٠3الخطب الإذاعية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطب الإذاعية - الخطبة : 48 - السكينة - ظاهرتي الخسوف والكسوف .


1999-07-09

الخــطــبـة الأولــى:

الحمد لله رب العالمين، يا رب أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله، كان الرحمة المهداة، والنعمة المجزاة، نشهد أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وكشف الغمة، وجاهد في الله حق الجهاد، وهدى العباد إلى سبيل الرشاد.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، وارض عنا وعنهم يا رب العالمين.
عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله وأحثكم على طاعته وأستفتح بالذي هو خير.

السَّكِينة:

السكينة من أكبر ثمار الطاعة
أيها الأخوة المؤمنون في دنيا العروبة والإسلام، نحن في ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونحن في أمس الحاجة إلى هديه الرباني، الذي لا تزيده الأيام إلا رسوخاً وشموخاً، ونحن في أمس الحاجة إلى سنته المطهرة، المنهج القويم، والصراط المستقيم، ونحن في أمس الحاجة إلى أخلاقه العظمى، التي لا يزيدها التأمل والتحليل إلا نضارة وتألقاً.
حقيقة إحياء هذه الذكرى أن نطبق سنته، وأن نتأسى بسيرته، لنقطف الثمار اليانعة التي قطفها أصحابه الكرام، وإحدى أكبر هذه الثمار تلك السكينة التي تتنزل على قلوب المؤمنين فتجعل الواحد منهم، وهو في الناس رجلاً، وهو في الرجال بطلاً، وهو بين الأبطال مثلاً. ذلك أن المؤمن استجاب لنداء فطرته، واهتدى إلى سر وجوده، فتوضحت لديه الغاية والطريق، وأنس بالوجود كله، وعاش في معية الله ومعية رسله وأوليائه، ونجا من عذاب الحيرة والشك.
إنّ السكينة وردت في القرآن الكريم في عدة آيات من أبرزها قولُه تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً(4) ﴾

( سورة الفتح)

وقال تعالى:

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً(18) ﴾

( سورة الفتح)

فلا سعادة بلا سكينة، ولا سكينة بلا إيمان.

السكينة لا تعز على طالب كائناً من كان في أي زمان ومكان:

السكينة هي الغاية المثلى للحياة الرشيدة، فلا سعادة بلا سكينة، وهذه السكينة تزهر بغير عون من المال، بل بغير مدد من الصحة، يسعد بها الإنسان ولو فَقَدَ كلَّ شيء، ويشقى بفقدها ولو ملَك كل شيء، هذه السكينة ليست مِلْكَ أحد، فيمسكَها أو يرسلَها، ولكنها في متناول كل واحد من البشر إذَا هو دفع ثمنها. فما مِن نعمة تُحجب معها السكينة إلا وتنقلب بذاتها إلى نقمة، وما من محنة تحفها السكينة إلا وتكون هي بذاتها نعمة، ينام الإنسان على الشوك مع السكينة فإذا هو مهاد وثير، وينام على الحرير وقد أمسكت عنه السكينة فإذا هو شوك القتاد.
يعالج المرء أعسر الأمور ومعه السكينة فإذا هي هوادة ويسر، ويعالج أيسر الأمور وقد تخلت عنه السكينة فإذا هي مشقَّة وعسر، ويخوض المخاوف والأخطار ومعه السكينة فإذا هي أمنٌ وسلام، ويعبر المناهج والسبل وقد أمسكت عنه السكينة فإذا هي مهلكةٌ وبوار.
هذه السكينة لا تعز على طالب كائناً من كان في أي زمان ومكان، وفي أي حال ومآل، وجدها إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام في النار، ووجدها يوسفُ عليه الصلاة والسلام في الجُبِّ، كما وجدها في السجن، ووجدها يونس عليه الصلاة والسلام في بطن الحوت في ظلمات ثلاث، ووجدها موسى عليه الصلاة والسلام في اليم، وهو طفلٌ مجرد من كل قوة وحراسة، ووجدها أصحاب الكهف في الكهف، حينما افتقدوها في الدور والقصور، ووجدها نبينا عليه الصلاة والسلام وصاحبه في الغار، والأعداء يتعقبونه، ويَقُصُّون الآثار، ويجدها كل مؤمنٍ أوى إلي ربه يائساً ممن سواه، قاصداً بابه وحده من دون كل الأبواب.

