بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

موضوعات في التربية - الدرس : 028 - قواعد الدعوة إلى الله1.


1992-02-02

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الأكارم... بدأنا في الدرس الماضي موضوعاً دقيقاً جداً يتعلَّق باستنباط القواعد التربوية من آيات القرآن الكريم، ومن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومهَّدت لهذا الموضوع بأن للإنسان في الدنيا مهمةً كبيرة، بعد أن يعرف الله عزَّ وجل يجب أن يعمل عملاً يقبله الله يوم القيامة ليسعده إلى الأبد، بعد معرفة الله، بعد معرفة منهجه لابد من أن يكون لك عمل، " يا بشر لا صدقة ولا جهاد فبمَ تلقى الله إذاً ؟ " هذا أخطر سؤال يطرحه المؤمن على نفسه، غير المؤمن أكبر سؤال عنده: مَن خلقني ؟ ولماذا خلقني ؟ وما رسالتي في الحياة ؟ لكن المؤمن إذا عرف الله عزَّ وجل، وعرف منهجه، وعرف أنه خُلِقَ للعمل الصالح الآن أكبر سؤال يطرحه على نفسه: ماذا فعلت أنا ؟ ماذا قدمت بين يدي من أعمال يوم القيامة، إذا أوقفني الله على رؤوس الأشهاد، وقال لي: يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ أعطيتك وقتاً فراغاً ؟ أعطيتك صحة، أعطيتك أمناً، أعطيتك عقلاً، أعطيتك قواماً ماذا فعلت بهذه النِعَم؟ هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)﴾

( سورة التكاثر )

 نعمة الفراغ، ونعمة الصحة، ونعمة الأمن، ونعمة الكفاية، ونعمة المال، ونعمة الزوجة، ونعمة الولد، كل هذه النِعَم هل استهلكتها أم استثمرتها ؟
 فلذلك السؤال الكبير للمؤمن: أنا ماذا فعلت ؟ ما العمل الذي قدَّمته لآخرتي ؟ إذا سألني الله عزَّ وجل: ماذا صنعت ؟ جئت إلى الدنيا ثم عشت ثلاثاً وستين عاماً ثم جئتني: ماذا صنعت ؟ ماذا فعلت ؟ هل هديت أحداً ؟ هل عرَّفت الناس بالحق ؟ هل بيَّنت لهم الصراط المستقيم ؟ هل أعنت الضعيف ؟ هل عطفت على الأرملة والمسكين ؟ هل كنت جاراً فاضلاً ؟ هل كنت أباً كاملاً، هل كنت ابناً باراً بأبيه ؟ هل كنت تاجراً صدوقاً ؟ هل كنت صانعاً متقناً؟ هل كنت موظفاً مخلصاً ؟ ماذا صنعت ؟ يا بشرُ لا صدقة ولا جهاد فبمَ تلقى الله إذاً ؟.
في نقطة مهمة كثير أيها الإخوة، ربنا عزَّ وجل قال:

 

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾

 

 

( سورة الجمعة )

 الشيء المُشعر الدقيق هو الموت، هل تخَف من الموت ؟ هل ينخلع قلبك من الموت ؟ إذا عرض بسيط من أعراض الأجهزة الخطيرة بالإنسان، أحياناً يكون في مرض جلدي لا يهزك، في علاج أو أدوية، ولكن أحياناً يكون في مرض بالمضخة لأن هذه المضخة إذا توقفت انتهت الحياة، فأيُّ عرضٍ في القلب ماذا يحصل للإنسان ؟ هل يختل توازنه ؟ هل يفقد صوابه ؟ لأنه مشعر بانتهاء الأجل، مشعر بدنو المغادرة، مشعر بنهاية الحياة الدنيا، فهذا مشعر.
 إذاً كان عملك صالح، لا أقول ما في إنسان إلا ويتمنى أن يعيش عمراً طويلاً هذا شيء واقع، حتى المؤمن يتمنى العمر المديد ليزداد عمله، لكن المؤمن لو أنه شعر أن أجله قد انتهى لا يختل توازنه، فمرحباً بلقاء الله. والحقيقة بين أظهرنا أناسٌ كثيرون كانوا على درجة من الإيمان عالية، فلما جاءهم ملك الموت ما فزعوا، ولا صرخوا بويلهم، ولا فعلوا، ولا تركوا، ولكن َبَّساعة اللقاء لأنها ساعة القُرب.
 إذاً السؤال الكبير: ماذا قدمت من عمل ؟ وذكرت لكم في الدرس الماضي أن أعظم هذه الأعمال أن تكون سبباً في تعريف الناس بربِّهم، سبباً في حملهم على التوبة، سبباً في صلحهم مع الله عزَّ وجل، سبباً في استقامتهم على أمره، سبباً في حبهم له، هذا هو المصير، وهذه صنعة الأنبياء، ولكن إذا أردت أن تتحدث، إذا أردت أن تكون سبباً في هداية الخلق، النبي عليه الصلاة والسلام علَّمنا ؛ ما كل ما يعلم يقال، وما كل ما يقال له رجال، ولا إذا وجد الرجال آن الأوان.
تحدثنا في الدرس الماضي عن قوله تعالى:

 

﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾

 

( سورة النحل: من آية " 125 " )

