بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 047 - إحياء علوم الدين4 - محاسبة النفس.


1992-09-07

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم... مع الدرس الرابع من دروس إحياء علوم الدين، كنا في الدرس الماضي مع كتاب المُراقبة ؛ مراقبة الله تعالى، واليوم مع كتاب المحاسبة، وقبل أن نخوض في باب المحاسبة الذي عَقَدَ عليه الغزالي موضوعاً دقيقاً وخطيراً، أريد أن أقدِّم بين يدي الموضوع بالمقدمة التالية:
 دائماً وأبداً العاقل هو الذي يتوافق مع المستقبل، هو الذي يتكيَّف مع المستقبل بحيث لا يندم على شيء فعله، فدائماً الغبي هو الذي يعيش الماضي، والأقل غباءً هو الذي يعيش حاضره، لكن العاقل هو الذي يعيش غده، ويتكيَّف معه منذ الآن، فترى الناس مثلاً حينما يتوقَّعون حدثاً معيناً في المستقبل يتكيّفون معه منذ الحاضر ؛ بإعداد العدة، وتهيئة الأسباب، فإذا جاء المستقبل بهذا الحدث كانوا مستعدين له، هذا هو العقل، العقل أن تصل إلى المستقبل بعقلك قبل أن تصل إليه بجسمك.
 فأبسط مثل طالب في العام الدراسي، في خمسة حزيران امتحان الشهادة الثانوية، هذا حدث خطير مصيري مستقبلي، فالعاقل هو الذي يبدأ بالتكيّف مع هذا الحدث المصيري قبل تسعة أشهر من بدء العام الدراسي، والأقل عقلاً هو الذي يبدأ معه قُبَيل الحدث، قبل شهر، والغبي هو الذي لا يتكيَّف لا قبل بكثير ولا قبل بقليل.
أولاً: هل في القرآن الكريم آيةٌ تشير إلى معنى المحاسبة ؟ قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾

( سورة الحشر: من آية " 18 " )

 أي لابد لك من جلسةٍ تتأمل فيها، ماذا فعلت ؟ ماذا قدمت ؟ هل قصَّرت ؟ هل سبقت ؟ هل أديت الحقوق ؟ هل أديت الواجبات ؟.

 

﴿اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾

 

(سورة الحشر: من آية " 18 " )

 فهل من الممكن شركة تجارية من دون محاسبة ؟ ممكن إنسان ينفق بلا حساب ؟ يفلس، فالمحاسبة عملية تأمُّل، عملية تبصُّر، عملية تقييم، عملية امتحان، وربنا عز وجل يأمرنا أن نحاسب أنفسنا:

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾

 

( سورة الحشر: من آية " 18 " )

 هذه الآية فيها إشارة واضحة إلى المحاسبة عما مضى من الأعمال، سيدنا عمر له كلمة شهيرة يقولها معظم خطباء المساجد: " حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم ". فمثلاً واحد يريد أن يسافر، يعلم علم اليقين أن المسافر مسموح له بعشرين كيلو، فإذا اشترى أغراض من دون حساب، من دون وزن، وذهب إلى المطار، ووزنت حقائبه فإذا هي ستون كيلو، لكن على كل كيلو مبلغ ضخم جداً، هو أغلى بكثير من ثمن البضاعة، ألا يندم ندماً شديداً حينما يدفع مثلاً عشرة آلاف ليرة تجاوز وزن، لمَ لمْ يقم ميزاناً في البيت ويهيئ حاجاته ضمن عشرين كيلو ؟!
 أمثلة كثيرة ؛ الطالب في العام الدراسي، المسافر في وزن الأمتعة، الذي يشتري بضاعة ليدخها إلى بلده دون أن يفقه قوانين البلد، هذه ممنوع إدخالها، هذه مصادرة، وهذه عليها غرامة ثلاثة أمثال، وهذه عليها مصالحة، فالإنسان قبل أن يتحرك يجب أن يفكر، إذاً الإنسان يتمتع بأعلى درجات العقل حينما يتكيّف مع المستقبل، ومعنى التكيف مع المستقبل أي حينما يفعل عملاً لا يندم عليه، مقياس عقلك هو أنك إذا فعلت شيئاً ندمت عليه، فهذا ضعفٌ في عقلك، وحينما تفعل شيئاً لا تندم عليه، هذه قوة في عقلك، لذلك النبي الكريم قال:

