعنى المخالف:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾

 

 

( سورة الممتحنة: من آية " 13 " )

 في آيات أخرى:

 

﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾

 

 

( سورة المائدة: من آية " 51 " )

﴿لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 23 " )

 نحن ما عندنا تعصب، أخوك مَن كان على شاكلتك، أخوك مَن شعر بمشاعرك، أخوك مَن شرب مِن مشربك، أخوك مَن أحب الله كما تحبه، أخوك مَن كان مصدقاً لدينك كما تصدق. فلذلك روي الإمام أحمد والترمذي بإسنادٍ صحيح عن الحارث الأشعري أنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( آمركم بخمس، آمركم بالجماعة والسمع والطاعة﴾

 الجماعة بلا سمع ولا طاعة كرؤوس البصل، كل واحد له رأي، إذا عزَّ أخوك فهُن أنت، أنت مصلحة المسلمين أقوى عندك من مصالحك الشخصية، مصلحة المسلمين، مصلحة جماعة المسلمين أقوى عندك من نزواتك الفردية، لذلك لو كنت مع إخوانٍ عدة في جلسةٍ مع بعض الناس، ورأيت أحد إخوانك انطلق لسانه وقوي بيانه، ودعا إلى الله، فأنت أحياناً تشعر بشعور ليس سليماً: يتكلم لوحده أنا ليس أقل منه فهم، أقاطعه وأدخل على الخط، أخوك انطلق لسانه، وانسجم، وأصغوا له، ووضع يده على الجرح، وبدأ يؤثر، أنا أظل ساكت، أنا ليس أقل منه، إذا عزَّ أخوك فهُن أنت، إذا أخوك انطلق عاونه أنت، اسكت، ادعمه لينهي موضوعه، ليقدم موضوعه بشكل جيد، لذلك الإنسان يراقب نفسه، أحياناً الأنا تدخل بشكلٍ سلبي في الدعوة إلى الله عزَّ وجل، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( آمركم بخمس بالجماعة، والسمع والطاعة، والهجرة ))

 ما هي الهجرة ؟ بمعناها الواسع جداً أن أنت ليس لك حق من تجلس مع أناس بعيدين عن الله عزَّ وجل.. " من أقام مع المشركين فقد برئت منه ذمة الله ".. " من هوي الكفرة حشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً ".
أنت مسلم، أنت تحمل شهادة عالية، هذا الاختصاص أمتك الإسلامية تعبت عليك حتى بلغت هذا المستوى، لا ينبغي أن تقيم مع الكفار، تقدم لهم خبراتك، علمك، طبك، لا، فيجب أن تقدِّم هذه الخبرات لأمتك، لمن نشأت فيها.
فلذلك:

 

 

(( آمركم بخمس بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة ))

 طبعاً الهجرة بين مكة والمدينة أغلق بابها، إذا واحد راح على الحج ركب من مكة بالنقل الجماعي المكيف وراح على المدينة، هل يسمى مهاجر ؟ أنا هاجرت، لا، الهجرة أغلقت أبوابها بعد فتح مكة، ولكن الهجرة مشروعةٌ إلى يوم القيامة بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة وقت الهجرة، الهجرة مشروعة ومفروضة بين كل مدينتين تشبهان مكة والمدينة وقت الهجرة.
 ذات مرة أحد إخواننا الكرام ذهب إلى الحج، وحينما زرته بعد الحج وهذه من السنة قال لي: هذه حجة بدل عن والدي رحمه الله، أنا أعرف أن النبي أمر فقال:

 

 

(( أي الوالدين أشد حقاً علي ؟ قال: أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك "))

 فقال: لا، أنا بدأت بوالدي، فسألته: لماذا ؟ قال: والدي جاء بنا في أوقاتٍ عصيبةٍ حينما منعنا من أداء شعائر ديننا في بلد أوروبي فهاجر إلى بلاد الشام قبل مائة عام، أو قبل خمسين عام تقريباً، فأنا أعزو إسلامي وتقواي وصلاحي إلى والدي الذي أنقذني من هذه البيئة، فأيَّة مدينتين يشبهان مكة والمدينة وقت الهجرة باب الهجرة بينهما مفتوح.
والمعنى الواسع جداً للهجرة، كما قال الله جل جلاله في الحديث القدسي :