 وبيَّنت وقتها أن من الحكمة أن تقول ما ينبغي، بالقدر الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي، للشخص الذي ينبغي، هذه هي الحكمة. لكن أنا أردت في هذا الدرس أن أستنبط بعض القوانين الأساسيَّة في الدعوة إلى الله عزَّ وجل.
 المبدأ الأول: يجب أن تعرِّف الآمر قبل الأمر، أكثر الدعوات التي تخفق ولا تنجح، ما عنوان نجاح الدعوة إلى الله ؟ لو رأيت أناساً كثيرين ملتفين حول رجل، فإذا عاملتهم بالدرهم والدينار خيبوا ظنك، إذا تحدثوا كذبوا، وإذا تعاملوا احتالوا، وإذا وعدوا أخلفوا، فبناء هذه النفوس ليس صحيحاً، كل الطقوس الدينية التي يمارسونها لا قيمة لها، إذا كان بالتعامل في خلل، إذا بالتعامل في انحراف، فالطقوس الدينية تصبح طقوساً، وأنا ألح على هذه التسمية أي حركات لا معنى لها، بالإسلام في عبادات وما في طقوس، إذا لم تكن مستقيماً، لم تكن صادقاً، لم تكن أميناً، لم تكن متقناً لعملك، لم تكن مخلصاً، لم تكن وفياً، لك تكن نصوحاً، لم تكن ورعاً، لم تكن خاشعاً، لم تكن لك مع الله صلة، كل ما تفعله من حركاتٍ، وسكناتٍ، وعباداتٍ إنما هي طقوس شأنها شأن طقوس الديانات الوثنية، والدليل:

 

(( من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعداً ))

 

( من الجامع الصغير: عن " ابن عباس " )

 و..

 

(( من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيْ من عمله ))

 والأحاديث كثيرة في هذا المعنى.

 

 

((من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ))

 

( من الجامع لأحكام القرآن )


 إذاً أولاً: حينما ترى إنسان ترك بعض الأحكام الشرعية، وهو يخالفها، وهو يحتال عليها، وهو يتعامل مع الله وكأنه طفل، فقد يضع زكاة ماله في رغيف، ويعطيها للفقير، ثم يستردُّ الرغيف بالمال، أخي أنا دفعت زكاة مالي، فالذي أمرك بالزكاة أينطلي عليه هذا ؟ أتنطلي عليه هذه الحيلة ؟
 أيها الإخوة الأكارم... من ازداد علماً ولم يزدد هدىً لم يزدد من الله إلا بعداً، في خطين؛ خط العلم وخط العمل، إذا تخلف خط العمل عن خط العلم لم يزدد من الله إلا بعداً، وفي عندك خط معرفة أمر الله، وخط معرفة الله عزَّ وجل، معرفة أمره ومعرفته، إذا ازداد خط معرفة أمره ولم يكن الخط الآخر معرفته في المستوى الأول تقع الحِيَل، والتناقضات، والازدواجية، والنفاق، المنافق هو الإنسان لا يعرف الله عزَّ وجل، لا يرى الله، يرى غيره هو القوي، فلذلك أول شيء: يجب أن تعرِّف بالآمر قبل الأمر، النبي عليه الصلاة والسلام في مكة ثلاث عشرة سنة أمضاها في تعريف أصحابه بربهم، وفي المدينة جاء التشريع، هذا المبدأ الأول.
 المبدأ الثاني استنبطناه الدرس الماضي: الإحسان قبل البيان، أي قبل أن تجهد في إقناع الناس أحسن إليهم، إنك إن أحسنت إليهم فتحت قلوبهم، وإن لم تحسن إليهم جعلتهم ينفرون منك، الإحسان قبل البيان، أردت أن تدعو إلى الله، هذا الذي تدعوه هل له مشكلة ؟ حلها له قبل كل شيء، أعنه على أمر دنياه، قدِّم له خدمة ثمينة حتى يتعلَّق قلبه بك، إذا أحسنت إليه انفتح قلبه لك وانفتح عقله لك، المبدأ الأول الآمر قبل الأمر، أي معرفة الله مقدمةٌ على معرفة أمره، المبدأ الثاني الإحسان قبل البيان.
 المبدأ الثالث: الإنسان عقلٌ يدرك وقلبٌ يحب، فإذا توجهت إلى عقله فقط أخفقت، وإذا توجهت إلى قلبه فقط أخفقت، لابد من التوجه إلى عقله وقلبه معاً، إذاً مخاطبة العقل والقلب معاً، والقرآن هكذا كان، الإنسان خاطب العقل والقلب معاً..

 

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7)﴾

 

 

( سورة الانفطار )

﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (11) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَمْدُوداً (12) وَبَنِينَ شُهُوداً (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآَيَاتِنَا عَنِيداً (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18)﴾

 

( سورة المدثر )

 لو قرأت القرآن الكريم تشعر أن الله يخاطب عقلك وقلبك معاً..

 

﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23﴾

 

 

( سورة عبس )

 يستثير عاطفتك..

 

﴿ كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) ﴾

 

 

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)﴾

 يخاطب عقلك..

 

﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13)﴾

 

 

( سورة البلد )

 أن تعتق رقبتك من أثر الشهوة، فأنت لماذا تبكي إذا قرأت القرآن؟ لأن القرآن يخاطب عقلك وقلبك معاً، يخاطب الجانب الإدراكي ويخاطب الجانب الانفعالي، يخاطب الفكر بالحقيقة الدامغة، ويخاطب القلب بالاستثارة الرائعة، إذاً المبدأ الثالث. أول مبدأ: الآمر قبل الأمر، معرفة الله قبل معرفة أمره، المبدأ الثاني: الإحسان قبل البيان، المبدأ الثالث: مخاطبة القلب والعقل معاً.
 المبدأ الرابع: أنت إذا خاطبت إنساناً له فكر وله عقل، لا تستطيع أن تعطيه شيئاً يتمسك به إلا إذا كان معقولاً، إلا إذا كان منطقياً، إذاً المبدأ الرابع: اعتماد الدليل والتعليل، لأنه ما من أحدٍ على وجه الأرض بإمكانه، أو يستطيع، أو مخولٌ أن يقول: خذ هذا من عندي، أنت قل له ببساطة: ومَن أنت حتى أربط مصيري بآرائك ؟ مَن أنت حتى أربط مصير آخرتي بآرائك ؟ نحن عندنا خالقٌ للكون، وعندنا كونٌ عظيم يشهد بعظمته، وعندنا رجلٌ اصطفاه الله على العالمين، وأوحى إليه، وعصمه، وجعله مشرِّعهاً، كلام المشرِّع لا يرد، كلامه هو الدليل، إذاً إذا أردت أن تدعو إلى الله لابد من الدليل ؛ إن من كتاب الله عزَّ وجل، وإن من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الصحيحة.
سيدنا الصديق، لو وزن إيمان الخلق مع إيمان أبي بكرٍ لرجح، قال: " إنما أن متبع ولست بمبتدع، أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ".
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