سكينة النفس هي الينبوع الأول للسعادة:

سكينة النفس ينبوع السعادة الأول
يبسط الله الرزق مع السكينة، فإذا هو متاع طيبٌ، ورخاء وفير، وإذا هو رغد في الدنيا، وزادٌ إلى الآخرة، ويمسك السكينة مع الرزق، فإذا هو مثار قلق وخوف، وإذا هو مثار حسد وبغض، وقد يكون معه الحرمان ببخل أو مرض، وقد يكون معه التلف بإفراط واستهتار.
الذرية الصالحة مصدر فرح واستمتاع
يمنح الله الذرية مع السكينة فإذا هي زينة الحياة الدنيا ومصدر فرح واستمتاع، ومضاعفة للأجر في الآخرة بالخلف الصالح، ويمسك رحمته فإذا الذرية بلاءٌ، ونكدٌ، وعنتٌ، وشقاءٌ، وسهرٌ بالليل، وتعب بالنهار.
يهب الله الصحة والعافية مع السكينة
يهب الله الصحة والعافية مع السكينة فإذا هي نعمة وحياة طيبة، ويمسك سكينته فإذا الصحة والعافية بلاءٌ يسلطه الله على الصحيح المعافى فينفق الصحة والعافية فيما يحطم الجسم ويفسد الروح، ويزخر السوء إلى يوم الحساب.
يعطي الله الجاه والقوة مع السكينة فإذا هي أداة إصلاحٍ، ومصدر أمنٍ، ووسيلةٌ لادخار الطيب الصالح من العمل والأثر، ويمسك سكينته فإذا الجاه والقوة مصدرا قلق على فوته، ومصدرا طغيان وبغيٍ، ومصدرا حقدٍ وكراهية، لا يقر لصاحبها قرار، ويدخر بها للآخرة رصيداً ضخماً إلى النار.
سكينة النفس هي الينبوع الأول للسعادة، ولكن كيف السبيل إليها إذا كانت شيئاً لا يثمره الذكاء، ولا العلم، ولا الصحة والقوة، ولا المال والغنى، ولا الشهرة والجاه، ولا غير ذلك من نعم الحياة المادية ؟!!

 

 

 

 

 

للسكينة مصدر واحد لا ثاني له هو الإيمان بالله واليوم الآخر:

 

 

 

 

 

إن للسكينة مصدراً واحداً لا ثاني له هو الإيمان بالله واليوم الآخر، الإيمان الصادق العميق الذي لا يكدره شك ولا يفسده نفاق، والعمل بمقتضى هذا الإيمان، هذا ما يشهد به الواقع الماثل، وما يؤيده التاريخ الحافل، وما يلمسه كل إنسان بصير منصف في نفسه وفيمَن حوله.
لقد علمتنا الحياة أن أكثر الناس قلقاً، وضيقاً، واضطراباً، وشعوراً بالتفاهة والضياع هم المحرومون من نعمة الإيمان وبرد اليقين. إن حياتهم لا طعم لها ولا مذاق، وإن حفلت باللذائذ والمرفهات، إنهم لا يدركون لها معنى، ولا يعرفون لها هدفاً، ولا يفقهون لها سراً، فكيف يظفرون مع هذا بسكينة النفس وانشراح الصدر ؟!!
إن هذه السكينة ثمرة من ثمار دوحة الإيمان، وشجرة التوحيد الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
هي نفحة من السماء ينزلها الله على قلوب المؤمنين من أهل الأرض ليثبتوا إذا اضطرب الناس، وليرضوا إذا سخط الناس، وليوقنوا إذا شك الناس، وليصبروا إذا جزع الناس، وليحلُموا إذا طاش الناس.
هذه السكينة نور من الله وروح منه ؛ يسكن إليها الخائف، ويطمئن عندها القلق، ويتسلى بها الحزين، ويستروح بها المتعب، ويقوى بها الضعيف، ويهتدي به الحيران.
هذه السكينة نافذة على الجنة يفتحها الله للمؤمنين من عباده، منها تهب عليهم نسماتها، وتشرق عليهم أنوارها، ويفوح شذاها وعطرها، ليذيقهم بعض ما قدموا من خير، ويريهم نموذجاً لما ينتظرهم من نعيم، فينعموا من هذه النسمات بالروح والريحان، والأمن والإيمان، في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، إنها جنة القرب، إنها جنة السكينة، قال تعالى:

﴿ وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ(6) ﴾

( سورة محمد)

أسباب السكينة لدى المؤمن:

أخوتي المؤمنين أعزائي المستمعين، أسباب السكينة لدى المؤمن:

1ـ المؤمن هدي إلى فطرته التي فطره الله عليها:

أول أسباب السكينة لدى المؤمن أنه هدي إلى فطرته التي فطره الله عليها، وهي فطرة متسقة، ومنسجمة، ومتجاوبة مع فطرة الوجود الكبير كله، فعاش المؤمن مع فطرته في سلام ووئام لا في حرب وخصام، ومع من حوله في شفافية ومشاركة لا في وحشة وعداوة، ذلك لأن في القلب شعثاً لا يلمُّه إلا الإقبال على الله، وفي القلب وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله، وفيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفة الله، وفيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه والفرار إليه، وفي القلب نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضى بأمره ونهيه، وقضائه وقدره، والصبر على ذلك إلى يوم لقائه، وفي القلب فاقة لا تسدها إلا محبته، والإنابة إليه، ودوام ذكره، وصدق الإخلاص له.
تظل الفطرة الإنسانية تحس بالتوتر والجوع والظمأ حتى تجد الله وتؤمن به وتتوجه إليه، عندها تستريح من تعب، وترتوي من ظمأ، وتأمن من خوف، وتحس بالهداية بعد الحيرة، وتشعر بالاستقرار بعد التخبط، وتطمئن بعد القلق.
إن الإنسان خلق عجيب، جُمع بين قبضة من طين الأرض ونفخة من روح الله، فمن عرف جانب الطين ونسي نفخة الروح لم يعرف حقيقة الإنسان، ومن أعطى الجزء الطيني فيه غذاءَه ورِيَّه ولم يعطِ الجانبَ الروحي غذاءَه وريَّه من الإيمان بالله والإقبال عليه فقد بخس الفطرة الإنسانية حقها، وجهل قدرها، وحرمها ما به حياتها وقوامها. وقد يتراكم على هذه الفطرة صدأُ الشبهات، أو غبار الشهوات، وقد تنحرف وتتدنس باتباع الظن أو اتباع الهوى، أو التقليد الجاهل للأجداد والآباء، أو الطاعة العمياء للسادة والكبراء، وقد يصاب الإنسان بداء الغرور والعجب فيظن نفسه شيئاً يقوم وحده ويستغني عن الله.
بَيْدَ أن الفطرة الأصيلة تذبل ولا تموت، وتكمن ولا تزول، فإذا أصاب الإنسان من شدائد الحياة ومصائبها ما لا قبل له به، ولا يد له ولا للناس في دفعه ولا رفعه، فسرعان ما تزول القشرة السطحية المضللة، وتبرز الفطرة العميقة الكامنة، وينطلق الصوت المخنوق المحبوس داعياً ربه منيباً إليه، قال تعالى:

﴿ وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُوراً(67) ﴾

( سورة الإسراء)

2ـ وضوح الغاية والطريق عند المؤمن:

الطريق والغاية واضحين عن المؤمن
أيها الأخوة، حضوراً ومستمعين، وضوح الغاية والطريق عند المؤمن:
إنّ غير المؤمن يعيش في الدنيا تتوزعه هموم كثيرة، وتتنازعه غاياتٌ شتى، هذه تميل به إلى اليمين، وتلك تجذبه إلى الشمال، فهو في صراع دائم داخل نفسه، وهو في حيرة بين غرائزه الكثيرة أيها يرضي غريزة البقاء أم غريزة النوع ؟ وهو حائر مرة أخرى بين إرضاء غرائزه وبين إرضاء المجتمع الذي يحيا فيه، وهو حائر مرة ثالثة أيّ فئات المجتمع يرضي؟ وهنا يذكرون الحكاية المشهورة ؛ حكاية الشيخ وولده وحماره، ركب الشيخ ومشى ولده وراءه فتعرض الشيخ للوم النساء، وركب الولد ومشى الشيخ فتعرض الولد للوم الرجال، وركبا معاً فتعرضا للوم دعاة الرفق بالحيوان، ومشيا معاً والحمار أمامهما فتعرضا لسخرية الأولاد، واقترح الولد أن يحملا الحمار ليستريحا من لوم اللائمين، فقال له الأب الشيخ: لو فعلنا لأتعبنا أنفسنا ولرمانا الناس بالجنون حيث جعلنا المركوب راكباً، يا بني: لا سبيل إلى إرضاء الناس.
لقد استراح المؤمن من هذا كله، وحصر الغايات كلها في غاية واحدة، عليها يحرص وإليها يسعى وهي رضوان الله تعالى، لا يبالي معها برضى الناس أو سخطهم، شعاره ما قاله ذاك الشاعر:

 

