بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 026 - ذكر الله1 - قيمة الذكر.


1992-01-05

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم... في درسنا اليوم موضوعٌ متعلقٌ بذكر الله تعالى، وقبل أن أشرح الأحاديث التي وردت في هذا الموضوع، أحب أن أقدم لشرحي بمقدمةٍ تلقي ضوءً على الموضوع.
 فهناك ما يسمى بالتعليم، وهناك ما يسمى بالتربية، وفرقٌ كبير بين التعليم وبين التربية، فالتعليم أن تنقل بعض الحقائق إلى الطلاب، لكن التربية أن تعين الطلاب بأساليب متعددة على أن يطبقوا هذه الحقائق، يعني يمكن أن نقول: التعليم نقل حقيقة، والتربية تمكين المتعلِّم من تمَثُّل هذه الحقيقة والأخذ بها وتطبيقها، لذلك في التاريخ الإسلامي فرَّقوا بين المعلّمين وبين المربِّين، بين شيوخ التعليم وشيوخ التربية، فنحن إذا قلنا للمتعلم: قال عليه الصلاة والسلام كذا وكذا وكذا، وهذا هو الحكم الفلاني، وألقينا على مسامعه أحكام الشريعة، وأقوال العلماء، وتفصيلات وجزئيات دقيقة، فهذا لا يزيد عن التعليم، أما حينما نعطي المتعلِّم طريقةً يتمثَّل بها هذه الحقائق، ويأخذ بها، ويعيشها، وتصبح جزءً من كيانه وحياته فهذه تربية.
 فالذي ينبغي أن يكون هو أن يجمع المعلِّم بين مهمة التعليم وبين مهمة التربية، طبعاً ما كل معلمٍ بمربٍ، لكن كل مربٍ هو قولاً واحداً معلم، ما كل معلم بمربي أما كل مربي يجب أن يكون معلم، يجب أن يكون عالم حتى يربي، فمثلاً: لو أنك دعوت إنسان إلى الله عزَّ وجل، وذكرت له حكم غض البصر، أن النظر حرام، وجئته بالآية، وجئته بأربعة أحاديث شريفة تحرِّم عليه النظر، أنت ماذا فعلت ؟ أنت علَّمته حكم النظر إلى المحرمات.
 لو بيَّنت له حمم الإسلام في الربا، ذكرت له آية الربا، وذكرت له الأحاديث المتعلقة بتحريم الربا، أنت ماذا فعلت ؟ علَّمته حكم الإسلام في شأن الربا، ولكن حينما تستطيع بأسلوبٍ أو بآخر، بطريقةٍ أو بأخرى، بقصةٍ، بترغيبٍ، بترهيبٍ، بدعوةٍ إلى التفكُّر، حينما تستطيع أن تجعل هذا المتعلِّم يغض بصره فعلاً، أنت الآن أصبحت مربي، كنت معلماً فأصبحت مربِّياً، أنت تعرف في الأصل حكم النظر، لكن حينما سلكت مع هذا المتعلِّم طريقاً لحمله على غض البصر أنت أديت له وظيفة المربي فضلاً عن وظيفة المعلم.
 ومن باب التمثيل والتوضيح: لو أنك زرعت ألف نبتة مثلاً، زرعتها مرةً واحدة ثم تركتها إلى أن جفت ويبست، فماذا صنعت ؟ أنا أقول لك لم تصنع شيئاً، أما حينما تعتني بمائة بنتة تتعهدها بالسقي، وبالتسميد، وبالحرث، وبالتقليم، وبمكافحة الأمراض، أنت بهذا جعلت من هذه المائة نبتة غابةً بعد حين، إذاً ليكن هم أحدنا إذا دعا إلى الله، لا يكن همه نقل الحقائق فقط، نقل المعلومات فقط، ليس المتعلم وعاءً يملأ ولكنه نفسٌ تتفاعل، ليس المتعلِّم إناءً يملأ علماً بل هو شخصٌ له مشاعر، له أفكار، له قناعات.
 فلذلك، بإمكاني أن أقول لكم: في الإسلام عدة اتجاهات ؛ في اتجاه فكري، وفي اتجاه قلبي، وفي اتجاه عملي، فمن الممكن أن تمضي الوقت كله في خدمة الناس وأنت عند الله مشكور، ومحمود، ممكن تقضي الوقت كله في ذكر الله، وفي الأوراد، وفي الأذكار، وفي الدعاء وأنت عند الله محمود، وممكن أن تمضي الوقت كله في تعلم العلم وتأليف الكتب وأنت عند الله محمود، ولكن حينما يرجح جانبٌ على جانب، وحينما ينمو جانبٌ على حساب جانب تختل هذه الشخصية.
 الحقيقة الشخص الكامل هو المتوازن، الشخص الكامل هو الذي يحقق انسجاماً بين كل جوانبه، فلا ينمو عقله على حساب قلبه، ولا ينمو قلبه على حساب عقله، ولا تنمو أعماله على حساب عقله وقلبه معاً.
 فلذلك، نجد في الإسلام آياتٌ كثيرة تحضُّ على الذكر، وآياتٌ كثيرة تحض على التفكر، وآياتٌ كثيرة تحض على العمل، وآياتٌ كثيرة تحض على الاستقامة، وآياتٌ كثيرة تحض على الدعوة إلى الله، الحقيقة لا ينجح في هذا الدين إلا مَن أحاطه من كل جوانبه، تكون داعية بلا ذكر فهذه مشكلة، تكون ذاكر بلا دعوة مشكلة، تكون ذاكر وداعية بلا علم مشكلة، تكون عالم بلا دعوة مشكلة، تكون عالم وداعية وذاكر بلا عمل صالح مشكلة.