 

(( إنما الطاعة في معروف ))

 إذاً لا تستطيع أن تلقي على الناس شيئاً ذا بال، ولا تستطيع أن تؤثر فيهم لأنهم عُقَلاء، إلا أن تأتيهم بالدليل القطعي على أية فكرة تلقيها عليهم، وأية دعوة تفتقر إلى الدليل، هذه الدعوة لن يكتب لها النجاح، الدليل والتعليل، لكن التعليل لغير المؤمن، أما المؤمن أكبر دليل أو أكبر تعليل لهذا الأمر هو أنه أمر الله عزَّ وجل، يكفيه ذلك، فإذا فعله تعبداً، تفضل الله عليه فكشف له عن حكمته، أما ليس من شأن المؤمن أن يعلِّق تطبيق الأمر حتى يعرف الحكمة، ليس هذا من شأن المؤمن، المؤمن لا يعلِّق تطبيق أمر الله على معرفة الحكمة، إذا ثبت له أنه أمر الله يطبقه من دون تردد.
 المبدأ الخامس: التدرُّج، كيف أن الله جل في علاه حينما ربى أصحاب النبي عليهم رضوان الله، حتى في تحريم الخمر تدرَّج في تحريمه، وما بقاء آيات تحريم الخمر بالتدريج إلا تعليمٌ لنا أنك إذا دعوت إلى الله عزَّ وجل لا تواجه الإنسان بكل أخطائه، بكل المخالفات، بكل المعاصي دفعةً واحدة، عندئذٍ يولي ظهره هارباً، ويقول لك: هذا الأمر صعب جداً علي. لا تواجه الإنسان بكل المعاصي والأخطاء بل عرفه بالله أولاً، فإذا سألك عن قضية، أبلغه إياها بالتدريج واحدة واحدة، فالتدرج في بيان أوامر الله عزَّ وجل أيضاً مبدأٌ خامسٌ من مبادئ الدعوة إلى الله عزَّ وجل.
 في عندنا مبدأ هو: المتابعة، المتابعة يقابله التربية، أنت إما أن تلقي المعلومات وتذهب، ولا تعنى بهذا المتعلِّم ؛ ماذا تعلم ؟ وكيف تعلم ؟ وهل استفاد أو لم يستفد ؟ أو طبق أو لم يطبق ؟ ألقيت المعلومات وانتهى الأمر، وقد ألقيت عن كاهلك المسؤولية، هذا شأن المعلم لا شأن المربي، هذا شأن مَن يلقي محاضرةً في الجامعة، لا يعرف مَن عنده، ولا مَن حضر، وهؤلاء الذين أمامه لا يعرف عنهم شيئاً، يعرف أنه ألقى المحاضرة بطلاقةٍ، وفصاحةٍ، وبيانٍ، وحجةٍ دامغةٍ، وانتهى الأمر، لكن هذا الذي ألقيت عليه بعض الحقائق هل تفقَّدته من حينٍ إلى آخر ؟ هل زرته في البيت ؟ هل سألته عن سبب غيابه ؟ هل تناقشت معه وحاورته في بعض الأفكار التي طرحت في الدرس ؟ هل رأيت عقله ؟ هل رأيت تفكيره، استيعابه، ذكاءه ؟ الحوار يجلو الأفكار، الحوار مُمْتع جداً.
 أنت قد تقف أمام مائة شخص يقال لك: هل تعرفهم ؟ تقول: نعم أعرفهم فلان، وفلان، وفلان. أنا أقول لك أنك لا تعرفهم ولو عرفت أسماءهم، لو عرفت أشكالهم، لو عرفت أعمالهم، لو عرفة عناوين سُكْنَاهم، لو عرفت أرقام هواتفهم لا تعرفهم، تعرفهم متى؟ إذا حدَّثتهم وحدثوك، تجد شخص دقيق الفهم، شخص استيعابه جيِّد جداً، شخص تقديره جيد، أنت لا تعرفه إلا إذا حاورته، لا تعرفه إلا إذا سألته، لا تعرفه إلا إذا استمعت إليه، لا تعرفه إلا إذا سبرت معلوماته، إلا إذا خبرت خبراته.
 فلذلك، الإنسان إذا دعا إلى الله عزَّ وجل، أحياناً يكون في سهرة يتحدث حديث رائع يقول لك: والله الله أطلق لساني طلاقة شعرت بحال، وشعرت بقوة بيان، وحجة كبيرة، وهذه سهرة يتيمة وحيدة ألقاها ومشي، طبعاً التأثير آني، أكثر الناس يتأثروا في الجلسة نفسها، أما أنت إذا كنت تريد فعلاً أن تكون داعيةً لله عزَّ وجل، هذا ابن خالتك الذي سهرت معه، وتحدثت وانطلق لسانك، وأثرت فيك كيف نسيته بعدها، نهائياً نسيته ؟! لابد من أن تسأل عنه، لابد من أن تعيد زيارته مرة ثانية، لابد من أن تسأله ماذا تأثرت من هذه الجلسة، ماذا فهمت منها، ما النقاط التي تلفت النظر فيها، أي لابد من المتابعة، مبدأ المتابعة رقم ستة، الآمر قبل الأمر، والإحسان قبل البيان، مخاطبة القلب والعقل معاً، التعليل والدليل، والتدرج، والمتابعة.
طبعاً بالمناسبة يقول عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( ما أحدث امرؤٌ أخاً في الله إلا أحدث الله له درجةً في الجنة ))