 

 

(( العبادةٌ في الهرج كهجرةٌ إليّ ))

 

( من الجامع الصغير: عن " معقل بن يسار " )

 الآن مثلاً في المدينة في أماكن عامة، في حدائق، في متنزهات، نساءٌ كاسياتٌ عاريات، مائلاتٌ مميلات، في سهرات وراء أجهزة اللهو، أحدكم ترك كل هذا وجاء إلى بيت من بيوت الله، هذه هجرة..

 

﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً (16)﴾

 

 

( سورة الكهف )

 فأنت حينما تلجأ إلى بيتٍ من بيوت الله، تلجأ لسماع درس علمٍ، فهذه هجرة بمعناها الواسع، إذاً:

 

(( آمركم بخمس ؛ بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، وإنه مَن خرج من الجماعة قيد شبرٍ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجِع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جُثِيّ جهنم وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ))

من دعا بدعوى الجاهلية ؛ الانحياز الأعمى إلى أية جهة لمصلحةٍ راجحةٍ عندك، من دعا بدعوة الجاهلية فقال: أنا ابن فلان، نحن بيت فلان، نحن القبيلة الفلانية، نحن العشيرة الفلانية..

 

 

وما أنا إلا من غزية إن غوت  غويت وإن ترشد غزية أرشد
* * *

 قال عليه الصلاة والسلام:

 

 

((لا يكن أحدكم إمَّعَة ـ مَن هو الإمعة ـ الذي يقول أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت، وإن أساءوا أسأت...))

 

( من زبادة الجامع الصغير: عن " حذيفة " )

 وهذا لسان حال معظم الناس: أخي ماذا نفعل، هكذا كل الناس، يا أخي هذه الحفلة لا تجوز، ماذا نفعل هكذا الموضة، هذه الثياب فاضحة، هذا الجرنالات هكذا جاء فيها، ماذا نفعل ؟ هؤلاء هم الإمعة، أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت، ولكن وطنوا أنفسكم على أن تحسنوا إن أساء الناس، هذه البيئة والتقاليد والعادات إذا خالفت كلام الله فتحت أقدامنا.
 والله حضرت عقد قران في خلال هذا الأسبوع، وأنا والله لا أبالغ أن ثمن الورود التي وقعت عليها عيني تكفي لزواج شابين أو ثلاث، لذلك العادات، والتقاليد، والأعراف إن وافقت الشرع فعلى العين والرأس، وإن خالفت الشرع فتحت أقدامنا، فدائماً اعلموا علم اليقين أن العظماء من الناس، أن الأبطال الذين يسهمون بشكلٍ أو بآخر بإصلاح مجتمعاتهم داسوا بيئتهم بأقدامهم.
 أنا سمعت عن قصة قريةٍ الآن والله أعجبتني، قال لي شخص: اجتمع وجهاء القرية في هذه الظروف الصعبة، ولا سيما كساد الفتيات، وصعوبة الزواج وصعوبة وسائله من بيتٍ، وأثاثٍ وما شاكل ذلك، فاجتمعوا، وقررا أن مهر أيَّة فتاةٍ في هذه القرية لا ينبغي عن أن يزيد عن ساعةٍ ومحبسٍ ذهبي، وانتهى الأمر، هذا هو المهر، شيء جميل !
 الآن نحن دائماً نخاف من كلام الناس، غرفة واحدة تكفي أفضل من الزنا، أحد الأطباء الكرام المؤمنين مختص بالأمراض البولية والتناسلية، فجمع بعض الإخوة الأكارم، وحدثنا عن مؤشرٍ خطير في المجتمع، قال: أنا طبيب في هذا الاختصاص منذ ثلاثين عاماً، في هذه السنوات العشر الأخيرة تفاقمت الأمراض الجنسية بسبب الزنا إلى عشرة أمثال، لأن طرق الزواج مُغْلَقة، نريد بيت، والبيت ثمنه أربع ملايين، لا نسكنها بزملكا، مَن أنت ؟ كل البلاد بلاد الله عزَّ وجل، كل البلاد بلاد الله، مأوى، الآن بالعالم المتقدِّم أرقى الناس يعيشون خارج المدينة، لا ضجيج، ولا تلوّث، فبعض المظاهر الصارخة هذه تعيق طريق الزواج، فالآباء الآن ما لم يجتمعوا، ما لم يقرروا، ما لم يُسَهِّلوا، ما لم يخَفِّفوا فهناك فتنةٌ عمياء.. " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير ".. فلذلك موضوع البيئة والتقاليد والأعراف هذه كلها تحت القدم إذا خالفت شرع الله عزَّ وجل، فتجد مَن يقول: أنا لا أعرض ابنتي. قال له:

 

﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ﴾

 

 

( سورة القصص: من آية " 27 " )

 نبي مُرْسَل، إذا كان شاب مناسب وأخلاقه عالية، وعندك بنت مناسبة له، يا ابني أنا عندي بنت ابعث أهلك يرونها، عندنا كبر، عمرها اثنين وعشرين، خمسة وعشرين، سبعة وعشرين، وأنا لا أقل كلمة، لذلك ورد بالحديث الصحيح:

 

(( أفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في النكاح))

 

( من الدر المنثور: عن " أبي رهم " )

 أي أفضل عمل أن تسهم في تزويج شاب لمؤمنة، مؤمن لمؤمنة..

 

﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾

 

 

( سورة النور: من آية " 26 " )

 فنحن الآن أمام تحديات العصر، لابد من أن نطبق ديننا ؛ في زواجنا، في أعمالنا، في كلمتنا التي نقولها، لا نكذب مهما كلف الأمر، مهما كلف الصدق من متاعب، ألا تريد مجتمع متميز، مجتمع الناس يرمقونه بعيونهم ؟ ألا تحب مجتمعاً يؤكد للناس عظمة هذا الدين؟! أنا أقول لكم الآن كل واحد منكم، " أنت على ثغرةٍ من ثغر الإسلام "، كل واحد منكم حينما يقف الموقف الأخلاقي، الموقف الأصولي، الموقف الملتزم فهو داعيةٌ وأي داعية، تجد بكل مجتمع: والله فلان ما شاء الله حوله، ما هذه الأخلاق ؟ أنا في الحج لمحت رجل لونه، ولون عينيه، ولون جلده، وهيئته العامة لا تشير إلى أنه عربي، أي أنه غربي، فسألت، فإذا هو ألماني غربي، لكن لو نظرت إليه وهو يطوف بالبيت، ويسعى، ويبكي، سألنا، فله قصَّة، قصة هذا الحاج الألماني الغربي الذي يطوف بالبيت ويبكي بسيطة جداً، سكن عنده طالب سوري، ولهذا الرجل الألماني فتاةٌ جميلة، وليس عنده مانع من أن يلتقي معها، وأن يجلس معها، وأن تدخل إلى غرفته، فالقضية سهلة عنده، ما في تكليف بين الجماعة، فما استطاع هذا الأب أن يلمح الشاب ينظر إلى فتاته إطلاقاً ولا نظرة، يغض بصره غضاً حازماً، والأمر ميسَّر، وفي موافقة من الأب، وهو ينتظر هذه العلاقة، أبداً، فجلس معه وسأله، قال: هذا ديننا، ديننا يحظِّر علينا أن نطلق بصرنا في الحرام، من مناقشة إلى مناقشة، أسلم على يديه وجاء للحج، هذا الطالب الذي دعا إلى الله بغض بصره فقط، قضية الدين بسيطة غير معقَّدة، الناس متعطِّشون لإنسان أخلاقي، متعطشون لإنسان أمين على الدرهم، صادق، ما في عنده ازدواجية، واضح، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا ضال ))