 فيعني إذا أردنا أن نبحث في الإسلام ؛ في أوامره القرآنية، في أوامره النبوية، في تاريخ الصحابة، إذا بحثنا وقرأنا، ودققنا، ومحصنا، وأردنا أن نصنِّف هذا التراث العظيم، نجد هذا التراث في النهاية ينشعب إلى ثلاث شُعَب: شعبة الأقوال، وشعبة الأحوال، وشعبة الأعمال، في أعمال، وفي أقوال، وفي أحوال، فتعلُّم العلم، وتعليم العلم، والتدقيق، والبحث، والتفكُّر جانب، والإقبال على الله، والذكر، والدعاء، والاستغفار جانب، وخدمة الخلق، وإسعاف الفقراء، وإغاثة المحتاجين جانب، هذا جانب، وهذا جانب، وهذا جانب. في التاريخ الإسلامي ماذا نجد ؟
 نجد فرق إسلامية نما عندها الفكر على حساب القلب كالمعتزلة، ونجحد أُناساً نما عندهم الجانب العاطفي، الوجداني، الانفعالي، القلبي على حساب الفكر كالمتصوفة، وجانبٌ آخر نما عندهم الأعمال الخيرية على حساب العقل والقلب معاً، فإذا أردنا أن نكون كما أراد الله، إذا أردنا أن نكون كما أراد النبي عليه الصلاة والسلام، لابد من تحقيق التوازن بين الجانب الوجداني ؛ والذكر، والدعاء، والاستغفار، والتسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل، و، و، وتلاوة القرآن مع طلب العلم، وفهم الأمور، واتباع العقيدة الصحيحة، والقدرة على إقامة الحُجَّة، والقدرة على البيان، جانب، وخدمة الخلق، وصلة الرحم، وإسعاف الفقراء، ورعاية الأيتام والمحتاجين.. إلخ. فالذي يحقق في حياته هذا التوازن بين العناية بقلبه تارةً، والعناية بعقله تارةً، العناية بعمله تارةً أخرى، الذي يحقق هذا التوازن في حياته فهو ممَّن اتبع النبي عليه الصلاة والسلام.
 دائماً وأبداً أذكر لكم أن كل تطرف يتبعه رد فعل متطرف، كل تطرف في الدين أي أن ينمو شيء على حساب شيء، أن ينمو جانبٌ على حساب جانب، أن يرجح العقل على حساب القلب، أن ينمو القلب على حساب العقل، أن ينمو العقل على حسابهما معاً، إذا رجَّحت جانباً وأغفلت جانباً فقد وقعت في التطرُّف، وكل تطرُّف في التاريخ الإسلامي يقابله رد فعلٍ متطرف، كل تطرف يقابله رد فعل متطرف، والكمال تحقيق التوازن، والكمال أن يكون عقلك نامياً، وقلبك موصولاً، وعملك صالحاً.
 وقبل كل شيء بيَّنت لكم الفرق الدقيق بين المعلم وبين المربي، فإذا نقلت الحقيقة فأنت معلم، فإذا مكَّنت المتعلِّم من تطبيق هذه الحقيقة فأنت مربي، هذا ما يسميه بعضهم: التسليك إلى الله عزَّ وجل، الإنسان متى يسعد ؟
 مثل أوضح من ذلك: أنت تاجر يا ترى سعادتك بمحلك التجاري ؟ الجواب: لا، سعادتك بموقعه ؟ لا، سعادتك بتزييناته ؟ لا، سعادتك بالدفاتر النظامية ؟ لا، سعادتك بكثرة الموظفين ؟ لا، سعادتك بشيء واحد وهو الربح آخر السنة، في ربح، إذاً في شعور بالرضى، في خسارة، إذاً في شعور بالألم، مهما كان المحل فخم، والآرمة، واللافتة كبيرة، والأضواء متألقة، والحسابات نظامية ودقيقة، والموظفين كُثُر، والحركة كبيرة، وداخل وخارج، ومن، وإلى، كل هذا الضجيج إذا انتهى بخسارة فقلبك يعتصر ألماً. إذا كان محل متواضع جداً، والأمور بسيطة، وفي ربح، تمتلئ نشوةً، هذا بالتجارة.
 ولكن بالدين ؛ إذا وصلت إلى الله عزَّ وجل تسعد، إذا تمكنت من الإقبال عليه، إذا تمكنت من الاتصال به، إذا رضيت بقضائه، إذا استسلمت لحكمه، إذا دمعت عينك خشيةً له، إذا قرأت القرآن فاقشعرَّ جلدك، إذا شعرت أنك في حماه، إذا شعرت أنك في رعايته، إذا شعرت أنه يراقبك، أي إذا وصلت إلى الله وصلت إلى كل شيء، فعندما نحن نغفل الاتصال بالله أغفلنا كل شيء بالدين، بقي الدين ثقافة، معلومات، كتب، دراسات، مؤلّفات، امتحانات، علامات، شهادات، مناصب، هذا دنيا، هذه دنيا عن طريق الدين، ولكنك إذا وصلت إلى الله عزَّ وجل، واتصلت به، وشعرت بسعادة القرب، وشعرت أن الله معك، وأنه لن يتخلى عنك، وأنه يحبك، وأنك برعايته، وأنك بعينه، وأن المستقبل لصالحك، وأن الزمن معك، وأن بعد الموت جنة عرضها السماوات والأرض، إذا شعرت بهذا فقد وصلت إليه.