 في حديثٍ آخر:

 

 

(( من أسلم على يديه رجل وجبت له الجنة ))

 رجل لا طموح له في أن يهدي الناس أبداً، إذا جاءه دخلٌ وفير، وصحةٌ طيبة، وبيتٌ مريح، وزوجةٌ تروق له، وانتهى الأمر، هذا انتهت كل آماله عند هذه المعطيات الدنيوية، لا يتمنى على الله أكثر من ذلك، هذا له درجة متدنية جداً، لكن السابقين السابقين كما قال الله عزَّ وجل:

 

 

﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12)﴾

 

 

( سورة الواقعة )

 لمَ لا تكون في الآخرة طموحاً ؟ لماذا ينصب طموحك على الدنيا فقط مع أنها قصيرة ؟ ومع أنها محدودة ؟ ماذا تفعل بالمال بعد الموت ؟ ماذا تفعل بهذا المنزل الرائع الذي أتقنته، ولابد من أن تغادره أفقياً، كل يوم يغادر الإنسان بيته قائماً ويرجع، في مرة واحد يطلع أفقي بلا رجعه، كل مرة تغادره قائماً، وتعود إليه قائماً، إلا حينما يأتي الأجل يغادره الإنسان أفقياً، أنا حينما أحضر بعض التعزيات في بيوت فخمة جداً، والله هذا الأثر لا أنساه أبداً أن صاحب هذا البيت هو الذي اشترى هذا البيت، هو الذي زيَّنه، هو الذي اختار هذا الفرش الأنيق، هو الذي اختار هذه اللوحة ووضعها في هذا المكان، هو الذي اختار هذه الأجهزة، أين هو الآن ؟ تحت أطباق الثرى، في مترين بستين أو سبعين سنتيمتر، ما في أربعة وصالون هنا، ما في بلاط شحف، هنا لا يوجد شحف بل تراب، فوسائل الرفاه في البيوت هذه لابد من أن نتركها، هنا الفكرة.
 الآن، مخاطبة العامة بأصول الدين ومخاطبة المؤمنين بفروع الدين، أنت كداعية ناجح إذا رأيت صديقاً لك في أصبعه خاتمٌ ذهبي، وهو لا يصلي، ولا يصوم مثلاً، صديق، ليس من الحكمة أن تقول له: هذا حرام، سيقول لك: لماذا حرام ما هذا السخف ؟ هذه فروع الدين، عرفه بالله عزَّ وجل، ادعوه إلى الصلاة أولاً، ادعوه إلى التفكُّر في الكون، ادعوه إلى تلاوة القرآن، ادعوه إلى معرفة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا مشى معك خطوات قل له: يا أخي هذا الذهب حرام، النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن استعمال خاتم ذهب، الدليل أنه نهى، وهناك تعليل وهو مقبول، لكن أن تبدأ بالخاتم الذهب وهو لا يصلي، وهو لا يصوم، وهو لا يتعرَّف إلى الله عزَّ وجل، هذا أسلوب ليس صحيحاً.
 لذلك خاطب عامة الناس بأصول الدين، وخاطب المؤمنين الذين عرفوا الله عزَّ وجل بفروعه، قل له: يا أخي هذا حرام، المؤمن يجب أن تذكِّره بالحكم الشرعي في كل موقف، في أيَّة حالةٍ، وفي أي موقفٍ، وفي أي مناسبةٍ، وفي أي وضعٍ ذكِّر المؤمن بالحكم الشرعي: هذا هو الشرع. أما إذا رأيت إنسان شارد، وتائه، وبعيد، ومنقطع عن الله، وعنده شكوك بوجود الله، كأن تقول له: أخي أنت آلا تؤمن بالجن ؟ ما هو الجن ؟ أين هو الجن ؟ ما قيمة أن يؤمن بالجن قبل أن يؤمن بالله عزَّ وجل ؟ فيجب أن تختار في سلَّم الأولويات الأخطر فالأخطر، الأهم فالمهم.
 بالمناسبة أخطر شيء أن تحاول أن تقنع الناس بالدليل العقلي بما أخبر الله به، ما أخبر الله به دليله أن الله أخبر به فقط، لا يمكن للعقل أن يسلَّط على أخبار الله عزَّ وجل، هي حكمٌ على العقل وليس العقل حكماً عليها، فإذا الله عزَّ وجل قال: أن آدم بدأ الله به الخلق في القرآن الكريم، إيَّاك أن تحاول أن تقنع إنساناً بهذه الحقيقة بالدليل العقلي، هذا هو الماضي السحيق، هذا عقلنا لا يستطيع أن يتعرَّف إليه، لكن الله أخبرنا عنه، والدليل أن الله أخبر عنه الدليل نقلي وليس هناك دليل عقلي.
  في متاهةٍ لا نهاية لها، يقول لك: أثبت لي أنه يوجد جن وخذ مليون، تفضل أثبت له أين الجن ؟ أثبت لي أنه في مَلَك، أين هم ؟ لا يجد شيء، نحن عندنا أحاديث صحيحة أنه في ملكان، هذا الموضوع ليس تحقيقياً بل هو تصديقي، هذا الموضوع ليس معقولاً ولكنه موضوع نقلي، إخباري، فأنت إيَّاك إذا أردت أن تقنع الناس بعظمة هذا الدين أن تبدأ معهم بالإخباريات، لأن الله عزَّ وجل يقول:

 

﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾

 

 

( سورة الكهف: من آية " 51 " )

 أنا أخبرتهم كيف خلقتهم، فالعقل لا يسلَّط على ما أخبرنا الله به، العقل يسلَّط على ما أمرنا أن نفكر فيه..