إذا صح منك الودُّ فالكل هيــنٌ وكل الذي على التراب تــرابُ
فليتك تحلو والحياة مــــريرة وليتك ترضى والأنام غضــابُ
وليت الذي بيني وبينك عامــر وبيني وبين العالمين خـــرابُ
* * *

لقد جعل المؤمن همومه هماً واحداً هو سلوك الطريق الموصل إلى مرضاته تعالى، والذي يسأل الله تعالى أن يهديه إليه في كل صلاة عدة مرات:

 

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾

، هو طريق واحد لا عوج فيه ولا التواء، قال تعالى:

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (153) ﴾

( سورة الأنعام)

موقف المؤمنين في غزوة الأحزاب هو موقف السكينة والطمأنينة الذي عُهِدَ منهم:

ما أعظم الفرق بين رجلين: أحدهما عرف الغاية وعرف الطريق إليها، وآخرُ ضالٌّ يخبط في عماية ويمشي إلى غير غاية، لا يدري إلامَ المسير ؟ ولا إلى أين المصير ؟ قال تعالى:

﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(22) ﴾

( سورة المُلْك)

في غزوة الأحزاب وقد ابتُلِي المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً، إذ جاءهم الأعداءُ من فوقهم، ومن أسفل منهم، وإذ زاغت الأبصار، وبلغت القلوب الخناجر، وظن الناسُ بالله الظنونَ، وكشف المنافقون النقابَ، فقالوا:

﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً(12) ﴾

( سورة الأحزاب)

في هذا الجو الرهيب كان موقفُ المؤمنين هو موقفَ السكينة والطمأنينة الذي عُهِدَ منهم، والذي سجَّله اللهُ لهم في كتابه:

﴿ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً(22) ﴾

( سورة الأحزاب)

لقد عرف المؤمنُ الغايةَ فاستراح، وعرف الطريقَ فاطمأنّ، إنه طريقُ الذين أنعم اللهُ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

3ـ اهتداء المؤمن إلى سرّ وجوده:

أسئلة كثيرة تلح على الإنسان لمعرفة سر وجوده
أيها الأخوة الأحباب ؛ اهتداء المؤمن إلى سر وجوده:
إنّ في أعماق الإنسان أصواتاً خفيةً تناديه، وأسئلةً تُلحُّ عليه، منتظرةً الجوابَ الذي يَذهبُ به القلق، وتطمئنُّ به النفسُ، ما العالم ؟ ما الإنسان ؟ مِن أين جاءا ؟ مَن صنعهما ؟ مَن يدبرُهما ؟ ما هدفهما ؟ كيف بدءا ؟ كيف ينتهيان ؟ ما الحياة ؟ ما الموت ؟ ماذا بعد الموت ؟ هذه الأسئلة التي ألَّحت على الإنسان من يوم خُلِقَ وإلى أن تُطوى صفحةُ الحياة لم تجد ولن تجد لها أجوبةً شافيةً إلا في الدين، فهو وحده الذي يحُل عقدة الوجود الكبرى، وهو المرجعُ الوحيدُ الذي يستطيع أن يجيبنا عن تلك الأسئلة بما يرضي الفطرة ويُقنع العقل.

 

4ـ المؤمن يعيش في معية الله:

أيها المسلمون، المؤمن يعيش في معية الله:
إن شعور المؤمن بمعيّة الله وصحبته يجعله في أُنْسٍ دائم بربه، ونعيمٍ موصولٍ بقربه، يُشعرُ أبداً بالنور يغمر قلبه ولو أنه في ظلمة الليل البهيم، ويشعر بالأنس يملأ عليه حياته وإنْ كان في وحشة مِنَ الخلطاء والمعاشرين. كيف يشعر المؤمنُ بالوحدة وهو يقرأ قوله تعالى:

 

﴿ وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ(115) ﴾

( سورة البقرة)

وقال عز وجل:

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(4) ﴾

( سورة الحديد)

إنه يشعر بما شعر به موسى عليه السلام حينما قال لبني إسرائيل:

﴿ قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾

( سورة الشعراء: الآية 62 )

إنه يشعر بما شعر به محمد صلى الله عليه وسلم في الغار:

﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا (40) ﴾

( سورة التوبة)

إن شعور المؤمن أن يده في يد الله، وأن عنايته تسير بجانبه، وأنه ملحوظ بعينه التي لا تنام، وأنه معه حيث كان يطرد عنه شبح الوحدة المخيف، ويزيح عن نفسه كابوسها المزعج، يقول الله تعالى في الحديث القدسي:

((أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً))

[ البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة]

ويقول الله تعالى في كتابه العزيز:

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139) ﴾

( سورة آل عمران)

المؤمن لا يعتريه ذلك المرض النفسي الوبيل الذي يفتك بالمحرومين من الإيمان وهو مرض الشعور بالوحدة المقلقة، فيحس صاحبه أن الدنيا مقفلة عليه، وأنه يعيش فريداً منعزلاً، والعلاج الأمثل لهذا المرض اللجوء إلى الدين، والاعتصام بعروة الإيمان الوثقى، وإشعار المريض بمعية الله والأنس به.