 فلذلك نحن كما أنه بالتجارة فيها آلاف المظاهر ؛ شحن، استقبال بضاعة، جرد، عد، حسابات، تعيين موظفين، صرف موظفين، علاقات عامة، دعاية، وبالآخر ما في ربح، إذاً كل هذا شيء فاضي، في بالتجارة هدف واحد هو تحقيق الربح، وفي بالدين هدف واحد هو الوصول إلى الله، الوصول إليه، وحتى الإنسان يصل لدرجة يتعامل مع الله، وباللغة العامية يفهم على الله، أن هذه كذا، وهذه كذا، يسترضيه، يطلب منه، يتوسَّل إليه، يستغفره، يشكره، يحمده، عندما يصل الإنسان إلى هذا المستوى يكون قطع من الطريق مسافات كبيرة جداً.
 الحقيقة إذا كان لنا مربي فهو لا يطمئن على طلابه إلا إذا وصلوا إلى الله، يكون قدم لهم شيء ثمين إذا أوصلهم إلى الله، أما إذا لم يوصلهم !! والقصة التي تعرفونها جميعاً أن واحد خطب بنت أحد الشيوخ، فالشيخ كان حصيف فقال له:
ـ يا ابني هذه مهرها غالي كثير.
ـ قال له: وما هو مهرها ؟
ـ قال له: تحضر عندي الدروس.
ـ قال له: هذه شغلة سهلة نحضر له كم درس ونرضيه.
 أحياناً يكون هدف الإنسان فقط الدنيا، هكذا يريد الشيخ حاضرين سيدي، كم درس يريدنا أن نحضر ؟ فقط نريد أن نتزوج في نهاية الأمر، فهذا الرجل حضر الدروس، فتألَّقت نفسه، وشعر بسعادة لا يعرفها سابقاً، وجد نفسه، عرف هويته، عرف لماذا هو في الدنيا، فنسي ابنة الشيخ، يقولوا أنه بعثت له وقالت:
ـ يا فلان أين أنت ؟ وكان اسمها وصال.
ـ فقال لها: يا وصال كنتِ سبب الاتصال.
 هكذا قال الإمام الغزالي: " أردنا العلم لغير الله، فأبى العلم إلا أن يكون لله ". فلذلك، نحن الموضوع ليس بموضوع معلومات، تريد معلومات فالكتاب أريح لك من ألف معلم، ومن ألف مسجد، خفيف ونظيف، ما له مشاكل، ما في له عبء، في بيتك واضعه تريد تقرأ فيف فتقرأ، لا تريد تضعه، لا يكلفك شيء الكتاب، إذا تريد معلومات فقط فالكتب فيها كل شيء، أما إذا كنت تريد الوصول إلى الله عزَّ وجل، فهناك وسائل، وفي طرق، في أعمال إذا عملتها اقتربت من الله عزَّ وجل.
 فلذلك نحن اليوم درسنا الحث على ذكر الله تعالى بعد صلاة الصبح. فلا تجد إنساناً موصولاً بالله عزَّ وجل، سعيداً بهذا الاتصال، غارقاً في نشوة القرب إلا وله مع الله خلوة، تكون في النهار سعيد، متألِّق، طليق اللسان، حكيم، دقيق، مصيب في أقوالك وأفعالك، واثق من نفسك، تحس أن الله راضٍ عنك، مستسلم لقضاء الله، لقدره، راضٍ بحكمه، هذه المعنويات العالية كثير، بالقدرة على التأثير، وبالإشعاع الروحي، وبلا خلوة مع الله هذه مستحيلة، فلذلك إذا تحدثنا في دروس كثيرة عن قيمة الإعمال الصالحة، وإذا تحدثنا في دروس عن قيمة طلب العلم، اليوم درسنا عن قيمة الذكر.
قبل أن نبدأ بالدرس أذكر قصةٌ مشجعة نقلت عن بعض أصحاب رسول الله رضوان الله عليهم.
 هذا الصحابي الجليل اسمه أبو الدرداء، وهذا الحديث ورد في كتاب الأذكار للإمام النووي. قال: جاء رجلٌ إلى أبي الدرداء فقال:
ـ يا أبا الدرداء قد احترق بيتك.
 ـ فقال: ما احترق، ولم يكن الله عزَّ وجل ليفعل ذلك ـ ما هذه الثقة بالنفس ؟ ـ بكلماتٍ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن قالها في أول نهاره لم تصبه مصيبةٌ حتى يمسي، ومَن قالها في آخر نهاره لم تصبه مصيبةٌ حتى يصبح.
 البيت ما احترق وأنتم غلطانين وما كان الله ليفعل ذلك، لكن ما هو الدليل ؟ أنا قلت كلمات علَّمنيها رسول الله من قالها حين يصبح ما أصابه شيءٌ حتى يمسي، ومن قالها حين يمسي ما أصابه شيءٌ حتى يصبح، فما هذه الكلمات ؟ أو ما هذه الأذكار، طبعاً الموضوع من كتاب الأذكار للإمام النووي رضي الله عنه وأرضاه، وهذا من أهم الكتب، قال:

(( لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أعلم أن الله على كل شيءٍ قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيءٍ علماً، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابةٍ أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراطٍ مستقيم ))

 بهذه الثقة العالية، قال: النبي الكريم علمني هذه الكلمات فمن قالها حين يصبح ما أصابته مصيبةٌ حتى يمسي، ومن قالها حين يمسي ما أصابته مصيبة حتى يصبح

((. " اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أعلم أن الله على كل شيءٍ قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيءٍ علماً، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابةٍ أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراطٍ مستقيم ))

 هذا الرجل لما وجده بهذه الثقة قال له: ما احترق البيت، وما كان الله ليفعل، غير معقول هذا الكلام فتوجه إلى البيت فعلاً رآه لم يحترق وإنما احترق ما حوله، فعاد إليه مبشراً:
ـ أنه كما قلت فعلاً.
ـ قال له: أعرف ذلك.
 الآن في سؤال ولكنه دقيق ومحرج: يا ترى إذا قال لك واحد: أنا دعيت هذا الدعاء صباحاً وصار معي مشكلة، بماذا ستجاوبه ؟ هذا سؤال محرج، إيه سيدي مثلما حكيت قلنا وصار معي مشكلة، يحبوا التهكم.
الجواب: أنه ليس كل إنسان أراد الدعاء قراءة شكلية، وأراد منه المصلحة تعحقق، فإذا أنت قلت: لا إله إلا الله. هذه كلمة، أما أنت فعلاً مؤمن أنه لا إله إلا الله ؟ هل ترى مع الله أحداً ؟ إذا أنت معتقد أن فلان، وعلان، وزيد، وعُبيد، وفلان يقدر، إذا أنت كنت ترى آلهة كثيرة وكلهم بأيديهم أن يفعلوا شيئاً معك، وقلت: لا إله إلا أنت، أنت ما قلتها أبداً، هذا كلام فارغ، فلن تجدي هذه الكلمات إلا إذا كنت في مستواها ؛ أي إذا قلت: لا إله إلا الله وأنت لا ترى إلا الله، وإذا قلت: اللهم أنت ربي، لما الإنسان ـ بشكل مبسط أنا مضطر أن أضرب الأمثلة:
 إذا ابن وجد من والده الرعاية الكافية، وكل حاجاته مؤمنة بأدق تفاصيلها، مع العطف، مع الإكرام، مع الدلال، كلمة أبي هذه كلمة، ولكن وراءها في مشاعر المحبة، والامتنان، في عنده ألف شاهد على كلمة: فلان أبي، عايش العطف كله، عايش الرحمة كلها، عايش العناية، الإكرام، كل هذا يعيشه، فإذا أنت قلت: اللهم أنت ربي، هل ترى تربيته للعالم ؟ حتى المجرات هو ربها، ترى الشمس والقمر، والليل والنهار، والهواء والماء، والأطيار والأسماك، والبحار، والطعام والشراب، والخضراوات والفواكه، والأزهار، والعطور هذه كلها لك، وهو يربي جسمك تارةً، ونفسك تارةً، وعقلك تارةً، وينقلك من حال لحال، هل ترى هذه العناية الفائقة ؟ فلكي لا يقول لك أحد: أخي أنا قلتها وصار معي مشكلة، أنت تحكي لنا كلام غير صحيح، أنا دعيت الدعاء ووقعت بمشكلة، هذا الدعاء لا يجدي إلا إذا تمثَّلته، حتى تقول: الله ربي، هل فكرت بخالق الكون ؟ هل فكرت برب العالمين ؟
 اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت هل رأيته هو الخالق، وهو المربي، وهو المسير، وهو الواحد، وهو الكامل ؟ أي رأيته خالقاً، ورأيته مربياً، خالق خلق، مربي أمد، مسيّر حرك، يسيرك ويسير كل مخلوق، بيده الخير والشر، والنفع والضر، والبسط والمنع، والرفع والخفض، والعز والذل كله بيده، فإذا أنت بلغت درجة رأيت اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، يكفي إذا إنسان منع عنك شيء وحقدت عليه، فأنت لا تعرف الله، أنت لما حقدت عليه لماذا حقدت عليه ؟ لأنك رأيته هو الذي منعك، أما لو قلت: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فالشيء الذي ما كان ما شاء الله له أن يكون، وانتهى الأمر، والشيء الذي وقع، شاء الله له أن يقع، هذه رؤية.
 أذكر طرفة: أنه واحد دخل عند طبيب فوجد عنده خمسين شخص، وكل واحد يدفع خمسمائة، ضرب خمسين بخمسمائة معقول دخله كل يوم هكذا ؟ فجاء عنده بسذاجة وقال له: أنت كيف تحكِّم الناس علمني، كيف تكتب هذه الراشيتة ؟ تبسم الطبيب، قال له: هذه كتابة الوصفة محصلة الطب كله، يعني اذهب وخذ شهادة ثانوية، وخذ مائتي وثلاثين علامة، وادخل كلية الطب، وامكث فيها سبع سنوات، واذهب لأمريكا أربع سنوات، واعمل بورد، وارجع، الأربعة، والسبعة، و الأثني عشر، وليل نهار دراسة، حتى إذا رأيت مريض تكتب له وصفة يستفيد منها، هذا هو الطب.