 

﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

 

 

( سورة يونس: من آية " 101 " )

 لذلك يتفرَّع من هذا المبدأ القاعدة التي جاءت بها الأحاديث الشريفة

((تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))

 . حينما تريد أن تتعرف إلى ذات الله هنا المنطقة خطيرة جداً، هنا بالتصديق لا بالتأمل والتحقيق

(( تفكروا في مخلوقات الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا ))

 كنت أضرب هذا المثل: أن ورقة سيجارة رقيقة جداً، هذه إذا وضعناها في الفرن العالي لصهر الحديد، وضعناها وانتظرنا خمس ساعات، وقلنا ماذا حل بها ؟ من الوهج تبخرت، وعقل الإنسان إذا أعمله في غير ما خُلِقَ له يقع الإنسان في خطأ كبير، نحن نتفكر في مخلوقات الله، مهما تفكرت في مخلوقات الله تزداد تعظيماً، وتزداد خشوعاً، وتزداد قرباً، وتزداد حباً، لكنك إذا أردت أن تفكر في ذات الله تحترق..

 

﴿ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً﴾

 

(سورة الأعراف: من آية " 143 " )

 فأي سؤالٍ يأتيك متعلقٌ بذات الله عزَّ وجل قل: هذا من شأن الله، رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده، تماماً تماماً تماماً عقلك ميزان، من أعظم الموازين، من أدق الموازين لكن مكتوب عليه خمسين كيلو، ما دام الوزن دون الخمسين النتائج رائعة، النتائج دقيقة محكمة، لكنك إذا أردت أن تزن به خمس أطنان فانسحق الميزان وتحطم، لا تتهم صانع الميزان: يا أخي ما هذا الميزان، إنه لا يتحمل، والصانع قال لك خمسين كيلو، فالعقل البشري مهمته أن يرى شيئاً مادياً، وأن يستنبط منه شيئاً لا يراه بعينه، أنا متأكد مائة في المائة أن في هذه الأسلاك التي في المسجد كهرباء، الدليل تألُّق هذه المصابيح، فقط هذا الدليل، هذا اسمه علم اليقين، يقينٌ قطعيٌ مائة في المائة، هذا علم اليقين، لكنك إذا أردت أن تعرف كنه الكهرباء هذا يصعب عليك، أنت بإمكانك أن تستدل، وأن تستنبط، وأن تستنتج أن في الأسلاك التي داخل الجدران طاقةٌ كهربائية، الدليل القطعي تألُّق المصابيح، أما أن تفهم كُنْه الكهرباء، لذلك العلم ماذا يقول يبحث في الظواهر لا في الماهية، ماهية الأشياء حتى الآن مجهولة، في معظمها مجهولة، لكن نحن نرى الظواهر.
 الآن في الدعوة إلى الله ينبغي أن تعتمد لا على الترهيب فقط، بل على الترغيب والترهيب، لا على الإنذار فقط، على الإنذار والتبشير، لا على التعسير فقط، على التعسير والتيسير، هذا مستنبط من قول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( بشروا ولا تنفروا، يسروا ولا تعسروا، سددوا وقاربوا ))

 

( من سنن أبي داود: عن " أبي موسى " )

 أي أنك إذا عرضت مشهداً من مشاهد النار، لا تنس أن تعرض في الجلسة نفسها مسهداً من مشاهد أهل الجنة، إذا خوَّفت الإنسان من عقاب الله عزَّ وجل، لا تنس أن تذكر له ما عند الله من العطاء والإكرام، لابد من التوازن، والتوازن يستنبط من قوله تعالى:

 

﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾

 

( سورة الأنبياء: من آية " 90 " )

 فالمؤمنون الصادقون بين حالة الرجاء والخوف، والإنسان يلاحظ نفسه عندما يزداد رجاءه يخف التزامه، وعندما يخف التزامه الله يقسو عليه ويخوفه، إذا ازداد خوفه يقل إقباله، يصير عنده جفوة، إذا ازداد خوفه ربنا عزَّ وجل يطمئنه، يعني ميزان دقيق جداً بين الخوف وبين الرجاء، لا ينبغي أن يحملك رجاؤك على أن تتساهل في تطبيق أمر الله، ولا أن يحملك خوفك على أن تَجْمُد في مكانك لا أن تتحرك إلى الله عزَّ وجل.
النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

(( أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم ))

أحياناً أنت تجلس مع شخص مستواه الفكري وسط، أفضل طريقةٍ في الدعوة إلى الله أن تذكر له بعض القصص التي يمكن أن نستنبط منها مواعظ بليغة، والقصة طريقةٌ تربويةٌ رائعةٌ ومؤثرةٌ ومبسَّطة، يعني سيدنا يونس وهو في بطن الحوت، والحوت في ظلمات البحر، والبحر في ظلمات الليل، في ظلماتٍ ثلاث..

