٠3الخطب الإذاعية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطب الإذاعية - الخطبة : 42 - الحج والقدس - مقام إبراهيم - فتح مدينة القدس من قبل المسلمين.


1997-03-28

الخــطــبـة الأولــى:

الحمد لله، الحمد لله الذي جعل كلمة التوحيد لعباده حرزاً وحصناً، وجعل البيت العتيق مثابة للناس وأمناً، وأكرمه بالنسبة إلى ذاته تشريفاً وصوناً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.

﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98) ﴾

( سورة المائدة)

وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، خير نبيٍ اجتباه، وللعالمين أرسله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، اللهم صلِّ، وسلم، وبارك على سيدنا محمد، سيد الخلق، وحبيب الحق، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنهم، وعنا يا رب العالمين.
عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله، وأحثكم على طاعته، وأستفتح بالذي هو خير.

المَقْصِد الأول من العبادات هو الامتثال لأمر الله والوفاء بحقه:

وأذن في الناس بالحج
أيها الأخوة الكرام في كل مكان، إن المَقْصِد الأول من العبادات هو الامتثال لأمر الله، والوفاء بحقه، ومع هذا لا يخفى أن وراء العبادات أثاراً طيبةً، ومنافع جمةً في حياة الفرد والجماعة، والحجُّ هو أكثر هذه العبادات اشتمالاً على الأمور التعبدية التي لا تُعْرَفُ حكمتها معرفة تفصيلية على وجه التأكيد، لكن الحج أوضح هذه العبادات أثراً في حياة المسلمين أفراداً و شعوباً، كيف لا و قد قال الله عز وجل:

 

﴿ وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ (28) ﴾

 


( سورة الحج)

إن هذا التعليل القرآني لهذه الرحلة المباركة، التي يقطعها الناس قادمين من كل فج عميق، يفتح لنا باباً رحباً للتأمل في هذه المنافع المشهودة التي قدمها القرآن الكريم.

الحج أوضح العبادات أثراً في حياة المسلمين أفراداً و شعوباً:

أيها الأخوة الكرام، حضوراً ومستمعين، الحج شحنة روحية كبيرة، يتزود بها المسلم فتملأ جوانحه خشيةً، وتقىً، وعزماً على طاعة الله، وندماً على معصيته، و تغذي فيه عاطفة الحب لله ولرسوله، ولمن عزَّرُوه، ونصروه، واتَّبَعُوا النور الذي أُنْزِلَ معه، وتوقظ في المسلم مشاعر الأخوة لأبناء دينه في كل مكان، وتوقد في صدره شُعْلَةَ الحماسة الدينية لدينه، والغَيْرَةِ على حرماته.
أيها الأخوة الكرام، إن الأرض المقدسة وما لها من أثرٍ في النفس، و قوةَ الجماعة، وما لها من إيحاءٍ في الفكر و السلوك، كل هذا يترك أثراً واضحاً في أعماق المسلم، فيعود من رحلته أصفى قلباً، وأطهرَ مسلكاً، وأقوى عزيمةً على الخير، وأصلبَ عُوداً أمام مغريات الشر، وكلما كان الحجُّ مبروراً خالصاً لله عز و جل، كان أثرُه في حياة المسلم المستقبلية واضحاً، لأن هذه الشحنة الروحية العاطفية تهز كيانه المعنوي هزاً، بل تُنْشِئُهُ خلقاً آخر، وتعيده كأنما هو مولود جديد يستقبل الحياة، وكله طُهْرٌ ونقاء، لهذا قال عليه الصلاة و السلام في الحديث الصحيح:

(( مَنْ حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ))

[ متفق عليه أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

الحج تمام نعمة الله على المؤمن:

أداء فريضة الحج تمام نعمة الله على المؤمن
أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة و الإسلام، أداء فريضة الحج، تمام نعمة الله على المؤمن، لقد جعل الله البيت الحرام قبلةً للمؤمن يتجه إليه كل يومٍ خمس مرات في صلاته، وهكذا شاءت إرادة الله أن ينشغل فؤادُ المؤمن بهذا البيت، وهو بعيدٌ عنه إلى أن يؤدي فريضة الحج، والحج تمام نعمة الله على المؤمن، لأن المؤمن لا يحج إلا إذا كان مستطيعاً ببدنه الذي سلمه الله له، وقوَّاه، وبماله الذي ادخره للحج فائضاً عن حاجاته الأساسية، وبنفقة أهله، وعياله في غيبته فهو نوع من الغنى، ومن تمام نعمة الله على المؤمن في الحج أن إيمانه بالله ورسوله كان في المستوى الذي حمله على مغادرة الأوطان، وترك الأهل، والخلان، وإنفاق الأموال، ومن تمام نعمة الله على المؤمن أنه ما حج بيت الله الحرام إلا وهو مؤدٍ لجميع ما كلف به من عبادات شعائرية كالصلاة، والزكاة، والصيام، وعباداتٍ تعاملية من توبة نصوح، وأداءٍ لجميع الوجبات ووفاءٍ لكل الحقوق.