 

(( الكيس من دان ـ ضبط ـ نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز مَن أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني ))

 

( من الجامع الصغير: عن " شداد بن أوس " )

 أي كلما كبر عقلك كلما اتجه هذا العقل لضبط سلوكك لئلا تندم، والندم من أصعب المشاعر المؤلمة، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم. عليه الصلاة والسلام جاءه رجل فقال:
ـ يا رسول الله أوصني.
ـ قال: أمستوصٍ أنت ؟ فعلاً، جاد في سؤالك ؟
ـ قال: نعم.
ـ قال: إذا هممت في أمرٍ فتدبر عاقبته، فإن كان رشداً فأمضه، وإن كان غياً فانته عنه.
 هل هناك أكمل من هذه الوصية ؟ قال: يا رسول الله أوصني، قال: أمستوصٍ أنت، قال: نعم، قال: إذا هممت بأمر فتدبر عاقبته، فإن كان رشداً فأمضه، وإن كان غياً فانته عنه، إنساناً أحياناً يسافر لبلد أجنبي، تأخذ لبه ؛ بنظافة البلد، وانتظام شوارعها، وارتفاع أبنيتها، والمحلات التجارية التي تعج بألوان البضاعة، وانتظام المواصلات، وتوفُّر حرية الإنسان إلى أقصى درجة، فيألف هذه البلد، ويتزوَّج، وحينما تكبر بنات، ويَصْحَبْنَ أصدقاء، يحس بندم ما بعده ندم، لماذا لم يتدبر عاقبة الأمر قبل أن يصل إليه ؟ هذا ضعف في عقل الإنسان.
 أتمنى على الله عز وجل أن أوضح لكم هذه الحقيقة، فقبل أن تفعل شيئاً، قبل أن تتصرف، قبل أن تقف هذا الموقف، قبل أن تعطي، قبل أن تمنع، قبل أن توافق، قبل أن ترفض، قبل أن تتزوج، قبل أن تطلق، قبل أن تتجر بهذه التجارة، رجاحة عقلك تظهر في تدبُّر العاقبة، فإن كان في عاقبة في هذا الأمر رشدٌ فاتبعه، وإن كان في عاقبة هذا الأمر غيٌ فانته عنه، هذا هو العقل بأجلى صفاته.
 في الخبر ؛ ينبغي للعاقل أن يكون له أربع ساعات، ساعةٌ يحاسب فيها نفسه، ايها الأخ الكريم إياك أن تستهلك، أحياناً الدنيا تستهلك، جاء إلى البيت متأخر، تناول طعام العشاء، وآوى إلى فراشه، عنده موعد في وقت مبكر، توجّه إلى العمل، من لقاء إلى لقاء، ومن اتصال إلى اتصال، ومن اجتماع إلى اجتماع، ومن مشاحنة إلى مشاحنة، جاء وقت الظهيرة، جاء إلى البيت، تناول طعام الغداء، آوى إلى فراشه قليلاً، عنده مواعيد بعد الظهر، يوم كيوم، وأسبوع كأسبوع، وشهر كشهر، إلى أن وضعت النعوة على الجدران، رحمة الله عليه، توفى ؟ نعم توفاه الله، هذه مشكلة خطيرة، أن يستهلكك العمل، أن يستهلكك الوقت، أن تستهلكك هموم الدنيا، فلذلك الإنسان لابد له من وقتٍ يحاسب فيه نفسه.
 الإنسان أحياناً يكون باللغة العامية ( معجوء )، البيت مشكلات، وبيوت، ولقاءات، وزوجة لها مطالب، وأولاد لهم مشكلات، والجيران، والأحباب والأصدقاء، اخرج من البيت، اذهب إلى مكانٍ بعيد، اجلس في غرفة وحدك، انطلق في طريقٍ هادئ، اصعد إلى جبل، انزوي عن الناس قليلاً، حاسب نفسك ؟ مَن أنا ؟ لماذا كنت في الدنيا ؟ ماذا بعد الموت ؟ ما الذي ينبغي أن أفعله ؟ ما الشيء الذي يرضي الله عز وجل ؟ حاسب نفسك لابد من جلسة مع نفسك، لابد من تأمل، لابد من فحص، لابد من تقييم، لابد من عرض أعمالك على الشرع ؛ هل أنا مصيب في هذا ؟ هل أنا مخطئ ؟ هل إذا جاء الموت فجأة أصعق، أم أنا في حالة ترضي الله عز وجل ؟
 فيا أيها الإخوة الأكارم... صدقوني أن هذا الموضوع دقيق جداً وخطير جداً، وقد تأخذون علي هذه الكلمة، لأن كل مرة أقول الموضوع خطير، هات موضوع ليس خطير، والله الدنيا كلها خطيرة، قال عليه الصلاة والسلام:
" إني لأستغفر الله تعالى وأتوب إليه في اليوم مائة مرة ".