 فأنت إذا قلت: الله ربي هي كلمة يقولها كل إنسان، ولكن يا ترى هل عندك فهم أبعادها؟ هل فكرت في هذا الكون تفكير وهذا كانت الكلمة محصلة تفكير طويل ؟ هذه الكلمة خلاصة علم غزير، اللهم أنت ربي، واحد عاش مع أمه أربعين سنة، رأى من عطفها وحنانها، ومن سهرها ومن رحمتها، ومن إيثارها، ومن إنكارها لذاتها الشيء الذي لا يوصف، إذا قال: هذه أمي، أرأيت كلمة أم، هذه تكون ممتلئة بآلاف المعاني، بآلاف المشاعر، كلمة ولكن تتفجر بملايين الأحاسيس، فإذا واحد قال: الله ربي، هذه الكلمة من كل تفكيرك للكون، وكل محبتك لله، وكل اتصالك به، وبأذواقك بالقرب، وكل مواجيدك هي كلها منطوية في كلمة: اللهم أنت ربي. لا إله إلا أنت، توكلت عليك وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا إله إلا الله، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أعلم أن الله على كل شيءٍ قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيءٍ علما، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر كل دابة أنت آخذٌ بناصيتها، إن ربي على صراطٍ مستقيم.
 يعني حتى الأخ الكريم إذا جاء للمسجد واستفاد، وصل لله عزَّ وجل، وسعد بقربه، وتوفق بحياته، وشعر حاله من أسعد الناس، وتألَّقت نفسه، ونما عقله، وعنده موازين دقيقة، وصار عنده مقاييس رائعة، وفي عنده وسائل إلى الآخرة سريعة، نقول والله هذا وصل إلى الله عزَّ وجل، هذا خريج المدرسة، فحتى الإنسان لا يمضي وقته سدىً، وبعمل غير مجدٍ، ويروح ويأتي، وكلفة، وركوب، ووقت، ومسافات، وسماع دروس، إذا الإنسان ما وصل لله عزَّ وجل ما وصل لشيء، اجعل في بالك هذا المثل:
أن التجارة كلها، كل نشاطاتها ؛ الشراء نشاط، البيع نشاط، المحاسبة نشاط، العلاقات العامة نشاط، الدعاية نشاط، كل هذه النشاطات مؤداها أن تحقق الربح، فإذا لم تربح فلست سعيداً، كذلك في الدين تلاوة القرآن، إتقان القرآن، فهم القرآن، تجويد القرآن فهم الحديث، إتقان علم الحديث، فهم أحكام الفقه، وقراءة السيَر، كل هذه النشاط إذا ما أدى بك إلى أن تصل إلى الله ما فعلت شيئاً، وباللغة العامية، هكذا يقول بعض الشيوخ: روح ابحث عن نفسك، شوف أين واقفة.
 فأنا مرة قلت لواحد: إذا راكب أنت مركبة وتعطلت بالطريق، والطريق سفر والدنيا ثلج، ماذا تفعل ؟ هذا واحد مركبته تعطلت نزل ودعا: يا رب ما في غيرك، الدعاء مقبول ولكن افتح هذا الغطاء وانظر لماذا واقفة السيارة، الدعاء مقبول لكن قبل الدعاء الفعل. يا ترى العطل هل من طريق الوقود ؟ في شيء أعاق الكهرباء مثلاً، تبحث عن علة علة، إذا اكتشفت العلة تزيلها فتمشي السيارة، فإذا الإنسان وجد نفسه في دقر عنده، صلاته غير صحيحة، نيته لا كما ينبغي، في عنده نوايا أرضية، في عنده حب الظهور، فيبحث عن السبب، يكون طبيب لنفسه ويكون حكيم.
 فنحن نريد إذا إنسان دعا إلى الله يكون معلم ويكون مربي، ونريد إذا إنسان حضر مجلس علم يسمع الحقائق ويتمثلها إلى أن يصل إلى الله، فإذا وصل إليه وصل إلى كل شيء، إذا لم يصل إلى الله ما وصل إلى شيء، ولا أقول: يا حسرةً على عمله لقد ضاع سدىً، لكن أقول له: حاسب نفسك قبل أن تحاسب.
 فلذلك أنا أقول لكم: هذا الطريق إلى الله عزَّ وجل طريق ولكن له معالم، أولى هذه المعالم الاستقامة على أمر الله، يعني إذا كان أنت مستودع أو وعاء مادام في ثقب بقعره لا تغلب حالك، كل ما تعبئ فيه ينزل، لن يمتلئ في حياته كلها، مادام في معصية في حجاب، مادام في مخالفة في حُجُب كثيفة، مادام في معاصي ما في اتصال بالله، ما في اتصال في ملل، في سَأَم، في كسل، في ضَجَر، في شعور بالحيرة، في استقامة في اتصال، في اتصال في سعادة، فأول نقطة علاَّم في الطريق إلى الله الاستقامة، لأن الله عزَّ وجل طيِّب ولا يقبل إلا طيباً.
 فيجب أن نعيدها مائة سنة: مادام في انحراف عن الاستقامة، مادام في تقصير، مادام في مخالفات، مادام في جُنَح، مادام في معاصي، مادام في أشياء نهى الله عنها نرتكبها، وفي أشياء أمر الله بها لا نفعلها ، مادام نحن في هذا الموقع نحن في حجاب عن الله عزَّ وجل، مادمنا في حجاب في حالة نفسية تعني السأم، والضجر، والملل، وقد يقول: والله هذا الكلام سمعناه كثير، ما في شيء، طبعاً ما في شيء، لأن محجوب، وهذا الحجاب منعه من اقتباس أنوار الله عزَّ وجل، منعه أن يسعد بالقرب من الله عزَّ وجل، فهذه الاستقامة واحدة.
 الثاني: العمل الصالح، العمل الصالح يرفعه، هنا الإنسان، هذا الحديث في الطريق إلى الله، فهل أنت لك عمل صالح تلقى الله به ؟ غير مهنتك، هذا موظف، هذا تاجر، هذا صانع، هذا مزارع، عنده عمل يقوم فيه ويأخذ قرشين ويعيش منه، هذه مصالحك، أما ألك عمل خالص لوجه الله لا تبتغي به سمعةً، ولا شهرةً، ولا وجاهةً، ولا حظ نفسٍ، هكذا تفعله سراً بينك وبين الله، ترجو أن تلقى الله به عند الموت ؟ إذاً نزل الإنسان القبر يرجو أن يلقى الله به. قال له: يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبما تلقى الله إذاً ؟ هل خادم خدمة لوجه الله؟ علَّمت علم لوجه الله؟ عاونت إنسان لوجه الله ؟ أنفقت نفقة لوجه الله ؟ دافعت عن إنسان لوجه الله ؟ وقفت موقف مشرف لوجه الله ؟ اعتنيت بيتيم لوجه الله ؟ نصحت إنسان لوجه الله من دون قصد ؟.
 إذاً أول بند كبير الاستقامة، البند الكبير الثاني العمل الصالح، يجب أن يكون لك عمل صالح، ألا تصلي الفجر حاضراً كل يوم ؟ ألا يدعو الإمام في دعاء الفجر:

(( اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك اللهم لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ـ وبعدها ـ اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك ))

 انظر للقرآن ما أجمله ‍‍:

 

﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

 

 

( سورة الكهف: من آية " 110 " )

 تجد صاحب العمل الصالح قريب من الله، العلماء يشبهوه مثل زيت الكاز قديماً، ممتلئ الخزَّان، والجرس مجلَّس، والفتيلة مقصوصة، والبلورة نظيفة، يحتاج فقط لكبريتة، في كثير أشياء تكون الجاهزية عالية جداً، يحتاج فقط ضربة مرش، ما فيها شيء السيارة، كاز يحتاج كبريتة، وهذه تحتاج لقدحة، فقط كبسة زر، وفي أشياء تريد أن تشعله لا يوجد كاز، هاتوا كاز، الأنينة تزرب والتنكة فارغة، ما في كاز، أتينا بكاز، الفتيلة محروقة، هات فتيلة ما في فتيلة، فانتهت السهرة كلها، فحتى الإنسان يأتي إلى مجلس العلم وعنده خمس أو ست مخالفات لا يصير له شيء، لا تقدح معه، أما إذا جاء جاهز، فأنا أقول هذه الكلمة الدقيقة: يجب أن يكون لك استقامتك، وعمل صالح، عمل صالح كل يوم.. " لا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله قرباً ".
 ماذا فعلت ؟ ماذا خدمت ؟ مَن أطعمت ؟ عدت مريض ؟ لا والله ما صح لي ؟ واسيت إنسان ؟ لا والله، أطعمت حيوان ؟ لا والله، تصدقت على إنسان ؟ لا والله، نصحت إنسان ؟ لا والله، قرأت قرآن ؟ لا والله، ماذا تفعل إذاً ؟ هذه أبواب الخير، هذه أبواب القرب إلى الله عزَّ وجل..

 

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾

 

 

( سورة المائدة: من آية " 35" )

 ما الوسيلة ؟ يعني وسيط بينك وبين الله، العلم، الخدمة ، الاستقامة، العمل الصالح، فأول بند الاستقامة، الثاني العمل الصالح.، الثالث التفكر، هذا القرآن لمَن ؟ أليس للمؤمنين ؟

 

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 

 

( سورة يونس: من آية " 101 " )

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)﴾

 

( سورة الذاريات )

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24)﴾

 

( سورة عبس )

﴿ ِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6)﴾

 

( سورة الطارق )

 أمر إلهي خالق الكون يقول لك: انظر إلى نفسك ممَ خلقت ؟ خلقت من ماءٍ دافق، عندك الشمس، عندك القمر، عندك المجرات، عندك الجاذبية، عندك الهواء، عندك الماء، عندك الأطيار، عندك ملايين الموضوعات، وكل موضوع يتفتَّق على ملايين الموضوعات، هذه كلها تزيد حجم معرفتك بالله عزَّ وجل، إذاً نريد استقامة، ونريد عمل صالح، وتفكر، ونريد ذكر، اسمعوا ماذا قال عليه الصلاة والسلام ؟
عن أنسٍ رضي الله عنه قال النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( من صلَّى الفجر في جماعة ـ الإلحاح هنا على الجماعة ـ من صلَّى الفجر في جماعة...))

