٠3الخطب الإذاعية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطب الإذاعية - الخطبة : 45 - التعاون - مجتمع النمل المتعاون


1998-06-26

 الخــطــبـة الأولــى:

 الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد لله الذي أمرنا أن نتعاون ونتراحم فقال تعالى:

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) ﴾

( سورة المائدة )

 وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ولا شريك له، علم عباده أنهم مستخلفون فيما يملكون وأنهم منصورون حينما يتعاونون:

 

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) ﴾

 

( سورة الحشر)

 وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، عاش لأمته لا لذاته، لم تشغله في دنياه رغبة، ولم تثنه عن نشر دعوته رهبة، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين. عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير.

كل أمر في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة يقتضي الوجوب:

 أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، موضوع الخطبة اليوم مضمون قوله تعالى:

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) ﴾

( سورة المائدة )

 التعاون أمر إلهي، وكل أمر في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة يقتضي الوجوب، وليس الدين عبادات شعائريةً فحسب، بل إن الدين هو الحياة، كما أرادها الله عز وجل ؛ صلاح الدين، وصلاح الدنيا، وصلاح الآخرة.
في الإنسان نزعة فردية تنطلق من حبه لوجوده، ومن حبه لسلامة وجوده، ومن حبه لكمال وجوده، ومن حبه لاستمرار وجوده، وفيه أيضاً نزعة اجتماعية تنطلق من نزعته الفردية، لأن كثيراً من مطالب حياة الإنسان، وحاجاته الجسدية، والنفسية، والفكرية لا تتم إلى عن طريق الجماعة، كالأنس بالجماعة، والشعور بالأمن والطمأنينة معها، والتماس نصرتها، والتقوي بها، وتحقيق حاجاته ومصالحه من خلالها.
 لكن النزعة الجماعية التي تنطلق ـ هذا نوع آخر ـ من طاعة الإنسان لله عز وجل والتقرب إليه وراء أكثر الفضائل الخلقية، فما من فضيلة يصل نفعها وخيرها إلى الآخرين إلا وفيها عنصر التخلي عن الأنا، وفيها نوع من التضحية في سبيل المجموع كوسيلة لنيل رضوان الله تعالى. والرذائل الخلقية تنبع من فردية الإنسان، وتفلته من منهج الواحد الديان، والفضائل الخلقية تنبع من انصياعه لمنهج ربه والتقرب إليه بخدمة عباده.

جلائل الأعمال الكبرى لا تتحقق إلا عن طريق العمل الجماعي المتعاون:

 أيها الأخوة الأكارم في كل مكان، الأنبياء ـ صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين ـ أعطوا كل شيء، ولم يأخذوا من الجماعة شيئاً، والذين على نقيضهم أخذوا كل شيء، ولم يعطوا الجماعة شيئاً، والذين هم بينَ بينْ، أخذوا وأعطوا، الأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم، وغيرهم ملكوا الرقاب بقوتهم.
 إن جلائل الأعمال الكبرى لا تتحقق إلا عن طريق العمل الجماعي المتعاون، بخلاف العمل الفردي الذي لا يثمر إلا أعمالاً تتناسب مع مستوى طاقات الأفراد شدةً وضعفاً، والنزعة الفردية تنمو معها رغبة قبيحة بتهديم أعمال الآخرين حرصاً على التفرد لنيل التقدير بين الناس، ومع هذه الرغبة القبيحة تتبدد الأعمال الفردية نفسها أو تضيع ثمراتها فتحرم الإنسانية ثمرات الأعمال الجماعية، وكثيراً من ثمرات الأعمال الفردية.
 إن القوة الانفرادية مع القوة الانفرادية مجتمعتين تساويان أكثر منهما متفرقتين، لأن عوامل الوهم والخوف والتخاذل تتسرب إلى الأفراد وتمتنع منها الجماعة. قال تعالى في كتابه العزيز:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) ﴾