 

﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201)﴾

 

( سورة الأعراف)

 الإنسان عليه أن يقف أن يقف عند بعض المشكلات ، لماذا أصابتني هذه المصيبة ؟ الله جل وعلا يقول:

 

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ﴾

 

( سورة النساء: من آية " 147 " )

 ما التقصير الذي قصَّرته ؟ ما الذنب الذي اقترفته ؟ ما الخطأ الذي وقعت فيه ؟ قال سيدنا عمر كان يضرب قدميه بالدُّرة إذا جن الليل، ويقول لنفسه: " ماذا عملت اليوم ؟ " فأحدنا إذا آوى إلى فراشه، والله هذا وقت مناسب، فليسأل نفسه: اليوم ماذا فعلت ؟ ما العمل الذي فعلته، ما الشيء الذي تركته، ما العمل الصالح الذي أكرمني الله به، ما الشيء الذي ابتعدت عنه ؟ قال كان عمر يضرب قدميه بالدرة إذا جن الليل ويقول لنفسه: " ماذا عملت اليوم ؟ ".
 وعن أحد العلماء يقول: لا يكون العبد من المتَّقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه. الذي عنده شريك، الذي عنده شركة، في شركاء صعبين جداً، أشدّاء، قساة، أشِحَّة، يحاسبون شريكهم على الدرهم، على الليرة، على النظرة، على الدقيقة، على الساعة، فالإنسان المؤمن قال: لا يكون العبد من المتقين، حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة شريكه.
قال سيدنا أبو بكر حينما كان على فراش الموت، روت عنه عائشة ابنته قال: " ما أحدٌ من الناس أحب إلي من عمر. ثم قال لها: كيف قلت ؟ فأعادت عليه، فقال: ما أحد من الناس أعز علي من عمر ". حاسب نفسه على كلمة أحب، ماذا قلت أعيدي علي ما قلت ؟ قالت له ما قال، قال: ما أحد من الناس أعز علي من عمر.
 أحد الصحابة الكرام وهو في الصلاة شغله طائر، تدبر ذلك، فجعل حائطه بستانه صدقة لله تعالى، ندماً ورجاء العوض من الله عز وجل، معناها إذا واحد إذا طبق هذه الطريقة لا يتبقى عنده شيء أبداً، كلما صلى صلاة وانشغل بشيء فيها تصدق بأملاكه، انتهى، كان أصحاب النبي عليهم رضوان الله يأخذون أنفسهم بهذه العزيمة.
سيدنا الحسن قال

(( المؤمن قوام على نفسه يحاسبها، وإنما خف الحساب على قومٍ حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة ))

 اسمعوا هذه الكلمة: " من حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً، قال: لا تدقق، والله غفور رحيم، والله عز وجل عفو، والنبي يتشفع لنا، ومن هنا إلى يوم الله يفرجها الله، والله عز وجل لن يحاسبنا، نحن من أمة محمد، من حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً، وبالعكس: مَن حساباً نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً ".
يروى عن النبي الكريم أن الوحي انقطع عنه ثلاثة أيام فقال:

 

(( يا عائشة لعلها تمرة أكلتها من على الفراش، لعلها من تمر الصدقة))

 

( من كنز العمال: عن عمرو بن شعيب " )

 حاسب نفسه أن الوحي انقطع عنه ثلاثة أيام لعله أكل هذه التمرة ولم تكن له، بل كانت من تمر الصدقة.
 قال: إن المؤمن يفجأه الشيء، يعجبه، فيقول: والله إنك تعجبني، وإنك من حاجتي، ولكن هيهات حيل بيني وبينك، هذا حسابٌ قبل العمل. عرض له الشيء، برق له الشيء، أحب شيئاً، أقبل على شيء، ويقع في مخالفة فيرجع إلى نفسه، فيقول: ماذا أردت بهذا ؟ والله لا أعذر عند الله بهذا، والله لا أعود له أبداً، فهذه محاسبة بعد العمل، إذاً هناك محاسبة قبل العمل، ومحاسبةٌ بعد العمل.
 قال أنس بن مالك خرج عمر وخرجت معه، حتى دخل حائطاً ـ أي بستاناً ـ فسمعته يقول وبيني وببينه جدار، وهو الحائط قال عمر: " عمر بن الخطاب ـ يخاطب نفسه ـ أمير المؤمنين، بخ بخ ـ أي خير إن شاء الله ـ والله يا عمر لتتقين الله أو ليعذبنك ". تقول: أنا أمير المؤمنين لا أحاسب، أنا قمة هذا المجتمع، يخاطب نفسه، دخل إلى بستان وبين أنس وبين عمر جدار فسمع عمر من وراء الجدار يقول: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين ـ خير إن شاء الله لطفتها ـ بخ بخ، وإذا كان.
 ذات مرة سيدنا عمر جاءه رسول من القادسية فقال له:
ـ حدثني ماذا جرى لكم ؟
ـ قال له: مات خلق كثير.
ـ قال له: مَن هم ؟
ـ قال له: إنك لا تعرفهم.
ـ بكى عمر وقال: وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم.
ومَن أنا ؟ وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم. يقول: " أن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ، والله لتتقين الله، أو ليعذبنك الله "
النبي الكريم حينما دعي إلى التمثيل ببعض القتلى الذين بالغوا في الإساءة إلى أصحابه، له كلمة لا أنساها، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً ))

 هذا مقام النبوة، فنحن مَن ؟
 سيدنا الحسن يقول حينما قرأ قوله تعالى:

 

 

﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾

 

( سورة القيامة)

 قال:

(( لا يلقى المؤمن إلا يعاتب نفسه... ))