5ـ المؤمن يعيش في صحبة النبيين والصديقين:

المؤمن لا يشعر بعزلة بوجود إخوانه المؤمنين
أيها الأخوة الكرام، المؤمن يعيش في صحبة النبيين والصديقين:
إنّ المؤمن لا يشعر أنه في عزلة عن أخوانه المؤمنين، إنهم إنْ لم يكونوا معه في عمله أو مسجده أو مسكنه فهم يعيشون دائماً في ضميره، ويحيَوْن في فكره ووجدانه، فهو إذا صلى ولو منفرداً تحدث باسمهم:

 

﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5) ﴾

 

( سورة الفاتحة)

وإذا دعا دَعا باسمهم:

﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ(6)﴾

( سورة الفاتحة)

وإذا ذكَر نفسه ذكَرهم:

((السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ))

[ البخاري ومسلم من حديث طويل عن عبد الله بن مسعود ]

إنه لا يعيش مع مؤمني عصره فحسب، بل يتخطى الأجيال، ويخترق العصور والمسافات، ويحيا مع المؤمنين وإن باعدت بينه وبينهم السنون والأعوام، ويقول ما قال الصالحون:

﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإخواننا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ (10) ﴾

( سورة الحشر)

المؤمن يشعر أنه يعيش بإيمانه وعمله الصالح مع أنبياء الله ورسله المقربين، ومع كل صدّيق وشهيد وصالح من كل أمة وفي كلّ عصر، دلَّ على هذا كلِّه قولُه سبحانه:

﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً(69) ﴾

( سورة النساء)

6ـ أُنْسُ المؤمنِ بالوجود كلّه:

أيها السادة المستمعون أيتها السيدات المستمعات، أُنْسُ المؤمنِ بالوجود كلّه:
إنّ المؤمن يعيش موصولاً بالوجود كلّه، ويحيا في أنس به وشعور عميق بالتناسق معه وارتباط به، فليس هذا الكون عدواً له ولا غريباً عنه، إنه مجال تفكره واعتباره، ومسرح نظره وتأملاته، ومظهر نعم الله وآثار رحمته. هذا الكون الكبير كله يخضع لنواميس الله كما يخضع المؤمن، ويسبح بحمد الله كما يسبح المؤمن.
المؤمن ينظر إليه نظرته إلى دليل يهديه إلى ربه وإلى صديق يؤنسه في وحشته، وبهذه النظرة الودود الرحبة للوجود، تتسع نفس المؤمن، وتتسع حياته، وتتسع دائرة الوجود الذي يعيش فيه فليس هناك أوسع من صدر المؤمن وقلبه، الذي وسع العالَمين المنظور وغير المنظور، وعالم الشهادة، وعالم الغيب، ووسع الحياتين ؛ حياة الفناء، وحياة الخلود.
النفس المؤمنة رحبة واسعة، لأنها تعيش في نور يهديها سبيلها، ويكشف لها ما حولها، ومن شأن النور أن يوسع الدائرة التي يحيا فيها الإنسان، على عكس الظلام فإنَّ الذي تكتنفه الظلمة لا يرى ما حوله ولا من حوله، بل لا يرى الشيء وهو بجواره، بل لا يرى نفسه. سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى:

﴿ فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ (125) ﴾

( سورة الأنعام )

فقال:

(( إن النور إذا دخل الصدر انفسح ))

[الحاكم وتعقب عن ابن مسعود]

الإيمان بالله وباليوم الآخر هو الذي يرفع الإنسان من البهيمية إلى الإنسانية، ومن الطفولة إلى الرشد، ومن المحسوس إلى المعقول، ومن المنظور إلى غير المنظور.