 فلذلك أيها الإخوة... الحديث:

 

 

(( آمركم بخمس بالجماعة، والسمع، والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، وإنه مَن خرج من الجماعة قيد شبرٍ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلا أن يراجِع، ومَن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جُثِيّ جهنم وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ))

 هذه آخر فقرة خطيرة جداً، أي ممكن تكون مصلي صائم، وتزعم أنك مسلم، والمصير مخيف.
في عندنا توجيه جماعي آخر:

 

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46)﴾

 

( سورة الأنفال )

 المنازعة بين المؤمنين ليست في صالح مجموع المؤمنون، المؤمنون في مجموعهم لهم هيبةٌ، لهم شأنهم ، لهم قيمتهم، لهم وزنهم ـ بالتعبير المعاصر ـ فإذا تنازعوا، كلنا معجبون بهؤلاء الذين جاهدوا في الله حق جهاده، فلما تنازعوا فيما بينهم، رأينا استفهاماتٍ كبيرة، كانوا ضعافاً وأيدهم الله بنصرٍ من عنده، فلمال نجحوا تنازعوا، هذه المنازعة أسقطتهم في نظر الناس جميعاً، لذلك المنازعة في صالح الشيطان، ليست المنازعة لصالح مجموع المؤمنين، فكل مؤمن يحرص على دينه، ويحرص على سمعة إسلامه، وسمعة المسلمين يدع المنازعة.
 قال شخص لسيدنا الصديق، يبدو أنه جاءته قضية فأحالها إلى سيدنا عمر، سيدنا عمر رفضها، هو كان ينتظر صاحب القضية أن يتشاورا فيما بينهم فقال له: هذه القضية مرفوضة. فذهب إلى الصديق ليوغر صدره على سيدنا عمر، قال له:
ـ الخليفة أنت أم هو ؟ هذا يتجاوز حدوده.
ـ قال له: هو إذا شاء. ما في فرق بيننا، وانتهى الأمر.
إذا واحد يريد أن يدخل بين مؤمنين إياك أن تسمح له، هو إذا شاء، أنا أوكِّله وهو يمون عليّ.
في عندنا آية أخرى، آية تؤكد الأخلاق الجماعية، قال الله عزَّ وجل:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا﴾

 

( سورة آل عمران )

 الشيء الدقيق جداً في هذه الآية أنه أي دعوة إلى الوحدة، والاعتصام، والتجمع، لا تنجح، لماذا ؟ لأن ما في مضمون، ضع صفر زائد صفر، فالمجموع صفر، زائد صفر ثالث، صفر رابع، مائة صفر زائد ألف صفر يطلعوا صفر، إذا ما في شيء يجمع، الدين يجمع، منهج يجمع، حب الله تجمع، " الأرواح جنودٌ مجنَّدة فما تعارف منها ائتلف "، القرآن يجمع، الإيمان بالله يجمع، حب الله يجمع، فهنا:

 

﴿وَاعْتَصِمُوا ﴾

 لم يقل: واعتصموا جميعاً، لو قال: واعتصموا جميعاً. فالآية ليست لها معنى، ربنا عزَّ وجل قال:

 

 

﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾

 

( سورة الحشر: من آية " 14 " )

 يعني بين عناصر أهل الكفر والانحراف من العداوة فيما بينهم ما لا يعلمها إلا الله..