 المؤمن دائماً يقول: "ماذا أردت بكلمتي ؟ وماذا أردت بأكلتي ؟ وماذا أردت بشربتي ؟ ". لماذا ذهبت لعندهم؟ لماذا قبلت هذه الدعوة ؟ لماذا دعوت الناس إلى البيت ؟ لماذا أقمت هذه الوليمة ؟ لماذا زرت هذه الزيارة ؟ لماذا قطعت فلاناً ؟ لماذا وصلته ؟ دائماً في حساب مع نفسه، وهذه النفس اللوامة التي أثنى الله عليها، لذلك المنافق له حال واحد، المؤمن يتقلب في اليوم الواحد في أربعين حال، ساعةً يرضى، وساعةً يخاف، وساعةً يحزن، وساعةً يرجو، وساعةً يستغفر، وساعةً يتمنى، وساعةً يخجل، وساعةً يُعَاتِب، وساعةً يعاتَب، لشدة حرصه على طاعة الله، ولشدة حرصه على إرضاء الله عز وجل، دائماً في حساب مع نفسه، داماً في سؤال وجواب، فقال: " المؤمن دائماً يعاتب نفسه يقول: ماذا أردت بكلمتي ؟ ماذا أردت بأكلتي ؟ ماذا أردت بشربتي؟ والفاجر يمضي قدما لا يعاتب نفسه.. " في غفلة.
 مالك بن دينار يقول: " رحم الله عبداً قال لنفسه: ألست صاحبة كذا، ألست صاحبة كذا، ثم ذمها، ثم خَطَمَها، ثم ألزمها كتاب الله تعالى، فكان له قائداً " وهذا من معاتبة النفس.
 أيها الإخوة... هذه أشياء بين أيديكم، المؤمن دائم المعاتبة لنفسه، دائماً يسأل نفسه، يخاطب نفسه، يستفهم عن نفسه، يقيِّم عمله، يفحص نيَّته، يفحص قصده، هذا من صفات المؤمن.
 أحد العلماء يقول: التقي أشد محاسبةً لنفسه من سلطانٍ غاشم، غشوم، أي ظلوم، السلطان الغشوم الظلوم يحاسب الناس حساباً عسيراً، يحاسب على الكلمة، يحاسب على النظرة، يحاسب على السكوت، يقول لك: هذا كتم معلومات، يحاسب على السكوت أحياناً فقال: المؤمن الصادق التقي أشد محاسبة لنفسه من سلطان غشوم، ومن شريك شحيح.
 أحد العلماء يقول: " مثَّلت لنفسي الجنة ؛ آكل من ثمارها، وأشرب من أنهارها، وأعانق أبكارها، ثم مثَّلت لنفسي النار ؛ آكل من زقومها، وأشرب من صديدها، وأعالج سلاسلها وأغلالها، فقلت لنفسي: يا نفس أي شيء تريدين ؟ فقالت: أريد أن أرد إلى الدنيا، فأعمل صالحاً فقلت: فأنت في الدنيا " والله التفكير لطيف، تصور الجنة وما فيها من نعيم مقيم، ما فيها من جنات تجري من تحتها الأنهار، ما فيها من حور عين، ما فيها من ولدان مخلدون، تصور الجنة وهو في نعيمها يتقلب، تصور النار وهو في لهبها يحرق، ويشرب صديدها، ويعالج سلاسلها وأغلالها، ويأكل من زقومها، وقال: يا نفس أي شيء تريدين ؟ فقالت: أريد أن أرد إلى الدنيا فأعمل صالحاً، فقال: فأنت في الدنيا فاعملي صالحاً.
 فإذا كان إنسان منغمساً في التجارة، وانغماس بالعمل، انغماس بكسب المال، انغماس في هذه الدعوى ؛ مع المحامين، مع الخصوم، وهو غافل عن نفسه، يفجأه الموت وهو غير مستعد له !! والله هذه قضية خطيرة جداً.
 قال مالك بن دينار: " رحم الله امرئ حاسب نفسه قبل أن يصير الحساب إلى غيره ". إذا الإنسان حاسب نفسه مع القوانين ؛ هذه الممنوعة تركها، هذه البضاعة ممنوع نقلها فامتنع عن حملها، هذا السير بهذا الطريق ممنوع، امتنع، فكل ما حاسب نفسه حساب شديد لم يقع بالمخالفات، ولكن عندما يهمل المحاسبة ينتقل الحساب إلى غيره، يضبط متلبساً بجريمة، بمخالفة، بمعصية.