الحج عبادة شاملة لكل أركان الإسلام:

أيها الأخوة الأكارم في كل مكان، الحج عبادة شاملة لكل أركان الإسلام، ففيه من الصلاة: أنك تذهب إلى بيت الله الحرام لتصلي فيه، وقد قال عليه الصلاة و السلام:

(( صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ ))

[ أحمدعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

و في الحج مـن الزكاة: إنفاق الأموال في التنقل، والسُكْنَى، والطعام، والشراب، و الرسوم، و في الحديث الشريف:

(( النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ ))

[ أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ]

و في الحج من الصوم: أنك تبتعد عن المباحات من لبس المخيط، والتطيب، والحلق، والتقليم، وكلها مباحة خارج الحج.
و في الحج من معنى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله: أنك تحج بيته الحرام تلبيةً لأمره، وطاعةً له، ولا أدل على ذلك من قولك في التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، وتؤدي مناسك الحج كما علمنا إياها رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال:

(( خذوا عني مناسككم ))

[مسلم عن جابر]

من لوازم العبودية لله في الحج:

1 ـ أن يبتعد الإنسان عن التعالي على أخيه الإنسان:

الناس سواسية في عبادتهم لله عز وجل
أيها الأخوة الكرام، حضوراً ومستمعين، الحج عبوديةٌ لله عز وجل، عبوديةٌ لخالق السماوات والأرض رب العالمين، إنَّ عبودية الإنسان لله تقتضي أن يبتعد عن التعالي على أخيه الإنسان، ففي المسجد مثلاً من يَصِلُ أولاً يجلس في الصف الأول، ومن يأتي متأخراً يجلس في الصف الأخير، والذي يحدث أنك تجد من كان في مجتمعه في الصف الأخير قد تجده في المسجد في الصف الأول، إنَّ هذه المساواة في العبودية لله عز وجل تخرج الإنسان عن التعالي، وتجعله يتواضع حيث يُحسُّ جميع المؤمنين أنهم يقفون أمام إلهٍ واحد، لا ينظر إلى صورهم، وهيئاتهم، وإنما ينظر إلى قلوبهم وأعمالهم، هذا في بيئة المسجد، ولكن الله جلّ جلاله أراد أن يجعل هذه المساواة، وهذا الخضوع ليس في بيئة محدودة، ولكن في نطاق عالمي، وفي بيئةٍ عالمية تجمع كل أجناس البشر، نتميز كما نشاء في بلادنا، وبين أهلينا، ولكن عندما نصل إلى بيت الله الحرام لابد أن نقف أمام الله متساوين كما خَلَقَنَا، وكما سنقف أمامه يوم القيامة.

 

2 ـ التأدب مع كل أجناس الكون:

أيها الأخوة الكرام، الحج أدبٌ رفيع مع عناصر الكون كلها، فمن لوازم العبودية لله في الحج أن الله ألزم الحاج بالتأدب مع كل أجناس الكون، مع الجماد في تقبيل الحجر الأسود، ومع النبات في النهي عن قطعه، ومع الحيوان في تحريم صيده، ومع الإنسان في حرمة التشاجر معه ومجادلته.

 

 

3 ـ البكاء في بيت الله الحرام:

ويا أيها الأخوة الكرام في دنيا العروبة والإسلام، البكاء في بيت الله الحرام من لوازم العبودية لله في الحج، وحينما يدخل الحاج بيت الله الحرام، ويطوف حول الكعبة المشرفة تنهمر عيناه بالدموع، هذا البكاء تعبيرٌ عن الندم على ما سبق منه من ذنوب، وتضرعٌ إلى الله أن يقبل توبته، وأن يعفو عنه، هذا البكاء تعبيرٌ عن ترك العُجْبِ والكبرياء والتذلل لخالق الأرض و السماء، هذا البكاء تعبير عن أن الحاج تخلى عن كل شيء، وخضع إلى الله في كل شيء، ومع أن البكاء أيها الأخوة في الأصل مظهرٌ من مظاهر الضعف، والحزن فإنه في الحج ليس كذلك، هذا البكاء في الحج إحساسٌ عميق بأن السعادة الحقيقية هي في القرب من الله، "لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف "، "يا ربّ ماذا وجد من فقدك ؟ وماذا فقد من وجدك ؟"، هذا القرب الشديد من الله عز وجل في أثناء البكاء هو الذي يجعل لهذا البكاء روحانيةً مفعمةً بالفرح، فرح التخلص من الآثام، ونيل رضا خالق الأكوان، فرحة الانضمام إلى عباد الله الصالحين.

 

من الآيات البينات في بيت الله الحرام:

1 ـ مقام إبراهيم عليه السلام:

أيها الأخوة الكرام في دنيا العروبة والإسلام، في بيت الله الحرام آياتٌ بينات، مقام إبراهيم، أي أن هناك آياتٍ كثيرة في مقام إبراهيم.

2 ـ أنَّ إبراهيم عليه السلام كان أمة وحده:

إن ابراهيم كان أمة وحده
من هذه الآيات أنَّ إبراهيم عليه السلام كان أمة وحده، فقد اجتمعت فيه من خصال الخير ما لا تجتمع إلا في أمَّة، تقول: هذا أمين، وهذا صادق، وهذا كريم، ولكن خِصال الخير كلها اجتمعت في إبراهيم عليه السلام، ومن هذا مقولة أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم معصومةٌ بمجموعها، بينما النبي صلى عليه و سلم معصومٌ بمفرده.

 

3 ـ أن حجم الإنسان عند الله بحجم عمله:

ومن هذه الآيات البينات أنَّ حجم الإنسان عند الله بحجم عمله، و أن إبراهيم عليه السلام من حيث العمل الذي أجراه الله على يديه، عملُهُ يساوي عملَ أمَّة، فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، وهذا يذكرنا بقول الله عز وجل يخاطب النبي عليه الصلاة و السلام:

 

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) ﴾

 

( سورة الأنبياء)

4 ـ أنَّ إبراهيم عليه السلام أقبل على بناء الكعبة وإعلائها تنفيذاً لأمر الله بإتقانٍ شديد:

من هذه الآيات البينات أنَّ إبراهيم عليه السلام أقبل على بناء الكعبة، وإعلائها تنفيذاً لأمر الله تعالى، بإتقانٍ شديد، والإتقانُ في تنفيذ الأمر دليل قطعي على محبة الآمر، وهذا يذكرنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملاً أن يتقنه))

[الجامع الصغير عن عائشة]

5 ـ أن الله خلق الكون وجعله يعمل بالأسباب:

من هذه الآيات البينات أيها الأخوة في مقام إبراهيم: أن الله خلق الكون، وجعله يعمل بالأسباب، فالذي يأخذ بالأسباب ويتقنها تعطيه هذه الأسباب النتائج مؤمناً كان أو كافراً، لكن هناك حقيقةً كبرى هي أن خالق الأسباب فوق الأسباب، بل هو مسببها، إن شاء أعطاك من دون سبب، و إن شاء منعك، و أنت آخذٌ بالسبب، فالسبب في علم التوحيد لا يخلق النتيجة، لذلك في حركة الإنسان في الحياة، ينبغي ألا يغفل عن أن خالق الأسباب ومسببها هو كل شيء، سيدنا إبراهيم عليه السلام جاء بزوجته هاجر وابنه إسماعيل إلى موقع الكعبة، الذي لا زرع فيه، ولا ماء، ولا وسائل للحياة، في هذا المكان الخالي من وسائل بقاء الحياة، ترك إبراهيم زوجته وابنه الرضيع إسماعيل، وانطلق راجعاً، فأمسكت هاجر بزمام دابته، وقالت له: يا إبراهيم لمن تتركنا ؟ فلم يجب إبراهيم، قالت هاجر: آالله أمرك بهذا، فأشار إليها أن نعم، قالت: إذاً لن يضيعنا، هذه قضية إيمانية كبرى، وهي أن الله إذا أمرك بأمرٍ فبدا لك أنه يضر بمصالحك، أو يحول بينك وبين ما تتمناه فاعلم علم اليقين أن الآمر ضامن، و أن العاقبة للمؤمن، و أن الدنيا تأتي، وهي راغمة، فمن أصبح و أكبر همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه، وشتت عليه شمله، ولم يؤته من الدنيا إلا ما قُدِّر له، ومن أصبح وأكبر همه الآخرة جعل الله غناه في قلبه، وجمع عليه شمله، وأتته الدنيا، وهي راغمة، وما من مخلوقٍ يعتصم بمخلوق دوني، أعرف ذلك من نيته إلا جعلت الأرض هوياً تحت قدميه، وقطعت أسباب السماء بين يديه، وما من مخلوقٍ يعتصم بي من دون خلقي أعرف ذلك من نيته، فتكيده أهل السماوات والأرض إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا.