7ـ الصلاة والدعاء من بواعث السكينة:

الصلاة والدعاء من بواعث السكينة
أيها الأخوة الأعزاء، الصلاة والدعاء من بواعث السكينة:
مِن أسباب السكينة النفسية التي حرم منها الماديون، ونعم بها المؤمنون، ما يناجي به المؤمن ربه كل يوم من صلاة ودعاء، فالصلاة لحظات ارتقاء روحي يفرغ المرء فيها من أشغالِه في دنياه ليقف بين يدي ربه ومولاه، يثني عليه بما هو أهله، ويفضي إليه بذات نفسه، داعياً راغباً ضارعاً، وفي الاتصال بالله العلي الكبير قوة للنفس، ومدد للعزيمة، وطمأنينة للروح، لهذا جعل الله الصلاة سلاحاً للمؤمن يستعين بها في معركة الحياة، ويواجه بها صعوباتها، قال تعالى:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ(153) ﴾

 

( سورة البقرة)

كان محمد صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، ولم تكن صلاته مجرد شكل أو طقس يؤدى إنما كانت استغراقاً في مناجاة الله، حتى أنه كان إذا حان وقتها قال لمؤذِّنه بلال في لهفة المتشوق، واشتياق الملهوف:

((يَا بِلاَلُ أَقِمْ الصَّلَاةَ، أَرِحْنَا بِهَا))

[ أخرجه أبو داود وأحمد عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ ]

وكان يقول:

((حُبِّبَ إِلَيَّ مِنْ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ))

[ أخرجه النسائي وأحمد عَنْ أَنَسٍ ]

8ـ المؤمن لا يعيش بين (لو) و(ليت):

أخوة الإيمان في كل مكان، المؤمن لا يعيش بين (لو) و(ليت):
إن من أهم عوامل القلق الذي يُفقد الإنسان سكينة النفس وأمنها ورضاها هو تحسره على الماضي، وسخطه على الحاضر، وخوفه من المستقبل.
إن بعض الناس تنزل بهم النازلة من مصائب الدهر فيظل فيها شهوراً وأعواماً يجتر آلامها، ويستعيد ذكرياتها القاتمة، متحسراً تارة متمنياً أخرى، شعاره ليتني فعلت وليتني تركت، وأبعدُ الناس عن الاستسلام لمثل هذه المشاعر المؤلمة والأفكار السوداوية هو المؤمنُ، الذي قوِيَ يقينُه بربه وآمن بقضائه وقدره، فلا يسمح لنفسه أن تكون فريسةَ التحسُّر على الماضي، ولا السخط على الحاضر، ولا الخوف من المستقبل، قال تعالى:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38) ﴾

( سورة البقرة)

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

((وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))

[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]

قصة تجسد موضوع الخطبة:

أيها الأخوة المؤمنون، إليكم هذه القصة التي تجسد موضوع الخطبة، فقدْ أخرج مسلم في صحيحه في كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أويس القرني رضي الله عنه:

((أَنَّ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَفَدُوا إِلَى عُمَرَ وَفِيهِمْ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِأُوَيْسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: هَلْ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ الْقَرَنِيِّينَ ؟ فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: إِنَّ رَجُلاً يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَنِ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ لَا يَدَعُ بِالْيَمَنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَدَعَا اللَّهَ فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ إِلَّا مَوْضِعَ الدِّينَارِ أَوْ الدِّرْهَمِ فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُمْ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ ))

[ رواه مسلم عَنْ أُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ]

(( إِنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ وَلَهُ وَالِدَةٌ وَكَانَ بِهِ بَيَاضٌ فَمُرُوهُ فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُمْ))

[ رواه مسلم عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]