. ما قال: في وقته بل في جماعة، هذا حديث حسن رواه الترمذي:

 

 

(( من صلَّى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله تعالى حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت كأجر حجةٍ وعمرةٍ تامةٍ تامةٍ تامةٍ ))

 

( حديثٌ حسن رواه الإمام الترمذي )

 هذه الخلوة مع الله، أنا أعطيك حرية حركة ؛ تحب تدعي، تحب تذكر، تحب تفكر، تحب تستغفر، تحب توحِّد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك ولك الحمد، تحب تكبِّر: الله أكبر ولله الحمد، تحب تسبح: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، تحب تقول: الله الله الله ـ عندنا البحث طويل إن شاء الله سأكمله في الدرس القادم ـ عندك الفاتحة والمعوذتين، عندك الاستغفار، عند الذكر المفرد: الله الله، عندك التسبيح، والتحميد، والتهليل، والتكبير، عندك التلاوة، عندك التفكر، هذه كلها نشاطات تنطوي تحب ذكر الله عزَّ وجل، إن فكَّرت في خلق الإنسان هذا ذكر، وإن قلت: الله الله هذا ذكر، وإن سبحت الله هذا ذكر، وإن تلوت القرآن هذا ذكر، يعني نريد ساعة مع الله، نصف ساعة مع الله، جلسة مع الله، خلوة مع الله، صباحاً ما تمكنت اعملها مساءً، تمكنت صباحاً ومساءً أفضل، لحتى تقطف الثمار وتقول: والله فعلاً شيء جميل، فعلاً وصلت له، شيء مسعد جداً أن الإنسان يكون ماشي بهذه الطريقة.
 فهذا كتاب الأذكار للإمام النووي هو أذكار النبي عليه الصلاة والسلام، أي أن هذا الإمام الجليل، العظيم، الذي عاش حوالي أربعين سنة فقط، ترك كتب يعني سبحان الله من توفيقات الله له، ترك رياض الصالحين، وهو من أجَل كتب الحديث، ترك كتاب الأذكار للنووي وهو من أجل كتب الأذكار للنووي.
وفي حديثٍ آخر رواه الترمذي، عن أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

 

(( من قال دبر صلاة الصبح وهو ثانٍ رجلاه قبل أن يتكلَّم ـ قبل أن يقول كلمة ـ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيءٍ قدير. عشر مراتٍ كتبت له عشر حسنات ومحا الله بها عشر سيئات، ورفع الله له بها عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرزٍ من كل مكروه ))

 ولكن أنا أقول لكم كلمة دقيقة: الآن في كل الجوامع في هذا الذكر، لا أعتقد أن هناك جامع في الشام إلا وفيه هذا الذكر، أنت لما تقول الكلمات من دون ما تتحقق منها، الآن قل: بحر، هل يبتل شيء ؟ والله ملعقة شاي فيها ماء تبله، كأس شاي فيها ماء يضعها في جيبه في الشتاء تظل ست ساعات لكي تنشف، يقول بحر مائة مرة لا يبتل، لأنه كلام، البحر ماء، أما كاسة ماء تبله وكلمة بحر لا تبله، يعني أضرب مثل أوضح من هذا.
قل كلمة: ألف مليون، شتان بين مَن يلفظها وبين ومَن يملكها، مسافة كبيرة كثير بين واحد يقولها وما معه رغيف خبز وبين واحد يملكها، موضوع الذكر ممكن تقول: لا إله إلا الله، سهلة، إذا واحد طلع خلقه يقول: لا إله إلا الله، صارت لفش الخلق هذه الكلمة، أما إذا واحد قالها فعلاً وكان في مستواها..

 

 

(( من قال دبر صلاة الصبح وهو ثانٍ رجلاه قبل أن يتكلم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو على كل شيءٍ قدير. عشر مراتٍ كتبت له عشر حسنات ومحا الله بها عشر سيئات، ورفع الله له بها عشر درجات، وكان يومه ذلك في حرزٍ من كل مكروه، وحُرِسَ من الشيطان، ولم ينبغِ لذنبٍ أن يدركه في ذلك اليوم إلا الشرك بالله تعالى ))

قال الترمذي: هذا حديثٌ حسن، وفي بعض النُسَخ صحيح.
 أنا كل تركيزي اليوم لا على لفظ الذكر بل على حقيقة الذكر، إذا قلت: الله ربي. رأيت ربوبيته، وإذا قلت: اللهم. رأيت ألوهيته، وإذا قلت: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. رأيت أنه لا فعَّال إلا الله، إذا عندك هذه الرؤية، والآن ذكرت هذه الكلمات، والكلمات تصديق لكلمات أنت تعيشها، عندئذٍ هذه الكلمات، انظر الله ماذا قال:

 

 

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ ﴾

 يعني أي إنسان ؟ جنس الإنسان..

 

 

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19)﴾

 

 

( سورة المعارج )

 أي أنه خويف، مقطوع قلبه دائماً، قال لي واحد: الآن قال لي شخص سيأتي موظف تموين فركبي ترجف هكذا، شخصية ومهم طبعاً..

 

﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22﴾

 هذا مصلي، هذا موصول، راع من الخوف، راع من القلق، كان مقطوع قلبه، ولكن الله ثبت له قلبه بالقول الثابت، هذه السكينة الله عزَّ وجل أنزلها على أصحاب رسول الله يوم أحد..

 

 

﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾

 

 

 

( سورة التوبة: من آية " 40 " )

 تجد المؤمن قلبه ثابت، واثق من الله عزَّ وجل، باللغة العامية معنوياته عالية كثير، كأنه لا يخاف من أحد، لا إنه يخاف من الله فقط، ولما خاف من الله، فالله طمأنه، إذا واحد ما خاف من الله يخوفه الله من أحقر مخلوقاته، مَن خاف الله خافه كل شيء، مَن هاب الله هابه كل شيء، ومَن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء، تجد شخصية، ومكانة وملء السمع والبصر مقطوع قلبه من أصغر إنسان، يقول لك: مشكلة والله ما نمت الليل، الشرك أساساً، هذا الشرك، دائماً الشرك في معه خوف، والإيمان في معه أمن..