( سورة المائدة )

 لأن الإنسان خليفة الله في الأرض، ولأنه مُكلف أن يأمرها بكل ما هو خير نافع، ليكون هذا الإعمار ثمناً لسعادته الأبدية في الجنة، ولأن مشيئة الله شاءت أن يُمكن الإنسان في إتقان شيء بينما هو في حاجة إلى كل شيء، إذاً كان التعاون ضرورة إيمانية وضرورة حياتية والتعاون حيادي ومطلق، فيمكن أن يكون في الخير صلاح الدنيا وصلاح الآخرة كما يمكن أن يكون في الشر في الإثم والعدوان، لذلك جاء الأمر الإلهي: بالتعاون مخصصة، بالبرِّ والتقوى، والبر كما قال المفسرون: صلاح الدنيا، والتقوى صلاح الآخرة، وتأكيداً لهذا التخصيص جاء النهي عن النقيض، فقال تعالى:

﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ﴾

 كل من ساهم في خير البشرية في دينها ودنياها مخلصاً لله عز وجل له نصيب من هذا الخير يناله في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معاً.

أصل الاعتصام اللجوء إلى حبل الله وكتابه وإلى سنة رسوله:

 كل من ساهم في خير البشرية في دينها ودنياها مخلصاً لله عز وجل له نصيب من هذا الخير يناله في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معاً، وكل من ساهم في عمل آثم يبعد الإنسان عن خالقه، أو في عدوان على أخيه الإنسان يناله العقاب في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معاً.

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) ﴾

( سورة المائدة )

 أيها السادة الأعزاء، يقول الله تعالى في كتابه الكريم:

 

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ أخوانا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) ﴾

 

( سورة آل عمران)

 في هذه الآية يأمرنا الله جل جلاله أن نعتصم بحبله، ونحن مجتمعون غير متفرقين، وأصل الاعتصام اللجوء إلى حبل الله، إلى كتابه، إلى سنة رسوله للاعتصام به، وهذا يستلزم التمسك به، والقبض عليه بشدة، حتى يظفر المؤمنون باعتصامهم هذا بالنجاة من الهلاك.

الاعتصام بحبل الله لا يكفي أن يكون فردياً بل لا بدّ من أن يكون جماعياً:

 الاعتصام بحبل الله لا يكفي أن يكون اعتصاماً فردياً، بل لا بد أن يكون اعتصاماً جماعياً، لذلك قال الله تعالى:

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ أخوانا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾

 وأكد ذلك بالنهي عن التفرق، فقال تعالى عقب ذلك:

 

﴿ وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ أخوانا (103) ﴾

 

( سورة آل عمران)

 ثم أجرى الله جل جلاله في هذا النص موازنةً بين ما كانت عليه الأمة العربية في جاهليتها قبل الإسلام وما تحولت إليه بالإسلام الذي كان نعمة سيقت من الله إليهم:

 

﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ أخوانا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) ﴾

 

( سورة آل عمران)

الإسلام ردّ النفس الإنسانية إلى فطرتها الخيّرة:

 لقد كانت الأمة العربية قبل الإسلام مجزأةً متفرقة متعاديةً فيما بينها، وكانت على شفا حفرةٍ من النار بالشرك والظلم والعدوان، فأصبح تجزؤها وحدةً، وتفرقها اجتماعاً، وعداوتها محبة، فقد ألف الله بين قلوب أفرادها وجماعاتها بالإسلام فأصبحوا بنعمته أخواناً:

﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ (63) ﴾

( سورة الأنفال )

 وما كان سببَ إنقاذها، ووحدتها، وقوتها، ومجدها يظل هو السبب أبد الدهر في إنقاذها، ووحدتها، وقوتها، ومجدها، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
أخوة الإيمان في كل مكان، الإسلام رد النفس الإنسانية إلى فطرتها الخيرة، من التعاون والتناصر والتحابب، ونهى عن التفاخر والتحابب، وسوّى بين المسلمين، وجعلهم أخوة متحابين، فأصبح المسلمون أمةً متعاونةً على الخير، لا يفرق بين أفرادها لون ولا جنس ولا إقليم ولا مال، وجاء التوجيه الإلهي يدفع المسلمين إلى هذا السلوك الإنساني الرفيع فقال تعالى ـ دققوا في هذه الآية الكريمة:

 

﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) ﴾

 

( سورة التوبة )

 لقد أنكر الإسلام النزعة الاستغلالية، وقاوم السلبية، ونبذ الأثرة والأنانية، والتهافت المسعور على التقاط جهد الآخرين، وأن يعيش الفرد على أنقاض الآخرين، يبني قوته على ضعفهم، وغناه على فقرهم، ومجده على ذلهم، وبين أن الناس جميعاً في حق الحياة وحق العمل وحق الكرامة سواء، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

((الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَيُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ))

 

[أخرجه أبو داود وابن ماجة وأحمد عن عمرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]

الإيمان ما إن يستقر في نفس المؤمن حتى يعبر عن ذاته بحركة خيّرة:

 قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(72) ﴾

( سورة الأنفال)

 وفي آية لاحقة:

 

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) ﴾

 

( سورة الأنفال)

 توضح هذه الآية أن الإيمان ما إن يستقر في نفس المؤمن حتى يعبر عن ذاته بحركة خيرة نحو الآخرين، وما لم تكن هذه الحركة الخيرة نحو الآخرين، فهناك شك في وجود الإيمان أصلاً.

المؤمنون كالجسد الواحد:

 المؤمنون هاجروا، وجاهدوا، وآووا، ونصروا، لذلك هم كالجسد الواحد، إن اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، ولما لم يكن المؤمنون متناصحين، متعاونين، متباذلين، متضامنين، تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجَرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(72)وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ(73) ﴾

( سورة الأنفال)

 أيها الأخوة الأكارم، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:

 

(( بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى رَاحِلَةٍ لَهُ قَالَ: فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِيناً وَشِمَالاً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا ظَهْرَ لَهُ وَمَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ مِنْ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لا زَادَ لَهُ قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ مَا ذَكَرَ حَتَّى رَأَيْنَا أَنَّهُ لا حَقَّ لأحَدٍ مِنَّا فِي فَضْلٍ ))

 

[أخرجه مسلم وأبو داود وأحمد عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

مجتمع المدينة هو النموذج الأول للمجتمع الإسلامي على خلق التعاون:

 المسلم الحق يعمل من أجل المجموع ولا يعيش لذاته، لكن أجره عند الله كبير، قال تعالى:

﴿ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7) ﴾

( سورة الحديد)

 وفي صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

(( لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلا يَتَقَلَّبُ فِي الْجَنَّةِ فِي شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَّرِيقِ كَانَتْ تُؤْذِي النَّاسَ))

 

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 لقد أسس النبي عليه الصلاة والسلام مجتمع المدينة، وهو النموذج الأول للمجتمع الإسلامي على خلق التعاون، فقد ترك المهاجرون بلدهم مكة، وتركوا فيها أموالهم وكل ما يملكون، وانتقلوا إلى المدينة وليس معهم شيء، في حين كان الأنصار وهم أهل المدينة يملكون، ويقيمون في بيوتهم، ويعملون في أرضهم، فأقام النبي عليه الصلاة والسلام التوازن بين الذين يملكون والذين لا يملكون عن طريق الأخوة الإيمانية، التي تعني الحب، والإيثار، والبذل، والعطاء، فآخى بين المهاجرين والأنصار، فصار كل أخوين يتعاونان، ويتناصران، ويتشاركان في السراء والضراء، وكان الأنصاري يعرض على أخيه المهاجر أن يقاسمه كل ما يملك، لكنَّ الشيء المدهش أن المهاجرين لم يستغلوا هذا السخاء، بل إن الكثير منهم اتجه إلى السوق ليأكل من كد يمينه، قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف، يا أخي دونك نصف مالي فخذه، فقال له عبد الرحمن بن عوف: بارك الله في مالك، ولكن دلني على السوق، وقد سجل القرآن الكريم هذه السورة الرائعة للإيثار، فقال تعالى:

 

﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(9) ﴾

 

( سورة الحشر)

العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع تعود لسببين:

 لو تتبعنا أسباب العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع، بل بين أفراد مجتمع تربط بينهم عشرات القواسم المشتركة، قال تعالى:

﴿ لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ(14)﴾

( سورة الحشر)

 لو تتبعنا هذه الأسباب في كتاب الله عز وجل ـ ولا ينبئك مثل خبير، والله تعالى هو الخبير ـ لوجدنا هذه الأسباب في علتين اثنتين:

 

1ـ الخروج عن منهج الله عز وجل اتباعاً للهوى:

 الأولى: الخروج عن منهج الله عز وجل اتباعاً للهوى، قال تعالى:

 

 

﴿ وَمِنْ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمْ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(14) ﴾

 

( سورة المائدة)

2ـ اتباع الشيطان:

 والعلة الثانية: اتباع الشيطان، قال تعالى:

 

﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ(91) ﴾

 

( سورة المائدة)

 كلا العلتين تجمعهما علة واحدة، وهي أن الإنسان فردي بطبعه والفردية من دون أن تُضبط بمنهج الله وراء أكثر الرذائل الخلقية من أثرةٍ، وأنانية، وغطرسة، وعداوة، وخيانة، وإجحاف. والجماعية تكليف إلهي أولاً، وصبغة يصطبغ بها المؤمن من خلال اتصاله بالله ثانياً، والروح الجماعية وراء أكثر الفضائل الخلقية من مؤاثرةٍ، وتواضع، ومحبة، وإخلاص، وإنفاق.

الناس رجلان:

 الناس رجلان ؛ رجل عرف الله فاتصل به، وانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه فسلم وسعد في الدنيا والآخرة، ورجل غفل عن الله فتفلت من منهجه، وأساء إلى خلقه فشقي في الدنيا والآخرة.
 الإنسان هو سيد المخلوقات، وهو أفضل من يدرك أن الجماعة خير من الفرقة، وأن التعاون أجزى من التخاذل، ومن طبيعة الحياة الإنسانية أن يتفاوت الناس في المواهب والملكات والجهود والطاقات، فمنهم قوي ومنهم ضعيف، منهم صحيح ومنهم سقيم، منهم مستطيع ومنهم عاجز، منهم عالم ومنهم جاهل، منهم متقد الذكاء ومنهم محدود التفكير، منهم غني وفقير، منهم قائد ومقود، وتابع ومتبوع، فإذا تُركت هذه الفروق وشأنها اتسعت الهوة وظهر التناقض الحاد بين أفراد المجتمع، وأكل القوي الضعيف واستغل الغني الفقير فاختلت بنية المجتمع وانهار توازنه وسار في طريق الهاوية، عندها تسفل الأهداف وتنحط الميول، ويبيح الإنسان الشارد عن منهج الله لنفسه أكثر الوسائل قذارة لأشد الأهداف انحطاطاً، عندها تكون أزمة الأخلاق المدمرة التي تسبب الشقاء الإنساني، وحين ذلك تفسد علاقة الإنسان بأخيه، فتكون الغلبة لصاحب القوة لا لصاحب الحق، فتعيش الأمة عندها أزمةً حضارية تعيق تقدمها، وتقوض دعائمها، وما يجري في العالم من حولنا أكبر دليل على ذلك.
 لذلك ترى المؤمن إنساناً متميزاً، يرى ما لا يراه الآخرون، ويشعر بما لا يشعرون، يتمتع بوعي عميق، وإدراك دقيق، له قلب كبير، وعزم متين، وإرادة صلبة، هدفه أكبر من حاجاته، ورسالته أسمى من رغباته، يملك نفسه ولا تملكه، يقود هواه ولا ينقاد له، تحكمه القيم ويحتكم إليه من دون أن يسخرها لمصالحه أو يسخر منها، سما حتى اشرأبت إليه الأعناق، وصفا حتى مالت إليه القلوب.