6 ـ أن حبّ إبراهيم عليه السلام لله عز وجل يفوق الدنيا وما فيها وهو أعلى من كل حبّ:

يجب أن يكون حب الله أعلى من أي حب
أيها الأخوة الكرام في دنيا العروبة والإسلام، من هذه الآيات البينات في مقام إبراهيم، أنه أُمِرَ أن يذبح ابنه الوحيد إسماعيل، وهو في سن الشباب، فلما بلغ معه السعي، وأبوه شيخٌ كبير، وزوجته عاقر، فلم يتباطأ في التنفيذ، ولم يدعُ الله أن يرحم شيخوخته، وأن يعفو عن ابنه، وعلى الرغم من قسوة الابتلاء فقد شَرَعَ في التنفيذ، أن يقدم الإنسان على ذبح ابنه الوحيد الشاب، والأب شيخٌ كبير، والزوجة عاقر لا تنجب، إنَّ من يفعل هذا يحب الله حباً يفوق الدنيا وما فيها، حباً أعلى من كل حب، يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ))

 

[ متفق عليه عَنْ أَنَسٍ]

من آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً:

يا أيها الأخوة الكرام، هذا ابتلاء حاد ما كلف به المؤمن، ولكن نستفيد من هذه القصة أنه لو استقبلنا كل حكمٍ من الله بالقبول نأخذ ثواب الطاعة لأمر الله، ويرفع الله عنا القضاء:

﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107)﴾

( سورة الصافات)

أيها الأخوة الكرام، حينما يقبل المؤمن على تنفيذ أمر الله، وهو يرى رؤيةً قاصرة أن تنفيذ هذا الأمر يضر بمصالحه المادية والمعنوية، لكنه يؤثر طاعة الله، والقرب منه على دنياه، ينال عندئذٍ ثواب الطاعة، وسعادة القرب، وبقانون خفي لا نعرفه تتحقق مصالحه الدنيوية في أعلى مستوى، وهذا معنى القول المأثور: "من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً".

الله جلّ جلاله لا يريد لنا إلا الخير ولا يقضي لنا إلا بالخير:

أيها الأخ الكريم، إذا كلفك مساوٍ لك، نِدٌ لك، إذا أمرك بأمر تسأله دائماً: لماذا أفعل هذا ؟ و لكن إذا أمرك الله جلّ جلاله خالق السماوات والأرض، العليم الحكيم، الرحمن الرحيم، إذا أمرك الله أمراً ينبغي أن تأخذ أمره بالطاعة بمقدار ثقتك في علمه، ورحمته، وحكمته، فالله جلّ جلاله لا يريد لنا إلا الخير، ولا يقضي لنا إلا بالخير، وكلما قصر الفكر البشري عن إدراك الخير كان الخير أضخم وأكبر، لأن الخير في هذه الحالات أكبر من أن يدركه الإنسان بعقله القاصر، قال تعالى:

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) ﴾

( سورة البقرة)

الله جلّ جلاله حينما يخاطب خلقه لا يخاطبهم بالتكليف، افعلوا، ولا تفعلوا، إنما يدعوهم إلى الإيمان به، فمن آمن به يكلفه، لذلك تجد كل تكليف مسبوقاً في القرآن الكريم بـ: يا أيها الذين آمنوا، لأن الإنسان حينما يدخل مع الله في عقدٍ إيماني فقد آمن إيماناً قطعياً أن لله الكمال المطلق، فإذا تلقيت الأمر الإيماني، ولم تفهمه، ونفذته فإنك ستجد الراحة في قلبك، والصفاء في نفسك، وحينما تقبل على تنفيذ أمر الله لثقتك بعلمه، وحكمته، ورحمته يكشف لك الحكمة منه فتعود بثمرتين: ثواب العابد، وفهم العالم.