 صاحبٌ للأحنف بن قيس قال: كنت أصحبه، فكان عامة صلاته بالليل الدعاء، وكان يجيء إلى المصباح، فيضع إصبعه فيه حتى يحس بالنار، ثم يقول لنفسه: يا حنيف، ما حملك على ما صنعت يوم كذا ؟ ما حملك على ما صنعت يوم كذا ؟ النفس رعناء، النفس أحياناً تواقة للمعصية، النفس أمَّارة بالسوء، النفس ترغب في اللهو، ترغب في الملذات، ترغب في حظوظها، فإذا ما كان الإنسان يقظ، ودقيق، ومحاكمته قوية، ومحاسبته عسيرة، ومنطقه شديد، وفكره نَيِّر، وأدلته قوية، وبصيرته ثاقبة، تهلكه نفسه، إما أن تحملها على طاعة الله فتسعد بها، وإما أن تحملك على معصيةٍ فتسقى بها.
 هذه كلها أحاديث وآيات وأقوال لصحابة وتابعين رضوان الله عليهم أجمعين تتحدث عن فضيلة المحاسبة، كيف يجب أن نحاسب أنفسنا، أما حقيقة المحاسبة قال:
الإنسان له رأس مال، وله ربح، وله خسارة، قال: رأس ماله أداء الفرائض، وربحه أداء النوافل، وخسارته فعل المعاصي، الفرائض رأس ماله، والنوافل أرباحه، والمعاصي خسائره، فالمؤمن دائماً يبحث عن رأس ماله، فإذا سَلِمَ رأس ماله بحث عن الربح، فإذا قَلَّ رأس ماله بحث عن الخسارة، الخسارة في المعاصي، ورأس المال في الفرائض، والربح في النوافل.
 في عندنا طائفة من قصص قصيرة جداً تتحدَّث عن المجاهدة، وعن أحوال السلف الصالح، والله قرأتها قبل أن آتي إليكم، فشعرت ببونٍ شاسعٍ جداً بين مجتمعاتنا ومجتمعاتهم، وبين ما يشغلنا وبين ما يشغلهم، وبين أشواقنا إلى الله عز وجل وأشواقهم إلى الله عز وجل، وبين عباداتنا وعباداتهم، فقلت: كأننا نحن لسنا من بني البشر، إن كانوا بشراً فنحن لسنا من بني البشر، وإن كنا بشراً فهم فوق البشر، همَّتهم عالية، شوقهم إلى الله عظيم، إقبالهم على الله شديد، ورعهم فوق التصور.
 قال بعض الحكماء: " إن لله عباداً أنعم عليهم فعرفوه، وشرح صدورهم فأطاعوه، وتوكلوا عليه فسَلِموا من الخَلق، صارت قلوبهم معادن بصفاء اليقين، وبيوتاً للحكمة، وتوابيت للعظمة، وخزائن للقدرة، فهم بين الخلق مقبولون، قلوبهم تجول في الملكوت، وتلوذ بمحجوب الغيوب، ثم ترجع ومعها طوائف من لطائف الفوائد وما لا يمكن واصفاً له أن يصفه، فهم في باطن أمورهم كالديباج حُسْناً، وفي الظاهر مبذولون لمن أرادهم تواضعاً، هذه طريقةٌ لا يبلغها إلا المتقون ".
 بعضهم قال: " والله ما أخاف من الموت إلا من حيث يحول بيني وبين قيام الليل ". الإنسان يصلي بالمسجد طبعاً بين إخوانه، وهو مراقب من قبل إخوانه، ويقيم صلاته حفاظاً على مكانته وسمعته، ولكن صلاة الليل، مَن يدري بها ؟ لا يدري بها إلا الواحد القهَّار، لذلك علامة الإخلاص صلاة الليل.
قيل للحسن رضي الله عنه: ما بال المتهجِّدين أحسن الناس وجوهاً؟ قال: " لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نوراً من نوره ".
 بعض التابعين كان يقول: " أيظن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن يستأثروا به دوننا ؟ كلا، لا والله، لنزاحمهم عليه زحاماً حتى يعلموا أنهم قد خلَّفوا وراءهم رجالاً " فالإنسان الغيور في الدين شيء رائع، الله عز وجل قال:

 

﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26)﴾

 

( سورة المطففين )

﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61)﴾

( سورة الصافات )

 يقول بعضهم: " ما رأيت مثل الجنة نام طالبها، ولا مثل النار نام هاربها ".
قال بعضهم: " يا عجباً لمن يعرف أن الجنة تزيَّن فوقه، وأن النار تسعَّر تحته، كيف ينام بينهما ؟!! ".
 والله إذا الإنسان طلب للسؤال، تجده لا ينام الليل، فكيف إذا طلب للواحد الديان ؟! إذا الإنسان في أمامه أزمة أو مشكلة، يبقى قلقاً إلى ما شاء الله، فكيف إذا كان مُقْدِماً على حسابٍ دقيق، وعلى موقفٍ خطير ؟!!
ابنة أحد العارفين قالت له: يا أبتِ ما لي أرى الناس ينامون وأنت لا تنام ؟ فقال: يا بنتاه إن أباكِ يخاف البيات، يخاف أن يبيت وحده أن يبيت في وحشةٍ موحشةٍ.
 لما تاب عتبة الغلام كان لا يتهنَّأ بالطعام والشراب، قالت له أمه: لو رفقت بنفسك. قال: الرفق أطلب، دعيني أتعب قليلاً وأتنعَّم طويلاً. حتى في الدنيا تجد شخص اعتنى بدراسته، نال أعلى شهادة بعد كذا سنة، سهر ليالي طويلة، فنال دكتوراه باختصاص نادر، فتح مكتب أو عيادة، أقبل عليه الناس، صار دخله اليومي خيالي، فهذا الدخل الخيالي بجهد قليل وعلم غزير، هو ثمنه سنوات طويلة أمضاها في الدراسة، أمضاها وراء الطاولة، سهر الليالي، لم ينم على المقعد، بل سهر الليالي.
واحد قال للثاني: لو سرَّحت لحيتك ـ مشطها ـ فقال: إني إذاً لفارغاً ـ أي إذاً أنا عندي وقت فراغ كبير ـ قيمة الوقت، كانوا يعرفون للوقت قيمة.
 قال بعضهم:

 

ألـذ مـن التلـذذ بالـغـواني  إذا أقـبـلنا فـي حـلـل حـســـان
منيــب فر مـن أهـلٍ ومالٍ  يســــيح إلـى مكـان مـن مـكان
فيدرك مـا أراد ومـا تـمنى  مـن الراحـات فـي غـرف الـجنـان
* * *

 يروى عن رابعة العدوية أنها كانت إذا صلَّت العتمة ـ أي العشاء ـ قامت على سطح لها، وشدت عليها درعها وخمارها، ثم قالت:

 

 

((إلهي قد غارت النجوم، ونامت العيون، وغلَّقت الملوك أبوابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك ))

 ثم تقبل على صلاتها فإذا طلع الفجر قالت:

 

 

(( إلهي هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري أقبلت مني ليلتي فأهنئِّ نفسي، أم رددتها فأعزيها ؟ وعزتك، هذا دأبي ما أبقيتني ))

 لا تعيشوا بالخيالات، إذا الواحد منا حاول يعمل خلوة مع الله عز وجل، يناجيه، في أدعية جميلة جداً احفظها وادعيها، ممكن تناجيه بالطريق، اعمل لك سير على الأقدام في شارع نائي، ناجيه،ادخل لغرفة وناجيه، لذة المناجاة، ألم يرد في بعض الأخبار أن عبداً يقول: يا رب لقد عاصيتك ولم تعاقبني، قال: عبدي قد عاقبتك ولم تدر، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟! أنا أضع بين أيديكم هذه الخبرة.
 أيها الإخوة... أنا أتمنى على الله، لنفسي ولكم، أن يذيقنا الله حلاوة مناجاته، فإذا الإنسان تمكن يفرغ نفسه في الأربع وعشرين ساعة نصف ساعة، أو ربع ساعة، يحب في مكان خارج البيت، يحب ضمن بيته، غرفة، في مكان خلوة، ويناجي الله عز وجل، الدعاء مناجاة، والمناجاة دعاء، استغفار، تسبيح، تهليل، وأدق شيء بهذا اللقاء الروحي هو المناجاة، فإذا ناجيتم الله عز وجل، وذقتم حلاوة المناجاة، أدركتم على أصحاب هذه القصص والأقوال مدى السعادة التي شعروا بها وانغمسوا فيها، فأنت إذا اتصلت بالله عز وجل اتصلت بالكمال المُطْلَق، اتصلت بالنور المطلق، اتصلت بمصدر السعادة المطلقة.
 فلذلك الدين كله كما قال أحد العارفين بالله وهو توفي، فرآه تلميذ له في الرؤيا فسأله:
ـ ما فعل الله بك ؟
ـ قال له: يا بني طاحت تلك العبارات ـ ترك مؤلفات ـ وذهبت تلك الإشارات، ولم يبق إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل.
 فأنا أدعوكم وأدعو نفسي والله قبلكم إلى خلوةٍ مع الله ؛ فيها الذكر، فيها المناجاة، فيها التبتُّل، فيها إعلان التوبة، فيها إعلان الخوف من الله، فيها الشكر، فيها طلب المزيد، هذه الجلسة مع الله، ذكرت لكم بعض هؤلاء الذين عاشوا هذه السعادة وهذا اللقاء فسعدوا وسعد مَن معهم، فنحن كما قلت قبل قليل موضوعنا هو كتاب المحاسبة، والمحاسبة أن تخلو مع نفسك في اليوم مرةً، لتفحص عملك، ولتنظر ماذا قدَّمت وماذا أخرت، وماذا أسررت، وماذا أعلنت، تفحص نيَّتك، تفحص قصدك، إذا فعلت هذا كنت ممن حاسب نفسه، ومرة أقول لكم: مَن حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً، كان حسابه يوم القيامة يسير، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً، كان حسابه يوم القيامة عسيراً.
والإنسان كما قال عليه الصلاة والسلام قال:

 

 

(( أمرني ربي بتسع: خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي منحرمني، وأن يكون صمتي فكراً ونطقي ذكراً ونظري عبرة ))

 والأصح من ذلك الإنسان دائماً وهو صامت يحدث نفسه، فهذا وقت راكب مركبتك، راكب مركبة عامة، انتظار تقرير من طبيب، في أوقات كثيرة جداً أنت ساكت، لاحظ الناس، أكثر خواطرهم حول الدنيا، وتجارتهم، وبيعهم، وشرائهم، ومسكنهم، وبيتهم، وأولادهم، إذا عوَّدت نفسك أن تشغل وقتك وأنت ساكت في محاسبة نفسك، وفي تقييم عملك، وفي التطلع للدار الآخرة، وفي سؤال نفسك: ماذا أردت من هذا الكلام ؟ من هذا اللقاء، من هذه الأكلة، من هذه الزيارة، من هذه النزهة، من هذه الشربة ؟ فحصت نواياك دائماً، فإذا كان هناك محاسبة مستمرة فأنت ممن أثنى الله عليهم حينما قال:

 

 

﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾

 

( سورة القيامة)

 وهذه هي النفس اللوامة، هناك نفس مطمئنة، ونفسٌ لوامة، ونفسٌ أمارة بالسوء، نرجو الله عز وجل أن نكون من أصحاب النفوس اللوَّامة التي تحاسب نفسها كثيراً ؛ بدخلك، بإنفاق المال، بعلاقاتك الاجتماعية، بدراساتك، ماذا أبتغي من هذه الدراسة ؟ لعلَّها السمعة، لعلها الشأن، لعلها جمع الدرهم والدينار ؟ فأنت لن تتفوق عند الله عز وجل إلا بمحاسبتك لنفسك حساباً عسيراً، وأنصحك ألا تتساهل مع نفسك، كلما شددت عليها كلما سعدت بها، وكلما تساهلت معها، مثل الأب مع ابنه، إذا أهمله في البدايات، أتعبه في النهايات وأشقاه، فإذا شدد عليه، ورباه تربية عالية، أسعده وسعد به..

 

والنفس كالطـل إن تتركه شـــب على  حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
فلا ترم بالمعـاصي كسـر شـهوتها  إن الطـعـام يـقـوي شهوة النهـم
* * *

 وعد الوقت ثمين جداً، كل ثانية محاسبٌ عليها، ما من يوم ينشق فجره إلا وينادي: " يا ابن آدم أنا خلقٌ جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة ".. " ولا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيه من الله علماً " .. " ولا بورك لي في طلوع شمس يوم لم أزدد فيها من الله قرباً " وهذه التذكرة لعلها تنفعنا جميعاً.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018