نموذجٌ من تعاون الفرد مع المجموع:

 المؤمن شخصية فذة، لأن الإيمان درجة علمية، المؤمن عرف الحقيقة الكبرى، وانسجم معها، والإيمان درجة أخلاقية، فسلوك المؤمن تحكمه منظومة من القيم الأخلاقية، والإيمان درجة جمالية، ففي قلبه من السعادة من خلال اتصاله بالله ما لو وزعت على أهل بلدة لكفتهم.
الحظوظ التي ينالها الإنسان في الدنيا حيادية، يمكن أن تُوظف في الحق كما يمكن أن توظف في الباطل، يمكن أن تسخر في الخير كما يمكن أن تسخر في الشر، يمكن أن تكون للإنسان سلماً يرقى بها أو دركات يهوي بها، هذا نعيم بن مسعود، كان فتىً في الجاهلية فتىً يقظ الفؤاد، ألمعي الذكاء، ولاّجاً، خرَّاجاً، يحسن التصرف، لا تعوقه معضلة ولا تُعجزه مشكلة، كان صاحب صبوة، وسبيل متعة، ولما بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام إلى العالمين أعرض نعيم عن هذا الدين الجديد أشد الإعراض، خوفاً من أن يحول هذا الدين بينه وبين متعه ولذاته، لكن نعيم وجد نفسه مسوقاً إلى الانضمام إلى خصوم المسلمين، مدفوعاً إلى إشهار السيف في وجوههم، لكن لحظة تفكير سليم، ولحظة محاكمة منطقية، ولحظة تأمل دقيق، ولحظة مراجعة مع النفس صادقة، ولحظة تبصر عميق، وقد تكون هذه اللحظة سبب سعادة أبدية، وفوز عظيم، قد تنقل هذه اللحظة التي فيها صدق مع النفس قد تنقل الإنسان من الشقاء إلى السعادة، من وحول الشهوات إلى جنات القربات، من سلوك المجرمين إلى بطولات الصديقين.
 خرجت قريش بقضها وقضيضها، بخيلها ورجلها، بكل ما تملك، بكل وزنها، بكل ثقلها، بكل طاقتها، بقيادة أبي سفيان بن حرب متجهة شطر المدينة، كما خرجت غطفان من نجد بعدتها وعددها، بقيادة عيينة بن حصن، ومعهم نعيم بن مسعود متجهة شطر المدينة، ولن ندخل في تفاصيل معركة الخندق التي أراد خصوم المسلمين من خلالها استئصال المسلمين عن آخرهم، وفوق كل ذلك نقضت بنو قريظة عهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وانضمت إلى الأحزاب، وأصبحت قضية الدين الجديد قضية يكون أو لا يكون، قضية ساعات ـ هنالك ابتلي المؤمنين، وزلزلوا زلزالاً شديداً ـ وفوق كل ذلك انسل المنافقون من ساحة المعركة وقالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً ـ ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا بضع مئات من المؤمنين الصادقين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلاً. وفي ليلة من ليالي الحصار الذي دام عشرين يوماً، كان نعيم مستلقياً على فراشه في خيمته في معسكر المسلمين، يتقلب في مهده أرقاً، وفجأة سألته نفسه قائلةً: ويحك يا نعيم، ما الذي جاء بك من تلك الأماكن البعيدة من نجد لحرب هذا الرجل ومن معه ؟ إنك لا تحاربه انتصاراً لحق مسلوب، ولا حمية لعرض مغصوب، وإنما جئت تحاربهم لغير سبب معروف، أيليق يا نعيم لرجل له عقل مثل عقلك أن يقاتل فيُقتل، أو يقتل لغير سبب ؟ ما الذي يجعلك تشهر سيفك في وجه هذا الرجل الصالح ؟ ولم يكن قد آمن بأنه نبي كريم، ما الذي يجعلك تُشهر سيفك في وجه هذا الرجل الصالح الذي يأمر أتباعه بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ؟ ويحك يا نعيم ما الذي يحملك على أن تغمس رمحك في دماء أصحابه الذين اتبعوا ما جاءهم به من الهدى والحق ؟!
هذا الحوار الذاتي يحتاجه كلٌ منا كل يوم.
 أيها الأخوة الكرام اتسم هذا الحوار الذاتي بالصدق والنزوح، وكان هذا الحوار الذاتي سبب سعادته الأبدية، اتخذ نعيم عقب هذا الحوار الصادق قراراً حاسماً وحازماً ونفذه مباشرة، تسلل من معسكر قومه تحت جيش الظلام ومضى يحث الخطى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رآه النبي ماثلاً بين يديه قال: نعيم بن مسعود ؟! قال: نعم يا رسول الله، قال: ما الذي جاء بك هذه الساعة ؟ قال: يا رسول الله جئت لأشهد أنه لا إله إلا الله، وأنك عبد الله ورسوله، وأن ما جئت به هو الحق، ثم قال: لقد أسلمت يا رسول الله، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فأمرني بما شئت، فقال عليه الصلاة والسلام: أنت فينا رجل واحد، فاذهب إلى قومك، وخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة.
 هذا نموذجٌ أيها الأخوة من تعاون الفرد مع المجموع، وموضوع خطبتنا هو التعاون. الآن سيوظف نعيم عقله ولسانه وإمكاناته ومكانته لصالح هذا الدين الجديد، فقال: يا رسول الله سترى ما يسرك إن شاء الله.
مضى نعيم بن مسعود إلى بني قريظة، وكان لهم من قبل صاحباً ونديماً، وقال لهم: ماذا قال لهم ؟ ثم مضى نعيم بن مسعود إلى أبي سفيان قائد جيش قريش وقال له: ماذا قال له ؟ ثم مضى نعيم بن مسعود إلى غطفان قومه وقال لهم: ماذا قال لهم ؟ يا ترى ماذا قال لهؤلاء وهؤلاءِ وهؤلاء، هذا ما لا يتسع الوقت لذكره، ارجعوا إلى أي كتاب في سير الصحابة الكرام، وإلى سيرة نعيم بن مسعود بالذات، وعيشوا لحظات إيمانية ممتعة ونافعة مع رجل كان في صفوف المشركين، فراجع نفسه بصدق، وأعلن إسلامه، ثم كرمه الله بأن أجرى على يده خيراً عظيماً لا يزال المسلمين حتى يومهم هذا يقطفون ثماره.