بيت الله الحرام هو المركز الهندسي لليابسة:

مكة المركز الهندسي لليابسةً
أيها الأخوة الكرام، إلى الموضوع العلمي: بيت الله الحرام مركز لدائرة تمر بأطراف قارات العالمَيْن القديم والجديد، والأرض اليابسة موزعة حول بيت الله الحرام بصورة منتظمة، هذه الحقيقة أكدتها أحدث الدراسات العلمية لمركز البحوث الفلكية في أحد الأقطار العربية الشقيقة، وذلك باستخدام الحاسب الآلي في حساب المسافات بين مكة المكرمة وعدد من المدن التي تقع في أطراف العالمين القديم والحديث، و قد ثبت بعد الحسابات التي أجريت على الحاسب الآلي أن أقصى أطراف الأرض في إفريقيا، وأوربا، وآسيا، وهذا العالم القديم تقع على مسافة ثمانية آلاف كيلو متر من مكة المكرمة، وأما بالنسبة لأطراف العالم الجديد، وهو القارة الأميركية شمالاً، وجنوباً، وأستراليا، والقارة المتجمدة الجنوبية جميع أطراف هذه القارات الثلاث تقع على مسافة ثلاثة عشر ألف كيلو متر من مكة المكرمة، ولا يقابل مكة المكرمة على سطح الأرض من الطرف الآخر يابسة، بل بحرٌ، إنه المحيط الهادي، إذاً بحسب هذه الدراسة التي أجريت على الحاسب الآلي تبين أن بيت الله الحرام هو المركز الهندسي لليابسة.

 

﴿ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) ﴾

 

( سورة آل عمران)

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، والحمد الله رب العالمين.

 

***

الخــطــبـة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

فتح مدينة القدس من قِبل المسلمين:

أيها الأخوة الكرام، عشنا في الخطبة الأولى في أجواء بيت الله الحرام، وها نحن أولاء ننتقل الآن بحضراتكم إلى مدينة القدس، حيث المسجد الأقصى، ثاني المسجدين، وثالث الحرمين الشريفين، متعبد الأنبياء السابقين، ومسرى خاتم النبيين، ونعود بكم القهقرى عَبْرَ بُعْدِ الزمان إلى يوم الجمعة الواقع في السابع والعشرين من شهر رجب عام خمسمئة وثلاث وثمانين للهجرة، الموافق للثاني من تشرين الأول عام ألف ومئة وسبع و ثمانين للميلاد، ففي هذا اليوم تمّ فتح مدينة القدس من قبل المسلمين، وبقيادة صلاح الدين، وتمّ تحريرها من أيدي الغزاة الطامعين، وها نحن أولاء نرى القلوب قد امتلأت بالفرح، والوجوه قد عمها البشر، ونسمع الألسنة، وقد لهجت بالشكر، لقد علت الرايات، وعلقت القناديل، ورفع الأذان، وتلي القرآن، وَصَفَتِ العبادات، وأقيمت الصلوات، وأُديمت الدعوات، و تجلت البركات، وانجلت الكربات، وزال العُبُوس، وطابت النفوس، وفرح المؤمنون بنصر الله، وها نحن أولاء ندخل المسجد الأقصى، فإذا المسلمون، وفيهم صلاح الدين وجنده يجلسون على الأرض، لا تتفاوت مقاعدهم، ولا يمتاز أميرهم عن واحد منهم، قد خشعت جوارحهم، وسكنت حركاتهم، هؤلاء الذين كانوا فرساناً في أرض المعركة استحالوا رهباناً خُشَّعَا، كأن على رؤوسهم الطير في حرم المسجد.

فقرات من خطبة محي الدين القرشي قاضي دمشق عند فتح القدس من قبل المسلمين:

إن تنصروا الله ينصركم
ها هو ذا خطيب المسجد محي الدين القرشي قاضي دمشق يصعد المنبر، ويلقي خطبةً لو ألقيت على رمال البيد لتحركت وانقلبت فرساناً، ولو سمعتها الصخور الصم لانبثقت فيها الحياة، وها نحن أولاء نستمع معكم إلى فقرات من خطبته.
لقد افتتحها بقوله تعالى:

 

﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45﴾

 

( سورة الأنعام )