 

 

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

 

( سورة الأنبياء )

 فأي كرب مهما كان عظيماً، مهما مستحكِماً، مهما كان خطيراً، مهما كان وبيلاً إذا دعوت الله عزَّ وجل، الله لا ينساك، ممكن تذكر له قصة إنسان مرابي الله مَحَق له ماله، أبلغ من فلسفة الربا، وفلسفة الاقتصاد، وفلسفة تجميع الأموال بأيدي قليلة، وحرمان الأكثرية، فهناك بحث في الربا يطرق بما يسمى بالأيديولوجيات أي بالأفكار النظرية، وهناك بحث للربا يطرق من خلال بعض القصص الواقعية، فإذا رأيت إنسان ما عنده رغبة بالتعمق، بسيط، معلوماته على قده، تدعوه إلى الله عزَّ وجل بأسلوب القصة، والقصة مشوقة جداً، ومؤثرة جداً، فمن الممكن من خلال عدة قصص أن يشعر الإنسان أن الله حسيب، ويعاقب، ويكافئ، ويثيب، ويأخذ بالذنوب، ويكافئ بالحسنات، فالقصة أسلوبٌ تربويٌ رائع، والقصة أسموها ( قاسم مشترك ) أي أنك لو تلوتها على أعلى إنسان مثقف، أو على أعلى إنسان إدراكه دقيق جداً يتأثر بها، ولو تلوتها على إنسان إدراكه محدود جداً يتأثر بها، فإذا أردت أن تلقي شيئاً يتأثر به كل الحاضرين فعليك بالقصص، وهذه القصص إما التاريخية أو التي تقع في حياتك لها شأنٌ كبيرٌ كبير في الدعوة إلى الله عزَّ وجل.
 فأحياناً قصةٌ إذا رويتها بشكلٍ صحيح، لكن إياك أن تعتمد قصةٍ لم تقع، قد تكون تركيبة، وهذه قصةٌ لا تؤثر لأن الحق أعظم من أن تستعين لإيصاله إلى الناس بالكذب، لابد من أن تكون القصة واقعية، شيء وقع فعلاً، ولا تبالغ، لأن المبالغة تعطي نتيجة معكوسةً، فالنبي عليه الصلاة والسلام أيضاً دعا أصحابه من خلال القصة، مرة قال: " أن أعرابي كان يقطع الصحراء على ناقة عليها زاده، وطعامه، وشرابه، فجلس ليستريح في ظل نخلةٍ، فأفاق فلم يجد الناقة، أيقن بالهلاك، فصار يبكي حتى أدركه النعاس، فنام فأفاق فرأى الناقة، فمن شدة فرحه قال: يا رب أنا ربك وأنت عبدي. يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( لله أفرح بتوبة عبده من هذا البدوي بناقته ))

 قَرَّب لك فرح الله عزَّ وجل حينما يصطلح العبد معه، وحينما يعود إليه منيباً تائباً بهذا البدوي الذي فرح بعودة ناقته، فمن شدة فرحه قال: يا رب أنا ربك وأنت عبدي. فالقصة طريقةٌ تربوية رائعة جداً في تعريف الناس بالحق.
 مع القصة في شيء اسمه المَثَل، والنبي عليه الصلاة والسلام ضرب مثلاً فقال:

 

 

(( إن قوماً ركبوا سفينةً أصاب بعضهم أدناها وبعضهم أعلاها، فقال الذين في أدناها لنخرق في مكاننا حتى نأخذ الماء ))

 مثل رائع جداً ؛ سفينة أي نحن المسلمون كلهم في سفينة واحدة، فإذا بعض المسلمين فعلوا شيئاً لا يرضي الله عزَّ وجل، قال:

 

 

(( فإن أخذ على أيديهم نجا ونجوا، وإن تركوهم هلك وهلكوا ))

 هذا التكافل الاجتماعي، نحن كلنا في قارب واحد، فإذا واحد أحب أن يخرق القارب من مكان جلوسه، ونحن سكتنا، وتأملنا، يصطفل هو حر، هنا ما في حر لأن حر ستغرق معه، إذا قلت: حر أي أفعل ما أشاء، مثل رائع جداً، طبعاً هنا لا يحضرني الأمثلة التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام، يعني بابٌ كبيرٌ كبير من أحاديثه الشريفة هو الأمثلة، فلذلك أيضاً الأمثلة ممكن أن تكون طريق من طرق توصيل المعلومات، وتبسيط الحقائق.
في عندنا شيء آخر هو: أن النبي عليه الصلاة والسلام من صفاته التربوية أنه كان يحسن الحسن ويقبح القبيح، مَن يذكر لي الحديث النبي حسن فيه الحسن ؟

 

 

(( الراجع في هبته كالعائد في قيئه ))

 يعني إنسان بعد أن تقيَّأ أراد أن يأكل ما تقيَّأ شيءٌ تنفر منه الطباع، وقد لا يستطيعه الإنسان، فالنبي عليه الصلاة والسلام شبَّه الذي يهب إنساناً شيئاً ثم يرجع بهذه الهبة كمن يتقيَّأ ثم يأكل قيأه، هذا من باب تقبيح القبيح.
تحسين الحسن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

 

(( أول من يمسك بحلق الجنة أنا، فإذا امرأةٌ تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت مَن هذه يا جبريل ؟ قال: هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلهم))

 يعني إذا سمعت امرأةٌ شابةٌ توفي زوجها، وترك لها أولاداً، وآثرت تربية أولادها على حظ نفسها من الزواج، وسمعت المرأة هذا الحديث تطير إلى الله عزَّ وجل، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

 

 

(( الإنسان يطعم لقمةً يراها يوم القيامة كجبل أحد ))