إذا كان الله معنا فمن علينا وإذا كان الله علينا فمن معنا ؟

 إذا رجع العبد إلى الله نادى مناد في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله.

﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً(29)﴾

( سورة الفتح)

 لقد نجحت خطة نعيم مئة بالمئة، نجح في تمزيق صفوف الأحزاب، وتفريق كلمتهم، وأرسل الله على قريش وحلفائها ريحاً صرصراً اقتلعت خيامهم، وكفأت قدورهم، وأطفأت نيرانهم، وصفعت وجوههم، وملأت أعينهم تراباً، فلم يجدوا مفراً من الرحيل:

 

﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً(25)﴾

 

( سورة الأحزاب)

 هذا درس إيماني بليغ، إذا كان الله معنا فمن علينا وإذا كان الله علينا فمن معنا، ولكن معية الله التي نعقد عليها الآمال في أن تنصرنا على عدو متغطرس، سلب الأرض، وشرد الشعب، ونهب الثروات، وانتهك الحرمات، ودنس المقدسات، وأنشأ المستوطنات، هذه المعية التي نعلق عليها كل الآمال لها ثمن، ثمنها موضح في القرآن الكريم، قال تعالى:

 

﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(12)﴾

 

( سورة المائدة)

لم يطالبنا ربنا بإعداد القوة المكافئة بل بإعداد القوة المتاحة:

 لم يطالبنا ربنا بإعداد القوة المكافئة، بل بإعداد القوة المتاحة فقال تعالى:

﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ(60) ﴾

 

( سورة الأنفال )

 أيها الأخوة الكرام، هذه الحقيقة الأساسية أشار إليها السيد الرئيس في مؤتمر القمة الإسلامي الثاني فقال: " يواجه العالم الإسلامي اليوم تحديات كبيرة تستهدف الإسلام وما يمثله من قيم نبيلة، وما يدعو إليه من أخوة وعدالة ومساواة وحرية، وإذا كان من واجبنا أن ندافع عن ديننا فإن لنا فيه ينبوع قوة ومصدر إلهام في مواجهة كل ما يقابلنا من أخطار وتحديات وقد جاء في الحديث الشريف عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

 

 

(( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ ))

 

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود وأحمد عَنْ أَبِي مُوسَى]

 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

***


الخــطــبـة الثانية:

مجتمع النمل المتعاون:

 أمر تكليفي، كلف به هذا المخلوق الأول المكرم الإنسان، إن هذا يذكرني في أروع صورة من صور التعاون في مجتمع النمل، ولكن بأمر تكويني لا بأمر تكليفي.
النملة حشرة اجتماعية راقية، موجودة في كل مكان وفي كل وقت، بل إن أنواع النمل تزيد عن تسعة آلاف نوع، وبعض النمل يحيا حياة مستقرة في مساكن محكمة، وبعض النمل يحيا حياة الترحال كالبدو تماماً، وبعضه يكسب رزقه بجده وسعيه، وبعضه يكسب رزقه بالغدر والسيطرة، والنمل حشرة اجتماعية تموت إذا عُزلت عن أخواتها ولو توافر لها غذاء جيد، ومكان جيد، وظروف جيدة، كالإنسان إذا عزلته في مكان بعيد عن الضوء، والصوت، والساعة، والزمن، والليل، والنهار عشرين يوماً، فإنه يفقد توازنه العقلي.
 النملة تعلم الإنسان درساً بليغاً في التعاون، فإذا التقت نملة جائعة بأخرى شبعى، تعطي الشبعى الجائعة خلاصات غذائية من جسمها ففي جهازها الهضمي جهاز ضخ تُطعم به ـ دققوا في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ: والله ما آمن والله ما آمن والله ما آمن من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم، ومن لم يتفقد شؤون المسلمين فليس منهم.
 أيها الأخوة الكرام، للنمل ملكة كبيرة الحجم مهمتها وضع البيض، وإعطاء التوجيهات، ولها مكان أمين في مساكن النمل، وهي على اتصال دائم بكل أفراد المملكة، والنملات العاملات لها مهمات متنوعة، من مهمات العاملات تربية الصغار، وهذا يشبه قطاع التعليم، وفي النمل عساكر لها حجم أكبر، ولها رأس صلب كأن عليه خوذة، وهذا يشبه قطاع الجيش في حراسة الملكة، وحفظ الأمن، ورد العدوان، ومن مهمات العاملات تنظيف المساكن والممرات، وهذا يشبه قطاع البلديات، ومن مهمات العاملات سحب جثث الموتى من المساكن ودفنها في الأرض، وهذا يشب مكاتب دفن الموتى، ومن مهمات العاملات جلب الغذاء من خارج المملكة، وهذا يشبه قطاع المستوردين، ومن مهمات العاملات زرع الفطريات، وهذا يشبه قطاع الزراعة، ومن مهمات العاملات تربية حشرات تعيش النمل على رحيقها، وهذا يشبه قطاع مربي الماشية.