وقد ورد في كتب السيرة أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمرَ بن الخطاب وعليِّ بن أبي طالب: إذا لقيتما أويساً القرني فاسألاه أن يستغفر لكما فإنه مجاب الدعوة. فترصدا موسم الحج عشر سنين يدعوان أهل الموسم من اليمن على طعام فما ظفرا بضالّتهما، ثم جاء العام الذي يليه فقال عمر لرئيس وفد اليمن: أبقي أحد لم يحضر وليمتنا، قال: لا، إلا فتىً خامل الذكر يرعى إبلاً لنا، فقال له سيدنا عمر: أهو آدم أشهل ذو صهوبة ؟ فقال: كأنك تعرفه يا أمير المؤمنين، فذهب عمر وعلي إليه، فلما أتياه قالا: من الرجل ؟ قال: راعي إبل وأجير قوم، قالا: لسنا نسألك عن ذلك ما اسمك ؟ قال: عبد الله، قال له علي رضي الله عنه: قد علمنا أن كل من في السماوات والأرض عبيد لله، ما اسمك الذي سمتك به أمك ؟ قال: يا هذان من أنتما وما تريدان مني ؟ فقال عمر: أنا عمر بن الخطاب، وهذا علي بن أبي طالب، فانتفض واقفاً، وقال: جزاكما الله عن الإسلام خيراً يا أمير المؤمنين، ويا صهر رسول الله، أما أنتما فقد كان لكما شرف الصحبة، وأما أنا فقد حرمت هذا الشرف، فقال له سيدنا عمر: كيف تتصور النبي يا أويس ؟ قال: أتصوره نوراً يملأ الأفق، فبكى عمر شوقاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال عمر: يا أويس إن النبي أمرنا أن تستغفر لنا، وأن تدعو لنا، قال: ما أخص بالدعاء أحداً، ولكن أعمم ! قال عمر: يا أويس عظني، قال: يا أمير المؤمنين، اطلب رحمة الله عند طاعته، واحذر نقمته عند معصيته، ولا تقطع رجاءك منه، قال سيدنا عمر: أفلا نأمر لك بصلة ؟ قال: يا أمير المؤمنين أخذت على عملي أربعة دراهم، ولي على القوم ذمة، متى تراني أنفقها ؟ وعليّ رداء وإزار، متى تراني أخرقهما ؟ يا أمير المؤمنين إن بين يدي ويديك عقبة كؤود لا يقطعها إلا كل مخفّ مهزول، فبكى عمر، وقال: ليت أم عمر لم تلد عمر، قال: يا أويس ألا تقيم عندنا ؟ قال: أريد الكوفة، قال: أفلا أكتب لك إلى عاملها ؟ قال: أحب أن أكون في دهماء الناس، ومضى إلى سبيله، ومات في غمار خيمة من خيام المسلمين خاملاً في الأرض علماً في السماء.
إنها السكينة التي يسعد بها الإنسان ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء.

نحن في أمس الحاجة في هذه المرحلة إلى الصلح مع الله والإنابة إليه والإقبال عليه:

هذا عن الماضي المزدهر، الذي عاشته أمتنا، أو ما ينبغي أن يكون عليه المؤمنون، فماذا عن الحاضر الذي نعيشه، أو ما هم عليه المؤمنون ؟
ليس هناك من مرحلة في تاريخ أمتنا نحن في أمس الحاجة فيها إلى الصلح مع الله، والإنابة إليه، والإقبال عليه، وقد غرق العالم بالشهوات والشبهات والفتن والضلالات، كهذه المرحلة التي تعيشها أمتنا العربية والإسلامية. وليس هناك من مرحلة في تاريخ أمتنا نحن في أمس الحاجة فيها إلى التعاون والتكاتف والتناصر والتضامن كهذه المرحلة الدقيقة التي نمر بها، ولاسيما في ظل النظام العالمي الجديد، وفي ظل غياب التوازن الدولي، وتحكم القطب الواحد، وازدواجية المعايير، وسيطرة الاحتكارات الكبرى والتطورات الهائلة في وسائل الاتصالات والمعلوماتية، وازدياد الهوة بين الدول الغنية المتقدمة والدول النامية، وانفجارات الحروب الإقليمية والمحلية والصراعات القبلية، والدينية، والعرقية في مناطق متعددة من العالم، إضافة إلى نهج العولمة الثقافية والاقتصادية، إن عالم اليوم يكاد يتحول إلى غابة تتحكم فيها قواعد القوة، وتغيب عنها ضوابط المبادئ والقيم، ومع ذلك فإن قوى الهيمنة تتحدث عن حقوق الإنسان في الوقت الذي يجري فيه انتهاك لحقوق الإنسان كما قال السيد الرئيس في خطابه الأخير في مجلس الشعب: العالمُ الإسلاميُ اليومَ يواجه تحدياتٍ كبيرةً تستهدفُ الإسلامَ وما يمثِّلُه من قيمٍ نبيلةٍ، وما يدعو إليه من أخوةٍ وعدالةٍ ومساواةٍ وحرية، وإذا كان من واجبنا أن ندافعَ عن ديننِا فإن لنا فيه يَنبوعَ قوةٍ ومصدر إلهام في مواجهةِ كلِّ ما يقابلُنا من أخطارٍ وتحدياتْ.
يقول السيد الرئيس: لا يمكن لإنسان عاقل أن يعتقد أن الله جل جلاله قال لمجموعة من الناس، لشعب، لأي شعب، سأعطيكم أراض من هنا إلى هناك، وسأطرد أمامكم هذه الشعوب، نحن نتصور أن الله قوة عدل مطلقة تسير هذا الوجود، الله لنا جميعاً ونحن له جميعاً، ويتابع حديثه قائلاً: نحن نعتز بالإسلام اعتزازاً لا حدود له، ونقاوم الذين يشوهون هذا الإسلام، ونحن سندافع عن الإسلام سندافع عنه كما جاء إسلام الصحابة، إسلام عمر وعلي، إسلام العدل، إسلام المساواة، إسلام المحبة.
أيها الأخوة المؤمنون، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