 

﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾


 لكنه بين المؤمنين من المودة والرحمة، والإخلاص والحب الشيء الذي لا يوصف، من علامة المؤمنين أنهم نصحة متوادون ولو ابتعدت منازلهم، طبعاً هذه المودة لها أسباب علمية، علماء الاجتماع اكتشفوها، أنت مَن تحب ؟ أنت صادق تحب الصادق، أمين تحب الأمين، فهذا الذي تحبه كثيراً سبب حبك إياه أن هناك نقاط كثيرة جداً مشتركة بينك وبينه، نقاط كثيرة جداً، بل القانون أنه كلما كثرت نقاط اللقاء بينك وبين إنسان آخر اشتد حبك له، أنت منطقي، أمين، صادق، لا تحب الإسفاف بالكلام، فإن رأيت شخصاً على هذه الشاكلة تتعلق به، وتألفه، وتمضي معه الساعات الطوال، أما إن كنت عفيف اللسان، ورأيت إنسان بذيء اللسان، لا تحتمل أن تجلس معه ولا ساعة، ولا خمس دقائق، إن كنت صادقاً ورأيته يكذب كلما تنفس، تنفر منه، فما هو سر المودَّة الصادقة بين المؤمنين ؟ هو أن الإسلام هذَّبهم، وحينما هذبهم وحَّد أخلاقهم، وحينما وحد أخلاقهم كثرت النقاط المشتركة بينهم، فتجد حالة غريبة أنه ممكن تجلس مع مؤمن عشر ساعات وأنت في غاية السعادة، أنا أعرف إخوان كثيرين تعلَّقوا ببعضهم تعلقاً شديداً، لا يستطيعون أن يفارقوا بعضهم بعضاً، وأعرف رجل لا يحتمل أن يجلس مع أخيه النسبي ولا ساعة لأنه في واد وأخيه في واد، هو يؤثر طاعة الله وهذا الأخ يؤثر معصيته، لذلك:

 

 

﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ ﴾

 إذا واحد غريق وألقي له حبل، وتمسك به، نجا، الغريق ما الذي ينجيه ؟ أن يمد له حبل، فإذا أمسكه فقد نجا، فالقرآن حبل الله..

 

 

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ﴾

 

( سورة الإسراء: من آية " 9 " )

 الآن القرآن طبقه في بيتك، ما في مشاكل، لأن الله قال:

 

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾

 

( سورة البقرة: من آية " 216 " )

﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً (19)﴾

( سورة النساء )

 القصة معروفة.. واحد دخل بامرأةٍ فلم تعجبه، فهام على وجهه، فقالت له: أنس بن عامر ـ هي فقيهة ـ قد يكون الخير كامناً في الشر، لا تكره، " لا يفرك مؤمناٌ مؤمنةً إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر " هام على وجهه وغاب عن المدينة عشرين عاماً، ثم حن إلى المدينة، فرجع، وحسب السنة عليه أن يصلي في المسجد ركعتين قبل دخول البيت، دخل إلى المسجد رأى شاباً تحلَّق الناس حوله، وتعلَّق الناس به، وهو يعلِّم الناس، فسأل عته، فقالوا: هذا مالك بن أنس. أي ابنه، وهو لا يدري، فلما انتهى المجلس قال له: يا أستاذنا الجليل قل لأمك إن بالباب رجلاً يقول لك: قد يكون الخير كامناً في الشر، قالت: يا بني هو أبوك، هذا أبوك. أنت الله اختار لك هذه الزوجة، لا تدقق كثير، هذا اختيار الله لك، أكرمها، قد يأتيك منها نسلاً ينفع الناس من بعدك.
 الحديث الأخير وهو من أدق الأحاديث وأكثرها اتصالاً بالأخلاق الاجتماعية، نحن دائماً عندنا تصور خاطئ أنه يا أخي المدارس لا تعلم، الأب كأنه لا علاقة له بذلك، الخطأ خطأ المدارس، النبي عليه الصلاة والسلام ما أعفى إنساناً من المسؤولية، إياك أن تُلقي بالمسؤولية على أُناسٍ بعيدين، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر:

 

(( ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته، فالإمام الذي على الناس راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤولٌ عن رعيته، والمرأة مسؤولة على بيت زوجها وولده وهي مسؤولةٌ عنهم، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسؤولٌ عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته ))