وظائف النمل:

 النمل يبني المدن، ويشق الطرقات، ويحفر الأنفاق، ويخزن الطعام في مخازن وفي صوامع، بعض أنواع النمل يقيم الحدائق، ويزرع النباتات، وبعض أنواع النمل يقيم حروباً على قبائل أخرى ويأخذ الأسرى من ضعاف النمل المهزوم الآن دققوا في قوله تعالى:

﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) ﴾

( سورة الأنعام)

 أيها الأخوة الأحباب، قال تعالى:

 

﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) ﴾

 

( سورة النمل)

 لقد أثبت الله جل جلاله من خلال هذه الآية للنمل الكلام ونوع من المعرفة، للنملة مخٌّ صغير، وخلايا عصبية، وأعصاب لتقدير المعلومات والخرائط كي تهتدي بها إلى مواقع الغذاء وإلى أوكارها.
والنملة تملك نوعاً من التصرف العقلاني، وهي من أذكى الحشرات، وهي ترى بموجات ضوئية لا يراها الإنسان، ولغة النمل كيماوية، لها وظيفتان التواصل والإنذار، فلو سحقت نملةً فإن رائحة تصدر عنها تستغيث بها النملات أو تحذرها من الاقتراب من المجزرة ولا تستطيع نملة دخول وكرها إلا إذا بينت كلمة السر. للنمل جهاز هضم مدهش فيه فم ومري ومعدة وأمعاء وجهاز مص وجهاز ضخ.
 أيها الأخوة الكرام أختم هذا الموضوع بقول الإمام علي كرم الله وجهه: " انظروا إلى النملة في صغر جثتها، ولطافة هيئتها لا تكاد تنال بلحظ البصر، ولا بمستدرك الفكر، كيف دبت على أرضها، وصُبت على رزقها، تنقل الحبة إلى جحرها، وتعدها في مستقرها، تجمع من حرها لبردها، وفي وردها لصدرها، مكفولة برزقها، مرزوقة بوسقها، لا يغفلها المنان، ولا يحرمها الديان، ولو في الصفا الوابد والحجر الجامد ولو فكرت في مجاري أكلها في علوها وسفلها، وما في الجوف من شراسيف بطنها، وما في الرأس من عينها وأذنها، لقضيت من خلقها عجباً، ولقيت من وصفها تعباً، فتعالى الله الذي أقامها على قوائمها وبناها على دعائمها، لم يشركه في فطرتها فاطر، ولم يعنه على خلقها قادر ".

الابتعاد عن التناقضات التي تُبعد الإنسان عن الاستجابة له:

 أيها الأخوة الأحباب، سألني سائل قال لي: ما لنا ندعو الله فلا يستجيب لنا ؟ إن هو بهذا السؤال يريد أن يقلل من قيمة الدعاء.
 قلت له: العارف بن أدهم مر ذات يوم بسوق البصرة، فقيل له: يا أبا إسحاق، إن الله تعالى يقول: ادعُني أستجب لكم ونحن ندعوه فلا يستجيب لنا.
 فقال: لأن قلوبكم ماتت بعشرة أشياء ؛ عرفتم الله فلم تؤدوا حقه، قرأتم القرآن فلم تعملوا به، ادعيتم حب رسولكم فلم تعملوا بسنته، قلتم: إن الشيطان لكم عدو فاتخذتموه ولياً، قلتم: إنكم مشتاقون إلى الجنة فلم تعملوا لها، قلتم: إنكم تخافون من النار فلم تتقوها، قلتم: إن الموت حق فلم تستعدوا له، اشتغلتم بعيوب الناس وتركتم عيوبكم، تقلبتم في نعم الله فلم تشكروه عليها، دفنتم موتاكم فلم تعتبروا، فكيف يُستجاب لكم ؟!!
أرجو الله جل جلاله أن لا تنطبق هذه التناقضات علينا حتى يستجيب الله لنا.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018