يقول هذا الخطيب: " أيها الناس أبشروا برضوان الله الذي هو الغاية القصوى، والدرجة العليا لما يسره الله على أيديكم من استرداد هذه الضالة من الأمة الضالة، وردِها إلى مقرها من الإسلام بعد ابتذالها في أيدي المعتدين الغاصبين قريباً من مئة عام، وتطهير هذا البيت الذي أذن الله أن يرفع، ويذكر فيه اسمه من رجس الشرك و العدوان، ثم قال محذراً: إياكم عباد الله أن يستزلكم الشيطان، فيخيل لكم أن هذا النصر كان بسيوفكم الحداد، وخيولكم الجياد، لا والله، ما النصر إلا من عند الله، فاحذروا عباد الله بعد أن شرفكم الله بهذا الفتح الجليل أن تقترفوا كبيرةً من مناهيه، انصروا الله ينصركم، خذوا في حسم الداء، وقطع شأفة الأعداء، وها نحن أولاء نخرج من المسجد، ونلتقي بأحد الفرنجة الذين شهدوا فتح القدس، وها هو ذا يحدثنا ويقول: " إن المسلمين لم يؤذوا أحداً، ولم ينهبوا مالاً، ولم يقتلوا مسالماً، أو معاهداً، و أن من شاء منا خرج، وحمل معه ما شاء، و أننا بعناهم ما فضل من أمتعتنا فاشتروها منا بأثمانها، وأننا نغدو ونروح آمنين مطمئنين لم نر منهم إلا الخير والمروءة، فهم أهل حضارة و تمدن "، وصَدَقَ من قال: "ما عرف التاريخ فاتحاً أرحم منهم "، وليته قال: " إن المسلمين لم يهدموا بيتاً، ولم يصادروا أرضاً، ولم ينشؤوا مستوطنة، ولم يكسروا عظماً ".
و نعود الآن بحضراتكم إلى دمشق لنتابع خطبة الجمعة..

المعركة بين حقين لا تكون و المعركة بين حق وباطل لا تدوم والمعركة بين باطلين لا تنتهي:

أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، ماذا حول المسجد الأقصى اليوم؟ حينما تسلب أرض شعبٍ، وتنهب ثرواته، وتنتهك حرماته، وتدنس مقدساته، وتداس كرامته، وتقهر إرادته، وتفسد عقائده، وتفرغ قِيَمُه، ويزوَّر تاريخه، ويحمل على الفساد والإفساد، وتمارس عليه ألوان التجهيل، والتجويع، والتعذيب على يد أعدائه، أعداء الله، أعداء الحق، أعداء الخير، أعداء الحياة، عندئذٍ لا بد لهذا الشعب أن يتحرك ليسترد حقه في الحياة الحرة الكريمة.
أيها الأخوة الكرام في دنيا العروبة والإسلام، هذه الحركة لا يمكن أن تسمى إرهاباً، ولا تخريباً، ولا انتحاراً، إن تعنت إسرائيل أوصل عملية السلام إلى طريق مسدود، كما قال السيد الرئيس فهي ترفض رفضاً مطلقاً كل مقومات السلام، وتنهج نهج المراوغة، والخداع، وتستفز الضمير الإسلامي، والعربي، والإنساني بإنشاء مزيد من المستوطنات، ويضيف السيد الرئيس قائلاً: إن الخلاص في الإسلام الذي عندما كنا متمسكين به، لم يستطع أحدٌ أن يذلنا، الإسلام دين الحق، والعدالة، و المساواة بين البشر، الإسلام مصدر قوةٍ لنا جميعاً، إن هذا يفرض علينا أن نناضل بكل قوانا، وبصدق، وإخلاص لحماية الدين الحنيف من هذه المؤامرات الاستعمارية لنحفظ له مهابته، وجلاله، وليبقى مصدر عزةٍ و قوة للمسلمين، وليبقى حافزاً لتقدمهم في كل مجال.
أيها الأخوة الكرام في الأراضي المحتلة، بوركت سواعدكم، وسلمت أيديكم، لقد كنتم رمز البذل والعطاء، لقد ضربتم المثل الأعلى في التضحية والفداء، لقد تحركت فيكم معاني العزة، والإباء فأقلقتم مضاجع الأعداء.
استمعوا معي أيها الأخوة إلى وصية سيدنا عمر بن الخطاب إلى سيدنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما، قال له: " أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله عز وجل، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو، وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراساً من المعاصي، فإنها أضر عليكم من عدوكم، وإنما تنصرون بمعصية عدوكم لله، فإن استويتم في المعصية كان لهم الفضل عليكم بالقوة ".
لهذا قيل: المعركة بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدد، والمعركة بين حقٍ وباطل لا تدوم، لأن الله مع الحق، والمعركة بين باطلين لا تنتهي.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018