 لا يعفى مسلمٌ من المسؤولية، هذا حديث بعيد الغَوْر، خطير جداً، تقول: أخي أنا ما لي علاقة، هكذا صار مع ابني، ما علَّموه، لقَّنوه تلقين خاطئ ـ مثلاً ـ الله يصلحهم ويهديهم، أنت مسؤول، المرأة مسؤولة عن أولادها، وأنت عن أولادك، والموظف عن اختصاصه، عن القطاع الذي يغطيه مسؤول مسؤولية مباشرة، فمبدأ المسؤولية أساسيٌ في العلاقات الاجتماعية، فلذلك الإنسان كلما رأى فساداً ألصقه بالآخرين، أو بالكبار واستراح، لا، فلا تعفى من المسؤولية بل كل واحد محاسبٌ عن في نطاق مسئوليته، وفي نطاق عمله، فالمرأة مسؤولة، الرجل مسؤول، الإمام الأكبر مسؤول.
 سيدنا عمر لما أمر امرأةً يحرس قافلتها أن ترضع ابنها لأنه بكى، فقال لها: أرضعيه. أرضعته للمرأة الأولى فبكى فقال: أرضعيه. فبكى، غضب فجاءها وقال: يا أمة السوء أرضعيه. قالت له: وما شأنك أنت بنا ؟ ما دخلك فينا أنت، إني أفطمه، قال لها: ولمَ تفطميه ؟ قالت: لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام، أي التعويض العائلي لا تستحقه الأم إلا بعد الفطام، سيدنا عمر ضرب جبهته وصاح صيحةً وقال: " ويحك يا ابن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين ". وذهب ليصلي، فما سمع أصحابه قراءته في الصلاة من شدة بكائه، وكان يدعو ويقول: " رب هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي، أم رددتها فأعزيها ؟ "
 وكان يقول: والله لو تعثرت بغلةٌ في العراق ـ وهو في المدينة ـ لحاسبني الله عنها لم لم تصلح الطريق لها يا عمر ". كان الله في عون وزراء المواصلات، لو تعثرت بغلةٌ في العراق لحاسبني الله عنها لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر، مسؤول.
قُدم له طعامٌ نفيس فقال: " بئس الخليفة أنا إذا أكلت أطيبها وأكل الناس كراديسها ".
أصاب الناس مجاعة في عهده، فخاطب بطنه فقال: " قرقر أيها البطن أو لا تقرقر فو الله لن تذوق اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين ".
 فنحن إذا فهمنا هذا الحديث فهم دقيق ؛ أنت كأب مسؤول، كمعلم عندك ثلاثين طالب، طالب اشتكى على طالب، ضايق خلقك، فسلخت الاثنان ضربة، وارتحت، حطمت الطفل الثاني المظلوم، كره المدرسة، وكره التعليم، شعر أنه لا يوجد عدل، يشكوك، يشكو زميله، اسمع، فالقاضي أحياناً، المعلم، المهندس، الطبيب، فلذلك كل واحد مسؤول، وهذا الحديث حديث جماعي يظهر أخلاق الجماعة، ولا يعفى أحد من المسؤولية مهما عظم ومهما صغر، عبد، صانع، أحياناً سائق سيارة ينسى أن يضع الماء فتحترق البطارية، معلمي والله احترقت، هذه من تقصيرك، فالسائق مسؤول، المعلم مسؤول، المدرس مسؤول، الأستاذ مسؤول، المهندس مسؤول، المحامي مسؤول.
أعيد عليكم الحديث، رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر..

 

 

(( ألا كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته، فالإمام الذي على الناس ـ الإمام الأعظم ـ راعٍ وهو مسؤولٌ عن رعيته، والرجل راعٍ على أهل بيته وهو مسؤولٌ عن رعيته، والمرأة مسؤولة على بيت زوجها وولده وهي مسؤولةٌ عنهم، وعبد الرجل راعٍ على مال سيده وهو مسؤولٌ عنه، ألا فكلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته ))

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018