 هذا من تحسين الحسن، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يحسن الحسن ويقبِّح القبيح، أما كُتَّاب القِصَص حينما يصفون أحط المواقف اللا أخلاقية بشكلٍ مبهرجٍ، مزينٍ هذا عمل الشيطان، دائماً الشيطان يزيِّن للناس أعمالهم السيئة، فإذا صورت الرذيلة على نحوٍ نُعْجَب بها فهذا عمل إبليس، وإذا صورت الرذيلة على عملٍ ننفر منها فهذا عمل الملائكة، دائماً الداعي إلى الله عزَّ ينفر من كل معصيةٍ، ويحبب بكل طاعة، بينما أهل الفسق والفجور ينفِّرون من كل طاعةٍ، ويصمون رجال الدين، والمؤمنين بأنهم ضيقوا الأفق، وجامدون، يا أخي متزمتين لا يحلوها برمة، ويصفون أهل الفسق والكفر والفجور بالمرونة، يقول لك: مَرِن، تفكيره مفتوح، لبق، أو باللغة الدارجة يقول لك: ( سبور ) أي فلتان، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يحسن الحسن ويقبح القبيح، أنت كداعية لا تقدر إذا رأيت موقفاً فيه انحراف وفيه معصية تقول: ما شاء الله حوله فلان، سقط الداعية وانتهى، أنت انتهيت كداعية، الحسن حسن والقبيح قبيح، بل إن الداعية لله عزَّ وجل يحسن الحسن ويقبح القبيح.
 مَن عنده أيضاً قاعدةٌ هو رآها، أو استنبطها من حديثٍ أو آيةٍ في الدعوة إلى الله عزَّ وجل ؟ أنت بهذه الطريقة تخاطب الناس بطريقةٍ فعالة، وطريقةٍ مجدية، فالقاعدة: أنت إما أن تعلم الناس بلسانك، وإما أن تعلمهم بأفعالك، والناس لا يتعلمون بآذانهم بل يتعلمون بعيونهم، وبين الحق والباطل أربع أصابع، الباطل أن تقول سمعت، والحق أن تقول رأيت، لذلك هذا اسمه: اعتماد مبدأ القدوة الحسنة، وإذا أردت بهذا الموضوع مزيداً فاعلم علم اليقين أن أخطر مهمة للنبي عليه الصلاة والسلام أنه علَّم الناس بأخلاقه. دخل عليه عمر رضي الله عنه وقد اضجع على حصير فأثر الحصير على خده الشريف فبكى سيدنا عمر.
ـ قال: يا عمر ما يبكيك ؟
ـ قال: يا رسول الله رسول الله ينام على الحصير، وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير؟
ـ قال: يا عمر إنما هي نبوةٌ وليست ملكاً.
عندما دخل عدي بن حاتم على النبي عليه الصلاة والسلام وعرفه النبي، ورحب به، وأخذه إلى بيته قال: دفع إلي وسادة من أدمٍ محشوةً ليفاً، قال: اجلس عليها.
ـ قلت: بل أنت.
ـ قال: بل أنت.
ـ قال: فجلست عليها وجلس هو على الأرض.
لما كان مع أصحابه وقال: وعلي جمع الحطب ـ القصة معروفة عندكم ـ نكفيك، قال:

 

 

(( أعلم ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه ))

 لما كان في معركة بدر قال:

 

(( كل ثلاثة على راحلة وأنا وعليٌ وأبو لبابة على راحلة " لما جاء دوره في المشي توسلا إليه أن يبقى راكباً قال: " لا بأنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما على الأجر))

 إذاً أبلغ طريقةٍ في الدعوة إلى الله أن تعلِّم الناس بأفعالك لا بأقوالك، وأن تكون قدوةً حسنة لهم، وأن تكون مثلاً أعلى لهم، وأن تكون أسوةً صالحة، لذلك لو ألقيت على ابنك ألف محاضرةٍ في الصدق وقلت له لما طُرق الباب: قل له ليس هنا. أرأيت إلى هذه الكلمة كل المحاضرات التي ألقيتها على ابنك ذهبت أدراج الرياح لأنك مارست الكذب أمامه.
 والنبي عليه الصلاة والسلام حينما رأى امرأةً من قريباته تقول لطفلها الصغير الصغير أي أنه يحبو:
ـ تعال خذ.
ـ فقال عليه الصلاة والسلام

(( ماذا أردتِ أن تعطيه ))

ـ قالت: تمرة.
ـ قال

(( أما إنكِ لو لم تفعلي لكتبت عليك كذبة ))