***

الخــطــبـة الثانية:

الخسوف والكسوف:

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخلق العظيم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.
الموضوع العلمي:
أيها الأخوة المؤمنون أيتها الأخوات المؤمنات، توفي سيدنا إبراهيم، ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم موقفَ الأب الرحيم الحاني، المؤمنِ بقضاء الله وقدره، الصابرِ لحكمه، الراضي بمشيئته، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:

(( دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْراً لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))

[ متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

وقد رافق موتَ سيدنا إبراهيم كسوفُ الشمس، فظنَّ الصحابة الكرام أن الشمس كسفت لموت إبراهيم، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً في أصحابه، وهو أمين وحي السماء، فرفض أن تختلط حقائق العلم بمشاعر المسلمين، فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

(( إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُخَوِّفُ بِهَا عِبَادَهُ، وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ عَبْدُ الْوَارِثِ وَشُعْبَةُ وَخَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ يُونُسَ: يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي بَكْرَةَ ]

الخسوف والكسوف آيتان دالتان على عظمة الله ورحمته:

الخسوف تكون الأرض بين القمر والشمس
الخسوف هو اختفاء القمر أو بعضه في أثناء مرور الأرض بينه وبين الشمس سبب الكسوف مرور القمر بين الشمس والأرض
أما الكسوف فهو اختفاء الشمس أو بعضها في أثناء مرور القمر بينها وبين الأرض، وإنّ الكسوف والخسوف إشارتان إلى نعمة الشمس والقمر، فهما آيتان دالتان على عظمة الله ورحمته، قال العليُّ العظيمُ:

﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ(37) ﴾

( سورة فصلت)

وقال سبحانه:

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ(71) ﴾

( سورة القصص)

قد يسأل سائل: كيف يغطي القمر قرص الشمس مع أنه أصغر منها بأربعمئة مرة ؟ الجواب: إن الشمس أبعد عن الأرض من القمر بأربعمئة مرة وهذا ما يجعلهما يظهران بالحجم نفسه لذلك يمكن للقمر أن يحجب أشعة الشمس كلياً إذا مرّ بينها وبين الأرض.
النظر إلى أشعة الشمس يؤذي العين
يجب ألا يشغلنا جمال منظر الكسوف عن خطر الأشعة الشمسية على أعيننا إذ أن النظر إلى الشمس في أثناء الكسوف من دون نظارة سوداء خاصة بالكسوف يتسبب بأضرار بليغة للعين دون أن يشعر الإنسان، لأن شبكية العين لا تحوي أي مستقبل للألم، وهنا يجب الانتباه بشكل خاص للأطفال الذين لا يقدِّرون الخطر، ولأن شبكيات أعينهم أكثر حساسية من الكبار، لذلك سنّ لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الكسوف، وندب أن نطيل القراءة فيها، وأن نطيل السجود، ليغطي سجودنا وقت الكسوف.
سيكون الكسوف استناداً للحسابات الفلكية في الحادي عشر من شهر آب مرئياً في جميع أنحاء الوطن العربي، لكنه لن يكون كلياً إلا في أقصى الشمال الشرقي منه، ففي الشمال الشرقي من سورية سيبدأ ذلك العرض الفلكي بعيد ظهر ذلك اليوم بمرحلة الكسوف الجزئي الذي يستمر ساعة تقريباً، ومن ثم تغرب الشمس وتختفي كلياً، ويحلّ الظلام التام مدة دقيقتين. وفي هاتين الدقيقتين يتاح لنا أن نشاهد الانفجارات التي تحدث على سطح الشمس، وقد يمكننا أن نرى ألسنة اللهب التي يقترب طولها من مليون كيلو متر، وسيكون بالإمكان رؤية الكواكب الخمسة: عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل.
هناك تعبير شائع بين الناس، حينما يتحمل الإنسان ما لا يحتمل، يقال: رأى النجوم ظهراً، لكن في أثناء الكسوف نرى النجوم ظهراً حقيقة لا مجازاً.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018