 

﴿الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾

 

 

( سورة الأنعام )

 فأنا الذي أتمناه على إخواننا الكرام، هذا موضوع مناصحة، موضوع الدين النصيحة، مثل التجارة حتى تربح، فإنك لا تسر بالتجارة إلا إذا ربحت، فلو زينت محلك، وعملت نظام كله بالفيش، كله بالصندوق، ولكنك لم تربح، تتضايق، بعد شهر أخي برسم التسليم، أين هذا التعب ؟ هلكت فيه، أين تعبك بالتزينات ؟ وضعه برسم التسليم لأنه ملَّ منه، فليس من الممكن أن تقبل على الدين إقبال النهم إلا بحالة واحدة أن تصل إلى الله، أن تتعامل معه، أن تخلص له، أن تتصل به، أن تأوي إلى ظله، أن تهتدي بهداه، أن تكون في خدمة خلقك.. يا رب لا يطيب الليل إلا بمنجاتك، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك.. إذا أنت كنت بخدمة العباد فأنت أسعد العباد، أنت أسعدهم.
فنحن كي نصل لله عزَّ وجل لا يكفي نحضر درس، ولكن يجب أن نعمل برنامج لحالنا، هذا البرنامج يحتاج لنصف ساعة باليوم بعد صلاة الفجر، وإذا تتمكن بجماعة والله أفضل، أفضل بمليون مرة...

((" من صلى الفجر في جماعة... ))

 طبعاً الجامع غير وضع، أنشط، أكمل، فيه إمام، قارئ يقرأ القرآن كل يوم آيات جديدة، بصوت حسن، تجويد رائع، لك إخوان تفقدوني لماذا ما نزلت اليوم ؟ صار في تفقد عليك، أما بالبيت لحالك كيفما كان تنمعس معك الشغلة، فـ:

 

(( من صلى الفجر في جماعة... ".))

 وبعد الفجر هذا الورد، قرآن، تحب قرآن، نفسك هفت على القرآن اقرأ قرآن، تحب تذكر فاذكر، تحب تفكر فكر، لكن بعد فترة تستقر على نظام معين، استغفار، مائة مرة استغفار، " إني أستغفر الله في اليوم أكثر من مائة مرة "، فالإمام النووي قال:
 أستغفر مائة مرة، مع الاستغفار الفاتحة والمعوذتين، شيء من التفكر بآية من آيات جسمك، كل يوم آية، شيء من الذكر، تلاوة قرآن، قضيت حصتك مع الله عزَّ وجل، انطلق بعد ذلك إلى عملك تجد نفسك إنسان آخر، مَن أنا ؟ أنت إنسان آخر صرت، طليق اللسان، قوي الحجة، حكيم، وأنت في حفظ الله، أنت اليوم في ذمة الله، كان الله عزَّ وجل أعطاك إلى المساء فأنت في ذمتي، وأنت في حفظي، وأنت في رعايتي، هذا نريده نحن، إذا شيء تحقق ننتقل من حال إلى حال، "المغبون من تساوى يوماه "، " مَن لم يكن في زيادة فهو في نقصان ".
 إن شاء الله الدرس القادم نتابع أيضاً أذكار رسول الله، يعني في أشياء جميلة جداً هيأتها لكم هذا الدرس، هيأت لكم عشرين حديث، ولكن فقط واحد شرحناه، في أشياء جميلة جداً عن رسول الله، وكلها أحاديث صحيحة عن النبي عليه الصلاة والسلام.
هذه واحدة ثانية النبي الكريم فيما رواه أبو سعيد الخدري قال: دخل النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أُمامة، فقال له:
ـ

 

(( يا أبا أمامة ما لي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟))

 معنى هذا في مشكلة.
ـ فقال: يا رسول الله همومٌ لزمتني، وديون ما أطيق أداءها.
ـ فقال عليه الصلاة والسلام:

(( أفلا أعلمك كلاماً إذا قلته أذهب الله همك، وقضى عنك دينك؟ ))

 ـ قلت: بلى يا رسول الله.
ـ قال

(( قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحَزَن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.))

 ـ قال: ففعلت، فأذهب الله تعالى همي وغمي، وقضى عني ديني.
 أنت معك أقوى سلاح وهو الدعاء، هل تعلم مَن تناجي ؟ تناجي خالق الكون، تناجي من بيده كل شيء، في أشخاص يسخرون من الدعاء، أخي ادعي، ادعي لنا سيدي، ادعي لنا، يستهزئ، هل تعلم ما هو الدعاء ؟ أنت بالدعاء تناجي خالق الكون، تناجي من بيده كل شيء، فإذا كان في إخلاص أذهب الله عنك همك، وحزنك، وقضى عنك دينك، طبعاً.
 إن شاء الله في لقاء آخر نتابع موضوع الأذكار حتى نحقق توازن في شخصية المسلم ؛ بين طلب العلم، وبين الذكر، وبين العمل. أقول لكم هذه الأشياء الثلاثة: لابد من جانب عقلي، تكون صاحب حجة، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلَّمه، وتكون صاحب قلب يفيض على الناس أنواراً، وتكون صاحب عمل صالح يكون زادك يوم القيامة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018