على هذا الصغير.
 وعالم الحديث الشهير الذي قصد البصرة من المدينة، سفر يمكن شهرين، ليلتقي براوٍ لحديث رسول الله، رآه يصنع لفرسه رداءه هكذا، موهماً إياه أن فيه شعيراً، فلما اقترب منه ولم يجد شعيراً، عاد إلى المدينة ولم يكلِّمه كلمةً، لأن الذي يكذب على فرسه ليس أهلاً أن ينقل حديث رسول الله.
 فالحقيقة والله يا إخوان، هذه الفكرة التي حكاها الأخ، يمكن أن تكون أكبر داعية على وجه الأرض وأنت ساكت، ولا كلمة، ليس هذا غريباً، ليست هذه مفارقة، لكن الناس إذا رأوا صدقك، وتواضعك، وصدقك في بيعك وشرائك، وإخلاصك، وورعك، أحبوك وأحبوا دينك واتبعوك وأنت ساكت، وأنت لا تدري، لذلك أقرب طريق إلى الدعوة إلى الله عزَّ وجل أن تكون أنت في المستوى المطلوب، إذا كنت في المستوى المطلوب نجحت وأفلحت، فلذلك القدوة الصالحة، أو الأسوة الحسنة، أو المثل الأعلى، أو التعليم بالقدوة، هو أكبر شيءٍ في الدعوة إلى الله، لاحظ أن الناس يراقبونك، كل إنسان مظنّة صلاح، مظنة هدى، مظنة تعليم، كل إنسان في موقع الدعوة إلى الله مُراقب، توضع حركاته وسكناته تحت المجهر، فإذا أردت أن تكون ناجحاً عملك فراقب نفسك قبل أن تراقب، وحاسب نفسك قبل أن تحاسِب، وعامل الناس كما تحب أن يعاملوك، وأنا أقول لكم: إخوان كثيرون من إخواننا جلب أول أخ، وثاني أخ، وثالث أخ، وابن عمه، وجاره وهو ساكت، فما هذا الإنسان ؟
 سألوا واحد بالحج رأى شخص هيئته هيئة واحد غربي، طوله، وقوامه، ولون شعره فسألوه طلع من ألمانيا الغربية، لكن كيف أسلم ؟ قال: طالب مسلم سكن في بيته، وعند هذا الرجل فتاةٌ جميلة، الشيء الذي يلفت النظر أن هذا الطالب ما نظر إليها ولا مرة، كلما خطرت أمامه يغض بصره عنها، فما هذا الإنسان ؟!! هذا الموقف الشريف العفيف دفعه للجلوس معه، وللحوار معه، وكان هذا الطالب طليق اللسان ومؤمناً، فأقنعه وأسلم على يديه، أي أن غض بصر إنسان سبب هداية إنسان.
 فأنت حينما تقف موقف أخلاقي، حينما تتقن عملك، حينما تصدق والصدق يجلب لك الخسارة، تعظم في عين الناس، حينما تنصح والنصيحة تتعبك، تعظم في عين الناس، حينما تخلص والإخلاص يخفف من ميِّزاتك، عندئذٍ تعظم في عين الناس، فلذلك إذا أردت أن تؤثِّر بالآخرين فكن أنت متأثراً بما تقول، لأنك إن لم تتأثر بما تقول لن تؤثر في أحد.
 وأيضاً كما كان السلف الصالح من العلماء لهم شرف، ولهم أعمال ففصلوا دعوتهم إلى الله عن أعمالهم، أما لو كان الداعية متعلِّقاً بما عند الناس، لاختلف الأمر، فلذلك سيدنا أبو حنيفة النعمان وعلماء كبار، وعلماء مشاهير كلهم كان لهم أعمال يعملون بها، ويرتزقون منها حتى تبقى دعوتهم صافيةً نقيةً، بعيدةً عن كل مظنة سوء، وعن كل اتهام، وعن كل لغطٍ أو قولٍ لا يرضي الله عزَّ وجل إذاً هذه أيضاً.
 طوبى لمن وسعته السنة ولم تستهوه البدعة، يعني إذا كان في البيت موجود بدع كثيرة، وهذه البدع الكثيرة تستهلك الأوقات الكثيرة، وتنقل الإنسان من حال إلى حال، من أجواء مقدسة ؛ أجواء القرآن، أجواء الصلاة، أجواء طلب العلم إلى أجواء الفن، وغيرها، فهذه البدع كلها تبعد عن الله عزَّ وجل، فإنسان يستمع للغناء وهو يدعو إلى الله عزَّ وجل، لا يتوازنوا، هو لا يطرب بالقرآن بل يطرب بالغناء، إنسان يمضي وقته في متابعة قصص، ومتابعة برامج وأشياء لا ترضي الله عزَّ وجل كيف يكون طليقاً في الدعوة إلى الله عزَّ وجل؟ كيف ينتزع إعجاب الناس ؟ كيف يراه الناس في موضع كبير ؟ فلذلك لما الإنسان تستهويه البدع، وينغمس في هذه البدع، ويقول لك: هذا خيال يا أخي وليس حقيقة، والصوت صدى، فما عاد في شيء بالدين، إذا كل قضية فرَّغها من مضمونها، إذا هذا البرنامج التمثيلي المثير الذي يعرض خيانات زوجية، ومشكلات، ومواقف حميمة، وتجد مَن يقول: هذا البرنامج خيال، والأغاني الساقطة هذه كلها صدى، فماذا بقي من الدين ؟ فلذلك الإيمان عفيفٌ عن المطامع، عفيفٌ عن المحارم، أجمل كلمة قالها سيدنا جعفر:
" كنا قوماً أهل جاهلية ؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه ـ أمانته وصدقه وعفافه ـ ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، والكف عن المحارم والدماء ".
 أيها الإخوة الأكارم... الإنسان يطلب العلم حتى يعلِّم، يتلقَّى حتى يلقي، يتأثَّر حتى يؤثر، يأخذ ليعطي، يتعلَّم ليعلم، يمشي في طريق الحق، وفي مرحلة أخرى ليعين الآخرين على أن يسيروا في هذا الطريق، وحجمك عند الله بحجم عملك، وهذه القواعد: الآمر قبل الأمر، والإحسان قبل البيان، ومخاطبة العقل والقلب معاً، والدليل والتعليل، واعتماد الواقع، كذلك نسيناها، والفطرة، والنقل والعقل معاً أيضاً هذه قاعدة أساسية، واعتماد القدوة الحسنة، والترغيب مع الترهيب، والتبشير مع الإنذار، وتحسين الحسن وتقبيح القبيح، واعتماد القصة والمثل، هذه كلها بعض ملامح النواحي التربوية التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام.
* * *
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تهنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، واصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، واصلح لنا آخرتنا التي إليها مردّنا، واجعل الحياة زاداً لما من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، اللهم بفضلك العميم أكرمنا بما أكرمت به سيد المرسلين، وصل الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018